«اسم الله الذي إذا دعي به أجاب، وإذا سئل به أعطى: دعوة يونس ابن متى» ضعيف. رواه الطبري (١٧/٦٥) من طريق علي بن زيد بن جدعان عن سعيد بن المسيب قال: سمعت سعد بن مالك يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم يقول: فذكره، وفيه: «قال: فقلت: يا رسول الله، هي ليونس بن متى خاصة أو لجماعة المسلمين؟ قال: هي ليونس بن متى خاصة وللمؤمنين عامة إذا دعوا بها، ألم نسمع قول الله تبارك وتعال: (فنادى في الظلمات أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين. فاستجبنا له ونجيناه من الغم. وكذلك ننجي المؤمنين)
فهو شرط الله لمن دعاه بها» اهـ وهذا إسناد ضعيف لضعف ابن جدعان، قال الحافظ (٤٧٣٤): «ضعيف، من الرابعة» . وله طريق أخرى، لكنها واهية جدًا، عند الحاكم (١/٥٠٥-٥٠٦) من طريق أحمد بن عمرو بن بر السكسكي (كذا) حدثني أبي عن محمد بن يزيد (كذا) عن سعيد بن المسيب عن سعد بن مالك ﵁ قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم يقول: «هل أدلكم على اسم الله الأعظم الذي إذا دعي به أجاب، وإذا سئل به أعطى؟ الدعوة التي دعا بها يونس حيث ناداه في الظلمات الثلاث (لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين) فقال رجل: يا رسول الله، هل كانت ليونس خاصة أم للمؤمنين عامة؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: ألا تسمع قول الله ﷿: (فنجيناه من الغم. وكذلك ننجي المؤمنين) وقال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «أيما مسلم دعا بها في مرضه أربعين مرة فمات في مرضه ذلك اعطي أجر شهيد، وإن برأ برًا وقد غفر له جميع ذنوبه» .
وسكت عنه الحاكم والذهبي. وهذا إسناد واه جدًا، يشبه أن يكون موضوعًا. و: «أحمد بن عمرو بن بكر» كذا في الكتاب، وصوابه - إن شاء الله -: «إبراهيم بن عمرو بن بكر»، فإنه هو المعروف بالرواية عن أبيه، وبرواية محمد
[ ٢٧ ]
ابن الحسن بن قتيبة العسقلاني عنه - وهو رواية عنه عند الحاكم -، ولم أقف لإبراهيم على أخٍ اسمه: «أحمد» بعد جهد.
وإبراهيم، قال ابن حبان في «المجروحين» (١/١١٢): «يروي عن أبيه الأشياء الموضوعة التي لا تعرف من حديث أبيه، وأبوه أيضًا لا شئ في الحديث، فلست أدري أهو الجاني على أبيه أو أبوه الذي كان يخصه بهذه الموضوعات » الخ. وقال الدارقطني في «الضعفاء» (١٩): «رملي، متروك» . وأبوه، قال الذهبي في «الميزان» (٣/٢٤٧): «وله. قال ابن عدي: له أحاديث مناكير عن الثقات » حتى قال: «أحاديثه شبه موضوعة» . وقال الحافظ (٤٩٩٣): «متروك» . وشيخه، صواب اسه: «محمد بن زيد» لا: «ابن يزيد»، وهو ابن المهاجر بن قنفذ، فإنه هو الذي يروي عنه عمرو بن بكر كما في «التهذيب» (٨/٨)، ويروي هو عن سعيد ابن المسيب. وهو ثقة. وهذه قرينة أخرى على وقوع التحريف في هذا الإسناد، ولاح لي الآن - أثناء تبييض الكتاب للمرة الثانية - أن ذاك الهالك أو أباه، أراد أحدهما أن يقول: «عن علي بن زيد»، فلم يقو!! .
وقد زاد على رواية علي بن زيد زيادة عليها لوائح الكذب، فالله أعلم.
(وروى) الحديث عن الحسن البصري ﵀ - مقطوعًا - بإسناد واه جدًا أيضًا. قال ابن أبي حاتم رحمهما الله: «حدثنا أبي حدثنا أحمد بن أبي سريج حدثنا داود بن المحبر بن قحدم المقدسي» . كذا في «ابن كثير» (٣/١٩٣) (١) عن كثير بن معبد قال «سألت الحسن فقلت: يا أبا سعيد: اسم الله الأعظم الذي إذا دعي به أجاب، وإذا سئل به أعطى؟ قال ابن أخي، أما تقرأ القرآن، قول الله تعالى (وذا النون إذ هب مغاضبًا - إلى قوله - وكذلك ننجي المؤمنين) . ابن أخي: هذا اسم الله الأعظم، الذي إذا دعي به أجاب، وإذا سئل به أعطى» . وداود بن المحبر كذاب، كذبه الإمام أحمد وغيره، واتهمه الدارقطني بأنه سرق كتاب «العقل» من ميسرة بن عبد ربه
_________________
(١) $! جاء فيه: «ابن أبي شريج» و: «ابن محذم»، وجء في طبعة دار الشعب (٥/٣٦٤) على الصواب.
[ ٢٨ ]
الفارسي - الوضاع - وركب له أسانيد لنفسه. وقال الحافظ (١٨١١)، «متروك، وأكثر كتاب «العقل» الذي صنفه موضوعات» . قلت: ونسبته في هذا الإسناد: «مقدسيًا» لا أدري ما وجهها، فإنه ثقفي بكراوي بصري، ثم بغدادي. وأما شيخه - كثير بن معبد -، فهو القيسي. قال الذهبي (٣/٤١٠): «لا يكاد يعرف. ضعفه الأزدي» . وأقره الحافظ في «اللسان» (٤/٤٨٤) وزاد: «وقال: لا اعلم له حديثًا مسندًا» . قلت: وأعضل أمره على محققي «تفسير بن كثير» «ط. دار الشعب»، فقالوا: كذا ولم نجده (!!) . ولعله كثير بن سعيد، المترجم في «الجرح» لابن أبي حاتم: (٣/٢/١٥٢) (!!) . وكثير هذا، هو ابن سعد بن رومان، و: «ابن سعيد» تحريف كما نبه المعلق على «ثقات ابن حبان» (٧/٣٥٠) . وقد اتفق البخاري وابن أبي حاتم وابن حبان على أنه يروى عن أبيه عن ابن عمر، وعنه محمد بن مطرف، ولم يزيدوا.
(تنبيه): وقد أورد الإمام السيوطي ﵀ الحديثين والأثر في رسالته: «الدر المنظم في الاسم الأعظم» من كتابه «الحاوي في الفتاوى) (١/٣٩٧) - مع حديث عزاه للنسائي والحاكم عن فضالة بن عبيد ﵁ مرفوعًا: «دعوة ذي النون في بطن الحوت (لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين)، لم يدع بها رجل مسلم قط إلا استجاب الله له» - مستدلًا بها لمن ذهب إلى أن دعوة ذي النون هي اسم الله الأعظم. وقد علمت ما في الحديثين - أو قل: الطريقين - والأثر بن المطعن. أما ما عزاه لفضالة بن عبيد، فلمأجده عند النسائي في: «عمل اليوم والليلة» والحاكم - ولا عند غيرهما - إلا من حديث سعد بن أبي وقاص ﵁. ثم وجدت الحافظ المنذري ﵀ - بمحض القدر - يورد في «الترغيب» (٢/٨٣٠-٨٣١) حديث فضالة بن عبيد ﵁، قال: بينا رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم قاعد إذ جاء رجل فصلى، فقال: اللهم اغفر لي وارحمني، فقال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: عجلت أيها المصلي، إذا صليت فقعدت
[ ٢٩ ]
فاحمد الله بما هو أهله وصل عليّ ثم أدعه، قال: ثم صل رجل آخر بعد ذلك فحمد الله، وصلى على النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فقال له النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: أيها المصلي، أدع تجب» . ثم أورد عقبة (٢/٨٣١) حديث سعد ﵁ مرفوعًا: «دعوة ذي النون إذ دعاه وهو في بطن الحوت: لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين، فإنه لم يدع بها رجل مسلم في شئ قط إلا استجاب الله له»، وعزاه للترمذي، قال: «واللفظ له» والنسائي والحاكم، وقال: «صحيح الإسناد»، فسبق إلى قلبي أن هذا منشأ وهم السيوطي عفا الله عنه، إما انتقال بصر، أو وهم في العزو بسبب الاعتماد على الذاكرة، فالله أعلم.
ثم إن دلالة حديث سعد - باللفظة الصحيحة لا المنكرة ت ليست قطيعة، إذ يفهم من الحديث أن الدعاء بهذه الدعوة مستجاب، ولا يلزم - بالضرورة - أن تكون متضمنة للأسم الأعظم، فقد يكون هناك سبب آخر سوى هذا النظر، نظير قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم - فيما في (صحيح البخاري» و«السنن» وغيرها عن عبادة بن الصامت ﵁: «من تعار من الليل، فقال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شئ قدير، سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله، فدعا استجيب له، فإن هو عزم، ثم قال: رب اغفر لي، غفر له. أو قال: فقام فتوضأ وصلى، قبلت صلاته» لفظ البيهقي. وقول أبي نعيم في «الحلية» (٥/١٥٩): «صحيح متفق عليه من حديث عمير بن هانئ والأوزاعي» إن كان يقصد الاتفاق الاصطلاحي، فهو وهم، لأنه من أفراد البخاري. والله أعلم. فالمقصد - كما يقول كثيرًا صاحب القلم السيال والسحر الحلال، الإمام ابن قيم الجوزية روّح الله روه - أن حديث سعد - من طريقيه الضعفين -: «صريح غير صحيح»، وباللفظة الثابتة من مجموع الطرق: (صحيح غير صريح» . والعلم عند الله تعالى.
وكنت سأورد حديثًا صحيحًا يرويه أبو أمامة الباهلي ﵁ استدل
[ ٣٠ ]
أحد رواته به على أن الاسم الأعظم هو: «الحي القيوم»، ولكن استوقفني كلام متين جدًا للإمام الطحاوي ﵀ في «مشكل الآثار» - بخصوص اختلاف الأحاديث في تعيين الاسم الأعظم. ولما كان ما أسطره الآن لا يتعلق بتقرير حكم ولا تصحيح معنى، فلا جناح علىّ في الاكتفاء بهذه الإشارة إن شاء الله تعالى، وهو سبحانه المستعان.
[ ٣١ ]