«ما اجتمع الحلال والحرام، إلا غلب الحرام الحلال» .
لا أصل له مرفوعًا، قال في «الضعيفة» (٣٨٧): «لا أصل له. قال الحافظ العراقي في «تخريج الإحياء»، ونقله المناوى في «فيض القدير» وأقره » .
قلت: قد وقفت له على أصل لكنه موقوف واهي الإسناد. قال الإمام ابن قتيبة ﵀ في «غريب الحديث» (٢/٣١): في حديث عبد الله ﵁ أنه قال: «ما اجتمع حرام وحلال، إلا غلب الحرام على الحلال» . يرويه وكيع عن سفيان عن جابر عن عامر عن عبد الله.
قلت: هذا إسناده واه جدًا، له علل ثلاث:
الأولى: التعليق، فإن ابن قتيبة لم يذكر إسناده إلى وكيع، ومن المحتمل جدًا أن يكون في الطريق إليه رجل ليس بثقة.
الثانية: شدة ضعف جابر - وهو ابن يزيد الجعفي الكوفي - فإنه واه متهم بالكذب والزجعة (١) . قال إسماعيل بن أبي خالد: قال الشعبي: يا جابر، لا تموت حتى تكذب على رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، قال إسماعيل: فما مضت الأيام والليالي حتى أتهم بالكذب. وسئل زائدة عن ترك الراوية عن ابن أبي ليلى وجابر والكلبي، فقال: أما جابر الجعفي، فكان والله كذابًا
_________________
(١) $! هي اعتقاد طائفة من غلاة الرافضة رجوع على ﵁ إلى الدنيا مرة أخرى. ومما استندوا إليه في ذلك حديث علي بن الحسين قال: كا رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم عليًا عمامة يقاله لها: السحاب، فأقبل علي ﵁ وهي عليه، فقال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: هذا عاي قد أقبل في السحاب. قال الراوي: «فحرفها هؤلاء، فقالوا: على في السحاب» . وهذا حديث لا يصح، رواه أبو الشيخ في «الأخلاق» (ص١٢٣-١٢٤)، وفيه مسعده بن اليسع، وهو كذاب. ومع ذلك فقد ساقه ابن القيم عفا الله عنه في «الزاد» مساق الثابتات، وسكت عنه المحققان، فما أحسنوا جميعًا.
[ ١٠٧ ]
يؤمن بالرجعة. وقال الإمام أبو حنيفة ﵀: ما لقيت فيمن لقيت أكذب من جابر الجعفي. ما أتيته بشئ من رأيي إلا جاءنب فيه بأثر، وزعم أن عنده ثلاثين ألف حديث عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، لم يظهرها.
وكذبه أيضًا سعيد بن جبير وأيوب وابن معين والجوزجاني وابن الجارود، ووهاه الجمهور. نعم، ووثقه الثوري وشعبة ووكيع وشريك، والظاهر أن ذلك كان قبل أن يظهر منه ما ظهر، بدليل قول الشعبي المتقدم، ولذلك حدّث عنه ابن مهدي قديمًا ثم اركه بأخره، وكذلك تركه يحيى القطان بأخره. والله اعلم.
وترجمته التفصيلية يمكن الرجوع إليها في «تهذيب الكمال» (٤/٤٦٥: ٤٧٢) و«الميزان» (١/٣٧٩: ٣٨٤) . وانظر أيضًا: «مقدمة صحيح مسلم» (١/١٥-١٦)، وفيها قول ابن عيينة ﵀: «كان الناس يحملون عن جابر فبل أن يظهر ما أظهر، فلما أظهر ما أظهر اتهمه الناس في حديثه، وتركه بعض الناس. فقيل له: وما أظهر؟ الإيمان بالرجعة» .
الثالثة: الانقطاع بين عامر (وهو ابن شراحيل الشعبي) وعبد الله بن مسعود ﵁. قال الحافظ العلائي ﵀ في «جامع التحصيل» (٣٢٢): « وأرسل عن عمر وطلحة بن عبيد الله وابن مسعود وعائشة وعبادة بن الصامت ﵁ » حتى قال: «وقال ابن معين: ما روى الشعبي عن عائشة مرسل، وكذلك قال أبو حاتم. وقال أيضًا: لم يسمع الشعبي من عبد الله بن مسعود ولا من ابن عمر » الخ. والله أعل وأعلم.
استدراك:
ووجدت البيهقي في «السنن» (٧/١٦٩) قد علق أثر ابن مسعود أيضًا من نفس الوجه، فقال: «وأما الذي روى عن بن مسعود أنه قال: ما اجتمع الحرام والحلال إلا غلب الحرام على الحلال، فإنما رواه جابر الجعفي عن الشعبي عن ابن مسعود. وجابر الجعفي ضعيف. والشعبي عن ابن مسعود منقطع، وإنما رواه غيره بمعناه عن الشعبي من قوله غير مرفوع إلى عبد الله بن مسعود» . اهـ. قلت: ولم أقف عليه بعد عن الشعبي بلفظه ولا معناه، فالله أعلم.
[ ١٠٨ ]