«حسنات الأبرار سيئات المقربين» . باطل لا أصل له. قاله الشيخ الألباني أمتعنا الله بعمره في «الضعيفة» (١٠٠) .
قال: «وقد أورده الغزالي في «الإحياء» (٤/٤٤) بلفظ: «قال القائل الصادق: حسنات الأبرار » قال السبكي (٤/١٤٥-١٧١): «ينظر إن كان حديثًا، فإن المصنف قال: قال القائل الصادق، فينظر من أراد» . قلت: الظاهر أن الغزالي لم يذكره حديثًا، ولذلك لم يخرجه الحافظ العراقي في «تخريج أحاديث الإحياء» وإنما أسار الغزالي إلى أنه من قول أبي سعيد الخراز الصوفي، وقد أخرجه عنه ابن الجوزي في «صفوة الصفوة» (٢/١٣٠/١) وكذا ابن عساكر في ترجمته كما في «الكشف» (١/٣٥٧) قال: «وعده بعضهم حديثًا وليس كذلك» . قلت: وممن عده حديثًا، الشيخ أبو الفضل محمد بن محمد الشافعي فإنه قال في كتابه «الظل المورورد» (ق١٢/١): «فقد أنه صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: » فذكره. ولا يشفع له أنه صدّره بصيغة التمريض - إن كانت مقصودة منه - لأن ذلك إنما يفيد فيما كان له أًل ولو ضعيف، وأما فيما لا أصل له - كهذا - فلا. قلت: ثم إن معنى هذا القول غير صحيح عندي، لأن الحسن لا يمكن أن تصير سيئة أبدًا مهما كانت منزلة من أتى بها، وإنما تختلف الأعمال باختلاف مرتبة الآتين بها إذا كانت من الأمور الجائزة التي لا توصف بحسن أو قبيح، مثل الكذبات الثلاث التي أتى بها إبراهيم ﵇، فإنها جائزة لأنها كانت في سبيل الإصلاح، ومع ذلك فقد اعتبرها إبراهيم ﵇ يئة، واعتذر بسببها عن أن يكون أهلًا لأن يشفع في الناس ﷺ وعلى نبينا وسائر أخوانهما أجمعين. وأما اعتبار الحسنة التي هي قربة إلى الله تعالى سيئة بالنظر إلى أن الذي صدرت منه من المقربين، فمما، لا يكاد يعقل» اهـ. قلت: وهذا كلام نفيس جدًا، ولكن ليت الشيخ حفظه
[ ٧٢ ]
الله تحقق من مدى نسبته إلى أبي سعيد الخراز - ﵀ - واسمه: «أحمد ابن عيسى البغدادي»، فسيأتي تحقيق أنه كذب عليه أيضًا.
وما كان الشيخ ليعجزه أن يعلم أن أبا سعيد هذا بغدادي، وبالتالي يرجع إلى ترجمته في «تاريخ بغداد» وكذلك «تاريخ دمشق» كما دله عليه الشيخ العجلوني ﵀ فيما تقدم من عزوه لان عساكر.
أما أنا فلم أكن لأفعل (١) ذلك لولا أنه قد لفت نظري أثناء تقليب المجد الأول من «كشف الخفاء» قول العجلوني (١١٣٧) تحته: «هو من كلام أبي سعيد الخراز كما رواه ابن عساكر في ترجمته، وهو من كبار الصوفية مات في سنة ما ئتين وثمانين. وعده بعضهم حديثًا وليس كذلك » قلت: وتمام كلامه - الذي لم يسقه الشيخ -: «وقال النجم: رواه ابن عساكر أيضًا عن أبي سعيد الخراز من قوله، وحكى عن ذي النون انتهى. وعواه الزركشي في لفظته للجنيد » الخ. قلت: علقة بن الجوزي في «صفة الصفوة» (٢/٤٣٧) فقال: «وعن علي بن حفص الرازي قال: سمعت أبا سعيد الخراز يقول: ذنوب المقربين حسنات الأبرار» . ووصله الخطيب (٤/٢٧٧) - وعنه ابن عساكر (٢/٦٥) -، فقال: «أخبرنا الحسن بن الحسين النعالي أخبرنا أحمد ابن نصر الذارع قال: سمعت أبا محمد الحسن بن ياسين يقول: سمعت علي بن حفص الرازي يقول: فذكره. وهذا إسناد هالك غاية! وفيه:
١- الحسن بن الحسين المعروف بابن دوما النعالي - شيخ الخطيب - مترجم في «تاريخه» (٧/٣٠٠-٣٠١) وفيه: «كتبنا عنه وكان كثير السماع في أشياء لم تكن سماعه » حتى قال: «ذكرت لمحمد بن علي الصوري خبرًا من حديث الشافعي كان حدثنا به ابن دوما. فقال الصوري: لما دخلت بغداد رأيت هذا الجزء وفيه سماع ابن دوما الأكبر، وليس فيه سماع أبي علي (يعني شيخ الخطيب هذا)، ثم سمع فيه
_________________
(١) $! بل ظللت حتى تلك اللحظة معتقدًا حقًا أنه من كلام أبي سعيد الخراز الثابت عنه حتى دعاني الفضول إلى معرفة إٍناده إليه من «تاريخ دمشق» !
[ ٧٣ ]
أبو علي لنفسه، وألحق اسمه مع اسم أخيه » وأقره الحافظ في «اللسان» (٢/٢٠١) .
٢- وشيخه أحم بن نصر الذارع، قال الخطيب (٥/١٨٤): «نزل النهروان وحدّث بها عن الحارث بن أبي أسامه، وإسماعيل بن إسحاق القاضي، و،، وجماعة غير هؤلاء ممن لا يعرف. وفي حديثه نكرة تدل على أنه ليس بثقة. حدثنا عنه و وأبو علي بن دوما النعالي » . وقال الذهبي في «الميزان» (١/١٦١-١٦٢): «بغدادي مشهور. روى عن الحارث ابن أبي أسامه وطبقته، فأتى بمناكير تدل على أنه ليس بثقة. قال الدارقطني: دجّال، يكنى أبا بكر، فمن أباطيله » فذكر إسنادًا مسلسلًا بآل البيت إلى علي قال: «خرجت مع رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم فصاحت نخلة بأخرى: هذا النبي المصطفى، وعلىّ المرتضى » وفيه: «فقال: يا علي! إنما سمي نخل المدينة صوحانيًا، لأنه صاح بفضلي وفضلك» (!!!) ثم قال: «أنبئت علي بن كليب » فذكر إسنادًا إلى ابن عباس، قال: «لما قتل علي عمرو بن عبد ود، هبط جبرائيل بأترجة من الجنة، فقال للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: إن الله يقول لك: حيّ بهذه عليًا فدفعها إليه فانفلقت في يده، فإذا فيها حريرة بيضاء مكتوب فيها بصفرة: تحية من الطالب الغالب إلى على بن أبي طالب» قال: «فهذا من إفك الذارع» اهـ. وأقره الحافظ في «اللسان» (١/٣١٧-٣١٨) . قلت: فهل يصدق هذا الدجال الأفاك على أبي سعيد الخراز،وقد افترى الكذب على النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وعلى (ابن عباس)، بل على رب العالمين ورسوله الأمين؟ !!
٣- وشيخه الحسن بن ياسين لم أٌف له على أثر، فلعله من شيوخه المجاهيل الذين أشار إليهم الخطيب.
٤- وشيخه علي بن حفص الرازي لم أقف له على ترجمة مستقلة، ولكن ذكره الحافظ الذهبي ﵀ في جملة الراوة عن أبي سعيد في «سير أعلام النبلاء» (١٣/٤٢٠) .
[ ٧٤ ]
أقول: ولعل تفرد بن دوما - غير الموثوق به - عن هذا الذارع الدجال بهذا الأثر، هو السر في عد إيراد أبي نعيم له في «الحلية» مع أنه جمع فيها كل غث وثمين، وكذلك لم يورده السلمي في «طبقات الصوفية» ولا القشيري في «الرسالة»، أما قول النجم الغزي: «وحكى عن ذي النون»، وقول الزركشي إنه من كلام الجنيد، فقد كلفني بعض العنت من حيث لم أكن أحتسب، ففتشت في ترجمة مل منهما من «الحلية» و«تاريخ بغداد» و«تاريخ دمشق» - ولم أجد ترجمة للجنيد في نسخة الظاهرية - و«الطبقات» و«الرسالة» فلم أجد فيها كلها هذا الكلام ولا قريبًا منه. فإذا كان هذا هو حال السند الذي يجزم العامة وقبلهم الخاصة بسبته إلى ابن أبي سعيد الخراز، - وهو منه برئ بل ما هكذا لفظه أيضًا! - فكيف بغيره؟ والله المستعان.
[ ٧٥ ]