«الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله» .
ضعيف. رواه الإمام أحمد (٤/١٢٤) والترمذي (٤/٥٤) - وحسنه - وابن ماجه (٤٢٦٠) والطبراني في «الكبير» (٧/٣٨٤) والحاكم (١/٥٧-٤/٢٥١) وأبو نعيم (١/٢٦٧) وغيرهم من طريق أبي بكر بن عبد الله بن أبي مريم الغساني عن ضمرة بن حبيب عن شداد بن أوس ﵁ مرفوعًا به وزاد الإمام النووي ﵀ في «رياض الصالحين» (٦٧) والإمام السيوطي ﵀ في «الجامع» (٦٤٦٨) لفظة: «الأماني» بعد قوله: «وتمن على الله» . وهي مشهورة أيضًا على الألسنة، ولم أقف عليها مع كثرة وقوفي على الحديث في كتب أخرى سوى المتقدم ذكرها. ثم وجدتها في «أمالي الطوسي» الرافضي (ص٥٤١) أثناء حديث طويل موضوع ذكرناه أثناء الحديث الحادي عشر، ووعدنا بالتعرض له، رواه من طريق أبي المفضل الشيباني قال: حدثنا رجاء بن يحيى ابن الحسين العبراني الكاتب سنة أربع عشرة وثلاثمائة وفيه مات قال: حدثنا محمد ابن الحسن بن شمون قال: حدثني عبد الله بن عبد الرحمن الأصم عن الفضيل ابن يسار عن وهب بن عبد الله بن أبي دبي الهنائي (في الأصل: ابن أبي داود الهنائى) قال: حدثني أبو حرب بن أبي الأسود الدؤلي عن أبيه عن أبي الأسود عن أبي ذر به بطوله، وفيه: «يا أبا ذر إن الكيس من داون نفسه وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها، وتمنى على الله ﷿ الأماني» .
وفيه الآتي:
١- أبو المفضل الشيباني، تقدم غير مرة أنه متهم بالوضع.
٢- شيخه رجاء بن يحيى العبرتائي، سماه الخطيب (٨/٤١٣): «رجاء بن محمد بن يحيى العبرتائي الكاتب»، وذكر رواية المفضل وحده عنه، ولم يذكر فيخ جرحًا ولا تعديلًا. وذكره السمعاني في «الأنساب»
[ ٩٤ ]
(٤/١٣٩-١٤٠) فلم يزد على الخطيب شيئًا.
٣- محمد بن الحسن بن شمون، قال االشيخ عبد الرحمن الزرعي في كتاب: «رجال الشيعة في السمزان» (ص١٢٠): «قال هاشم معروف (الموضوعات في الآثار والأخبار ص٢٣٥): «هو من الغلاة المعروفين بالكذب ووضع الحديث» .
٤- عبد الله بن عبد الرحمن الأصم، لم أقف عليه فيما لدى مصادر، وأتوقع أن يكون من غلاة الشيعة أيضًا، ولم تأتني بعد المراجع الكافية لإثبات ذلك.
٥- الفضيل بن يسار، قال الحافظ ﵀ في «اللسان» (٤/٤٥٤): عن ابن نصر: (ثنا أحمد بن منصور ثنا موسى بن إسماعيل قال: كان فضيل ابن ياسر رجل سوء. وقال محمد بن نصر: كان رافضيًا كذابًا ليس ممن يحتج به ولا يعتمد عليه» (١) .
وعودة إلى حديث شداد بن أوس ﵁ أقول: وقال الحاكم - في الموضع الأول -: «هذا حديث صحيح على شرط البخاري ولم يخرجاه» فتعقبه الذهبي في «تلخيص المستدرك» بقوله: «قلت: لا والله أبو بكر واه» . أما في الموضع الثاني، فقال: «هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه» فقال الذهبي: «صحيح» . وصنيعه - ﵀ -، في الموضع الأول هو الصواب الذي لا مرية فيه، فإن ابن أبي مريم هذا ضعيف الحديث، ضعفه الجمهور - ووثقه ابن معين في رواية شاذة عنه - ووهاه غير واحد. قال الإمام أحمد: ليس بشئ. وقال الدارقطني - في روياة -: متروك. وقال ابن حبان كان من خيار أهل الشام لكنه كان ردئ الحف، يحدث بالشئ فيهم، فكثر ذلك منه حتى استحق الترك، ولخص الحافظ ﵀ مجموع كلامهم فيه، فقال في
_________________
(١) $! وبعض الحديث في «كنز العمال» (٣/٦٩٨-٦٩٩) معزوًا للديلمي، وليس في «فردوس الأخبار» فالحمد لله الذي أظفرني بإسناده. وهو يذكرني بما عزاه الأفاكون للإمام أحمد عن خالد بن الوليد من حديث طويل ملفق من أحاديث كثيرة فيها الثابت والواهي، فهذا كذلك بل هو أعجب.
[ ٩٥ ]
«التقريب» (٧٩٧٤): «ضعيف»، وكان سرق بيته فاختلط» . نعم، للحديث - سوى الإفك المتقدم - متابع قاصر المتن، وإسناد كل منهما أيضًا تالف غاية،لا يسمن ولا يغني من جوع!
(أما) المتبع، فقد قال أبو نعيم - عقب رواية م تقدم -: «ورواه ثور بن يزيد وغالب عن مكحول عن ابن غنم عن شداد بن أوس عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، مثله. حدثنا سليمان بن أحمد ثنا مكحول البيروتي ثنا إبراهيم بن بكر بن عمرو (كذا، والصواب: ابن عمرو بن بكر) قال: سمعت أبي يحدث عن ثور وغالب بإسناده» اهـ. ورواه الطبراني «شيخ أبي نعيم فيه» في «الصغير» (٨٦٣) و«الكبير» (٧/٢٨١) . وهذا إسناد واه جدًا، كأنه موضوع على ثور وغالب وإبراهيم وأبيه قد أوضحت حالهما بما يغني عن الإعادة أثناء الحديث الخامس. وأما الشاهد، فرواه البيهقي في «الشعب» (٣/٣/٧٥/أ) من طريق محمد بن يونس الكديمي ثنا عون بن عمارة ثنا هشام ابن حسان عن ثابت عن أنس بن مالك قال: جاءت بي أم سليم إلى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فقالت: يا رسول الله خادمك أنس، فادع له، وهو كيس، وهو عاري يا رسول الله، فإن رأيت أن تكسوه) في المخطوطة بعدها كلمة غير واضحة، كأنها: إزاران أو: رداءان) يستتر بهما، فقال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «الكيس من عمل لما بعد الموت، والعاري العاري من الدين، اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة، اللهم اغفر للأنصار والمهاجرة» . وقال البيهقي: «عون بن عمارة ضعيف، وله شاهد من حديث شداد بن أوس في بعض ألفاظه» . ثم رواه من طريق ابن المبارك ﵀ عن ابن أبي مريم به. وعون بن عمارة - الذي أعل البيهقي هذا الإسناد به وحده - منكر الحديث، حكم ابن لجوزي والذهبي وابن القيم بوضع حديثه عن أبي قتادة مرفوعًا: «الآيات بعد المائتين» (١)
عند ابن ماجه (٤٠٥٧) وغيره. وكذلك
_________________
(١) $! عزاه الشيخ الأباني حفظه الله في «الضعيفة» (١٩٦٦) لابن ماجه والعقيلي في «الضعفاء» والقطيعي في «جزء الألف دينار» والحاكم، فقال: «عن محمد: (هو ابن يونس بن موسى) قال: ثنا عون بن عمارة العنبري ) الخ..فأوهم - عفا الله عنه - أن محمداُ هذا (وهو الكديمي) في أسانيدهم جميعًا، وليس الأمر كذلك، فقد توبع عند جميعهم إلا القطيعي، فقد اطلع على إسناده، فلو كان عنده من طريق الكديمي، فمما يحسن مثل هذا من الشيخ حفظه الله، بل لعله لم يفطن لذلك. والطريف أنه أيضًا حفظه الله لم يعل الحديث بالكديمي، فهل سقط شئ من الطابع أو الناسخ؟ الله أعلم.
[ ٩٦ ]
غمزه به البخاري ﵀. لكن الراوي عنه - محمد بن يونس الكديمي - أوهى منه، فقد أطرحه الجمهور، ورماه ابن عدي وابن حبان وغيرهما بوضع الحديث. نعم، وكان الإمام أحمد حسن الرأي فيه. ومال الخطيب أيضًا إلى تقويته، فلا أدري أينتحل البيهقي هذ المذهب - على بعده - أم لا؟
وممن سكت عنه أيضًا الحافظ المناوى، فقال في «الفيض» (٥/٦٨): «قال - أعني البيهقي -: وعون ضعيف اهـ. وممن ضعفه أيضًا أبو حاتم وغيره» اهـ. ومع ذلم فالمتن لا يشهد إلا لبعض حديث شداد - كما قدمنا وكما يفهم من كلام البيهقي - وقد اكتفى الشيخ الألباني بقول البيهقي، ثم المناوى عن الإطلاع على إسناده في «الشعب» بنفسه، فقال في «ضعيف الجامع» (٤/١٦٧): «ضعيف»، وأحال على «فيض القدير» . وما أبرئ نفسي - على حقارتها -، فقد كنت استشهدت بكلام المناوى والألباني في «مختصر ضعيف رياض الصالحين» (١)، ولم يخطر على بالي طرفة عين أن يسكت هؤلاء الفحول عن الكديمي. ثم إن أصل هذا الحديث عن أنس ثابت في «الصحيح» بدون هذا السياق المنكر.
والبديل الصحيح لحديث شداد، هو ما ثبت من طريق عطاء بن أبي رباح عن ابن عمر ﵄ أن رجلًا من الأنصار قال يا رسول الله، أي المؤمنين أفضل؟ قال: أحسنهم خلقًا. قال: فأي المؤمنين أكيس؟ قال: أكثرهم للموت ذكرًا، وأحسنهم ما بعده استعدادًا. أولئك الأكياس» . وقد وضعت في تصحيح هذا الحديث جزءًا صغيرًا كان أول محاولاتي الكتابية، وسميته: «القسطاس في تصحيح حديث الأكياس» لما رأيت بعضهم يتهجم على القول بضعفه اكتفاء بضعف إسناد ابن ماجه مع أن للمتن طرقًا وشواهد كثيرة
[ ٩٧ ]
في مشاهير كتب الحديث، وله إسناد جيد عند البزار والطبراني في «الأوسط» والحاكم. وفي هذا المقام أهبتل الفرصة لأزيد ما توصلت إليه بشأن هذه الرسالة:
١- أن الحديث في «السيرة» لابن هشام (٤/٢٠٤-٢٠٥) عن ابن إسحاق قال: «وحدثني من لا أتهم عن عطاء بن أبي رباح قال: سمعت رجلًا من أهل البصرة يسأل عبد الله بن عمر بن الخطاب عن إرسال العمامة من خلف الرجل إذا اعتم » الحديث بطوله. والظاهر أن شيخ ابن إسحاق هذا، هو: «معاوية بن عبد الرحمن» الذي ذكر أبو نعيم روايته عن عطاء معلقة. وذكرت ذلك في «القسطاس» (ص١،٩،١٩) . ومعاوية قال أبو حاتم: «ليس بمعروف» . ووثقه ابن حبان، فهو صالح في الشواهد على أقل تقدير.
٢- ورواه الدولابي في «الكنى» (٢/١٣٤) – مختصرًا – من طريق صدفة ابن عبد الله (وهو السمين الدمشقي) عن عمارة بن إبي يحيى عن عطاء به.
وهذا إسناد ضعيف، صدقه ضعفه الجمهور، ووهاه الإمام أحمد وغيره. وشيخه تعبت عليه وقلبت اسمه على وجوه، فلم أتمكن من الاهتداء إليه.
٣- ورواه الروباني في «مسنده» (ق٢٤٠ب-٢٤١أ) – مطولًا بدون القطعة الأخيرة – والبيهقي في «سننه» (٦/٣٦٣) والخطيب في «الجامع» (٨٩٤) – بالقطعة الأخيرة وحدها – ثلاثتهم من طريق ابن وهب عن عثمان بن عطاء الخراساني عن أبيه عن ابن عمر به. وإسناده واه، عثمان ضعيف جدًا، وروايه أبيه عن ابن عمر منقطعة.
٤- أما موقفي من عبيد الله بن زخر – تالذي راجعني فيه أخي أبو إسحاق الجويني حفظه الله – غير مرة – فمتردد بين تحسين حديثه وتضعيفه، وجزاه الله خيرًا إذ بين لي أن المقارنة التي أجريتها بني أحكام الترمذي والبغوي على جملة من الأحاديث لا يتم الاستدلال بها، لجواز أن تكون بسبب اختلاف نسخ «جامع الترمذي»، فيكون البغوي تبع الترمذي اعتمادًا على نسخ أخرى سوى التي بأيدينا، وهذا كلام وجيه ودقيق.
والذي أقطه به الآن أن عبيد الله بن زحر أصلح حالًا إذا روى عن أهل
[ ٩٨ ]
بلده مما رواه عن الأعمش والغرباء، فقد وقفت له على عدة روايات به عن الأعمش أخطأ فيها، ذكر ابن عدي أحدها. ويعجبني كثيرًا قول الشيخ الجديع - حفظه الله - في كتاب «أحاديث ذم الغناء والمعازف في الميزان» (ص٧٦)، «وأما ابن زحر، فأردأ أحواله أن يكون ضعيفًا يكتب حديثه» . فهو متفق معي على دفع القول بوهائه أو اتهامه.
٥- ثم وجدت قريبًا حديث الأكياس، قطعة من الحديث الطويل الباطل الذي رواه الطوسي، وكررنا ذكره غيرة مرة، وفيه: «قلت: يا رسول الله، أي المؤمنين أكيس؟ قال: أكثرهم للموت ذكرًا، وأحسنهم له استعدادًا» .
(أما) الرواية الموققوفة لهذا المتن، فقد روى بضعفه بإسناد يشبه الطريقين الأخيرين في الوهاء، عند ابن عساكر (١١/٢٦٩) من طريق أحمد بن مروان الدينوري نا محمد بن عبد العزيز نا هدبة بن خالد عن جزم عن الحسن أن عثمان ابن عفان خطب الناس فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: «أيها الناس اتقوا الله، فإن تقوى الله غنم، وإن أكيس الناس من دان نفسه، وعمل لما بعد الموت، واكتسب من نور الله نورًا لظلمة القبور. وليخش عبد أن يحشره الله أعمى وقد كلن بصيرًا. وقد يكفي الجكيم جوامع الكلام، والأصم ينادي من مكان بعيد. واعلموا أن من كان الله معه لم يخف شيئًا، ومن كان عليه فمن يرجو بعده؟» . إسناده - مع حلاوة ألفاظه - واه جدًا، بل يشبه أن يكون موضوعًا على ذي النورين رضي اله عنه ففيه:
١- أحمد بن مروان الدينوري، رماه الدارقطني بالوضع كما ذكرنا في «التبييض» (٤٥) .
٢- شيخه محمد بن عبد العزيز - وهو الدينوري أيضًا - ساقط. قال الذهبي في «الميزان» (٣/٦٢٩): «وهو منكر الحديث ضعيف، ذكره ابن عدي وذكر له مناكير عن موسى بن إسماعيل. ومعاذ بن أسد وطبيقتهما، وكان ليس بثقة يأتي ببلايا. ومما له عن المنهال بن بحر ، حتى قال: «ومن موضوعاته عن قتادة عن أنس ﵁ (كذا فيه، وقد سقط رجلان أو أكثر بين هذا
[ ٩٩ ]
الرجل وبين قتادة) (١) . كان نقش خاتم النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: صدق الله» . ومما زاده الحافظ في «اللسان» (٥/٢٦١)، قول الحافظ الخليلي ﵀ في «تاريخ قزوين»: «لم يكن بذاك القوي، سمع من شيوخ العراق كأبي نعيم والقعنبي، وقدم قزوين سنة نيف وستين ومائتين» . قال: «وأورد له ابن عدي أحاديث قال في بعضها: باطل بهذا الإسناد. ثم قال: وله غير ما ذكرت من المناكير» .
٣- الحسن البصري ﵀، وإن جاء في روايات أخرى إدراكه لعثمان ﵁ وسماعه خطبته، لكنه في هذه لم يبين السماع، فإنه مشهور بالتدليس. وعلى كلٍ، فيغلب على الظن أنه برئ من رواية هذا الأثر عن عثمان، ولعل تفرد الدينوري وشيخه به هو النكتة في إقفار مشاهير كتب الزهد والسير منه، فما وجدته في كتب الزهد المشهورة ولا «الحلية» ولا «الطبقات) ولا «تاريخ الإسلام» للذهبي - ترجمة عثمان - ولا «خطب أبي عبيد»، مع أن بعض هذه الكتب لا تتحاشى الأسانيد الواهية مع توفر دواعي وهمم هؤلاء الأئمة على إيراد مثل هذا المتن الحسن، فالله المستعان لا رب غيره.
_________________
(١) · وهما عمرو بن مرزوق وشعبة» - فقد ذكر الحافظ الخليلي في «الإرشاد» (ص٦٢٦) الحديث عنه عن عمرو به.
[ ١٠٠ ]