«لو خشع قلب هذا لخشعت جوارحه» .
موضوع. قال العلامة الألباني حفظه الله في «الضعيفة» (١١٠): «عزاه السيوطي في «الجامع الصغير» لرواية الحكيم عن أبي هريرة. قلت: وصرح الشيخ زكريا الأنصاري في تعليقه على «تفسير البيضاوي» (٢٠٢/٢) بأن سنده ضعيف. وهو أشد من ذلك فقد قال الشيخ المناوى: «رواه في النوادر» عن صالح بن محمد عن سليمان بن عمرو عن ابن عجلان عن المقبري عن أبي هريرة قال: رأى رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم رجلًا بعث بلحيته وهو في الصلاة، فذكره. قال الزبن العراقي في «شرح الترمذي»: وسليمان ابن عمرو هو أبو داود النخعي متفق على ضعفه، وإنما يعرف هذا عن ابن المسيب. وقال في «المغني»: «سنده ضعيف، والمعروف أنه من قول ابن سعيد، رواه ابن أبي شيبة في «مصنفه»، وفيه رجل لم يسم» . وقال ولده: فيه سليمان بن عمرو مجمع على ضعفه. وقال الزيلعي: قال ابن عدي: أجمعوا على أنه يضع الحديث» . قلت: رواه موقوفًا على سعيد عبد الله بن المبارك في «الزهد» (٢١٣/١): أنا معمر عم رجل عنه به. وهذا سند ضعيف لجهالة الرجل. قلت: فالحديث موضوع مرفوعًا، ضعيف موقوفًا بل مقطوعًا» اهـ.
قلت: بل واه عندي، فإن الرجل المبهم جاء تعيينه في رواية أخرى، إذ رواه معمر بن نصر المروزي في «تعظيم قدر الصلاة» (١٥١) عن ابن علية عن معمر عن رجل قال: «رأى ابن المسيب رجلًا يعبث بلحيته في الصلاة، فقال: لو خشع قلبه خشعت جوانحه» . قال ابن إسحاق ظ (هو الإمام ابن راهويه ﵀ شيخ ابن نصر): قيل لابن علية: جوارحه؟ قال: لا. ورواه ابن أبي شيبة (٢/٢٨٩) عنن ابن علية به، بلفظ: «جوارحه» . ورواه عبد الرزاق (٣٣٠٨) عن معمر عن أبان قال: رأى المسيب رجلًا يعبث بلحيته في الصلاة، فقال:
[ ١٠١ ]
إني لأرى هذا خشع قلبه خشعت جوارحه. ثم رواه (٣٣٠٩) عن الثوري عن رجل قال: رآني ابن المسيب أعبث بالحصى في الصلاة، فقال: لو خشع قلب هذا خشعت جوارحه» . فيشبه أن يكون معمر سماه ثارة - فحفظ ذلك عبد الرزاق وهو من أثبتهم فيه -، وأبهمه أخرى لعلمه بأنه مرغوب عنه. وكذلم فعل الثوري ﵀، فإن من المعروف عنه أنه كان إذ روى عن رجل ضعيف أبهمه أو كناه، كما تكرر عنه في غير وا رواية. وتارة كان يفعل ذلك بعض تلاميذه كوكيع ﵀. وأبان كان يكذب وهمًا لا عمدًا، فلا يبعد عن مثله أن يظن غير سعيد سعيدًا من فرط غفلته! ولم يكذر المزي روايته عن ابن المسيب، فالله أعلم. (فإن) قيل: فكيف يقول أبان: «رأى ابن المسيب رجلًا» وإنما يعني نفسه؟ فالجواب - بحول الله وقوته - أن هذا أمر مشاهد قد تكرر وقوعه من غير واحد من السلف، وإن اختلفت دواعيهم عما ههنا كأنا أبانًا كنى عن نفسه حياة أو نحوه. وأدلل على ذلك بمثالين اثنين، أحدهما عن صحابي جليل، والآخر عن تابعي جليل.
١- فروى الإمام أحمد في «المسند» (١/١٨٧) و«فضائل الصحابة» (٢٢٥) وأبو داود (٢/٥١٦) وغيرهما بسند صحيح عن رباح بن الحارث أن المغيرة بن شعبة كان في المسجد الأكبر وعنده أهل الكوفة عن يمنيه وعن يساره، فجاءه رجل يدعى سعيد بن زيد، فحياه المغيرة وأجلسه عند رجليه على السرير، فجاء رجل من أهل الكوفة فاستقبل المغيرة فسب وسب: فقال: من يسب هذا يا مغيرة؟ قال: يسب علي بن أبي طالب ﵁. فقال: يا مغير بن شعب (١)، يا مغير بن شعب - ثلاثًا -، ألا أسمع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم بما سمعت أذناي ووعاه قلبي من رسول الله
_________________
(١) $! هذا يسميه اهل اللغة: «الترخيم»، ومنه قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم للسيدة عائشة ﵂ - كما في «الصحيحين» -: «يا عائش، هذا جبريل يقرئك السلام » . الحديث.
[ ١٠٢ ]
صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فإني لم أكن عنه كذبًا يسألني عنه إذا لقيته أنه قال: «أبو بكر في الجنة، وعمر في الجنة، وعلي في الجنة، وعثمان في الجنة، وطلحة في الجنة، والزبير في الجنة، وعبد الرحمن في الجنة، وسعد ابن مالك في الجنة، وتاسع المؤمنين في الجنة»، لو شئت أن أسميه لسميته، قال: فضج (١) أهل المسجد: يا صاحب رسول الله، من التاسع؟ قال: نا شدتموني بالله، والله العظيم أنا تاسع المؤمنين، ورسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم العاشر. ثم أتبع ذلك يمنيًا، قال: والله لمشهد شهده رجل يغبر فيه وجهه مع رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم أفضل من عمل أحدكم، ولو عمر نوح ﵇» .ورواه ابن ماجه (١٣٣) من هذا الوجه - مختصرًا - وفيه: «فقيل له: من التاسع؟ قال: أنا» .
وله طرق وألفاظ في «المسند» و«سنن أبي داود» و«فضائل الصحابة» للنسائي وغيرها.
فهذا صاحب رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم يخاف أن يزكي نفسه بحق، فكيف بالذين يملؤون الآفاق إطراءً وثناء على أنفسهم بحق وبغير حق؟! أما سمعوا الله ﷿ يقول: (لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا فلا تحسبنهم بمفازة من العذاب. ولهم عذاب أليم)؟ .
٢- وروى النسائي (٣/٥٤-٥٥) وابن خزيمة في «التوحيد» (١٣) وعنه ابن حبان (الإحسان:١٩٦٨) - واللفظ له - والحاكم (١/٥٢٤-٥٢٥) واللالكائي (٨٤٥) وغيرهم (٣٥) من طريق حماد (٢) بن زيد عن عطاء بن السائب عن أبيه قال: «كنا جلوسًا في المسجد، فدخل عمار بن ياسر فصلى صلاة خففها، فمر بنا، فقيل له: يا أبا اليقظان خففت الصلاة، قال: أو خفيفة رأيتموها؟ قلنا: نعم. قال: أما إني قد دعوت فيها بدعاء قد سمعته من رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. ثم مضى، فاتبعه رجل من القوم. قال عطاء:
_________________
(١) $! في «المسند»: «فصبح»، ودلني على الصواب محقق» جزاه الله خيرًا. وهكذا جاءت هذه الرواية الصحيحة بدون ذكر أبي عبيدة بن الجراح ﵁. $! وقه إسناده في «الإحسان»: «أخبرنا ابن خزيمة قال: حدثنا حميد بن عبده قال: حدثنا حماد بن زيد »، والصواب: «حدثنا أحمد بن عبده» كما في «الموارد» (٥٠٩)
[ ١٠٣ ]
اتبعه أبي، - ولكنه كره أن يقول: اتبعته - فسأله عن الدعاء ثم رجع فأخبرهم بالدعاء: اللهم بعلمك الغيب وقدرتك على الخلق أحيني ما علمت الحياة خيرًا لي، وتوفني إذا كانت الوفاة خيرًا لي. اللهم إني أسألك خشيتك في الغيب والشهادة، وكلمة العدل والحق في الغضب والرضا وأسألك القصد في الفقر والغنى، وأسألك برد العيش بعد الموت، وأسألك لذة النظرإلي وجهك، وأسألك الشوق إلى لقائك، في غير ضراء مضرة، ولا فتنة مضلة، اللهم زينا بزينة الإيمان واجعلنا هداة مهتدين» . وهو صحيح الإسناد كما قال الحاكم ووافقه الذهبي وله طريق أخرى فيها شريك القاضي عند أحمد (٤/٢٦٤) وابن أبي شيبة (١٠/٢٦٤-٢٦٥) والنسائي (٣/٥٥) . وبقيت طرق وشواهد لا مجال لها ههنا.
فهذا السائب بن مالك والد عطاء رحمهما الله - يقول: «فاتبعه رجل»، كره أن يقول: «فاتبعته» حتى يخفى عمله، فلا يدل به، ولا يدلل عليه! وكذلك كانوا رحمة الله عليهم ورضوانه يحرصون على تحقيق الإخلاص - قولًا وعملًا - ويخافون على قلوبهم من الفساد وعلى اعمالهم من الحبوط من محبة الشهرة والعجب والرياء وسائر الآفات التي لا يستمرؤها إلا قلب فاسد مريض! أما الآن، فصرنا لا نسمع بهؤلاء إلا في بطن كتاب، أو تحت تراب (١) ! ورأينا رؤوس الجهالة أدعياء العلم والتحقيق أكثير شئ حرصًا عل الشهرة والشهوات الخفية، تمامًا كحرص هؤلاء الأظهار الأبرار الأخيار على إخفاء الأعمال واتقاء الكبير المتعال ّ فنسأل العلي القدير تعالى الثبات في الأمر، ونعوذ بوجهه الكريم من الخذرن والمكر. كلا، ولا يسر كاتب هذه السطور - العبد الفقير - إن يظن أحد من القراء أنه يدعي لنفسه ما يزري على غيره ترك تحقيقه من إخلاص وتجرد وبراءة من الآفات، إذ هو بشر من البشر يعتريه ما يعتريهم،
_________________
(١) $! هذه العبارة اقتبستها من الإمام الذهبي ﵀ من كتابه الجليل «سير أعلام النبلاء»، فمن أراد أن يعرف هدي السلف في التواضع والإخلاص والإخبات والطاعة لرب العالمين، فعليه به وبأشباهه.
[ ١٠٤ ]
بل هو يطمع في تحقيق ذلك ولا أدري أتطاوعه نفسه أم لا؟ ولا إن كان صادقًا معها أم يخيل لها الصدق؟ .
ولذلك، فلا أجعل في حل من زكاتي – لا سيما على ملأ – بما لا يطلع عليه إلا الذي يلعم السر وأخفى، وأذكره بقول التقى ابن التقي عبد الله بن عمر ﵄ لرجل قال له: «لا يزال المسلمون بخير ما دمت فيهم»، فأجابه عليه الرضوان: «إنك لا تدري علام يغلق عليه ابن أمك بابه» !! فكل الذي أرجوه ممن نفعه الله ﷿ بهذا التذكير والإلحاح الذي ضمنته ثنايا هذا الكتاب أن يدعو لي الله ﷿ أن يرزقني الصدق والإخلاص وأن يجعل عملي كله صالحًا ولوجهه خالصًا ولا يجعل لأحد فيه شيئًا، وأن يرزقني وإخواني وكافة أهل الإسلام حسن العاقبة والخوف من سوء الخاتمة، فإن من المشاهد المعروف أن آمن الناس من الشئ أوقعهم والعياذ بوجه الله تعالى.
(وعودًا» إلى ما نحن بصدده، فقد روى الحديث موقوفًا أيضًا على حذيفة ابن اليمان ﵁ عند ابن نصر أيضًا (١٥٠) من طريق الوليد بن مسلم الدمشقي عن ثور بن يزيد عنه، ولفظة: (لو خشع قلب هاذ سكنت جوارحه» وإسناده ضعيف له علتان:
الأولى: عنعنة الوليد بن مسلم: فإنه ثقة حافظ لكنه كثير التدليس والتسوية.
الثانية: الإعضال بين ثور بن يزيد وحذيفة، فإن جميع شيوخ ثور الذين ذكرهم المزي في «تهذيب الكمال» (٤/٤١٨/٤١٩) لا يدرك أحد منهم حذيفة أصلًا، إذ تقدمت وفاته ﵁ (ت٣٦) . وقد قال الحافظ ابن رجب الحنبلي ﵀ في «الذل والانكسار للعزيز الجبار» - المتشتهر باسم «الخشوع في الصلاة» - (ص١٢بتعليق على الحلبي): «ورأى بعض السلف رجلًا يعبث بيده في الصلاة، فقال: لو خشع قلب هذا لخشعت جوارحه. وروى ذلك عن حذيفة ﵁ وسعيد بن المسيب. ويروى مرفوعًا لكن بإسناد لا يصح» قال المعلق: «وجزم شيخ الإسلام في مجموع الفتاوى» (١٨/٢٧٣)
[ ١٠٥ ]
بنسبته لعمر بن الخطاب» اهـ. قلت: لعله ﵀ قد وقف عليه عن الفاروق ﵁، فإنه قد اطلع على ما لم يطلع عليه كبير أحد. نعم، قد ينتقل وهم من لا يحسن هذا الشأن، بل من لا فهم عنده إلأى ما رواه أبو نعيم (١٠/٢٣٠) عن أبي حفص (وهو الحداد عمرو بن سلمة النيسابوري): «حسن أدب الظاهر عنوان حسن أدب الباطن لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «لو خشع قلب هذا لخشعت جوارحه»، فيظن أن أبا حفص هذا هو عمر بن الخطاب ﵁. وهذا أمر يجل عنه آحاد اطلبة ناهيك عن شيخ الإسلام روّح الله روحه الذي لم تر أعين علماء عصره - بحق - مثله، ولا أرى مثل نفسه. وذلك حتى لا يأتي متنطع أو مبتدع في قلبه دغل على أهل السنة والجماعة، فيحاول رمى شيخ الإسلام ببلاده عو أولى بها. فالله المستعان وعليه التكلان، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
استدراك:
ثم وجدت الحافظ ﵀ في ترجمة أم العلاء الأنصرية من «الإصابة» (٤/٤٧٨): « وهذا ظاهر في أن أم العلاء هي والدة خارجة المذكور، فلا يلزم من كونه أبهمها في رواية الزهري أن تكون أخرى، فقد يبهم الإنسان نفسه فضلًا عن أمه» . اهـ. فالحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.
[ ١٠٦ ]