«من استمع إلى آية من كتاب الله تعالى كتب له حسنة مضاعفة، ومن تلاها كانت له نورًا يوم القيامة» .
ضعيف. روي من حديث أبي هريرة، وابن عباس - بلفظ آخر، وأنس، ومن مرسل الحسن. وموقوفًا على ابن عباس، ورجل اسمه: «الحسن» شيخ لليث بن أبي سليم.
أما حديث أبي هريرة فله عنه طريقان:
الأولى: عند الإمام أحمد (٢/٣٤١) من طريق عباد بن ميسرة، وأبي القاسم ابن منده في «جزء الرد على من يقول الم حرف لينفي الألف واللام والميم عن كلام الله ﷿» (٢٤) . من طريق إسماعيل بن عياش عن صالح بن مقسم عن الحسن عن أبي هريرة به. وإسناده عند أحمد ضعيف، قال الحافظ العراقي ﵀: «وفيه ضعف وانقطاع» . قال الزبيدي يرحمه الله: «قلت: قال الهيثمي: فيه عباد بن ميسرة، ضعفه أحمد وغيره » كما في «تخريج الإحياء» (٨٤٤) . ودلني نقل الحافظ المناوى ﵀ لكلام الهيثمي - في «الفيض» (٦/٥٩) - على أن الزبيدي عفا الله عنه اقتصر على بعضه ولم يسقه بتمامه، فقد قال في «المجمع» (٧/١٦٢): «رواه أحمد، وفيه عباد بن ميسرة. ضعفه أحمد وغيره، وضعفه ابن معين في رواية (كذا، والصواب: ووثقه كما في الفيض) وضعفه في أخرى، ووثقه ابن حبان» . بل المناوى اختصر أيضًا قوله: «ووثقه ابن حبان» . وقال الحافظ ﵀ في «التقريب» (٣١٤٩): «لين الحديث عابد، من السابعة» . قلت: فكأن الذين أعلوه بعباد هذا لم يقفوا على متابعة صالح بن مقسم، وهو مجهول العين، فقد ترجمه ابن أبي حاتم (٤/٤١٤) بروايته عن الحسن، وروايته إسماعيل بن عياس وحده عنه، ولم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلًا ولم ينسبه. فإن لم يكن شاميًا فإسماعيل أيضًا ضعيف في غير أهل بلده
[ ١٠٩ ]
كما يأتي. ورواية عن إسماعيل: هشام بن عمار، فيه مقال معروف، وقد خولف في الإسناد كما يأتي. وله علة أخرى، وخي الاختلاف في سماع الحسن من أبي هريرة، وقد نفاه الجمهور ومنهم جمع من أصحاب الحسن. ولو سلمنا بثبوت السناع في الجملة - وهذا المذهب كنت عليه ثم توقفت عنه الآن للريبة في ثبوت دليله -، فالعلة عنعنة الحسن فإنه - على جلالة قدره ﵀ - مدلس.
والحديث ضعفه الشيخ الألباني حفظه الله في «ضعيف الجامع» (٥/١٦٣)، ووهم مقهرس (المجمع» - عفا الله عنه - فعزاه في «الفهارس» (٢/٣٢٣) إلى عائشة، وإنما هو من حديث أبي هريرة، عقب حديث آخر لعائشة، ولعل الخطأ من غيره، فالله أعلم.
أما الثانية: ففي «أماي الشجري» (١/٧٦) من طريق الهيثم بن خارجة، و«شعب الإيمان» (٤/٥٤٦ط. الهند) من طريق سعيد بن منصور كلاهما قال: «حدثنا إسماعيل بن عياش عن ليث عن مجاهد عن أبي هريرة » الحديث، بنحوه فهذا يل رواية هشام عن إسماعيل المتقدمة إن لم يكن التخليط من من إسماعيل نفسه لا سيما وشيخ ابن منده في الإسناد - واسمه: «محمد بن عبد الرزاق الشيخي» سبط الحافظ أبي الشيخ ﵀ - قال المحقق الجديع حفظه الله (ص٥٩): «ذكر ضمنًا في تجبير السمعاني ٢/١١» . ولم يذكر فيه ما يدل على حاله. وهذه الطريق إسنادها ضعيف أيضًا، إسماعيل بن عياش - وهو الشامي الحمصي - ثقة صحيح الحديث في الشاميين - وهو أهل بلده الذين حفظ حديثهم وأتقنه في حداثته - كثير المناكير والتخليط في غيرهم. وليث ليث! وقد تقدم غير مرة، وهو كوفي يشبه ابن عياش في تخليطه ووهمه. ومع ذلك، فلا يفرح أيضًا بهذه الطريق فإنها معلولة، (فقد) رواه الإمام ابن الشريس ﵀ في «فضائل القرآن» (٥٥) من طريق عبد الوارث - وهو ابن سعيد أحد الحفاظ الأثبات - عن ليث، فقال: «عن رجل يقال له الحسن، أنه قال: من استمع » الأثر بنوه. وهذا أيضًا على وقفه ضعيف لضعف ليث، وفي شيخه جهالة أيضًا. قال ابن أبي حاتم (٣/٤٥): «الحسن
[ ١١٠ ]
الكوفي. روى عن ابن عباس روى عنه العلاء بن المسيب وليث بن أبي سليم. سمعت أبي يقول ذلك» . وقال أيضًا (٣/٤٦): «الحسن العبدي. روى عن زيد بن وهب عن حذيفة. روى عن ليث - يعني ابن أبي سليم - سمعت أبي يقول ذلك» .
وهذا مترجم في «التاريخ الكبير» (٢/٣٠٩-٣١٠) . أما الحسن الكوفي، فاثنان عند البخاري ﵀ (٢/٣٠٥) حيث قال: «الحسن الكوفي عن عبد الله بن عباس - قال معتمر عن ليث» . ثم قال: «الحسن الكوفي عن حميد بن أب عطاء عن عبد الله بن عمر قوله - قال معتمر وجرير عن ليث» . وهذا الأخير سماه ابن أبي حاتم (٣/٣٤): «الحسن بن كثير العجلي الكوفي» - منا نبهنا العلامة المعلمي طيب الله ثراه - وذكر رواية ليث عنه. وقد ذكره ابن حبان في «الثقات» (٦/١٦٦)، وكذلك العبدي (٦/١٧٠) وذكر رواية ليث عنه أيضًا. أما الحسن الكوفي، فذكره في (٤/١٢٦)، وقال: «شيخ يروي عن ابن عباس، روى عنه ليث بن أبي سليم، لا أدري من هو، ولا ابن من هو» . قلت: سواء أكان هو الأخير أو غيره من المتقدم ذكرهم، فالجهالة لاصقة به، وتوثيق ابن حبان لمثله غير مقبول.
(أما) رواية ابن عباس، ففي «الكامل» (٢/٧٩٥) من طرق حفص بن عمر بم حكيم الملقب بـ: «الكبر» أو «الكفر» عن عمرو بن قيس الملائي عن عطاء عنه مرفوعًا: «من استع حرفًا من كتاب الله، أقرأه نظرًا، كتب الله له حسنة، ومحيت عنه سيئة، ورفعت له درجة، ومن قرأ حرفًا من كتاب الله ظاهرًا كتب له عشر حسنات، ومحيت عنه عشر سيئات، ورفع لع عشر درجات » فأخذ في حديث طريل متهافت وهذا باطل، حفص هذا قال ابن عدي: «حدّث عن عمرو بن قيس الملائي عن عطاء عن ابن عباس أحاديث بواطيل» . وأورد له أحاديث ثلاثة، هذا أوسطها، وختم الترجمة بقوله: «وهذه الأحاديث بهذا الإسناد مناكير لا يرويها إلا حفص بن عمر بن حكيم هذا، وهو مجهول، ولا أعلم أحدًا روى عنه غير علي بن حرب ولا أعرف له أحاديث غير هذا» اهـ. قلت: روى عنه أيضًا محمد بن غالب - تمتام
[ ١١١ ]
كم في «تاريخ بغداد» (٨/٢٠٢)، وبه تعقب الحافظ كلام ابن عدي في «اللسان» (٢/٣٢٦) . ووقع في هذه الصفحة سقطًا يظن به أن الحافظ ﵀ قد خلط بين «حفص بن عمر الحبطي الرملي» و«حفص بن عمر بن حكيم» هذا، وليس الأمر كذلك، فليتنبه.
وقال ابن حبان في «المجروحين» (١/٢٥٩-٢٦٠): «يروى عن عمرو بن قيس الملائي المناكير الكثيرة التي كأنه (كذا) عمرو بن قيس آخر، ولعله كتب عن عمر بن قيس سندل عن عطاء أشياء أقلبها على عمرو بن قيس الملائي عن عطاء أو أقلبت له، لا يجوز الاحتجاج بخيره » .
(وأما) حديث أنس، ومرسل الحسن، فقد رواه عبد الرزاق ﵀ في (مصنفه» (٦٠١٣) عن معمر عن أبان عن أنس أو عن الحسن قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «من استمع إلى آية من كتاب الله كانت له حسنة مضاعفة، ومن تعلم (١) آية من كتاب الله كانت له نورًا يوم القيامة» .
دلني عليه محقق (شعب الإيمان» جزاه الله خيرًا ولم أكن فطنت له. وإسناده واه، وأبان متروك كما تقدم مرارًا.
(وبقي) موقوف ابن عباس، وهو ما رواه عبد الرزاق أيضًا (٦٠١٢) وعنه الإمام أحمد في «العلل ومعرفة الرجال» (٢/٢٩٨) والدارمي (٢/٤٤٤) والفريابي في «فضائل القرآن» (٦٤) عن ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس قال: «من استمع آية من كتاب الله كانت له نورًا يوم القيامة» . وهذا المتن - مع كونه على القلب من الروايات المرفوعة - فإنه لا يثبت أيضًا، بل هو معلول قال عبد الله بن أحمد رحمهما الله - عقبه -: «قال أبي: هذا الحديث منكر. كأنه أنكر إسناده» . قلت: وعلته عنعنة ابن جريج ﵀، فإنه مدلس قبيح التدليس كما قال الدارقطني ﵀. وفي التسوية بين قوله: «قال عطاء» - الذي ثبت عنه أنه لا يقوله إلا فيما سمعه - وقله: «عن عطاء»، نظر لا
_________________
(١) $! لا أدري أهكذا وقعت الرواية أم أنها خطأ صوابه: «ومن تلا»، كما في سائر الروايات؟
[ ١١٢ ]
يخفى. فكأن الإمام أحمد ﵀ أنكر إسناده - على قوله ابنه - من أجل هذه العلة. وفي «التهذيب» (٦/٤٠٤): « وقال الأثرم عن أحمد: إذا قال ابن جريج: قال فلان وقال فلان وأخبرت، جاء بناكير»، وإذا قال: أخبرني وسمعت، فحسبك به» . وقال غير واحد من الأئمة أيضًا نحوه. وهو معل أيضًا - كما أومأنا آنفًا - بالانقطاع. قال الإمام أبو عبيد القاسم بن سلام ﵀ في «فضائل القرآن» (٢٧): «حدثنا حجاج عن ابن جريج قال: قال ابن عباس: من سمع آية من كتاب الله ﷿ تتلى، كانت له نورًا يوم القيامة» . وحجاج هو ابن محمد المصيصي الأعور، أحد الأثبات الحفاظ. قال الإمام أحمد: «ما كان أضبطه وأشد تعاهده للحروف» . ورفع أمره جدًا.
وقال مرة: «كام يقول: حدثنا ابن جريج، وإنما قرأ على ابن جريج ثم ترك ذلك، فكان يقول: قال ابن جريج، وكان صحيح الأخذ» . وقال المعلى الرازي: «قد رأيت أصحاب ابن جريج، ما رأيت فيهم أثبت من حجاج» .
وقال أبو إبراهيم إسحاق بن عبد الله السلمي: «حجاج نائمًا، أوثق من عبد الرزاق يقطان» . كما في «التهذيب» (٢/٢٠٥) . فإذ هو أثبت من عبد الرزاق في ابن جريج، فلا شك في أن روايه هي الراجحة. ورواية عبد الرزاق الموصولة - بذكر عطاء - معلولة. فيكون الإسناد ضعيفًا لانقطاعه بين ابن جريج وابن عباس. والله أعلى وأعلم.
[ ١١٣ ]