«تكفير كل لحاء ركعتين» .
ضعيف على الأقل. رواه تمام الرازي في «الفوائد» (١٤١/١) من طريق يحيى بن أبي كثير، وابن الأعرابي في «معجمه» (١٧٨/٢) من طريق أبي عاصم النبيل كلاهمما عن الأوزاعي حدثني عبد الواحد بن قيس عن أبي هريرة مرفوعًا به.
وقال الحافظ ﵀ في ترجمة: «مخلد بن يزيد القرشي الحراني من «التهذيب» (١٠/٧٧): «قلت: وقال الساجي: كان يهم. وقدم أحمد مسكين بن بكير عليه. فمن أوهامه: حديثه عن الأوزاعي عن عبد الواحد بن قيس عن أبي هريرة رفع قال: يكفر كل لحاء ركعتان. قال أبو داود: مخلد شيخ، إنما رواه الناس مرسلًا » . قلت: لم أقف عليه من طريق مخلد هذا إلا موقوفًا من رواية الإمام أحمد ﵀ كما يأتي. فإن كان المراد بالإرسال - عند أبي داود - الوقف، فقد أوقفه مخلد ولا أدري من رفعه عنه وإن كان مراده الإرسال - على ظاهره - أي عن عبد الواحد بن قيس عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم - بدون ذكر أبي هريرة - فهذا لم أقف عليه البتة ولا وجدت أحدًا بينه.
ومما يرجح الثاني، قال الحافظ الذهبي ﵀ في «الميزان» (٤/٨٤): «قال أبو حاتم: صدوق. وقد روى مخلد حديثًا في الصلاة مرسلًا فوصله. قال أبو داود: مخلد شيخ، إنما رواه الناس مرسلًا. قال أحمد بن حنبل: حدثنا مخلد بن يزيد..» فذكره موقوفًا.
أقول: وإسناد الحديث من طريق يحيى بن أبي كثير عن الأوزاعي
[ ٦٥ ]
- مرفوعًا - واه جدًا (١)، فيه أحمد بن محمد بن عمر بن يونس بن القاسم اليمامي، كذبه أبو حاتم وابن صاعد وغيرهما. وقال الدارقطني: ضعيف. وقال - مرة -: متروك. وقال عبيد الكشوري (منسوب إلى قرية بصنعاء اليمن): هو كالواقدي فيكم. نعم، تابعه - عند ابن الأعرابي - أبو عاصم الضحاك بن مخلد النبي الشيباني، وهو ثقة حافظ، لكن مدار الطريقين على عبد الواحد بن قيس الدمشقي، وهو مختلف فيه اختلافًا كثيراُ. وقال الحافظ (٤٢٤٨): «صدوق له أوهام ومراسيل» .
أما رواية مخلد - المرفوعة - عن الأوزاعي، فقد بينت عدم وقوفي عليها. وقد أوقفها الإمام أحد. أما رواية عبد الواحد عن أبي هريرة، فمنقطعة قطعًا. قال ابن أبي حاتم في «الجرح» (٦/٢٣) عن أبيه: «روى عن أبي هريرة مرسل» . وفي «التهذيب» (٦/٤٣٩): «روى عن أبي أمامة ونافع و وأبى هريرة مرسل» . وقال صالح بن محمد البغدادي: «روى عن أبي هريرة ولم يسمع منه. وأظنه مدنيًا سكن الشام. وقال ابن حبان في «الثقات» (٧/١٢٣): «وهو الذي يروى عن أبي هريرة ولم يره، ولا يعتبر بمقاطيعه ولا بمراسيله ولا برواية الضعفاء عنه» . ثم عاد فذكره في «المجروحين» (٢/١٥٣-١٥٤) . وقال الذهبي في «الميزان» (٢/٦٧٥) - عقب حديث أورده العقيلي بسنده إلى الأوزاعي، حدثني عبد الواحد بن قيس سمت أبا هريرة يقول: فذكره. قال: «قلت: هذاذ كذب على الأوزاعي: فأساء العقيلي كونه ساق هذا في ترجمة عبد الواحد، وهو برئ منه، وهو لم يلق أبا هريرة إنما روايته عنه مرسلة، إنما أدرك عروة، ونافعًا »
قلت: وللمتن شاهد مرفوع من أبي أمامة - لكن إسناده واه جدًا - عند الطبراني
_________________
(١) $! ولم ينبه - أو لم يتفطن - الشيخ الألباني حفظه الله، فأورد الإسناد إلى يحيى بن أبي كثير، ولم يعله بهذا اليمامي، فاغتر بذلك أحد إخواننا الكرام فرجح الطريقين المرفوعتين على رواية المصمصي الموقوفة - وتأتي - إذ لم يكن قد وقف على رواية مخلد بن يزيد الموقوفة.
[ ٦٦ ]
في «الكبير» (٨/١٧٥) وابن عساكر (١٤/٦١٤) من طريق مسلمة ابن علي الخشني عن خالد بن دهقان عن كهيل بن حرملة عنه به. ومسلمة متهم، تقدم الكلام عنه في الحديث الرابع. وبه وحده أعل الحافظ الهيثمي الحديث في «المجمع» (٢/٢٥١) والشيخ الألباني في «الصحيحة» (١٧٨٩) . وكهيل بن حرملة أيضًا فيه جهالة. فقد ترجمه البخاري في «التاريخ الكبير» (٧/٢٣٨) وابن أبي حاتم (٧/١٧٣) وابن حبان في «الثقات» (٥/٣٤١) بروايته عن أبي هريرة، ورواية خالد سيلان - وحده - عنه. وأورد له ابن حبان حديثًا من طريق خالد بن دهقان قال: ثنا خالد سيلان عن كهيل عن أبي هريرة. وهذا مفاده أن رواية ابن دهقان عنه أيضًا منقطعة، إلا أن يثبت أن بينهما خالد سيلان ت واسمه خالد بن عبد الله بن الفرج، ولقب: «سيلان» لضخامة لحيته. وهو ثقة، وثقة أبو سهر الغساني وابن حبان. فهذه علل ثلاث لهذه الطريق.
والحديث - من طريق أبي هريرة - أورده الشيخ الألباني حفظه الله في «الصحيحة» جازمًا بحسنه - اعتمادًا على قول الحافظ ﵀ في عبد الواحد ابن قيس: «صدوق، له أوهام» كما تقدم، ولم يتفطن للإنقطاع الظاهر الذي صرح به الأئمة المتقدم ذكرهم. أما تحقيق حال عبد الواحد بن قيس، فلم أنشط إليه الآن اتكالًا على ضعف الحديث بالانقطاع، والخلاف فيه شديد جدًا بين موثق وتارك! ولذلك قلت - تحت حديث الترجمة -: «ضعيف على الأقل» .
(أما) الموقوف، فرواه الإمام أحمد في «العلل ومعرفة الرجال» (٢/١٨٨٦)، فقال: «حدثنا مخلد بن يزيد الحراني قال: حدثنا الأوزاعي عن عبد الواحد بن قيس عن أبي هريرة » فذكره. قال ابنه عبد الله: «قال أبي: تفسيره: الرجل يلاحي الرجل يخاصمه يصلي ركعتين تكفيره. يعني كفارته» اهـ. ومخلد ثقة أو صدوق على أقل تقدير. وتابعه على إيقافه أيضًا: محمد بن كثير المصيصي، ومن طريقه ابن عساكر (١٠/٥٧٤) عن الأوزاعي
[ ٦٧ ]
عن عبد الواحد عن رجل عن أبي هريرة، فأدخل رجلًا مبهمًا بين عبد الواحد وأبي هريرة. والمصيصي - وإن قال الحافظ (٦٢٥١): «صدوق كثير الغلط» - إلا أن خشي غلطه في هذه الرواية - خاصة - مدفوعة بالمتابعة المتقدم ذكرها. وإدخاله رجلًا مبهمًا في الإسناد - وإن لم أره توبع عليه في جميع ما تقدم - لكنه صحيح حكمًا، فإن هناك واسطة لا تعلمها بين عبد الواحد وأبي هريرة - ولا بد. والحاصل أن الحديث لا يثبت مرفوعًا ولا موقوفًا، ولا جدوى من محاولة الترجيح لضعفه على كل حال. وتغني عن معنهاه أحاديث أخرى ثابتة نحو قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم «اتق الله حيثما كنت واتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن» وقوله: «إذا عملت سيئة فأتبعها حسنة تمحها، قيل: يا رسول الله، أمن الحسنات: لا إله إلا الله؟ قال: هي أفضل الحسنات» . بل وجدت هذا المعنى في كتاب الله ﷿ في قوله: (ويدرؤون بالحسنة السيئة. أولئك لهم عقبى الدار) وقوله: (أقم الصلاة طرفي النهار وزلفًا من الليل. إن الحسنات يذهبن السيئات. ذلك ذكرى للذاكرين) وهذه النصوص داخلة في جملة ما استخرت الله ﷿ عليه في التبييض النهائي للكتاب، ألهمتها الآن. فالحمد لله على توفيقه. وهو سبحانه أعلى وأعلم.
[ ٦٨ ]