«إنما سماهم الله الأبرار، لأنهم بروا الآباء والأبناء» ضعيف جدًا مرفوعًا وموقوفًا. رواه ابن عساكر (١٧/٤٠٠) - ودلني على ذلك الحافظ بن كثير ﵀ في «تفسيره» (٤/٤٨٢) - من طريق موسى بن محمد السامري عن هشام بن عمار عن عيسى بن يونس عن أبي إسحاق عن عبيد الله بن الوليد الوصافي عن محارب عن ابن عمر مرفوعًا - واللفظ له - وابن عدي (٤/١٦٣٠) من طريق أخرى عن هشام فقال: «ثنا سعيد بن يحيى» بدلًا من: «عيسى ابن يونس»، وزاد: «كما أن لوالديك عليك حقًا، كذلك لولدك عليك حق» . وأورد الذهبي في «الميزان» (٣/١٧) - في جملة مناكير الوصافي -، فقال: «هشان بن عمار، حدثنا سعدان بن يحيى» . وهو هو سعيد بن يحيى، وهو اللخمي، صدوق حسن الحديث.
ورواية ابن عساكر عن هشام أثبت من رواية ابن عدي - إن لم يكن الاختلاف من هشام فإن فيه مقالًا معروفًا - ولكن لم أقف على إسناد الطبراني بحيث يتعذر الترجيح، فإنه في «معجمه الكبير» بلفظ: «سماهم الله الأبرار، لأنهم بروا الآباء والأمهات والأبناء، كماى أن لوالديك عليك حقًا، كذلك لولدك» . كما في «المجمع» (٨/١٤٦) . وقال الهيثمي ﵀: «وفيه عبيد الله ابن الوليد الوصافي، وهو ضعيف» . قلت: وضعفه شديد كما بينت - بحول الله وقوته - في «البدائل» (٢٢) . وإلى هذا القول انفصل العلامة الشيخ الألباني حفظه الله في (الضعيفة» (١٢١١)، بعد أن كان يتابع الحافظ ﵀ في الاقتصار على تضعيفه كما تجده في (الصحيحة» (٥٤٤) على أنه - عفا الله عنه - قد أورد الحديث في «ضعيف الجامع» (٢/٢١١) وقال: «ضعيف»، محيلًا على «الضعيفة» (٣٢٢١)، فلا أدري أوقف له على طريق أخرى فيها ضعف يسير - وهذا مما لا أعلمه - أم أنسى ما قرره في (١٢١١)؟ . والحديث عدة
[ ٤٣ ]
ابن عدي في جملة مناكير الوصافي، وتبعه الذهبي كما تقدم.
(ومن) طريقه أيضًا روى موقوفًا علاى ابن عمر، ففي «الأدب المفرد» (٩٤) للإمام البخاري ﵀، و«الحلية» (١٠/٣٢) من طريقين عن عيسى ابن يونس عن الوصافي به موقوفًا، ولفظ البخاري: «إنما سماهم الله أبرارًا لأنهم بروا الآباء والأبناء. كما أن لوالدك عليك حقًا، كذلك لولدك عليك حق» . ولفظ «الحلية»: «ما سموا الأبرار حتى بر الأبناء الآباء، والآباء الأبناء» .
(وروى) أيضًا من قول سفيان الثوري، وفي ثبوته عنه نظر، ففي «الحلية» أيضًا (٧/٨١) من طريق إبراهيم بن محمد بن علي الدهان الكوفي ثنا أبو هشام الرفاعي قال: سمعت يحيى بن يمان يقول: خرجت إلى مكة فقال لي سعيد بن سفيان: أقرئ أبي السلام وقل له يقدم، فلقيت سفيان بمكة فقال: ما فعل سعيد؟ فقلت: صالح يقرئك السلام ويقول لك أقدم، فتجهز بالخروج وقال: «إنما سموا الأبرار لأنهم بروا الآباء والأبناء» اهـ. وإسناده لا يثبت، الدهان لم أقف له على ترجمة، وأبو هشام الرفاعي - واسمه: محمد بن يزيد الكوفي - ويحيى بن يمان مختلف فيهما، وكلاهما إلى الضعف أقرب. ولكن ما أظن يحيى ابن يمان يخطئ في مثل هذه الحكاية - إن صحت - وهذا لو ثبت، لا أدري صفيان أخذه إلا من الأثر المتقدم، فإن الوصافي متقدم الطلقة عليه. والله أعلى وأعلم. هذا، وقد وهم الحافظ المناوى ﵀ في «فيض القدير» (٢/٥٧٤) وهمًا عجيبًا ما كان ينبغي لمثله، فإنه قال - متعقبًا الحافظ السيوطي ﵀ مغلطًا عليه لعزوه الحديث للطبراني وحده -: «وظاهر صنيع المصنف أنه لم يره لأعلى من الطبراني وهو قصور، فقد رواه سلطان المحدثين باللفظ المذكور في «الأدب المفرد»، وترجم عليه (باب: بر الأب لولده)، فالضرب عنه صحفًا، والعدول عنه للطبراني، من سوء التصرف» اهـ.
قلت: هذا التعقب إنما يسلم إن كان الحديث عند البخاري مرفوعًا، وليس الأمر كذلك كما رأيت. والسيوطي ﵀ - وإن كان أحيانًا يبين الرواية الموقوفة للحديث ويعزوها لمخرجها - لكنه في الغالب لا يلتزم ذلك، وما هو
[ ٤٤ ]
بلازمه في كتابه الذي خصصه لحديث النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وسماه: «الجامع الصغير من أحاديث البشير النذير» يأتي هو وأمي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وقد تعرضنا لوهم يشابه هذا، تتابع عليه غير واحد من الكبار - ﵏ - في «التبييض» (٢٠)، فسبحان الموصوف بصفات الكمال ونعوت الجلال، وحده لا ريك له.
استدراك:
والحديث وجدته في «تفسير ابن كثير» (١/٤٤٢) من رواية ابن مردوية من طريق هشام بن عمار أنبأنا سعيد بن يحيى عبيد الله الوصافي به، فقال: «عن عبد الله بن عمرو بن العاص» . وشيخ ابن مردوية: أحمد بن نصر، إن لم يكن الذي ترجمه أبو نعيم في «أخبار أصبهان» (١/١٦١) ولم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلًا، فلم أعرف من يكون. والحديث - على وهائه - معروف بابن عمر لا ابن عمرو. وروى الموقوف أيضًا: ابن أبي حاتم (٢٠٥٠: آل عمران) عن أبيه عن أحمد بن جناب عن عيسى به موقوفًا على ابن عمر، وفي «ابن كثير»: «ابن عمرو»، فكأنه وهم. وروى موقوفًا على محارب ابن دثار، رواه أبو قتيبة في «عيون الأخبار» (٣/٨٥) عن الزيادي قال: حدثنا عيسى بن يونس قال: قال محارب بن دثار فذكره، ولا يصح أيضًا، الزيادي هو إبراهيم بن سفيان بن سليمان أبو إسحاق، نحوي لغوي من تلاميذ الأصمعي وغيره. ولم أجد فيه جرحًا ولا تعديلًا. وقد رواه جماعة من الثقات عن عيسى به إلى ابن عمر. وأيضًا رواية عيسى عن محارب منقطعة، فإن كان بينهما الوصافي أيضًا، فمدار جميع الطرق عليه.
[ ٤٥ ]