«إذا عسر على المرأة ولدها أخذ إناء نظيفًا (١) يكتب فيه: (كأنهم يوم يرون ما يوعدون) إلى آخر الآية، و: (كأنهم يوم يرونها لم يلبثوا إلا عشية أو ضحاها) و: (لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب) إلى آخر الآبة، ثم يغسل ويسقي المرأة منه، وينضح على بطنها وفرجها» . ضعيف جدًا أو موضوع. رواه ابن السني في «عمل اليوم والليلة» (٦١٩) من طريق عبد الله بن محمد بن المغيرة حدثنا سفيا الثوري عن ابن أبي ليلى عن الحكم عن سعيد بن جبير عن ابن عباس مرفوعًا به. وابن المغيرة هذا واه، أتهم. قال العقيلي: «وكان يخالف في بعض حديثه، ويحدث بما لا أصل له» . وقال النسائي: «روى عن الثوري ومالك بن مغول أحاديث كانا أتقى لله من أن يحدثا بها» . وأورد له الحافظ الذهبي ﵀ في «الميزان» (٢/٤٨٧-٤٨٨) أحاديث، وقال: «قلت: وهذه موضوعات» . وابن أبي ليلى هو محمد بن عبد الرحمن الكوفي القاضي، قال الحافظ (٦٠٨١): «صدوق سئ الحفظ جدًا» . والحديث أورده الهندي ﵀ في «كنز العمال» (١٠/٦٤) من رواية ابن السني بلفظ: «إذا عسر على المرأة ولادتها خذ إناء نظيفًا فاكتب عليه » وفيه: «ثم يغسل وتسقى المرأة منه وينضح على بطنها وفي وجهها» . ولا يبعد أن يكون هذا هو لفظه الصحيح قبل أن تتناول الكتاب أيدي التحريف وقلة الدقة في التحقيق، ثم يدعى تخريج أحاديثه من لا ناقة له - في هذا الشأن - ولا جمل، ممعنًا في إيهام القراء أنه ملتزم أو متمكن - والله أعلم - إذ يكتب على طرته: «حققه فلان بن فلان» ! ثم كأنه تدارك الأمر فقال في طبعة أهرى: «خرج أحاديثه وعلق عليه» وحذف لفظ: «ابن»، فالله المستعان.
ولا أقول هذا مقرًا على نفسي بالتحقيق الذي يدخل فيه النظر في المخطوطات
_________________
(١) في النسخة المتدوالة من «ابن السني»: «أخذ إناء لطيفًا» . والظاهر أنه تحريف صوابه هذا، أو: «أخذ إناء نظيف» . فالله أعلم.
[ ١٣ ]
والبراعة في قراءتها وفك رموزها، بل أشهد على نفسي أيضًا لا باع لي في هذا الأمر، ولذلك لم يسند إلى تحقيق كتاب مخطوط حتى هذه اللحظة. فمن كتب على طرة كتاب: «آداب حملة القرآن» للإمام الآحري رحمه اله - محولاظً اسمه إلى: «أخلاق أهل القرآن» ـ: «حققه وخرج أحاديثه الشيخ محمد عمرو بن عبد اللطيف» - وما حققته ولا رأيت مخطوطته بل نقلها غيري - أقول: من كتب ذلك، فقط غلط عليّ. وقد دعا ذلك البعض إلى اتهامي بالتصرف في اسم الكتاب باعتباري محققه ثم إن الناشر وصمني بمشيخة لست لها بأهل دون استشارتي في ذلك. وما أنا إلا عبد مذنب فقير إلى رحمة ربه الجليل، وطالب علم لم يزل في بداية الطريق. نعوذ بالله من انتحال المشيخة قبل الأوان، ومن الاغترار بما وهبنا الرحمن ﵎ من بعض فهم لقواعد علم «مصطلح الحديث» وأحوال طائفة من رجال الحديث ومراتبه. وما هذا - وحده - علم الحديث بفنونه وتقاسيمه، على قصور وقلة بلع، وجهل تاك أحيانًا في بعض فروع العلم. ومن نظر بعين البصيرة علم أن الفضل لله تعالى وحده يسلبه متى شاء - ويؤتيه من يشاء (وفوق كل ذي علم عليم) .
وبعد، فقد (روى) هذا الحديث أيضًا موقوفًا على ابن عباس ﵄ من طريق أخرى عن الثوري، وعن غيره عن ابن ليلى بنحوه، ففي «مصنف ابن أبي شيبة» (٧/٣٨٥): «حدثنا علي بن مسهر عن ابن أبي ليلى به » فذكره.
ولفظة: إذا عسر على المرأة ولدها فليكتب هاتين الآيتين والكلمات في صحفة ثم تغسل فتسقى منه: بسم الله لا إله إلا هو الحليم الكريم. سبحان الله رب السموات السبع ورب العرش العظيم: ٠ كأنهم يوم يرونها لم يلبثوا إلا عشية أو ضحاها)،: (كأنهم يوم يرون ما يوعدون لم يلبثوا إلا ساعة من نهار. بلاغ فهل يهلك إلا القوم الفاسقون) . وقال حمزة بن يوسف السهمي ﵀ في «تاريخ جرجان» (ص٢٢٩): «قرأت في كتاب (الطب) لأبي يعقوب إسحاق بن إبراهيم البحري: أعطاني أبو عمران إبراهيم
[ ١٤ ]
ابن هانئ كتابًا له (في الأصل - محرفًا - كتاب الله) عن شجاع بن صبيح عن مصعب بن ماهان عن الثوري عن ابن أبي ليلى عن الحكم عن مقسم عن ابن عباس » فذكره لأخصر مما قبله، وفيه: «قال سفيان: يكتب بعسل أو زعفران أو نحوهما ثم يغسله فتشربها المرأة» . ومدار الطريقين على أن ابن أبي ليلى، وقد تقدم ذكره. وفي إسناد السهمي - سواه ـ: «مصعب بن ماهان»، وهو مختلف فيه، وقال الحافظ (٦٦٩٤): «صدوق عابد كثير الخطأ» . والراوي عنه لم يذكر فيه السهمي (٣٦٧) جرحًا ولا تعديلًا. وكذلك أبو عمرن إبراهيم ابن هانئ (١٣٩) على جلالة ترجمته عنده. فقوله في هذا الإسناد: «عن الحكم عن مقسم» بدلًا من: «عن سعيد بن جبير» إن لم يكن من سوء حفظ ابن أبي ليلى واضطرابه، فهو من قبل أحد هؤلاء. فالله أعلم.
ومع ضعف هذا الأشر، فقد عمل به الإمام أحمد ﵀. قال الإمام ابن القيم ﵀ في «زاد المعاد» (٣/١٨٠): «كتاب لعسر الولادة. قال الخلال: حدثني عبد الله بن أحمد قال: رأيت أبي يكتب للمرأة إذا عسر عليها ولادتها في جام (١) أبيض أو شئ نظيف، يكتب حديث ابن عباس ﵁ » فذكره. وقال «قال الخلال: أنبأنا أبو بكر المروذي (٢) أن أبا عبد الله جاءه رجل فقال: يا أبا عبد الله تكتب لامرأة قد عسر عليها ولدها منذ يومين، فقال: قل له يجئ بجام واسع وزعفران. ورأيته يكتب لغير واحد » . قلت: وفي هذا دليل على أن الإمام أحمد ﵀ كان يأخذ بالأحاديث والآثار الضعيفة إذا لم يجد في الباب غيرها، ولم يكن هناك ما يدفعها، والله أعلم.
_________________
(١) قال ابن منظور في «لسان العرب» (١/٧٣١): «والجام إناء من فضة، عربي صحيح » .
(٢) في الأصل: «المروزي» بالزاي. وهذا خطأ شائع في هذه النسخة، راج على محققي الكتاب أو لم يباليا به في الطبعة التي حققاها (٤/٣٥٧) . والروذي نسبة إلى «مرو الروذ» أو المروزي فنسبة إلى «مرو»، وأبو بكر هذا يعد أجل أصحاب الإمام أحمد رحمهما الله.
[ ١٥ ]
فائدة: وقد روى ابن السني (٦٢٠) - عقب حديث ابن عباس الذي تقدم الكلام عنه - حديثًا آخر مرفوعًا بإسناد أتلف منه بكثير، من طريق عبيد الله عن محمد بن خنيس (في الأصل: عبد الله - مكبرًا - وهو تحريف) حدثني موسى ابن محمد بن عطاء حدثنا بقية بن الوليد حدثني عيسى بن إبراهيم القرشي عن موسى بن أبي حبيب قال: «سمعت علي بن الحسين يحدث عن أبيه عن أمه فاطمة ﵂، أن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم - لما دنا ولادها - أمر أم سليم وزينب بنت جحش أن تأتيا فاطمة فتقرءا عندها آية الكرسي و: (إن ربكم الله ) إلى آخر الآية، وتعوذاها بالمعوذتين» . وهذا إسناد قد هلهل (١) بالمرة، وفيه الآتي:
١- عبيد الله بن محمد بن خنيس، وهو الدمياطي، وقيل: الدمشقي. ترجمة بن عساكر
في «تاريخه» (١٠/٧٣٢-٧٣٣) برواية جماعة عنه، ولم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلًا.
٢- وشيخه موسى بن محمد بن عطاء، وهو البلقاوي الدمياطي المقدسي، أحد التلفاء.
قال العقيلي: «يحدث عن الثقات بالبواطيل والموضوعات» . وقال ابن حبان وغيره: «كان يضع الحديث» . وكذبه أبو زرعة وأبو حاتم الرازيان. فالظاهر أنه من وضعه.
٣- وعيسى بن إبراهيم القرشي، وهاه ابن معين وقال أبو حاتم والنسائي: «متورك» .
٤- وشيخه موسى بن أبي حبيب، وهو الحمصي. ضعفه أبو حاتم. وقال الذهبي في «الميزان» (٤/٢٠٢): «وخبرة ساقط» . قلت: ومن قرائن تهافت هذا الحديث واختلافه، أن الزهراء ﵂ ماتت بعد النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بستة أشهر، والحسين ﵁ لم يزل غلامًا صغيرًا، فمتى حدثته فاطمة بذلك عن جده المعصوم صلى الله عليه وعلى آله وسلم؟ ! .
_________________
(١) $! هذه العبارة استخدمها الحافظ المناوى ﵀، في حديث آخر لا أذكره الآن.
[ ١٦ ]
وهذا الحافظ الطبراني «﵀» - على سعة روايته - لم يورد في «معجمه الكبير» (٢٢/٤١٤-٤١٥) من رواية الحسين عنها إلا حديثين، في أحدهما الحكم عبد الله الأيلي، وهو وضاع. وفي الآخر جماعة لم يعرفهم الهيثمي، وفيه أيضًا: جندل بن والق، صدقه أبو حاتم ووثقه ابن حبان. أما مسلم فقال: متروك الحديث. ولينه البزار. والمتن الذي رواه ظاهر البطلان في فضل أمير المؤمنين علي ﵁ (١) . أما عامة ما أورده الطبراني للزهراء ﵂ فلا يكاد يسلم منها حديث، إما وهاه في الإسناد، أو كونه من مسند غيرها لا من مسندها هي. أو مما حدثت به عائشة ﵂ قبيل أو عقيب وفاته صلى الله عليه وعلى آله وسلم - من وراية مخصوصة بعينها -، وهذا ما تبين لي من مجموع هذه الروايات: (ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون) .
_________________
(١) $! وما شاع بين المسلمين في تخصيص علي بقولهم: «كرم الله وجهه»، فيما لم أقف له على أصل، ولا ثبوت عن أحد السلف المتقدمين. وهؤلاء الرافضة أخزاهم الله، لا يعجبهم من أهل السنة أن يقولوا: «﵁» ولا «كرم الله وجهه»، بل يصرون على تخصيصه وغيره من آل البيت بلفظة: «﵇»، كلمة حق أريد بها باطل!!
[ ١٧ ]