«تبيض وجوه أهل السنة والجماعة، وتسود وجوه أهل البدع» . في قوله تعالى (يوم تبيض وجوه وتسود وجوه) . موضوع. رواه الديلمي كما في «فردوس الأخبار» (٨٤٤٦)، وأورده الإمام ابن عرّاق ﵀ في «تنزيه الشريعة» (١/٣١٩) من رواية الدارقطني عن ابن عمر، قال: «وقال موضوع، والحمل فيه على أبي النصر أحمد بن عبد الله الأنصاري » الخ.
وقال الحافظ ﵀ في «اللسان» (١/٢٠٢): «قال الدارقطني: حدثني أبو الحسن محمد بن عبد الله المزني الهروي ثنا أبو نصر أحمد بن عبد الله الأنصاري ثنا الفضل بن عبد الله بن مسعود اليشكري ثنا مالك بن سليمان ثنا ملك عن نا فع عن ابن عمر ﵄ رفعه في قوله تعالى (يوم تبيض وجوه وتسود وجوه. فأما الذين ابيضت وجوههم) أهل السنة والجماعة. (وأما الذين أسودت وجوههم) أهل البدع والأهواء» . قال: «هذا موضوع، والحمل فيه على أبي نصر الأنصاري، والفضل ضعيف» . وأخرجه الخطيب في «الرواة عن مالك» من طريق أبي زرعة حدثنا أحمد بن الحسين الحافظ ثنا أبو نصر أحمد بن محمد بن عبد الله القيسي بهراة ثنا الفضل به. وقال: «منكر من حديث مالك. ولا أعلمه يروى إلا من هذا الوجه» . قلت: ولعل أبا نصر هو الأول، نسب أولًا إلى جده - ويحتمل أن يكون آخر» اهـ. قلت: ومالك ابن سليمان أيضًا ضعيف، ضعفه العقيلي والدارقطني وغيرهما وأورده ابن حبان في «الثقات» وقال كلامًا يتضمن إقراره بضعفه وأنه ممن يستخير الله ﷿ فيه.
والحديث أخرجه أيضًا أبو نصر السجزي في «الإبانة» عن أبي سعيد مرفوعًا، كما في «الدر المنثور» (٢/٦٣)، وما إخاله يسلم أيضًا من وضاع أو هالك، فالله أعلم.
[ ٥٤ ]
(وروى) موقوفًا على ابن عباس ﵄ بسند واه جدًا، بل موضوع أيضًا عند ابن أبي حاتم في «تفسيره» (آل عمران:١١٣٩) من طريق حفص بن عمر المقرئ ثنا علي بن قدامة، عن مجاشع بن عمرو عن عبد الكريم الجزري عن سعيد بن جبير عنه في قوله تعالى (يوم تبيض وجوه)، قال: «تبيض وجوه أهل السنة والجماعة» . ثم روى (١١٤٠) بنفس السند: (وتسود وجوه) . قال: (وتسود وجوه أهل البدع والضلالة» .
ورواه أيضًا الخطيب (٧/٣٧٩) من طريق أبي عمر الدوري - وهو حفص ابن عمر المقرئ المذكور - واللالكائى في «شرح السنة» (١/٧٢) من طريق أحمد بن محمد بن مسروق الطوسي، والسهمي في «تاريخ جرجان» (ص١٣٢-١٣٣) من طريق إسماعيل بن صالح الحلواني ثلاثتهم قالوا: «حدثنا علي ابن قدامة عن مجاشع بن عمرو عن ميسرة بن عبد ربه عن عبد الكريم به. وألفاظهم متقاربة. ورواه أيضًا أبو نصر في «الإبانة» كما في «الدر» . وهذا إسناد تالف، بل موضوع فيه الآتي:
١- على بن قدامة، وهو الوكيل. قال ابن محرز في «معرفة الرجال» (١/١٠٠ وكذلك - ٢٣٢ - باختصار) وعنه الخطيب (١٢/٥٠): «وسألت يحيى بن علي بن قدامة، فقال: وكيل (زاد الخطيب: ابن) هرثمة؟ فقلت: نعم. فقال: لم يكن البائس ممن يكذب، قيل له: حدث عن مجاشع. قال: قد رأيت مجاشع (عند الخطيب: مجاشعًا) هذا كان يكذب، وكان يحدث (زاد الخطيب: عن ابن ليهعة) . وقال الذهبي في «الميزان» (٣/١٥١): أشار ابن معين إلى لين فيه بقوله: لم يكن البائس ممن يكذب. قال أبو حاتم الرازي. ليس بقوي» . وأقره الحافظ في «اللسان» (٤/٢٥١) ولم يذكر قول أبي حاتم، ولا وجدت لعلي بن قدامة ترجمة في «الجرح» فلعله قال ذلك من رواية غير ابنه عنه. والله أعلم.
٢- شيخه مجاشع بن عمرو، تقدم تكذيبه عن ابن معين. وقال العقيلي: حديثه منكر غير محفوظ. ثم روى عن ابن معين: مجاشع بن عمرو قد رأيته،
[ ٥٥ ]
أحد الكذابين. وقال أبو حاتم: متروك الحديث ضعيف، ليس بشئ. وأرود له الذهبي (٣/٤٣٦-٤٣٧) أحاديث، قال في آخرها: «وهذا موضوع، ومجاشع هو راوي كتاب «الأهوال والقيامة»، وهو جزآن (وفي النسخة هـ: خبران) كله خبر واحد موضوع، رواه عن ميسرة بن عبد ربه، عن عبد الكريم الجزري، عن سعيد بن جبير عن ابن عباس. وعنه علي بن قدامة المؤذن شيخ لإسحاق بن سنين، وهو من الطبرز ديات» . وأقره الحافظ في «اللسان» (٥/١٥-١٦) وزاد: «وقال أبو أحمد الحاكم: منكر الحديث. ومن موضوعاته: » فذكر له حديثًا في تعزية النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم معاذًا في ابنه، وقال: «أورده الحاكم في «المستدرك» وقال: غريب، لأن مجاشع بن عمرو ليس من شرط هذا الكتاب. وذكره ابن عدي في «الضعفاء» وأرورد له مناكير» اهـ.
قلت: ويلاحظ أن سند الكتاب الذي ذكره له الذهبي، هو عين هذا الإسناد، فيحتمل أن يكون هذ التفسير قطعة من الخبر الموضوع الذي يتضمنه هذا الكتاب، فإنه مناسب لاسمه: «الأهوال والقيامة» . والعلم عند الله تعالى.
٣- شيخه ميسرة بن عبد ربه - وهو أوهى الثلاثة - قال البخاري في «الضعفاء الصغير» (٣٥٥): يرمى بالكذب، ورواه عنه (١) العقيلي في «الضعفاء الكبير» (٤/٢٦٣-٢٦٤)، وقال قبلها: «أحاديثه بواطيل غير محفوظة» . وروى عن ابن مهدي قال: «قلت لميسرة بن عبد ربه في هذا الحديث الذي حدث به في فضائل القرآن أيش هو؟ قال: هذا وضعته أرغب الناس في القرآن» !! وقال أبو داود: أقر بوضع الحديث. وقال: أبو حاتم: كان يرمى بالكذب، وكان يفتعل الحديث، روى في فضل قزوين والثغور بالكذب (كذا في «الجرح» (٨/٢٥٤» . وقال أبو زرعة: كان من أهل الأهواز، وكان يضع الحديث وضعًا، قد وضع في فضائل قزوين نحو أربعين حديثًا كان يقول: إني أحتسب في ذلك. وقال النسائي في «التمييز» ومسلمة:
_________________
(١) $! والطريف أنه اتبع ترجمته مجاشع، كأنه تعمد ذلك للعلاقة التي بينهما!!
[ ٥٦ ]
«كذاب» زاد الآخر: روى أحاديث منكرة، وكان ينتحل الزهد والعبادة، فإذا جاء الحديث جاء شئ آخر. وقال الحاكم: يروى عن قوم من المجهولين الموضوعات، وهو ساقط. وقال أبو نعيم: يروى الأباطيل. وانظر سائر كلامهم فيه في «الميزان» (٦/١٣٨: ١٤٠) .
فإن تعجب فعجب قول إمام المفسرين الحافظ ابن كثير ﵀ في «تفسيره» (١/٣٩٠): (يوم تبيض وجوه وتسود وجوه) يعني يوم القيامة حين تبيض وجوه أهل السنة والجماعة، وتسود وجوه أهل البدعة والفرقة، قال ابن عباس ﵄» . هكذا جزم - عفا الله عنه - وكثيرون غيره، بنسبة هذا التفسير إلى ترجمان القرآن ﵁ وهو كذب عليه كما رأيت، فإن قيل إن عذره في ذلك أن ميسرة الوضاع قد سقط من سند ابن أبي حاتم، فالجواب: فكيف بمجاشع بن عمرو الكذاب الذي وهاه أبو حاتم؟ على أن الراجح رواية الجماعة الذين أثبتوا ميسرة في الإسناد. نعم، وأورد - ﵀ - حديثًا للترمذي عن أبي غالب عن أبي أمامة الباهلي ﵁ أنه فسر الآية بالخوارج، ومع أنه شاهد قاصر لحديث الترجمة فإنه أيضًا مختلف في رفعه ووقفه، وإيراد الآية وحذفها، وإيراد قوله تعالى (هو الذي أنزل عليك الكتاب) الآية، تارة مع الأولى، وتارة بدونها على أضرب كثيرة جدًا - ليس هذا محل بيانها. على أن قول أيي أمامة فيه: «لو لم أسمعه إلا مرة أو مرتين أو ثلاثًا أو أربعًا - حتى عد سبعًا - ما حدثتكموه»، مما لا يطمئن إليه القلب، فإنه من المستبعد عادة أن يحدث النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بحديث واحد سبع مرات - بل أقل من ذلك - ثم لا يحفظه عنه إلا صحابي واحد، فكأن الحديث أتى من رواية عن أبي أمامة، وهو أبو غالب واسمه: حزور،فإن فيه اختلافًا كثيرًا بين النقاد وأكثرهم مال إلى القدح فيه. على أن الحديث قد رواه سيار الأموي، وهو مستور وثقه ابن حبان، وصدقه الحافظ (٢٧٢٠)، وصفوان بن سليم - وهو ثقة إمام - كلاهما عن أبي أمامة ﵁، فلم يذكرا الآيات أصلًا، وإنما جاء عند الإمام أحمد (٥/٢٦٩) وابنه عبد الله في
[ ٥٧ ]
«السنة» (١٥٤٦) من رواية صفوان هذا، قول أبي أمامة: «هؤلاء الذين تفرقوا واتخذوا دينهم شيعًا» .
لذلك، فإن أحسن أحوال التفسير المتقدم أن يكون من قول أبي أمامة نفسه، وبذلك جزم الإمام البغوي ﵀ في «تفسيره» (١/٣٤٠) والله تعالى أعلم بالصواب. والذي يعيننا في هذا المقام تحذير إخواننا الكرام بارك الله فيهم مما شاع بينهم من الجزم بنسبة هذا الأثر إلى أن ابن عباس ﵄، وهو منه برئ لا سيما في معرض كلامهم وكتاباتهم عن البدع والمبتدعين، ففيما صح عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فيهم مقنع لمن أراد أن يسلم غدًا في القيامة إن شاء الله تعالى.
استدراك:
والحديث قال العلامة الشوكاني في «الفوائد المجموعة» (ص٣١٧): «قال في (الذيل): هو موضوع» .
[ ٥٨ ]