«يوشك أن لا يبقى من الإسلام إلا اسمه، ومن القرآن إلا رسمه، مساجدهم عامر، وهي خراب من الهدي، فقهاؤهم شر من تحت أديم السماء، من عندهم خرجت الفتنة، وفيهم تعود» .
ضعيف جدًا مرفوعًا وموقوفًا. روى من حديث علي وابن عمر ومعاذ وأبي هريرة، وعن علي موقوفًا من طريقين:
١- حديث علي:
رواه البيهقي في «شعب الإيمان» (٤/٤٦٩-٤٧٠) من طريق سعيد بن سليمان الواسطي، وابن عدي في «الكامل» (٤/١٥٤٣) وعنه البيهقي من طريق محمد بن يحيى الأزدي، وابن أبي الدنيا في كتاب «العقوبات» - كما في «الضعيفة» (١٩٣٦) - عن سعيد بن زنبور كلاهما عن يزيد بن هارون كلاهما (سعيد ويزيد) عن عبد الله بن دكين عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جده عن علي بن أبي طالب مرفوعًا به. قال الشيخ الألباني حفظه الله: «قلت: وهذا إسناده واه، عبد الله بن دكين مختلف فيه، وفي ترجمته ساق الحديث الذهبي مشيرًا إلى نكارته. وهذا هو الوجه عندي (يعني مرفوعًا) إن كان قد أصبح رواية يزيد له عنه، فإن سعيد بن زنبور لم أجد له ترجمة» . كذا قال، وسعيد هذا ذكره ابن حبان في «الثقات» (٨/٢٦٧)، وجاء في «الفهارس»: «سعيد ابن زنبويه» ! ولكن لا عذر للشيخ - إن شاء الله -، فإنه يقال في اسمه أيضًا: «سعيد بن زنبور»، وأول ما يتبادر إلى الأذهان: تحرف (سعد) من (سعيد) أو العكس.
وقد جهله الذهبي (٢/١٢٠) تبعًا لأبي حاتم الرازي -، فتعقبه الحافظ في «اللسان» (٣/١٥) بأن ابن حبان ذكره في «الثقات» . وسماه: «سعيدًا» .
[ ١١٧ ]
وذكر ثناء الإمام أحمد على حفظه، وقول ابن معين: «ذاك المسكين، وهو ثقة، وما أراه يكذب» . وأن بن شاهين ذكره في «الثقات» . وهو أيضًا في «تاريخ بغداد» (٩/١٢٧-١٢٨) . وقضية صنيع الخطيب والحافظ أنه هو والراوي عن الفضيل بن عياض - ﵀ - واحد، فقد جعلهما ابن أبي حاتم (٤/٨٤) اثنين، حكى عن أبيه تجهيل أولهما، وسكت عن الراوي عن الفضيل. ومجموع كلامهم عن الرجل يفهم منه أنه صدوق صالح الحال في حديثه بعض الوهم ثم تذكرت - أثناء تبييض هذا الحديث أول مرة - أن الشيخ حفظه الله فقد ذكر له حديثًا في «الصحيحة» (٣٤٢) (١) - باسم: «سعد بن زنبور» - وذكر ما رواه الخطيب من قول ابن معين فيه، فسبحان من لا يضل ولا ينسى. وقد تابعه على رفعه عن يزيد: محمد بن يحيى الأزدي - أحد الثقات - عند ابن عدي، لكن راويه عنه: عبد السلام بن إدريس بن سهل - شيخ ابن عدي - ترجمة الخطيب (١١/٥٥) من رواية ابن عدي وحده عنه، ولم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلًا. أما السند إلى سعيد بن سليمان، فصحيح عند ابيهقي. فالليلة من شيخهما: عبد الله بن دكين، فإنه واه. قال ابن معين: ليس بشئ وفي رواية: ليس به بأس. وقال أبو زرعة والمفضل الغلابي والأزدي: ضعيف. وقال أبو داود: بلغني عن أحمد أنه ثقة. وقال ابو حاتم: منكر الحديث، ضعيف الحديث، روى عن جعفر بن محمد غير حديث منكر.
وقال النسائي: ليس بثقة. قلت: وهذا من مناكيره التي أشار إليها أبو حاتم ﵀، وأنكر منه - عندي - ما رواه الخطيب (٩/٤٥٢) من طريق بشر أن الوليد الكندي عنه بهذا الإسناد عن علي قال: «ستة لا يأمنهم مسلم: اليهودي، والنصراني، والمجوسي، وشارب الخمر، وصاحب الشطرنج، والمتلهي بأمه» . وفيه: «قال ابن دكين: فسألته عن المتلهي بأمه؟ قال: الذي
_________________
(١) $! هوحديث: «إنما العلم بالتعلم، وإنما الحلم بالتحلم » وهو معل بالوقف على أبي الدرداء من رواية رجاء بن حيوة عنه - وهي منقطعة -، وصح بعضه عن ابن مسعود ﵁ كما أضرت في مقدمة «التبييض» (ص٤)، وربما أورده قريبًا إن شاء الله فيه أو في غيره. فالله المستعان.
[ ١١٨ ]
يقول أمه زانية إن لم أفعل كذا وكذا» . وعده الذهبي أيضًا (٢/٤١٧) في جملة مناكيره. وبشر بن الوليد مختلف فيه، لكنه لا يحتمل هذه الطامة. وقد رواه الخرائطي في «مساوئ الأخلاق» عن علي، بلفظ: «ستة لا يسلم عليهم: اليهود، والنصارى، والمجوس، والذيم من بين أيديهم الخمر والريحان (كذا)، والمتفكهوت بالأمهات، وأصحاب الشطرنج»، كما في «كنز العمال» (٩/٢١٨)، فإن كان من طريقه أيضًا فهم أطم، إذ يدل على تخبطه في متنه.
وللإسناد علة أخرى، وهي الانقطاع بين علي بن الحسين وجده ﵁، وبه وحده أعله البيهقي في «الشعب» (٤/٤٧٢) ويأتي بتمامه.
٢/٣ - حديث ابن عمر ومعاذ:
قال الشيخ الألباني حفظه الله تحت حديث الترجمة: «ضعيف جدًا. أخرجه الديلمي في «مسنده» (١٠٧/١) من طريق الحاكم بستنده إلى خالد بن يزيد الأنصاري عن ابن أبي ذئب عن نافع عن ابن عمر مرفوعًا. قلت: خالد هذا الظاهر أنه العمري المكي، فإنه يروى عن ابن أبي ذئب، كذبه أبو حاتم ويحيى، وقال ابن حبان (١/٢٥٨): «يروي الموضوعات عن الأثبات» ثم رواه الديلمي من طريق إسماعيل عن أبي زياد عن ثور عن خالد بن معدان عن معاذ بنحوه. قلت: وهذا - كالذي قبله - موضوع، آفته إسماعيل هذا، وهو السكوني القاضي، قال ابن حبان _١/١٢٩): «شيخ دجال، لا يحل ذكره في الكتب إلا على سبيل القدح فيه» . وقد وجدت له طريقًا ثالثًا، فقال ابن أبي الدنيا » فذكره - جزاه الله خيرًا - ما قدمناه عنه.
٤- حديث أبي هريرة:
ذكره في «كنز العمال) (١١/١٨١) من رواية الديلمي عنه، وهو في «الفردوس» (٨٤٣٧)، ولم يسق محققاه - سامحهما الله - إسناده في الحاشية، مع حرصهما الكبير على ذلك في الأجزاء الأخيرة من الكتاب لا سيما فيما يتفرد به الديلمي. وعلى كلٍ، فلا إشكال إن شاء الله، ولنا عبرة فيما تقدم من طرق
[ ١١٩ ]
الحديث، فإن أوهاها ما رواه الديلمي! وقد قال الشيخ حفظه الله: «وجملة القول: أن هذا الحديث بهذه الطرق الثلاث، يظل على وهائه لشده ضعفها، وإن كان معناه يكاد المسلم يلمسه، بعضه أو جله في واقع العالم الإسلامي، والله المستعان.
٥- موقوف على: وله طريقان:
الأولى: مدارها على عبد الله بن دكين ايضًا. وقد علقه البخاري ﵀ في «خلق أفعال العباد» (٢٣٩)، فقال: «ويذكر عن علي ﵁ قال: يأتي على الناس زمان لا يبقى من الإسلام إلا اسمه، ولا من القرآن ألا رسمه» . دلني عليه محقق «الشعب» . ودلني محققه على روايته عند ابن بطة كما يأتي، فجزاهما الله خيرًا.
ووصله ابن عدي وعنه البيهقي من طريق بشر بن الوليد الكندي، ثنا عبد الله بن دكين به وبشر وثقه الدارقطني - من رواية السلمي عنه - ومسملة بن القاسم. وقال صالح جزرة: وهو صدوق لكنه لا يعقل، قد كان خرف. وقال الآجري: سألت أبا داود: أبشر بن الوليد ثقة؟ قال: لا. وقال السلمياني: منكر الحديث. وقال البرقاني: ليس هو من شرط الصحيح. ولم يتفرد به. فقد أخرجه الدينوري في «المنتقى من المجالسة» (١٩-٢٠مخطوطة حلب) - كما في «الضعيفة» -، من طريق محمد بن مسلمة، حدثنا يزيد بن هارون عن ابن دكين به. قال الشيخ الألباني: «ومحمد بن مسلمة هو الواسطي صاحب يزيد بن هارون، مختلف فيه، والأكثرون على تضعيفه، بل قال أبو محمد الخلال: «ضعيف جدًا» . وقال الذهبي: «أتى بخير باطل اتهم به» . لكن الدينوري نفسه منهم، فراجع ترجمته في «الميزان» » . وله طريق ثاثلة، فقد رواه الإمام ابن بطة ﵀ في «جزء إبطال الحيل» (ص٢١) عن أبي محمد عبد الله بن سليمان الفامي حدثنا محمد بن عبد الملك الدقيقي حدثنا يزيد ابن هارون قال: أنبأنا عبد الله بن دكين به. وقد تحرفت نسبة: «الفامي»:
[ ١٢٠ ]
إلى: «الفاسي» . و«ابن دكين» إلى: «ابن مكين»، وسقط قوله: «عن أبيه» أعني: «جعفر بن محمد عن أبيه عن جده»، ولذلك قال محقق «خلق أفعال العباد»: «وفي غسناده من لم أهتد به إليه» . قلت: والفامي والدقيقي ثقتان، ولكن الإمام ابن بطه ﵀ - واسمه: عبيد الله بن محمد بن محمد ابن حمدان أبو عبد الله العكبري - فيه مقال معروف، وقد ترجمه الحافظ الذهبي ﵀ في «السير» (١٦/٥٢٩: ٥٣٣) وساق له أحاديث غلط فيها، وقال: «قلت: فبدون هذا يضعف الشيخ» .
وله ترجمة أيضًا في «تاريخ بغداد» (١٠/٣٧١:٣٧٥) و«الميزان» (٣/١٥) و«اللسان» (٤/١١٢: ١١٥)، فانظرها إن شئت. والحاصل أن الروايات المرفوعة عن ابن دكين لو قورنت بالموقوفة - التي لم تسلم من مقال كما بينا - لرجحت عليه، لولا عدم اظلاعنا على إنساد البخاري إلى ابن دكين - إذ كره معلقًا - ناهيك عما لم نطلع عليه. وعلى كل. فهو ترجيح لا يسمن ولا يغني من جوع لمكان ذاك الواهي في جميع طرقه، فما يؤمننا أن هذا التخبط منه هو؟ !
(ثم) إني وقفت له على إسناد آخر عن علي أوهى من هذا، عند البيهقي في «الشعب» (٤/٤٧١-٤٧٢) من طريق أحمد بن أبي حسان يحيى بن أحمد الضبي حدثنا حفص بن محمد بن نجيح البصري، حدثنا بشر بن مهران، عن شريك بن عبد الله النخعي، عن الأعمش، عن أبي وائل قال: خدب عليّ الناس بالكوفة فسمعته يقول في خطبته: أيها الناس، إنه من يتفقر يفتقر، ومن يعمر يبتلى، ومن لا يستعد للبلاء، إذا ابتلي لا يصبر، ومن ملك أستأثر، ومن لا يستشر يندم. وكان يوقلمن وراء هذا الكلام: يوشك أن لا يبقى من الإسلام إلا اسمه، ومن القرآن إلا رسمه. وكان يوقل: ألا ى يستحيي الرجل أن يتعلم متى سئل عما لا يعلم أن يقول: لا اعلم. مساجدكم يومئذ عامرة، وقلوبكم وأبدانكم مخربة من الهوى (كذا، ولعل الصواب: من الهدى)، شر من تحت ظل السماء فقهاؤكم (في «الشعب»: فقهاءكم - بالنصب - ولا أعلم وجهها، منهم تبدأ الفتنة وفيهم تعود. فقام رجل فقال: ففيم يا أمير المؤمنين؟
[ ١٢١ ]
قال: إذا كان الفقه في رذالكم، والفاحشة في خياركم، والملك في صغاركم، فعند ذلك تقوم الساعة» . قال البيهقي: «هذا موقوف إسناده إلى شريك مجهول، والأول منقطع. والله أعلم» . قلت: وهو إسناده واه، له علل أربع:
الأولى: جهالة أحمد بن أبي حسان يحيى بن أحمد الضبي، فإني لم أهتد إليه.
الثانية: وجهالة شيخه حفص بن محمد بن نجيح البصري، فلم أجد له أيضًا. ولا شك أن الإمام البيهقي ﵀ يعينهما بقوله: «إسناده إلى شريك مجهول» لكن سيأتي استثناء الراوي عنه من الجهالة. وكأن هذين من غلاة الرافضة الذين أفصحنا عن حالهم في ثنايا هذا الكتاب، فإنهم من أكذب طوائف هذه الأمة لا سيما على عليّ وبنيه. أقول ذلك بعد أن طالعت – سوى «أمالي الشجري» – ثلاثة من كتبهم وأماليهم، فوجدت فيها بلايا ورزايا، ومضحكات مبكيات.
الثالثة: شدة ضعف بشر بن مهران – وهو الحذاء – قال ابن أبي حاتم (٢/٣٦٧): «روى عن شريك بن عبد الله النخعي. كتب عنه أبي سمعت أبي يقول ذلك» . ثم أعاده (٢/٣٧٩) – باسم بشير بن مهران الحذاء البصري – وقال: «مولى بني هاشم أبو الحسن. روى عن شريك بن عبد الله. سمع منه أيام الأنصاري وترك حديثه وأمرني أن لا أقرأ عليه حديثه» . وقال العلامة المعلمي ﵀ في «حاشية الجرح» – تعليقًا على الموضع الأول -: «هذه الترجمة مزيدة في ك. وسيأتي في باب بشير «بشير بن مهران » وفي الميزان واللسان أنهما واحد» اهـ. وأحال في الموضع الثاني على هذا الموضع. أما ابن حبان ﵀، فقد تساهل في أمر هذا الرجل، فأورده في «الثقات» (٨/١٤٠)، واكتفى بقوله: «روى عنه البصريون الغرائب» .
الرابعة: سوء حفظ شريك القاضي على تفصيل في أمره ليس هذا محله. وقوله في الأثر: «إذا كان الفقه في رذالكم، والفاحشة في خياركم » قد رُري قريب منه عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ففي «المسند»
[ ١٢٢ ]
(٢/١٨٧) و«سنن ابن ماجه» (٤٠١٥) من طريق مكحول عن أنس بن مالك، قال: قيل: يا رسول الله، متى نترك الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر؟ قال: «إذا ظهر فيكم ما ظهر في الأمم قبلكم» . قلنا: يا رسول الله، وما ظهر في الأمم قبلنا؟ قال: «الملك في صغاركم، والفاحشة في كباركم، والعلم في رذالتكم» . وقال الحافظ البوصيري ﵀ في «مصباح الزجاجة» (٣/٢٤٤): «هذا إسناد صحيح ورجاله ثقات» قلت: كلا، فإن مكحولًا ﵀ مدلس وقد عنعنه. ومن هذا الوجه رواه أيضًا ابن عبد البر في «جامع بيان العلم» (١/١٥٧) . وذكر له الزبيدي ﵀ طريقًا أخرى عند يعقوب ابن سفيان في «مشيخته» من حديث الزبير عن عيسى حدثنا هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة مرفوعًا بنحوه، كما في «تخريج الإحياء» (١٢٤) . والزبير هذا، قال العقيلي في «الضعفاء» (٢/٩١): «حديثه غير محفوظ» . ثم رواه من طريق البخاري قال: حدثنا خليل بن يزيد الباقلاني، دلنا عليه الحميدي، قال: عنده عن أبي حديثان (في الأصل: حديثين) قال: حدثنا الزبير بن عيسى الحميدي (في الأصل: ابن علي) فذكره، ثم قال: «لا يتابع عليه، ولا يعرف إلا به» . وقال الحافظ في «اللسان» (٢/٤٧٢): «وقال النباتي عقب كلام العقيلي: لعمري إنه لباطل موضوع يشهد له القرآن والسنة (كذا») . وذكره ابن حبان في «الثقات» اهـ.
تمّ بحمد الله القسم الأول من «تكميل النفع بما لم يثبت به وقف ولا رفع» . فالحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، وتمّ الفراغ من تبييضه بفهارسه يوم الاثنين الموافق السادس من شعبان ١٤٠٩هـ، والثالث عشر من مارس ١٩٨٩م.
[ ١٢٣ ]