إن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «أري الناس قبله أو ما شاء الله من ذلك، فكأنه تقاصر أعمال أمته أن لا يبلغوا من العمل مثل الذي بلغ غيرهم في طول العمر، فأعطاه الله ليلة القدر خير من ألف شهر» .
ضعيف. رواه الإمام مالك ﵀ في «الموطأ» (١/٩٩) - (تنوير الحوالك للسيوطي) من رواية يحيى بن يحيى عن زياد ب عبد الرحمن عنه أنه سمع من يثق به من أهل العلم يقول: فذكره. وهذا إسناد ضعيف لعدم اتصاله، عن رجل أبهمه الإمام مالك ﵀ - مع إخباره بوثوق به- على خلاف عند أهل العلم في قبول المبهم بصيغة التعديل. فعلى القول بقبول ذلك منه - ﵀ - فالإسناد مرسل إن كان شيخه هذا تابعيًا، وإلا فمعضل والعلم عند الله تعالى.
قال الحافظ السيوطي ﵀ في «التنوير»: «قال ابن عبد البر: هذا لا يعرف في غير «الموطأ» لا مسندًا ولا مرسلًا، وهو أحد الأحاديث التى انفرد بها مالك. قلت: لكن له شواهد من حيث المعنى مرسلة، فأخرج ابن أبي حاتم » فذكر ما سنورده ونجيب عنه بحول الله وقوته. وعن مالك رواه البيهقي في «شعب الإيمان» كما في «الدر المنثور» (٦/٣٧١) .
(وروى) معناه من حديث ابن عباس، ومرسل مجاهد، معضل علي بن عمرة الدمشقي ٠ أحد الهلكي -، ومن مقطوع مجاهد - ببعضه - حكاية عن بني إسرائيل - دون أن يصرح برفعه -، مرسلًا بباقيه كما يأتي.
(أما) حيث ابن عباس، فقال الإمام البغوي ﵀ في (تفسيره» (٤/٥١٢): «قال عطاء عن ابن عباس: ذكر لرسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم رجل من بني إسرائيل حمل السلاح على عاتقه في سبيل الله ألأف شهر، فعجب رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم لذلك، وتمنى ذلك لأمته فقال:
[ ٢٢ ]
يارب جعلت أمتي الأمم أعمارًا وأقلها أعمالًا، فأعطاه الله ليلة القدر، فقال: (ليلة القدر خير من ألف شهر) التي حمل فيها الإسرائيلي السلاح في سبيل الله، ولأمتك إلى يوم القيامة» . هكذا علقه البغوي، ولم يسق سنده به إلى أعطاء. ففي القلب من ثبوته عند ارتياب كبير، بل أكاد أقطع بذلك. ولذلك لم يعرج عليه ابن عبد البر وابن كثير والسيوطي ﵏ - إن كانوا وقفوا عليه - مع توافر الدواعي والهمم على إيراده موصولًا عن ابن عباس، وإعطائه الأولوية على مرسل مجاهد وقوله.
(وأما) مرسل مجاهد، فرواه ابن أبي حاتم في «تفسيره» كما في «تفسير الحافظ ابن كثير» ﵀ (٤/٥٣٠)، والبيهقي في «سننه» (٤/٣٠٦) والواحدي في «أسباب النزول» (ص٣٣٩-٣٤٠) من طرق عن مسلم ابن خالد الزنجي عن ابن أبي نجيح عنه أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ذكر رجلًا من بني إسرائيل ليس السلاح في سبيل ألف شهر. قال: فعجب المسلمون من ذلك. قال: فأنزل الله ﷿ (إنا أنزلناه في ليلة القدر. وما أدراك ما ليلة القدر. ليلة القدر خير من ألف شهر) التي ليس فيها ذلك الرجل السلاح في سبيل ألف شهر» . قال البيهقي: «وهذ مرسل» اهـ.
ولا يثبت إسناده إلى مجاهد أيضًا، فإن الزنجي ضعيف عند البيهقي نفسه والجمهور، فقد قال البيهقي (٢/٤٩٥) - عقب حديث مرسل رواه -: «وقد روي بإسناد موصول إلا أنه ضعيف» ثم رواه من طريق الإمام أبي داود ﵀ بسنده إلى مسلم بن خالد عن العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة مرفوعًا، وقال: «قال أبو داود: هذا الحديث ليس بالقوي، مسلم بن خالد ضعيف» . قلت: ودلني على رأي البيهقي فيه الإمام ابن التركماني ﵀، إذ قال تعليقًا على حديث آخر رواه البيهقي (٨/١٢٣) - في القسامة (١) - واحتج به للشافعية ساكتًا عنه: «قلت: في إسناده لين، كذا
_________________
(١) $! قال ابن الأثير في «النهاية» (٤/٦٢): «القسامة بالفتح: اليمين، كالقسم. وحقيقتها أن يقسم من أولياء الدم خمسون نقرًا على استحقاقهم دم صاحبهم، إذ وجدوه قتيلًا بين قوم ولم يعرف قاتله، فإن لم يكونوا خمسين أقسم الموجودون خمسين يمينًا، ولا يكون فيم صبي، ولا امرأة، ولا مجنون، ولا عبد، أو يقسم بها المتهمون على نفي القتل عنهم، فإن حلف المدعون استحقوا الدية، وإن حلف المتهمون لم تلزمهم الدية، وقد أقسم يقسم قسمًا وقسامة إذا حلف » .
[ ٢٣ ]
في «التمهيد» . وذلك أن الزنجي ضعيف. كذا قال البيهقي في باب من زعم أن التروايح بالجماعة أفضل. وقال ابن المديني: ليس بشئ. وقال أبو زرعة والبخاري: منكر الحديث..» الخ. ومرسل مجاهد رواه أيضًا ابن المنذر في «تفسيره» كما في «الدر المنثور» .
(وأما) معضل علي بن عروة - وهو أوهاها جميعًا إن لم يكن إسناد حديث البغوي إلى عطاء شر منه -، فقد رواه ابن أبي حاتم من طريق ابن وهب حدثني مسلمة بن علي عن علي بن عروة قال: ذكر لرسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم يومًا أربعة من بني إسرائيل عبدوا الله ثمانين عامًا لم يعصوه طرفة عين، فذكر أيوب وزكريا وحزقيل بن العجوز ويوشع بن نون. قال: فعجب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم من ذلك، فأتاه جبريل فقال: يا محمد: عجبت أمتك من عبادة هؤلاء النفر ثمانين سنة لم يعصوه طرفة عين، فقد أنزل الله خيرًا من ذلك، فقرأ عليه: (إنا أنزلناه في ليلة القدر. وما أدراك ما ليلة القدر. ليلة القدر خير من ألف شهر) هذا أفضل مما عجبت أنت وأمتك. قال: «فسر بذلك رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم والناس معه» . وفي هذا الإسناد مسلمة بن علي، وهو الخشني الدمشقي البلاطي، متروك كما في «التقريب» (٦٦٦٢)، وقال الحاكم: «روى عن الأوزاعي والزبيدي المناكير والموضوعات» . وحكم أبو حاتم الرازي على أحاديث رواها بالبطلان. وشيخه على بن عروة هو القرشي الدمشقي أيضًا متروك مثله كما قال الحافظ (٤٧٧١) ورماه صالح بن محمد جزرة وابن حبان بالوضع. ومع ذلك فالإسناد أيضًا معضل.
[ ٢٤ ]
(وأما) موقوف مجاهد، فرواه الطبري (٣٠/١٦٧) عن شيخه محمد بن حميد الرازي عن حكام بن سلم عن المثنى بن الصباح عنه قال: «كان بني إسرائيل رجل يقوم الليل حتى يصبح، ثم يجاهد العدو بالنهار حتى يمسي، ففعل ذلك ألف شهر، فأنزل الله هذه الآية (ليلة القدر خير من ألف شهر) قيام تلك الليلة خير من عمل ذلك الرجل» . نعم، ذكر نزول الآية حكمة حكم المرفوع المرسل - ولا بد - أما الحكاية عن بني إسرائيل فلم يبين مجاهد عمن تلقاها، ولا تحمل هذه الرواية على سابقتها المرسلة عنه لعدم ثبوت في كل. ومع ذلك، فإسناد هذه أوهى بكثير، فلا يصلح شاهدًا ولا مشهودًا له. ومحمد بن حميد الرازي - مع أنه معدود في الحفاظ - لكنه متهم بالكذب وغيره من القبائح، وقد وهاه جماعة وصرح أبو زرعة وأبو حاتم وابن وارة - الرازيون - وصالح جزرة وابن حراش بتكذيبه، وبين بعضهم أنه كان يقلب الأحاديث عمدًا ويأخذ أحاديث الكوفيين فيرويها عن الرازيين. نعم، ولم يتبين أمره لابن معين فوثقه هو وغير واحد.
والمثنى بن الصباح - راويه عن مجاهد - هو اليماني الأبناوي، نزيل مكة. وهو واه، اتفقوا على تضعيفه - بإستشناء رواية فيه نظر عن ابن معين -، ووهاه الإمام أحمد ويحيى القطان والنسائي والساجي وابن الجنيد وابن عدي والدارقطني.
(هذا) والصحيح في تفسير الآية خلاف ذلك، فقد قال الإمام الطبري ﵀ (٣٠/١٦٧-١٦٨) - بعد أن ذكر رواية أخرى أنكر من هذه تفسر نزول السورة بسبب يتعلق بملك بني أمية! -: «وأشبه الأقوال في ذلك بظاهر التنزيل قول من قال: عمل في ليلة القدر خير من عمل ألف شهر ليس فيها ليلة القدر. وأما الأقوال الأخرى فدعاوى معانٍ باطلة لا دلالة عليها من خبر ولا عقل، ولا هي موجودة في التزيل» . قلت: وهذا الذي رجحه الطبري مروي عن مجاهد وقتادة والإمام الشافعي وغيرهم. قالالحافظ بن كثير ﵀ (٤:٥٣١): «وهذا القول بأنها أفضل من عبادة ألف شهر ليس فيها ليلة القدر
[ ٢٥ ]
هو اختيار بن جرير، وهو الصواب لا م عداه. وهو كقوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «رباط ليلة في سبيل الله، خير من ألف ليلة فيما سواه من المنازل» .رواه أحمد. وكما جاء في قاصد الجمعة بهيئة حسنة ونية صالحة أنه يكتب له عمل سنة أجر صيامها وقيامها إلى غير ذلك من المعاني المشابهة لذلك» اهـ. والله أعلم. قلت: يعني بالثني قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «من غسل واعتسل يوم الجمعة ثم بكر وابتكر، ومشى ولم يركب، ودنا واستمع ولم بلغ، كان له بكل خطوة يخطوها، عمل سنة، صيامها وقيامها» . وهو في «صحيح الجامع» (٥/٣٢٥) بنحوه. أما الأول، فلم أجده عند أحمد وكذا الترمذي والنسائي والحاكم إلا بلفظ: «رباط يوم خير من ألف يوم» . وإسناده حسن، وقال الترمذي: «حسن صحيح غريب»، وصححه الحاكم ووافقه الذهبي، وضعفه الشيخ الألباني في تخريج «المشكاة» (٣٨٣١) مشيرًا إلى جهالة أبي صالح مولى عثمان، وليس هو كذلك، فقد وثقه العجلي وابن حبان، وصحح له المذكورون وقال العجلي: «روى عنه زهرة بن معبد والمصريون» فهو صدوق - على أقل حالاته - والله أعلم.
[ ٢٦ ]