(١) [حَدِيثٌ] " لَمَّا أُسْرِيَ بِي إِلَى السَّمَاءِ رَأَيْتُ فِيهَا أَعَاجِيبَ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ وَخَلْقِهِ وَمِنْ ذَلِكَ الَّذِي رَأَيْتُ فِي السَّمَاءِ دِيكٌ لَهُ زَغَبٌ أَخْضَرُ وَرِيشٌ أَبْيَضُ بَيَاضُ رِيشِهِ كَأَشَدِّ بَيَاضٍ رَأَيْتُهُ قَطُّ، وَزَغَبُهُ تَحْتَ رِيشِهِ أَخْضَرُ كَأَشَدِّ خُضْرَةٍ رَأَيْتُهَا قَطُّ وَإِذَا رِجْلاهُ فِي تُخُومِ الأَرْضِ السَّابِعَةِ السُّفْلَى، وَرَأْسُهُ تَحْتَ عَرْشِ الرَّحْمَنِ ثَانِي عُنُقِهِ تَحْتَ الْعَرْشِ لَهُ جَنَاحَانِ فِي مَنْكِبَيْهِ إِذَا نَشَرَهُمَا جَاوَزَ الْمَشْرِقَ وَالْمَغْرِبَ فَإِذَا كَانَ فِي بَعْضِ اللَّيْلِ نَشَرَ جَنَاحَيْهِ وَخَفَقَ بِجَنَاحَيْهِ وَصَرَخَ بِالتَّسْبِيحِ لِلَّهِ يَقُولُ: سُبْحَانَ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ سُبْحَانَ اللَّهِ الْكَبِيرِ الْمُتَعَالِ لَا إِلَهَ إِلا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ، فَإِذَا فَعَلَ ذَلِكَ سَبَّحَتْ دِيكَةُ الأَرْضِ كُلُّهَا وَخَفَقَتْ بِأَجْنِحَتِهَا وَأَخَذَتْ فِي الصُّرَاخِ فَإِذَا سَكَنَ ذَلِكَ الدِّيكُ فِي السَّمَاءِ سَكَنَتِ الدِّيكَةُ فِي الأَرْضِ، ثُمَّ إِذَا كَانَ بَعْضُ اللَّيْلِ نَشَرَ جَنَاحَيْهِ فِي إِزَاءِ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ فَخَفَقَ بِهِمَا، وَصَرَخَ بِالتَّسْبِيحِ لِلَّهِ تَعَالَى وَيَقُولُ: سُبْحَانَ اللَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ سُبْحَانَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْقَهَّارِ سُبْحَانَ اللَّهِ ذِي الْعَرْشِ الرَّفِيعِ، فَإِذَا فَعَلَ ذَلِكَ سَبَّحَتْ دِيكَةُ الأَرْضِ كُلُّهَا بِمِثْلِ قَوْلِهِ، وَخَفَقَتْ بِأَجْنِحَتِهَا وَأَخَذَتْ فِي التَّصْرِيخِ فَإِذَا سَكَنَ ذَلِكَ الدِّيكُ سَكَنَتِ الدِّيكَةُ فِي الأَرْضِ، ثُمَّ إِذَا هَاجَ ذَلِكَ الدِّيكُ هَاجَتِ الدِّيكَةُ فِي الأَرْضِ يُجَاوِبْنَهُ بِالتَّسْبِيحِ لِلَّهِ تَعَالَى يَقُلْنَ مِثْلَ قَوْلِهِ فَلَمْ أَزَلْ مُنْذُ رَأَيْتُ ذَلِكَ مُشْتَاقًا إِلَى أَنْ أَرَاهُ الثَّانِيَةَ ثُمَّ مَرَرْتُ بِخَلْقٍ عَجِيبٍ مِنَ الْعَجَبِ رَأَيْتُ مَلَكًا مِنَ الْمَلائِكَةِ نِصْفُ جَسَدِهِ مِمَّا يَلِي رَأْسَهُ ثَلْجٌ وَالآخَرُ مُكَوَّنٌ نَارًا مَا بَيْنَهُمَا رِيقٌ، فَلا النَّارُ تُذِيبُ الثَّلْجَ وَلا الثَّلْجُ يُطْفِي النَّارَ، وَهُوَ قَائِمٌ يُنَادِي بِصَوْتٍ لَهُ رَفِيعٌ جِدًّا: سُبْحَانَ رَبِّيَ الَّذِي كَفَّ بَرْدَ هَذَا الثَّلْجِ فَلا يُطْفِي حَرَّ هَذِهِ النَّارِ، سُبْحَانَ رَبِّيَ الَّذِي كَفَّ حَرَّ هَذِهِ النَّارَ فَلا تُذِيبُ هَذَا الثَّلْجَ، اللَّهُمَّ مُؤَلِّفًا بَيْنَ الثَّلْجِ وَالنَّارِ أَلِّفْ بَيْنَ قُلُوبِ عِبَادِكَ الْمُؤْمِنِينَ، فَقُلْتُ مَنْ هَذَا يَا جِبْرِيلُ فَقَالَ هَذَا مَلَكٌ مِنَ الْمَلائِكَةِ وَكَّلَهُ اللَّهُ بِأَكْنَافِ السَّمَوَاتِ وَأَطْرَافِ الأَرَضِينَ وَهُوَ مِنْ أَنْصَحِ الْمَلائِكَةِ لأَهْلِ الأَرْضِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، يَدْعُو لَهُمْ بِمَا تَسْمَعُ فَهَذَا قَوْلُهُ مُنْذُ خُلِقَ، ثُمَّ مَرَرْتُ بِمَلَكٍ آخَرَ جَالِسٍ عَلَى كُرْسِيٍّ فَإِذَا جَمِيعُ الدُّنْيَا وَمَنْ فِيهَا بَيْنَ رُكْبَتَيْهِ وَبَيْنَ يَدَيْهِ لَوْحٌ مِنْ نُورٍ مَكْتُوبٌ يَنْظُرُ فِيهِ لَا يَلْتَفِتُ عَنْهُ يَمِينًا وَلا شِمَالا مُقْبِلٌ عَلَيْهِ فَقُلْتُ مَنْ
[ ١ / ١٥٥ ]
هَذَا يَا جِبْرِيلُ فَقَالَ: هَذَا مَلَكُ الْمَوْتِ دَائِبٌ فِي قَبْضِ الأَرْوَاحِ، وَهُوَ أَشَدُّ الْمَلائِكَةِ فَقُلْتُ: يَا جِبْرِيلُ إِنَّ كُلَّ مَنْ مَاتَ مِنْ ذَوِي الأَرْوَاحِ أَوْ هُوَ مَيِّتٌ فِيمَا بَعْدُ هَذَا يَقْبِضُ رُوحَهُ؟ قَالَ: نَعَمْ، قُلْتُ: أَفَيَرَاهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا وَيَشْهَدُهُمْ بِنَفْسِهِ، قَالَ: نَعَمْ: قُلْتُ: كَفَى بِالْمَوْتِ طَامَّةً فَقَالَ جِبْرِيلُ: إِنَّ مَا بَعْدَ الْمَوْتِ أَطَمُّ وَأَعْظَمُ، فَقُلْتُ: وَمَا ذَاكَ يَا جِبْرِيلُ قَالَ مُنْكَرٌ وَنَكِيرٌ يَأْتِيَانِ كُلَّ إِنْسَانٍ مِنَ الْبَشَرِ حِينَ يُوضَعُ فِي قَبْرِهِ وَيُتْرَكُ وَحِيدًا فَقُلْتُ: أَرِنِيهِمَا يَا جِبْرِيلُ قَالَ: لَا تَفْعَلْ يَا مُحَمَّدُ فَإِنِّي أَرْهَبُ أَنْ تَفْزَعَ مِنْهُمَا وَتُهَالَ أَشَدَّ الْهَوْلِ وَلا يَرَاهُمَا أَحَدٌ مِنْ وَلَدِ آدَمَ إِلا بَعْدَ الْمَوْتِ وَلا يَرَاهُمَا أَحَدٌ مِنَ الْبَشَرِ إِلا مَاتَ فَزَعًا مِنْهُمَا وَهُمَا أَعْظَمُ شَأْنًا مِمَّا تَظُنُّ، قُلْتُ يَا جِبْرِيلُ صِفْهُمَا لِي، قَالَ: نَعَمْ مِنْ غَيْرِ أَنْ أَذْكُرَ لَكَ طُولَهُمَا وَذِكْرُ ذَلِكَ مِنْهُمَا أَفْظَعُ غَيْرَ أَنَّ أَصْوَاتَهُمَا كَالرَّعْدِ الْقَاصِفِ وَأَعْيُنَهُمَا كَالْبَرْقِ الْخَاطِفِ وَأَنْيَابَهُمَا كَصَيَاصِيِّ الْبَقَرِ، يَخْرُجُ لَهَبُ النَّارِ مِنْ أَفْوَاهِهِمَا وَمَنَاخِرِهِمَا وَمَسَامِعِهِمَا يَكْسَحَانِ الأَرْضَ بِأَشْعَارِهِمَا وَيَحْفُرَانِ الأَرْضَ بِأَظْفَارِهِمَا مَعَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَمُودٌ مِنْ حَدِيدٍ لَوِ اجْتَمَعَ عَلَيْهِ جَمِيعُ مَنْ فِي الأَرْضِ مَا حَرَّكُوهُ، يَأْتِيَانِ الإِنْسَانَ إِذَا وُضِعَ فِي قَبْرِهِ وَتُرِكَ وَحِيدًا يُسَلَّطَانِ عَلَيْهِ، فَتُرَدُّ رُوحُهُ فِي جَسَدِهِ بِإِذْنِ اللَّهِ تَعَالَى ثُمَّ يُقْعِدَانِهِ فى قَبره، وينتهزانه انْتِهَارًا يَتَقَعْقَعُ مِنْهُ عِظَامُهُ وَتَزُولُ أغظاؤه مِنْ مَفَاصِلِهِ فَيَخِرُّ مَغْشِيًّا عَلَيْهِ ثُمَّ يُقْعِدَانِهِ فِي قَبْرِهِ فَيَقُولانِ: يَا هَذَا إِنَّكَ فِي الْبَرْزَخِ فَاعْقِلْ ذَلِكَ، وَاعْرِفْ مَكَانَكَ وَيَنْتَهِرَانِهِ ثَانِيَةً وَيَقُولانِ بِهَذَا قَدْ ذَهَبْتَ مِنَ الدُّنْيَا، وَأَفْضَيْتَ إِلَى مَعَادِكَ، أَخْبِرْنَا مَنْ رَبُّكَ وَمَا دِينُكَ وَمَنْ نَبِيُّكَ فَإِنْ كَانَ مُؤْمِنًا لَقَّنَهُ اللَّهُ حُجَّتَهُ، فَيَقُولُ: رَبِّيَ الله وَنَبِي مُحَمَّد وَدِينِي الإِسْلامُ فَيَنْتَهِرَانِهِ عِنْدَ ذَلِكَ انْتِهَارًا يَرَى أَنَّ أَوْصَالَهُ قَدْ تَفَرَّقَتْ وَعُرُوقَهُ قَدْ تَقَطَّعَتْ، فَيَقُولانِ تَثَبَّتْ يَا هَذَا وَانْظُرْ مَا تَقُولُ، فَيُثَبِّتُ اللَّهُ عَبْدَهُ الْمُؤْمِنَ بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ، وَيَلْقَاهُ الأَمْنُ وَيُدْرَأُ عَنْهُ الْفَزَعُ حَتَّى لَا يَخَافَهُمَا فَإِذَا فَعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ بِعَبْدِهِ الْمُؤْمِنِ اسْتَأْنَسَ إِلَيْهِمَا، وَأَقْبَلَ عَلَيْهِمَا بِالْخُصُومَةِ يُخَاطِبُهُمَا وَيَقُولُ تُهَدِّدَانِي كَيْمَا أَشُكُّ فِي دِينِي أَتُرِيدَانِ أَنْ أَتَّخِذَ غَيْرَهُ وَلِيًّا فَاشْهَدَا أَنْ لَا إِلَهَ إِلا هُوَ رَبِّي وربكما وَرب كل شئ، وَنَبِي مُحَمَّدٌ وَدِينِي الإِسْلامُ، فَيَنْتَهِرَانِهِ وَيَسْأَلانِهِ الثَّالِثَةَ فَيَقُولُ رَبِّيَ اللَّهُ فَاطِرُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ فَإِيَّاهُ كُنْتُ أَعْبُدُ لَمْ أُشْرِكْ بِهِ شَيْئًا وَلَمْ أَتَّخِذْ غَيْرَهُ وَلِيًّا، أَتُرِيدَانِ أَنْ تَرُدَّانِي عَنْ مَعْرِفَةِ رَبِّي وَعِبَادَتِي إِيَّاهُ، وَاللَّهِ لَا إِلَهَ إِلا هُوَ ربى وَرب كل شئ وَنَبِي مُحَمَّدٌ وَدِينِي الإِسْلامُ، فَإِذَا قَالَ ذَلِكَ ثَلاثَ مَرَّاتٍ مُجَاوَبَةً لَهُمَا تَوَاضُعًا حَتَّى يَسْتَأْنِسَ إِلَيْهِمَا أَحْسَنَ مَا يَكُونُ فِي الدُّنْيَا إِلَى أهل وده
[ ١ / ١٥٦ ]
وَقَرَابَتِهِ، وَيَقُولانِ صَدَقْتَ وَبَرَرْتَ وَفَّقَكَ اللَّهُ وَثَبَّتَكَ أَبْشِرْ بِالْجَنَّةِ وَكَرَامَةِ اللَّهِ، ثُمَّ يَرْفَعَانِ قَبْرَهُ فَيَتَّسِعَ لَهُ مَدَّ الْبَصَرِ فَيَفْتَحَانِ لَهُ بَابًا إِلَى الْجَنَّةِ فَيَدْخُلُ عَلَيْهِ مِنْ رِيحِ الْجَنَّةِ وَطِيبِ نَسِيمِهَا وَنُورِهَا مَا يُعْرَفُ بِهِ كَرَامَةُ اللَّهِ فَإِذَا رَأَى ذَلِكَ اسْتَيْقَنَ الْفَوْزَ وَحَمِدَ اللَّهَ فَيَفْرِشَانِ لَهُ فِرَاشًا مِنْ إِسْتَبْرَقِ الْجَنَّةِ وَيَضَعَانِ لَهُ مِصْبَاحًا مِنْ نُورٍ عِنْدَ رَأْسِهِ وَمِصْبَاحًا مِنْ نُورٍ عِنْدَ رِجْلَيْهِ يُزْهِرَانِ لَهُ فِي قَبْرِهِ بِأَضْوَءَ مِنَ الشَّمْسِ لَا يُطْفَآنِ عَنْهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ حَتَّى يُبْعَثَ مِنْ قَبْرِهِ ثُمَّ يَدْخُلُ عَلَيْهِ مِنَ الْجَنَّةِ رِيحٌ فَحِينَ يَشُمُّهَا يَغْشَاهُ النُّعَاسُ فَيَقُولانِ لَهُ: ارْقُدْ رَقْدَةَ الْعَرُوسِ قَرِيرَ الْعَيْنِ لَا خَوْفٌ عَلَيْكَ وَلا حَزَنٌ، ثُمَّ يُمَثِّلانِ لَهُ عَمَلَهُ الصَّالِحَ فِي أَحْسَنِ صُورَةٍ وَأَطْيَبِ رِيحٍ فَيَكُونُ عِنْدَ رَأْسِهِ، وَيَقُولانِ: هَذَا عَمَلُكَ الصَّالِحُ وَكَلامُكَ الطَّيِّبُ، قَدْ مَثَّلَهُ اللَّهُ فِي أَحْسَنِ مَا تَرَى مِنْ صُورَةٍ يُؤْنِسُكَ فِي قَبْرِكَ، فَلا تَكُونُ وَحِيدًا وَيَدْرَأُ عَنْكَ هَوَامَّ الأَرْضِ، وَكُلَّ أَذًى وَلا يَخْذُلُكَ فِي قَبْرِكَ وَلا فى شئ مِنْ مَوَاطِنِ الْقِيَامَةِ حَتَّى يُدْخِلَكَ الْجَنَّةَ بِرَحْمَةِ رَبِّكَ فَنَمْ سَعِيدًا طُوبَى لَكَ وَحُسْنُ مَآبٍ، ثُمَّ يُسَلِّمَانِ عَلَيْهِ وَيَنْصَرِفَانِ عَنْهُ، قُلْتُ يَا جِبْرِيلُ لَقَدْ شَوَّقْتَنِي إِلَى الْمَوْتِ مِنْ حُسْنِ حَدِيثِكَ فَادْنُنِي مِنْ مَلَكِ الْمَوْتِ أُكَلِّمُهُ فَأَدْنَانِي مِنْهُ فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ فَقَالَ لَهُ جِبْرِيلُ هَذَا نَبِيُّ الرَّحْمَةِ الَّذِي أَرْسَلَهُ اللَّهُ فِي الْعَرَبِ رَسُولا نَبِيًّا، فَرَحَّبَ بِي وَحَيَّانِي بِالسَّلامِ، وَأَنْعَمَ بَشَاشَتِي وَأَحْسَنَ بُشْرَايَ، ثُمَّ قَالَ أَبْشِرْ يَا مُحَمَّدُ فَإِنَّ لَكَ الْخَيْرَ كُلَّهُ فِي أُمَّتِكَ فَقُلْتُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الْمَنَّانِ بِالنِّعَمِ، ذَلِكَ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّي بِي وَنِعْمَتِهِ لَدَيَّ، ثُمَّ قُلْتُ مَا هَذَا اللَّوْحُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْكَ يَا مَلَكَ الْمَوْتِ، قَالَ مَكْتُوبٌ فِيهِ آجَالُ الْخَلْقِ قُلْتُ أَفَلا تُخْبِرُنِي عَمَّنْ قَبَضْتَ رُوحَهُ فِي الدُّهُورِ الْخَالِيَةِ، قَالَ: تِلْكَ الأَرْوَاحُ فِي أَلْوَاحٍ أُخْرَى قَدْ عَلَّمْتُ عَلَيْهَا وَكَذَلِكَ أَصْنَعُ بِكُلِّ ذِي رُوحٍ إِذَا قَبَضْتُ رُوحَهُ عَلَّمْتُ عَلَيْهِ فَقُلْتُ: يَا مَلَكَ الْمَوْتِ فَكَيْفَ تَقْدِرُ عَلَى أَرْوَاحِ جَمِيعِ مَنْ فِي الأَرْضِ أَهْلِ بِلادِهَا وَكُورِهَا وَمَا بَيْنَ مَشَارِقِهَا وَمَغَارِبِهَا قَالَ: أَلا ترى أَن الدِّينَا كُلَّهَا بَيْنَ رُكْبَتَيَّ وَجَمِيعَ الْخَلائِقِ بَيْنَ عَيْنَيَّ وَيَدَايَ تَبْلُغَانِ الْمَشْرِقَ وَالْمَغْرِبَ وَخَلْفَهُمَا بَعِيدًا، فَإِذَا نَفِدَ أَجَلُ عَبْدٍ نَظَرْتُ إِلَيْهِ فَإِذَا أَبْصَرَ أَعْوَانِي مِنَ الْمَلائِكَةِ نَظَرِي إِلَى عَبْدٍ مِنْ عَبِيدِ اللَّهِ عَرَفُوا أَنَّهُ مَقْبُوضٌ، فَعَمِدُوا إِلَيْهِ وَبَطَشُوا بِهِ يُعَالِجُونَ مِنْ نَزْعِ رُوحِهِ، فَإِذَا بَلَغَتِ الرُّوحُ الْحُلْقُومَ، عَلِمْتُ ذَلِكَ وَلا يَخْفَى عَلَيَّ من أمره شئ، مَدَدْتُ يَدِي إِلَيْهِ فَانْتَزَعْتُ رُوحَهُ مِنْ جَسَدِهِ وَأَقْبِضُهُ، فَذَلِكَ أَمْرِي وَأَمْرُ ذَوِي الأَرْوَاحِ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ فَأَبْكَانِي حَدِيثُهُ، ثُمَّ جَاوَزْنَاهُ فَمَرَرْتُ بِمَلَكٍ عَظِيمٍ مَا رَأَيْتُ خَلْقًا مِنَ الْمَلائِكَةِ مِثْلَهُ كَالِحَ الْوَجْهِ كَرِيهَ الْمَنْظَرِ شَدِيدَ الْبَطْشِ ظَاهِرَ الْغَضَبِ، فَلَمَّا نَظَرْتُ إِلَيْهِ رعبت فَقلت: يَا جِبْرِيل
[ ١ / ١٥٧ ]
مَنْ هَذَا؟ فَإِنِّي قَدْ رُعِبْتُ مِنْهُ رُعْبًا شَدِيدًا قَالَ: لَا تَعْجَبْ أَنْ تُرْعَبَ مِنْهُ يَا مُحَمَّدُ، فَكُلُّنَا بِمَنْزِلَتِكَ مِنَ الرُّعْبِ هَذَا مَالِكٌ خَازِنُ جَهَنَّمَ، لَمْ يَتَبَسَّمْ قَطُّ وَلَمْ يَزَلْ مُنْذُ وَلاهُ اللَّهُ جَهَنَّمَ يَزْدَادُ كُلَّ يَوْمٍ غَضَبًا وَغَيْظًا عَلَى أَعْدَاءِ اللَّهِ وَأَهْلِ مَعْصِيَتِهِ، لِيَنْتَقِمَ اللَّهُ بِهِ مِنْهُمْ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ فَرَدَّ عَلَيَّ وَكَلَّمْتُهُ فَأَجَابَنِي وَبَشَّرَنِي بِالْجَنَّةِ، قلت لَهُ منذكم أَنْتَ وَاقِفٌ عَلَى جَهَنَّمَ؟ قَالَ: مُنْذُ خُلِقْتُ حَتَّى الآنَ، وَكَذَلِكَ حَتَّى السَّاعَةَ، قُلْتُ يَا جِبْرِيلُ مُرْهُ فَلْيَفْتَحْ بَابًا مِنْهَا فَأَمَرَهُ بِذَلِكَ فَفَعَلَ فَخَرَجَ مِنْهَا لَهَبٌ سَاطِعٌ أَسْوَدُ مَعَهُ دُخَانٌ كَدِرٌ مُظْلِمٌ امْتَلأَتْ مِنْهُ الآفَاقُ وَسَطَعَ اللَّهَبُ فِي السَّمَاءِ لَهُ قَصِيفٌ وَمَعْمَعَةٌ فَرَأَيْتُ مِنْهُ هَوْلا فَاظِعًا وَأَمْرًا عَظِيمًا أَعْجَزُ عَنْ صِفَتِهِ فَكَادَ يُغْشَى عَلَيَّ وَتَزْهَقُ نَفْسِي، فَقُلْتُ يَا جِبْرِيلُ مُرْهُ فَلْيَرْدُدْهُ فَأَمَرَهُ بِذَلِكَ فَفَعَلَ، ثُمَّ جَاوَزْنَاهُ وَمَرَرْتُ بِمَلائِكَةٍ كَثِيرَةٍ لَا يُحْصِي عَدَدَهُمْ إِلا اللَّهُ الَوْاحِدُ الْمَلِكُ الْقَهَّارُ، مِنْهُمْ مَنْ لَهُ وُجُوهٌ كَثِيرَةٌ بَيْنَ كَتِفَيْهِ، اللَّهُ أَعْلَمُ بِعَدَدِهَا ثُمَّ وُجُوهٌ كَثِيرَةٌ فِي صَدْرِهِ وَفِي كُلِّ وَجْهٍ مِنْ تِلْكَ الْوُجُوهِ أَفْوَاهٌ وَأَلْسُنٌ، وَهُمْ يَحْمَدُونَ اللَّهَ وَيُسَبِّحُونَهُ بِتِلْكَ الأَلْسُنِ كُلِّهَا فَرَأَيْتُ مِنْ خَلْقِهِمْ وَعِبَادَتِهِمْ لِلَّهِ أَمْرًا عَظِيمًا. فَجَاوَزْنَاهُمْ مِنْ سَمَاءٍ إِلَى سَمَاءٍ حَتَّى بَلَغْنَا بِقُوَّةِ اللَّهِ إِلَى السَّمَاءِ السَّادِسَةِ فَإِذَا خَلْقٌ كَثِيرٌ فَوْقَ وَصْفِ الْوَاصِفِينَ، يَمُوجُ بَعْضُهُمْ فِي بَعْضٍ كَثْرَةً، وَإِذَا كُلُّ مَلَكٍ مِنْهُمْ مُمْتَلِئُ مَا بَيْنَ رَأْسِهِ وَرِجْلَيْهِ وُجُوهٌ وَأَجْنِحَةٌ وَلَيْسَ مِنْ فَمٍ وَلا رَأْسٍ وَلا وَجْهٍ وَلا عَيْنٍ وَلا لِسَانٍ وَلا أُذُنٍ وَلا جَنَاحٍ وَلا يَدٍ وَلا رِجْلٍ وَلا عُضْوٍ وَلا شَعْرٍ إِلا يُسَبِّحُ اللَّهَ بِحَمْدِهِ وَيَذْكُرُ مِنْ آلائِهِ وَثَنَائِهِ بِكَلامٍ لَا يَذْكُرُهُ الْعُضْوُ الآخَرُ. رَافِعِينَ أَصْوَاتَهُمْ بِالْبُكَاءِ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَالتَّحْمِيدِ لَهُ وَعِبَادَتِهِ، لَوْ سَمِعَ أَهْلُ الأَرْضِ صَوْتَ مَلَكٍ وَاحِدٍ مِنْهُمْ لَمَاتُوا فَزَعًا مِنْ شِدَّةِ هَوْلِهِ، قُلْتُ يَا جِبْرِيلُ مَنْ هَؤُلاءِ قَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ الْعَظِيمِ يَا مُحَمَّدُ هَؤُلاءِ الْكُرُوبِيُّونَ مِنْ عِبَادَتِهِمْ لِلَّهِ وَتَسْبِيحِهِمْ لَهُ وَبُكَائِهِمْ مِنْ خَشْيَتِهِ خُلِقُوا كَمَا تَرَى لَمْ يُكَلِّمْ مَلَكٌ وَاحِدٌ مِنْهُمْ صَاحِبَهُ إِلَى جَنْبِهِ قَطُّ؛ وَلَمْ يَرَ وَجهه، وَلم يرفعوا رُؤْسهمْ إِلَى السَّمَاءِ السَّابِعَةِ مُنْذُ خُلِقُوا وَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى مَا تَحْتَهُمْ مِنَ السَّمَوَاتِ وَالأَرَضِينَ خُشُوعًا فِي جِسْمِهِمْ وَخَوْفًا مِنْ رَبِّهِمْ، فَأَقْبَلْتُ عَلَيْهِمْ بِالسَّلامِ فَجَعَلُوا يَرُدُّونَ عَلَيَّ إِيمَاء برؤسهم وَلا يُكَلِّمُونَنِي وَلا يَنْظُرُونَ إِلَيَّ مِنَ الْخُشُوعِ، فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ جِبْرِيلُ قَالَ: هَذَا مُحَمَّدٌ نَبِيُّ الرَّحْمَةِ الَّذِي أَرْسَلَهُ اللَّهُ فِي الْعَرَبِ نَبِيًّا وَهُوَ خَاتَمُ الأَنْبِيَاءِ وَسَيِّدُ الْبَشَرِ، أَفَلا تُكَلِّمُونَهُ؟ فَلَمَّا سَمِعُوا ذَلِكَ مِنْ جِبْرِيلَ وَذِكْرَهُ أَمْرِي بِمَا ذَكَرَ، أَقْبَلُوا عَلَيَّ بِالتَّحِيَّةِ وَالسَّلامِ فَأَحْسَنُوا بِشَارَتِي وَأَكْرَمُونِي وَبَشَّرُونِي بِالْخَيْرِ لأُمَّتِي، ثُمَّ أَقْبَلُوا عَلَى عِبَادَتِهِمْ كَمَا كَانُوا فَأَطَلْتُ الْمكْث عِنْدهم وَالنَّظَر إِلَيْهِم
[ ١ / ١٥٨ ]
تَعَجُّبًا مِنْهُمْ لِعِظَمِ خَلْقِهِمْ وَفَضْلِ عِبَادَتِهِمْ، ثُمَّ جَاوَزْنَاهُمْ فَحَمَلَنِي جِبْرِيلُ فَأَدْخَلَنِي السَّمَاءَ السَّابِعَةَ فَأَبْصَرْتُ فِيهَا خَلْقًا وَمَلائِكَةً مِنْ خَلْقِ رَبِّهِمْ لَمْ يُؤْذَنْ لِي أَنْ أُحَدِّثَكُمْ عَنْهُمْ ثُمَّ جَاوَزْنَاهُمْ فَأَخَذَ جِبْرِيلُ بِيَدِي فَرَفَعَنِي إِلَى عِلِّيِّينَ حَتَّى انْتَهَى بِي إِلَى أَشْرَافِ الْمَلائِكَةِ وَعُظَمَائِهِمْ وَرُؤَسَائِهِمْ فَنَظَرْتُ إِلَى سَبْعِينَ صَفًّا مِنَ الْمَلائِكَةِ مِنْهُمْ صَفٌّ خَلْفَ صَفٍّ وَقَدِ امْتَرَقَتْ أَقْدَامُهُمْ تُخُومَ الأَرَضِينَ السَّابِعَةِ، وَجَاوَزَتْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُهُ إِلا اللَّهُ حَتَّى اسْتَقَرَّتْ عَلَى السُّهُومِ، يَعْنِي حِجَابًا فى الظلمَة وامترقت رُؤْسهمْ السَّمَاءَ السَّابِعَةَ الْعُلْيَا وَنَفِدَتْ فِي عِلِّيِّينَ حَيْثُ شَاءَ اللَّهُ فِي الْهَوَاء وَإِذا من وسط رُؤْسهمْ إِلَى مُنْتَهَى أَقْدَامِهِمْ وُجُوهٌ وَنُورٌ وَأَجْنِحَة وُجُوه شَتَّى لَا تُشْبِهُ بَعْضُهَا بَعْضًا وَنُورُهُمْ شَتَّى لَا يُشْبِهُ بَعْضُهُ بَعْضًا وَأَجْنِحَتُهُمْ شَتَّى لَا تُشْبِهُ بَعْضُهَا بَعْضًا، تَحَارُ أَبْصَارُ النَّاظِرِينَ دُونَهُمْ فَنَبَتْ عَيْنَايَ عَنْهُمْ لِمَا نَظَرْتُ مِنْ عَجَائِبِ خَلْقِهِمْ وَشِدَّةِ هَوْلِهِمْ وَتَلأْلُؤِ نُورِهِمْ، فَخَالَطَنِي مِنْهُمْ فَزَعٌ شَدِيدٌ حَتَّى اسْتَعْلَتْنِي الرِّعْدَةُ فَنَظَرْتُ إِلَى جِبْرِيلَ، فَقَالَ: لَا تَخَفْ يَا مُحَمَّدُ فَإِنَّ اللَّهَ ﷿ قَدْ أَكْرَمَكَ كَرَامَةً لَمْ يُكْرِمْهَا أَحَدًا قَبْلَكَ وَبَلَغَ بِكَ مَكَانًا لَمْ يَبْلُغْ إِلَيْهِ أَحَدٌ قَبْلَكَ، وَأَنَّكَ سَتَرَى أَمْرًا عَظِيمًا وَخَلْقًا عَجِيبًا مِنْ خَلْقِ رَبِّ الْعِزَّةِ فَتَثَبَّتْ يُقَوِّيكَ اللَّهُ، وَتَجَلَّدْ فَإِنَّكَ سَتَرَى أَعْجَبَ مِنَ الَّذِي رَأَيْتَ كُلَّهُ وَأَعْظَمَ أَضْعَافًا كَثِيرَةً، ثُمَّ جَاوَزْنَاهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ تَعَالَى فَصَعِدَ بِي إِلَى عِلِّيِّينَ حَتَّى ارْتَفَعْنَا فَوْقَهُمْ مَسِيرَةَ خَمْسِينَ أَلْفِ سَنَةٍ لِغَيْرِنَا، وَلَكِنَّ اللَّهَ قَدَّرَ لَنَا سُرْعَةَ جَوَازِهِ فِي سَاعَةٍ مِنَ اللَّيْلِ فَانْتَهَيْنَا أَيْضًا إِلَى سَبْعِينَ صَفًّا مِنَ الْمَلائِكَةِ صَفًّا خَلْفَ صَفٍّ، قَدْ ضَاقَ كُلُّ صَفٍّ مِنْهُمْ بِالصَّفِّ الَّذِي يَلِيهِ، فَرَأَيْتُ مِنْ خَلْقِهِمُ الْعَجَبَ الْعَجِيبَ مِنْ تَلأْلُؤِ نُورِهِمْ وَكَثْرَةِ وُجُوهِهِمْ وَأَجْنِحَتِهِمْ وَشِدَّةِ هَوْلِهِمْ وَدَوِيِّ أَصْوَاتِهِمْ بِالتَّسْبِيحِ لِلَّهِ وَالثَّنَاءِ عَلَيْهِ، فَنَظَرْتُ إِلَيْهِمْ فَحَمِدْتُ اللَّهَ عَلَى مَا رَأَيْتُ مِنْ قُدْرَتِهِ وَكَثْرَةِ عَجَائِبِ خَلْقِهِ، ثُمَّ جَاوَزْنَاهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ تَعَالَى مُتَصَعِّدِينَ إِلَى عِلِّيِّينَ حَتَّى أَشْرَفْنَا فَوْقَهُمْ مَسِيرَةَ خَمْسِينَ أَلْفِ سَنَةٍ بِقُوَّةِ اللَّهِ وَإِسْرَائِهِ بِنَا فِي سَاعَةٍ حَتَّى انْتَهَيْنَا إِلَى سَبْعِينَ صَفًّا مِنَ الْمَلائِكَةِ صَفًّا خَلْفَ صَفٍّ ثُمَّ كَذَلِكَ إِلَى سَبْعِ صُفُوفٍ مَا بَيْنَ
[ ١ / ١٥٩ ]
كُلِّ صَفَّيْنِ مِنَ الصُّفُوفِ السَّبْعَةِ مَسِيرَةُ خَمْسِينَ أَلْفِ سَنَةٍ لِلرَّاكِبِ الْمُسْرِعِ، قَدْ مَاجَ بَعْضُهُمْ فِي بَعْضٍ، وَقَدْ ضَاقَ كُلُّ صَفٍّ مِنْهُمْ بِالصَّفِّ الَّذِي يَلِيهِ فَهُوَ طَبَقٌ وَاحِدٌ مُتَرَاصُّونَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ وَبَعْضُهُمْ خَلْفَ بَعْضٍ، فَلَقَدْ خُيِّلَ إِلَيَّ إِنِّي قَدْ نَسِيتُ كُلَّ مَا رَأَيْتُ مِنْ عَجَائِبِ خَلْقِ اللَّهِ الَّذِينَ دُونَهُمْ وَلَمْ يُؤْذَنْ لِي أَنْ أُحَدِّثَكُمْ عَنْهُمْ، وَلَوْ كَانَ أُذِنَ لِي فِي ذَلِكَ لَمْ أَسْتَطِعْ أَنْ أَصِفَهُمْ لَكُمْ، وَلَكِنْ أُخْبِرُكُمْ أَنْ لَوْ كُنْتُ مَيِّتًا قَبْلَ أَجَلِي فَزَعًا من شئ لَمِتُّ عِنْدَ رُؤْيَتِهِمْ وَعَجَائِبِ خَلْقِهِمْ وَدَوِيِّ أَصْوَاتِهِمْ وَشُعَاعِ نُورِهِمْ، وَلَكِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَوَّانِي لِذَلِكَ بِرَحْمَتِهِ وَتَمَامِ نِعْمَتِهِ وَمَنَّ عَلَيَّ بِالثَّبَاتِ عِنْدَمَا رَأَيْتُ مِنْ شُعَاعِ نُورِهِمْ وَسَمِعْتُ مِنْ دَوِيِّ أَصْوَاتِهِمْ بِالتَّسْبِيحِ وَحَدَّدَ بَصَرِي لِرُؤْيَتِهِمْ كَيْلا يُخْطَفَ مِنْ نُورِهِمْ، هُمُ الصَّافُّونَ حَوْلَ عَرْشِ الرَّحْمَنِ وَالَّذِينَ دُونَهُمُ الْمُسَبِّحُونَ فِي السَّمَوَاتِ، فَحَمِدْتُ اللَّهَ تَعَالَى عَلَى مَا رَأَيْتُ مِنَ الْعَجَائِبِ فِي خَلْقِهِمْ، ثُمَّ جَاوَزْنَاهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ مُتَصَعِّدِينَ إِلَى عِلِّيِّينَ حَتَّى ارْتَفَعْنَا فَوْقَ ذَلِكَ فَانْتَهَيْنَا إِلَى بَحْرٍ مِنْ نُورٍ يَتَلأْلأُ لَا يُرَى لَهُ طَرَفٌ وَلا مُنْتَهًى، فَلَمَّا نَظَرْتُ إِلَيْهِ حَارَ بَصَرِي دُونَهُ حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّ كُلَّ شئ مِنْ خَلْقِ رَبِّي قَدِ امْتَلأَ نُورًا وَالْتَهَبَ نَارًا. فَكَادَ بَصَرِي يَذْهَبُ مِنْ شِدَّةِ نُورِ ذَلِكَ الْبَحْرِ، وَتَعَاظَمَنِي مَا رَأَيْتُ مِنْ تَلأْلُؤِهِ وَأَفْزَعَنِي حَتَّى فَزِعْتُ مِنْهُ جِدًّا، فَحَمِدْتُ اللَّهَ عَلَى مَا رَأَيْتُ مِنْ هَوْلِ ذَلِكَ الْبَحْرِ وَعَجَائِبِهِ، ثُمَّ جَاوَزْنَاهُ بِإِذْنِ اللَّهِ مُتَصَعِّدِينَ إِلَى عِلِّيِّينَ حَتَّى انْتَهَيْنَا إِلَى بَحْرٍ أَسْوَدَ فَنَظَرْتُ فَإِذَا ظُلُمَاتٌ مُتَرَاكِبَةٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ فِي كَثَافَةٍ لَا يَعْلَمُهَا إِلا اللَّهُ، وَلا أَرَى لِذَلِكَ الْبَحْرِ مُنْتَهًى وَلا طَرَفًا، فَلَمَّا نَظَرْتُ إِلَيْهِ اسْوَدَّ بَصَرِي وَغُشِيَ عَلَيَّ حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّ خَلْقَ رَبِّي قَدِ اسْوَدَّ وَاغْتَمَمْتُ فِي الظَّلامِ، فَلَمْ أَرَ شَيْئًا وَظَنَنْتُ أَنَّ جِبْرِيلَ قَدْ فَاتَنِي وَفَزِعْتُ وَتَعَاظَمَنِي جِدًّا، فَلَمَّا رَأَى جِبْرِيلُ مَا بِي أَخَذَ بِيَدِي وَأَنْشَأَ يُؤْنِسُنِي وَيُكَلِّمُنِي وَيَقُولُ لَا تَخَفْ يَا مُحَمَّدُ، أَبْشِرْ بِكَرَامَةِ اللَّهِ وَاقْبَلْهَا بِقَبُولِهَا، هَلْ تَدْرِي مَا تَرَى وَأَيْنَ يُذْهَبُ بِكَ إِنَّكَ ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ، فَتَثَبَّتْ لِمَا تَرَى مِنْ عَجَائِبِ خَلْقِهِ يُثَبِّتْكَ اللَّهُ، فَحَمِدْتُ اللَّهَ عَلَى مَا بَشَّرَنِي بِهِ جِبْرِيلُ وَعَلَى مَا رَأَيْتُ مِنْ عَجَائِبِ ذَلِكَ الْبَحْرِ، ثُمَّ جَاوَزْنَاهُ بِإِذْنِ اللَّهِ مُتَصَعِّدِينَ إِلَى عِلِّيِّينَ، حَتَّى انْتَهَيْنَا إِلَى بَحْرٍ مِنْ نَارٍ يَتَلَظَّى نَارًا وَيَسْتَعِرُ اسْتِعَارًا، وَيَمُوجُ مَوْجًا وَيَأْكُلُ بَعْضُهُ بَعْضًا، وَلِنَارِهِ شُعَاعٌ وَلَهَبٌ سَاطِعٌ، وَفِيهِ دَوِيٌّ وَمَعْمَعَةٌ وَهَوْلٌ هَائِلٌ فَلَمَّا نَظَرْتُ إِلَيْهِ امْتَلأْتُ هَوْلا وَخَوْفًا وَرُعْبًا، وَظَنَنْتُ أَن كل شئ مِنْ خَلْقِ اللَّهِ قَدِ امْتَلأَ نَارًا وَغُشِيَ عَلَى بَصَرِي، حَتَّى رَدَدْتُ يَدَيَّ عَلَى عَيْنَيَّ لِمَا رَأَيْتُ مِنْ هَوْلِ تِلْكَ النَّارِ، فَنَظَرْتُ إِلَى جِبْرِيلَ فَعَرَفَ مَا بِي مِنَ الْخَوْفِ فَقَالَ لِي: يَا مُحَمَّدُ لَا تَخَفْ تَثَبَّتْ وتجلد بِقُوَّة الله تَعَالَى
[ ١ / ١٦٠ ]
وَاعْرِفْ فَضْلَ مَا أَنْتَ فِيهِ، وَإِلَى مَا أَنْتَ سَائِرٌ وَخُذْ مَا يُرِيكَ اللَّهُ مِنْ آيَاتِهِ وَعَجَائِبِ خَلْقِهِ لِتَشْكُرَ، فَحَمِدْتُ اللَّهَ عَلَى مَا رَأَيْتُ مِنْ عَجَائِبِ تِلْكَ النَّارِ، ثُمَّ جَاوَزْنَاهَا بِإِذْنِ اللَّهِ مُتَصَعِّدِينَ إِلَى عِلِّيِّينَ حَتَّى انْتَهَيْنَا إِلَى جِبَالِ الثَّلْجِ بَعْضُهَا خَلْفَ بَعْضٍ، لَا يُحْصِيهَا إِلا اللَّهُ، شَوَامِخُ مَنِيعَةُ الذُّرَى فِي الْهَوَاءِ وَثَلْجُهَا شَدِيدُ الْبَيَاضِ لَهُ شُعَاعٌ كَشُعَاعِ الشَّمْسِ، فَنَظَرْتُ فَإِذَا هُوَ يُرْعِدُ كَأَنَّهُ مَاءٌ يَجْرِي، فَحَارَ بَصَرِي مِنْ شِدَّةِ بَيَاضِهِ وَتَعَاظَمَنِي مَا رَأَيْتُ مِنْ كَثْرَةِ الْجِبَالِ وَارْتِفَاعِ ذُرَاهَا فِي الْهَوَاءِ، حَتَّى نَبَتْ عَيْنَايَ عَنْهَا، فَقَالَ لِي جِبْرِيلُ لَا تَخَفْ يَا مُحَمَّدُ وَتَثَبَّتْ لِمَا يُرِيكَ اللَّهُ مِنْ عَجَايِبِ خَلْقِهِ، فَحَمِدْتُ اللَّهَ عَلَى مَا رَأَيْتُ مِنْ عِظَمِ تِلْكَ الْجِبَالِ ثُمَّ جَاوَزْنَاهَا بِإِذْنِ اللَّهِ مُتَصَعِّدِينَ إِلَى عِلِّيِّينَ حَتَّى انْتَهَيْنَا إِلَى بَحْرٍ آخَرَ مِنْ نَارٍ تَزِيدُ نَارُهُ عَلَى الْبَحْرِ الأَوَّلِ أَضْعَافًا وَتَلَظِّيًا وَأَمْوَاجًا وَدَوِيًّا وَمَعْمَعَةً وَهَوْلا، وَإِذَا جِبَالُ الثَّلْجِ بَيْنَ النَّارِ وَلا يُطْفِئُهَا فَلَمَّا وُقِفَ بِي عَلَى ذَلِكَ الْبَحْرِ وَهَوْلِ تِلْكَ النَّارِ، اسْتَحْمَلَنِي مِنَ الْخَوْفِ وَالْفَزَعِ أَمْرٌ عَظِيمٌ وَاسْتَقْبَلَتْنِي الرِّعْدَةُ حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّ كُلَّ شئ مِنْ خَلْقِ رَبِّي قَدِ الْتَهَبَ نَارًا، لَمَّا تَفَاقَمَ أَمْرُهَا عِنْدِي وَرَأَيْتُ مِنْ فَظَاعَةِ هَوْلِهَا وَنَظَرَ إِلَيَّ جِبْرِيلُ، فَلَمَّا رَأَى مَا بِي مِنَ الْخَوْفِ وَالرِّعْدَةِ قَالَ: سُبْحَانَ الله يَا مُحَمَّد مَالك أَتَظُنُّ أَنَّكَ مُوَاقِعُ هَذِهِ النَّارِ، فَمَا كل هَذِه الْخَوْفُ إِنَّمَا أَنْتَ فِي كَرَامَةِ اللَّهِ وَالصُّعُودِ إِلَيْهِ لِيُرِيَكَ مِنْ عَجَائِبِ خَلْقِهِ وَآيَاتِهِ الْكُبْرَى فَاطْمَئِنَّ بِرَحْمَةِ رَبِّكَ وَاقْبَلْ مَا أَكْرَمَكَ بِهِ فَإِنَّكَ فِي مَكَانٍ لَمْ يَصِلْ إِلَيْهِ آدَمِيٌّ قَبْلَكَ قَطُّ فَخُذْ مَا أَنْتَ فِيهِ بِشُكْرٍ وَتَثَبَّتْ لِمَا تَرَى مِنْ خَلْقِ رَبِّكَ وَدَعْ عَنْكَ مِنْ خَوْفِكَ فَإِنَّكَ آمِنٌ مِمَّا يُخَافُ وَإِنْ كُنْتَ تَعْجَبُ مِمَّا تَرَى فَمَا أَنْتَ رَاءٍ بَعْدَ هَذَا أَعْجَبُ مِمَّا رَأَيْتَ فَأَفْرَخَ رُوعِي وَهَدَأَتْ نَفْسِي فَحَمِدْتُ اللَّهَ عَلَى مَا رَأَيْتُ مِنْ عَجَايِبِ آلائِهِ ثُمَّ جَاوَزْنَا تِلْكَ النَّارَ مُتَصَعِّدِينَ إِلَى عِلِّيِّينَ حَتَّى انْتَهَيْنَا إِلَى بَحْرٍ مِنْ مَاءٍ وَهُوَ بَحْرُ الْبُحُورِ لَا أُطِيقُ صِفَتَهُ لَكُمْ غَيْرَ أَنِّي لَمْ آتِ عَلَى مَوْطِنٍ مِنْ تِلْكَ الْمَوَاطِنِ الَّتِي حَدَّثْتُكُمْ كُنْتُ فِيهِ أَشَدَّ فَزَعًا وَلا هَوْلا مِنْ حِينِ وُقِفَ بِي عَلَى ذَلِكَ الْبَحْرِ مِنْ شِدَّةِ هَوْلِهِ وَكَثْرَةِ أَمْوَاجِهِ وَتَرَاكُمِ أَوَاذِيِّهِ وَالآذِيُّ هُوَ الْمَوْجُ الْعَظِيمُ كَالْجِبَالِ الرَّوَاسِي بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ مَحْبُوكٌ بِغَوَارِبَ، يَعْنِي طَرَائِقَ وَهِيَ الأَمْوَاجُ الصِّغَارُ فَتَعَاظَمَنِي مَا رَأَيْتُ مِنْ ذَلِكَ الْبَحْرِ حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّهُ لم يبْق شئ مِنْ خَلْقِ اللَّهِ إِلا قَدْ غَمَرَهُ ذَلِكَ الْمَاءُ فَنَظَرَ إِلَيَّ جِبْرِيلُ وَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ لَا تَخَفْ فَإِنَّكَ إِنْ رُعِبْتَ مِنْ هَذَا فَمَا بَعْدَ هَذَا أَرْوَعُ وَأَعْظَمُ هَذَا خَلْقٌ وَإِنَّمَا تَذْهَبُ إِلَى الْخَالِقِ رَبِّي وَرَبِّكَ وَرَبِّ كل شئ فَجُلِّيَ عَنِّي مَا كَانَ اسْتَعْمَلَنِي مِنَ الْخَوْفِ وَاطْمَأْنَنْتُ بِرَحْمَةِ رَبِّي، فَنَظَرْتُ فِي ذَلِكَ الْبَحْرِ، فَرَأَيْتُ خَلْقًا عَجِيبًا فَوْقَ وَصْفِ الْوَاصِفِينَ
[ ١ / ١٦١ ]
قُلْتُ يَا جِبْرِيلُ أَيْنَ يَنْتَهِي هَذَا الْبَحْرُ وَأَيْنَ قَعْرُهُ قَالَ جَاوَزَ قَعْرُهُ الأَرْضَ السَّابِعَةَ السُّفْلَى إِلَى حَيْثُ شَاءَ اللَّهُ، هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ شَأْنُ هَذَا الْبَحْرِ وَمَا فِيهِ مِنْ خَلْقِ رَبِّكَ أَعْظَمُ وَأَعْجَبُ مَا تَرَى فَرَمَيْتُ بِبَصَرِي فِي نَوَاحِيهِ فَإِذَا أَنَا بِمَلائِكَةٍ قِيَامٍ قَدْ غَمَرُوا بِخَلْقِهِمْ خَلْقَ جَمِيعِ الْمَلائِكَةِ وَبَذُّوا بِنُورِهِمْ نُورَ جَمِيعِ الْمَلائِكَةِ، لِعِظَمِ أَنْوَارِهِمْ وَكَثْرَةِ أَجْنِحَتِهِمْ فِي اخْتِلافِ خَلْقِهَا نَاشِرَةً خَلْفَ أَطْرَافِ السَّمَوَاتِ وَالأَرَضِينَ، خَارِجَةً فِي الْهَوَاءِ تَخْفِقُ بِالتَّسْبِيحِ لِلَّهِ قَدْ جَاوَزَ الْهَوَاءَ حَيْثُ شَاءَ اللَّهُ، لَهُمْ مِنْ دُونِهِمْ وَهَجٌ مِنْ تَلأْلُؤِ نُورِهِمْ كَوَهَجِ النَّارِ، فَلَوْلا أَنَّ اللَّهَ أَيَّدَنِي بِقُوَّتِهِ وَمَنَّ عَلَيَّ بِالثَّبَاتِ وَأَلْبَسَنِي جَنَّةً مِنْ رَحْمَتِهِ فَكَلأَنِي بِهَا، لَتَخَطَّفَ نُورُهُمْ بَصَرِي، وَلَحَرَقَتْ وُجُوهُهُمْ جَسَدِي، وَلَكِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ وَتَمَامَ نِعْمَتِهِ عَلَيَّ دَرَأَ عَنِّي وَهَجَ نُورِهِمْ وَحَدَّدَ بَصَرِي لِرُؤْيَتِهِمْ؛ فَنَظَرْتُ إِلَيْهِمْ فِي مَقَامِهِمْ فَإِذَا مَاءُ الْبَحْرِ وَهُوَ بَحْرُ الْبُحُورِ فِي كَثَافَتِهِ وَكَثْرَةِ أَمْوَاجِهِ وَأَمْوَاجِ أَوَاذِيِّهِ لَمْ تُجَاوِزْ رُكَبَهُمْ، قُلْتُ: يَا جِبْرِيلُ مَا هَذَا الْبَحْرُ الَّذِي غَمَرَ الْبُحُورَ كُلَّهَا وَقَدْ كِدْتُ أَنْسَى مِنْ شِدَّةِ هَوْلِهِ وَكَثْرَةِ مَائِهِ كُلَّ عَجَبٍ رَأَيْتُ مِنْ خَلْقِ اللَّهِ، مَعَ بُعْدِ قَعْرِهِ لَمْ يُجَاوِزْ رُكَبَهُمْ فَأَيْنَ مُنْتَهَى أَقْدَامِهِمْ قَالَ: يَا مُحَمَّدُ قَدْ أَخْبَرْتُكَ عَنْ عِظَمِ شَأْنِ هَذَا الْبَحْرِ، وَعَنْ عَجَائِبِ الْخَلْقِ الَّذِي فِيهِ، مُنْتَهَى أَقْدَامُهُمْ عِنْدَ أَصْلِ هَذَا الْمَاءِ الَّذِي فِي قَعْرِ هَذَا الْبَحْر ومنتهى رُؤْسهمْ عِنْدَ عَرْشِ رَبِّ الْعِزَّةِ، وَإِذَا لَهُمْ دَوِيٌّ بِالتَّسْبِيحِ لَوْ سَمِعَ أَهْلُ الأَرْضِ صَوْتَ مَلَكٍ وَاحِدٍ مِنْهُمْ لَصَعِقُوا أَجْمَعِينَ وَمَاتُوا، وَإِذَا هُمْ يَقُولُونَ: سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ؛ سُبْحَانَ اللَّهِ الْحَيِّ الْقَيُّومِ، سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ، سُبْحَانَ اللَّهِ الْعَظِيمِ، سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ، سُبْحَانَ اللَّهِ الْقُدُّوسِ، فَحَمِدْتُ اللَّهَ عَلَى مَا رَأَيْتُ مِنْ عَجَائِبِ ذَلِكَ الْبَحْرِ، وَمَنْ فِيهِ ثُمَّ جَاوَزْنَاهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ إِلَى عِلِّيِّينَ حَتّى انْتَهَيْنَا إِلَى بَحْرٍ مِنْ نُورٍ قَدْ عَلا نُورُهُ وَسَطَعَ فِي عِلِّيِّينَ فَرَأَيْتُ مِنْ شُعَاعِ تَلأْلُؤِهِ أَمْرًا عَظِيمًا، لَوْ جَهِدْتُ أَنْ أَصِفَهُ لَكُمْ مَا اسْتَطَعْتُ ذَلِكَ غَيْرَ أَنَّ نُورَهُ بَدَّدَ كُلَّ نُورٍ وَغَمَرَ كُلَّ نُورٍ فَلَمَّا رَأَى جِبْرِيلُ مَا بِي، قَالَ اللَّهُمَّ ثَبِّتْهُ بِرَحْمَتِكَ وَأَيِّدْهُ بِقُوَّتِكَ وَأَتْمِمْ عَلَيْهِ نِعْمَتَكَ، فَلَمَّا دَعَا لِي بِذَلِكَ جُلِّيَ عَنْ بَصَرِي وَحَدَّدَهُ اللَّهُ لِرُؤْيَةِ شُعَاعِ ذَلِكَ النُّورِ، وَمَنَّ عَلَيَّ بِالثَّبَاتِ لِذَلِكَ، فَنَظَرْتُ إِلَيْهِ وَقَلَّبْتُ بَصَرِي فِي نَوَاحِي ذَلِكَ الْبَحْرِ؛ فَلَمَّا امْتَلأَتْ عَيْنِي مِنْهُ ظَنَنْتُ أَنَّ السَّمَوَاتِ السَّبْعَ وَالْأَرضين السَّبع وكل شئ
[ ١ / ١٦٢ ]
مُتَلأْلِئٌ نُورًا وَمُتَأَجِّجٌ نَارًا، ثُمَّ حَارَ بَصَرِي حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّ نُورَهُ يَتَلَوَّنُ عَلَى مَا بَيْنَ الْحُمْرَةِ وَالصُّفْرَةِ وَالْبَيَاضِ وَالْخُضْرَةِ، ثُمَّ اخْتَلَطَتْ وَالْتَبَسَتْ جَمِيعًا حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّهُ قَدْ أَظْلَمَ مِنْ شِدَّةِ وَهَجِهِ وَشُعَاعِ تَلأْلُؤِهِ وَإِضَاءَةِ نُورِهِ، فَنَظَرْتُ إِلَى جِبْرِيلَ فَعَرَفَ مَا بِي فَأَنْشَأَ يَدْعُو لِي الثَّانِيَةَ بِنَحْوٍ مِنْ دُعَائِهِ الأَوَّلِ، فَرَدَّ اللَّهُ إِلَيَّ بَصَرِي بِرَحْمَتِهِ وَحَدَّدَهُ لِرُؤْيَةِ ذَلِكَ النُّورِ، وَأَيَّدَنِي بِقُوَّتِهِ حَتَّى تَثَبَّتُّ وَقُمْتُ لَهُ وَهَوَّنَ ذَلِكَ عَلَيَّ بِمَنِّهِ وَكَرَمِهِ حَتَّى جَعَلْتُ أُقَلِّبُ بَصَرِي فِي أَدْنَى نور ذَلِك الْبَحْر فادا فِيهِ مَلائِكَةٌ قِيَامٌ صَفًّا وَاحِدًا مُتَرَاصِّينَ كُلُّهُمْ، مُتَصَافِّينَ بَعْضُهُمْ فِي بَعْضٍ قَدْ أَحَاطُوا بِالْعَرْشِ وَاسْتَدَارُوا حَوْلَهُ فَلَمَّا نَظَرْتُ إِلَيْهِمْ وَرَأَيْتُ عَجَائِبَ خَلْقِهِمْ كَأَنِّي أُنْسِيتُ كُلَّ شئ كَانَ قَبْلَهُمْ مِمَّا رَأَيْتُ مِنَ الْمَلائِكَةِ وَمِمَّا وَصَفْتُ لَكُمْ قَبْلَهُمْ لِعَجَبِ خَلْقِ أُولَئِكَ الْمَلائِكَةِ وَقَدْ نُهِيتُ أَنْ أَصِفَهُمْ لَكُمْ، وَلَوْ كَانَ أُذِنَ لِي فِي ذَلِكَ فَجَهِدْتُ أَنْ أَصِفَهُمْ لَكُمْ لَمْ أَطِقْ ذَلِكَ، وَلَمْ أُبَلِّغْ جُزْءًا وَاحِدًا مِنْ مِائَةِ جُزْءٍ، فَالْحَمْدُ لِلَّهِ الْخَلاقِ الْعَظِيمِ الْعَلِيِّ شَأْنُهُ، فَإِذَا هُمْ قَدْ أَحَاطُوا بِالْعَرْشِ وَغَضُّوا أَبْصَارَهُمْ دُونَهُ لَهُمْ دَوِيٌّ بِالتَّسْبِيحِ كَأَنَّ السَّمَوَاتِ وَالأَرَضِينَ وَالْجِبَالَ الرَّوَاسِيَ يَتَضَامُّ بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ، بَلْ هُمْ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ وَأَعْجَبُ فَوْقَ وَصْفِ الْوَاصِفِينَ فَأَصْغَيْتُ إِلَى تَسْبِيحِهِمْ كَيْ أَفْهَمَهُ فَإِذَا هُمْ يَقُولُونَ: لَا إِلَهَ إِلا اللَّهُ ذُو الْعَرْشِ الْكَرِيمِ، لَا إِلَهَ إِلا اللَّهُ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ، لَا إِلَهَ إِلا اللَّهُ الْحَيُّ الْقَيُّومُ، فَإِذَا فَتَحُوا أَفْوَاهَهُمْ بِالتَّسْبِيحِ لِلَّهِ خَرَجَ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ نُورٌ سَاطِعٌ كَأَنَّهُ لَهَبَانُ النَّارِ، لَوْلا أَنَّهَا بِتَقْدِيرِ اللَّهِ تُحِيطُ بِنُورِ الْعَرْشِ لَظَنَنْتُ يَقِينًا أَنَّ نُورَ أَفْوَاهِهِمْ كَانَ يَحْرِقُ مَا دُونَهُمْ مِنْ خَلْقِ اللَّهِ كُلِّهِمْ، فَلَوْ أَمَرَ اللَّهُ وَاحِدًا مِنْهُمْ أَنَّهُ يَلْتَقِمُ السَّمَوَاتِ السَّبْعَ وَالأَرَضِينَ السَّبْعَ وَمَنْ فِيهِنَّ مِنَ الْخَلائِقِ بِلُقْمَةٍ وَاحِدَةٍ لَفَعَلَ ذَلِكَ وَلَهَانَ عَلَيْهِ، لِمَا شَرَّفَهُمْ وَعَظَّمَهُمْ مِنْ خَلْقِهِمْ، وَمَا يوصفون بشئ أَعْجَبَ إِلا وَجَاءَ أَمْرُهُمْ أَعْظَمُ مِنْ ذَلِكَ، قُلْتُ يَا جِبْرِيلُ مَنْ هَؤُلاءِ قَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ الْقَهَّارِ فَوْقَ عِبَادِهِ يَا مُحَمَّدُ مَا يَنْبَغِي لَكَ أَنْ تَعْلَمَ مَنْ هَؤُلاءِ أَرَأَيْتَ أَهْلَ السَّمَاءِ السَّادِسَةِ وَمَا فَوْقَ ذَلِكَ إِلَى هَؤُلاءِ وَمَا رَأَيْتَ فِيمَا بَيْنَ ذَلِكَ وَلَمْ تَرَ أَعْظَمَ وَأَعْجَبَ فَهُمُ الْكُرُوبِيُّونَ أَصْنَافٌ شَتَّى وَقَدْ جَعَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِي جَلالِهِ وَتَقَدَّسَ فِي أَفْعَالِهِ مَا تَرَى وَفَضَّلَهُمْ فِي مَكَانِهِمْ وَخَلْقِهِمْ وَجَعَلَهُمْ فِي دَرَجَاتِهِمْ وَصَوَّرَهُمْ وَنَوَّرَهُمْ كَمَا رَأَيْتَ وَمَا لَمْ تَرَ أَكْثَرَ وَأَعْجَبَ فَحَمِدْتُ اللَّهَ عَلَى مَا رَأَيْتُ مِنْ شَأْنِهِمْ ثُمَّ جَاوَزْنَاهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ تَعَالَى مُتَصَعِّدِينَ فِي جَوِّ عِلِّيِّينَ أَسْرَعَ مِنَ السَّهْمِ وَالرِّيحِ، بِإِذْنِ اللَّهِ وَقُدْرَتِهِ حَتَّى وَصَلَ بِي إِلَى عَرْشِ ذِي الْعِزَّةِ الْعَزِيزِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ، فَلَمَّا نَظَرْتُ إِلَى الْعَرْشِ فَإِذَا مَا رَأَيْتُهُ مِنَ الْخَلْقِ كُلِّهِ قَدْ تَصَاغَرَ ذِكْرُهُ وَتَهَاوَنَ أَمْرُهُ وَاتَّضَعَ خَطَرُهُ عِنْدَ الْعَرْشِ، وَإِذَا السَّمَوَاتُ السَّبع
[ ١ / ١٦٣ ]
وَالأَرَضُونَ السَّبْعُ وَأَطْبَاقُ جَهَنَّمَ وَدَرَجَاتُ الْجَنَّةِ وَسُتُورُ الْحُجُبِ وَالنُّورِ وَالْبِحَارِ وَالْجِبَالِ الَّتِي فِي عِلِّيِّينَ وَجَمِيعُ الْخَلْقِ وَالْخَلِيقَةِ إِلَى عَرْشِ الرَّحْمَنِ؛ كَحَلَقَةٍ صَغِيرَةٍ مِنْ حَلَقِ الدِّرْعِ فِي أَرْضِ فَلاةٍ وَاسِعَةٍ فَيْحَاءَ لَا يُعْرَفُ أَطْرَافُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا، وَهَكَذَا يَنْبَغِي لِمَقَامِ رَبِّ الْعِزَّةِ أَنْ يَكُونَ عَظِيمًا لِعَظِيمِ رُبُوبِيَّتِهِ وَهُوَ كَذَلِكَ وَأَجَلُّ وَأَعْظَمُ وَأَعَزُّ وَأَكْرَمُ وَأَفْضَلُ وَأَمَرْهُ فَوْقَ وَصْفِ الْوَاصِفِينَ وَمَا تَلْهَجُ بِهِ أَلْسُنُ النَّاطِقِينَ فَلَمَّا أُسْرِيَ بِي إِلَى الْعَرْشِ وَحَاذَيْتُ بِهِ وَدُلِّيَ لِي رَفْرَفٌ أَخْضَرُ لَا أُطِيقُ صِفَتَهُ لَكُمْ فَأَهْوَى بِي جِبْرِيلُ فَأَقْعَدَنِي عَلَيْهِ ثُمَّ قَصَّرَ دُونِي وَرَدَّ يَدَيْهِ عَلَى عَيْنَيْهِ مَخَافَةً عَلَى بَصَرِهِ أَنْ يَلْتَمِعَ مِنْ تَلأْلُؤِ نُورِ الْعَرْشِ، وَأَنْشَأَ يَبْكِي بِصَوْتٍ رَفِيعٍ وَيُسَبِّحُ اللَّهَ تَعَالَى وَيَحْمَدُهُ وَيُثْنِي عَلَيْهِ فَرَفَعَنِي ذَلِكَ الرَّفْرَفُ بِإِذْنِ اللَّهِ وَرَحْمَتِهِ إِيَّايَ وَتَمَامِ نِعْمَتِهِ عَلَيَّ إِلَى قُرْبِ سَيِّدِ الْعَرْشِ إِلَى أَمْرِ عَظِيمٍ، لَا تَنَالُهُ الأَلْسُنُ وَلا تَبْلُغُهُ الأَوْهَامُ، فَحَارَ بَصَرِي دُونَهُ حَتَّى خِفْتُ الْعَمَى فَغَمَّضْتُ عَيْنَيَّ وَكَانَ تَوْفِيقًا مِنَ اللَّهِ فَلَمَّا غَمَّضْتُ بَصَرِي رُدَّ إِلَيَّ بَصَرِي فِي قَلْبِي فَجَعَلْتُ أَنْظُرُ بِقَلْبِي نَحْوَ مَا كُنْتُ أَنْظُرُ إِلَيْهِ بِعَيْنَيَّ نُورًا يَتَلأْلأُ نُهِيتُ أَنْ أَصِفَهُ لَكُمْ مِنْ جَلالِهِ فَسَأَلْتُ رَبِّي أَنْ يُكْرِمَنِي بِالثَّبَاتِ لِرُؤْيَتِهِ بِقَلْبِي كَيْ أَسْتَتِمَّ بِهَا نِعْمَتَهُ فَفَعَلَ ذَلِكَ رَبِّي وَأَكْرَمَنِي بِهِ فَنَظَرْتُ إِلَيْهِ بِقَلْبِي حَتَّى أَثْبَتُّهُ وَأَثْبَتُّ رُؤْيَتَهُ فَإِذَا هُوَ حِينَ كَشَفَ عَنْهُ حُجُبَهُ مُسْتَوٍ عَلَى عَرْشِهِ فِي وَقَارِهِ وَعِزِّهِ وَمَجْدِهِ وَعُلُوِّهِ، وَلَمْ يَأْذَنْ لِي فِي غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ صِفَتِهِ لَكُمْ سُبْحَانَهُ بِجَلالِهِ وَكَرِيمِ فِعَالِهِ فِي مَكَانِهِ الْعَلِيِّ وَنُورِهِ الْمُتَلأْلِئِ، فَمَالَ إِلَيَّ مِنْ وَقَارِهِ بَعْضَ الْمَيْلِ فَأَدْنَانِي، مِنْهُ فَذَلِكَ قَوْلُهُ فِي كِتَابِهِ يُخْبِرُكُمْ فِعَالَهُ بِي وَإِكْرَامَهُ إِيَّايَ ﴿ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى وَهُوَ بِالأُفُقِ الأَعْلَى ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى فَكَانَ قَابَ قوسين أَو أدنى﴾ يغنى حَيْثُ مَالَ إِلَيَّ فَقَرَّبَنِي مِنْهُ قَدْرَ مَا بَيْنَ طَرَفَيِ الْقَوْسِ، بَلْ أَدْنَى مِنَ الْكَبِدِ إِلَى السِّيَةِ فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أوحى، قَضَى مَا قَضَى مِنْ أَمْرِهِ الَّذِي عَهِدَ إِلَيَّ، ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَاد مَا رأى﴾ يَعْنِي رُؤْيَتِي إِيَّاهُ بِقَلْبِي، ﴿لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾، فَلَمَّا مَالَ إِلَيَّ مِنْ وَقَارِهِ ﷾ وَضَعَ إِحْدَى يَدَيْهِ بَيْنَ كَتِفَيَّ فَلَقَدْ وَجَدْتُ بَرْدَ أَنَامِلِهِ عَلَى فُؤَادِي حِينًا وَوَجَدْتُ عِنْدَ ذَلِكَ حَلاوَتَهُ وَطِيبَ رِيحِهِ وَبَرْدَ لَذَاذَتِهِ وَكَرَامَةَ رُؤْيَتِهِ، وَاضْمَحَلَّ كُلُّ هَوْلٍ كُنْتُ لَقِيتُ وَتَجَلَّتْ عَنِّي رَوْعَاتِي وَاطْمَأَنَّ قَلْبِي وَامْتَلأْتُ فَرَحًا وَقَرَّتْ عَيْنَايَ وَوَقَعَ الاسْتِبْشَارُ وَالطَّرَبُ عَلَيَّ حَتَّى جَعَلْتُ أَمِيلُ وَأَتَكَفَّأُ يَمِينًا وَشِمَالا وَيَأْخُذُنِي مِثْلُ السُّبَاتِ وَظَنَنْتُ أَنَّ مَنْ فِي الأَرْضِ وَالسَّمَوَاتِ مَاتُوا كُلُّهُمْ لأَنِّي لَا أَسْمَعُ شَيْئًا مِنْ أَصْوَاتِ الْمَلائِكَةِ وَلَمْ أَرَ عِنْدَ رُؤْيَةِ رَبِّي أَجْرَامَ ظُلْمَةٍ، فَتَرَكَنِي إِلَهِي كَذَلِكَ مَا شَاءَ اللَّهُ، ثُمَّ رَدَّ إِلَيَّ ذِهْنِي فَكَأَنِّي كُنْتُ مستوسنا
[ ١ / ١٦٤ ]
وَأَفَقْتُ فَثَابَ إِلَيَّ عَقْلِي وَاطْمَأْنَنْتُ بِمَعْرِفَةِ مَكَانِي وَمَا أَنَا فِيهِ مِنَ الْكَرَامَةِ الْفَائِقَةِ وَالإِيثَارِ الْبَيِّنِ فَكَلَّمَنِي رَبِّي سُبْحَانَهُ وَبِحَمْدِهِ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ هَلْ تَدْرِي فِيمَ يَخْتَصِمُ الْمَلأُ الأَعْلَى قُلْتُ يَا رَبِّ أَنْتَ أَعْلَمُ بِذَلِكَ وَبِكُلِّ شئ وَأَنْتَ عَلامُ الْغُيُوبِ، فَقَالَ: اخْتَصَمُوا فِي الدَّرَجَاتِ وَالْحَسَنَاتِ هَلْ تَدْرِي يَا مُحَمَّدُ مَا الدَّرَجَاتُ وَالْحَسَنَاتُ قلت يارب أَنْتَ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ، فَقَالَ الدَّرَجَاتُ إِسْبَاغُ الْوُضُوءِ فِي الْمَكْرُوهَاتِ وَالْمَشْيُ عَلَى الأَقْدَامِ إِلَى الْجَمَاعَاتِ وَانْتِظَارُ الصَّلاةِ بَعْدَ الصَّلاةِ، وَالْحَسَنَاتُ إِطْعَامُ الطَّعَامِ وَإِفْشَاءُ السَّلامِ وَالتَّهَجُّدُ بِاللَّيْلِ وَالنَّاسُ نِيَامٌ فَمَا سَمِعْتُ شَيْئًا قَطُّ أَلَذُّ وَلا أَحْلَى مِنْ نَغَمَةِ كَلامِهِ فَاسْتَأْنَسْتُ إِلَيْهِ مِنْ لَذَاذَةِ نَغَمَتِهِ حَتَّى كَلَّمْتُهُ بِحَاجَتِي فَقُلْتُ يَا رَبِّ إِنَّكَ اتَّخَذْتَ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلا وَكَلَّمْتَ مُوسَى تَكْلِيمًا وَرَفَعْتَ إِدْرِيسَ مَكَانًا عَلِيًّا وَآتَيْتَ سُلَيْمَانَ مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لأَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ وَأَتَيْتَ دَاوُدَ زَبُورًا فمالى يَا رَبِّ قَالَ يَا مُحَمَّدُ اتَّخَذْتُكَ خَلِيلا كَمَا اتَّخَذْتُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلا وَكَلَّمْتُكَ كَمَا كَلَّمْتُ مُوسَى تَكْلِيمًا وَأَعْطَيْتُكَ فَاتِحَةَ الْكِتَابِ وَخَوَاتِيمَ سُورَةِ الْبَقَرَةِ وَكَانَتْ مِنْ كُنُوزِ عَرْشِي وَلَمْ أُعْطِهَا نَبِيًّا قَبْلَكَ، وَأَرْسَلْتُكَ إِلَى أَبْيَضِ أَهْلِ الأَرْضِ وَأَسْوَدِهِمْ وَأَحْمَرِهِمْ وَجِنِّهِمْ وَإِنْسِهِمْ، وَلَمْ أُرْسِلْ إِلَى جَمَاعَتِهِمِ نَبِيًّا قَبْلَكَ، وَجَعَلْتُ الأَرْضَ بَرَّهَا وَبَحْرَهَا لَكَ وَلأُمَّتِكَ طَهُورًا وَمَسْجِدًا وَأَطْعَمْتُ أُمَّتَكَ الفئ وَلَمْ أُطْعِمْهُ أُمَّةً قَبْلَهَا وَنَصَرْتُكَ بِالرُّعْبِ حَتَّى إِنَّ عَدُوَّكَ لَيَفْرَقُ مِنْكَ وَبَيْنَكَ وَبَيْنَهُ مَسِيرَةُ شَهْرٍ، وَأَنْزَلْتُ عَلَيْكَ سَيِّدَ الْكُتُبِ كُلِّهَا وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهَا قُرْآنًا فَرَقْنَاهُ وَرَفَعْتُ لَكَ ذِكْرَكَ حَتَّى قَرَنْتُهُ بِذِكْرِي، فَلَا أذكر بشئ مِنْ شَرَائِعِ دِينِي إِلا ذُكِرْتَ مَعِي ثُمَّ أَفْضَى إِلَيَّ مِنْ بَعْدِ هَذَا بِأُمُورٍ لَمْ يَأْذَنْ لِي أَنْ أُحَدِّثَكُمْ بِهَا، فَلَمَّا عَهِدَ إِلَيَّ عَهْدَهُ وَتَرَكَنِي مَا شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى عَرْشِهِ سُبْحَانَهُ بِجَلالِهِ وَوَقَارِهِ وَعِزِّهِ نَظَرْتُ فَإِذَا قَدْ حِيلَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ وَإِذَا دُونَهُ حِجَابٌ مِنْ نُورٍ يَلْتَهِبُ الْتِهَابًا لَا يَعْلَمُ مسافته إِلَّا الله لوهتك فِي مَوْضِعٍ لأَحْرَقَ خَلْقَ اللَّهِ كُلَّهُمْ، وَدَلانِي الرَّفْرَفُ الأَخْضَرُ الَّذِي أَنَا عَلَيْهِ فَجَعَلَ يَخْفِضُنِي وَيَرْفَعُنِي فِي عِلِّيِّينَ فَجَعَلْتُ أَرْتَفِعُ مَرَّةً كَأَنَّهُ يطاربى وَيَخْفِضُنِي مَرَّةً كَأَنَّهُ يُخْفَضُ بِي إِلَى مَا هُوَ أَسْفَلُ مِنِّي فَظَنَنْتُ أَنِّي أَهْوِي فِي جَوِّ عِلِّيِّينَ فَلَمْ يَزَلْ كَذَلِكَ الرَّفْرَفُ يَفْعَلُ ذَلِكَ بِي خَفْضًا وَرَفْعًا حَتَّى أُهْوِيَ بِي إِلَى جِبْرِيلَ فَتَنَاوَلَنِي مِنْهُ وَارْتَفَعَ الرَّفْرَفُ حَتَّى تَوَارَى عَنْ بَصَرِي فَإِذَا إِلَهِي قَدْ ثَبَّتَ بَصَرِي فِي قَلْبِي وَإِذَا أَنَا أُبْصِرُ بِقَلْبِي مَا خَلْفِي كَمَا أُبْصِرُ بِعَيْنِي مَا أَمَامِي فَلَمَّا أَكْرَمَنِي رَبِّي بِرُؤْيَتِهِ احْتَدَّ بَصَرِي، فَنَظَرْتُ إِلَى جِبْرِيلَ فَلَمَّا رَأَى مَا بِي قَالَ لَا تَخَفْ يَا مُحَمَّدُ وَتَثَبَّتْ بِقُوَّةِ اللَّهِ، أَيَّدَكَ اللَّهُ بِالثَّبَاتِ لِرُؤْيَةِ نُورِ الْعَرْشِ وَنُورِ الْحُجُبِ وَنُورِ الْبِحَارِ وَالْجِبَالِ الَّتِي فِي عِلِّيِّينَ وَنُورِ الْكُرُوبِيِّينَ وَمَا تَحْتَ
[ ١ / ١٦٥ ]
ذَلِكَ مِنْ عَجَائِبِ خَلْقِ رَبِّي إِلَى مُنْتَهَى الأَرْضِ أَرَى ذَلِكَ كُلَّهُ بَعْضَهُ مِنْ تَحْتِ بَعْضٍ بَعْدَ مَا كَانَ يَشُقُّ عَلَيَّ رُؤْيَةُ وَاحِدٍ مِنْهُمْ وَيَحَارُ بَصَرِي دُونَهُ، فَسَمِعْتُ فَإِذَا أَصْوَاتُ الْكُرُوبِيِّينَ وَمَا فَوْقَهُمْ وَصَوْتُ الْعَرْشِ وَصَوْتُ الْكُرْسِيِّ تَحْتَ الْعَرْشِ وَأَصْوَاتُ سُرَادِقَاتِ النُّورِ حَوْلَ الْعَرْشِ وَأَصْوَاتُ الْحُجُبِ قَدِ ارْتَفَعَتْ حَوْلِي بِالتَّسْبِيحِ لِلَّهِ وَالتَّقْدِيسِ لِلَّهِ وَالثَّنَاءِ عَلَى اللَّهِ فَسَمِعْتُ أَصْوَاتًا شَتَّى مِنْهَا صَرِيرٌ وَمِنْهَا زَجَلٌ وَمِنْهَا هَمِيرٌ وَمِنْهَا دَوِيٌّ وَمِنْهَا قَصِيفٌ مُخْتَلِفَةٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ، فَرُوِّعْتُ لِذَلِكَ رَوْعًا عَظِيمًا لِمَا سَمِعْتُ مِنَ الْعَجَائِبِ فَقَالَ لِي جِبْرِيلُ لِمَ تَفْزَعُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَبْشِرْ فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ دَرَأَ عَنْكَ الرَّوْعَاتِ وَالْمَخَاوِفَ كُلَّهَا وَاعْلَمْ عِلْمًا يَقِينًا أَنَّكَ خِيرَةُ اللَّهِ مِنْ خَلْقِهِ وَصَفْوَتُهُ مِنَ الْبَشَرِ، حَبَاكَ بِمَا لَمْ يُحْبِهِ أَحَدًا مِنْ خَلْقِهِ لَا مَلَكٌ مُقَرَّبٌ وَلا نَبِيٌّ مُرْسَلٌ، وَلَقَدْ قَرَّبَكَ الرَّحْمَنُ ﷿ إِلَيْهِ قَرِيبًا مِنْ عَرْشِهِ مَكَانًا لَمْ يَصِلْ إِلَيْهِ وَلا قُرِّبَ مِنْهُ أَحَدٌ مِنْ خَلْقِهِ قَطُّ لَا مِنْ أَهْلِ السَّمَوَاتِ وَلا مِنْ أَهْلِ الأَرْضِ فَهَنَاكَ اللَّهُ كَرَامَتَهُ وَمَا احْتَبَاكَ بِهِ وَأَنْزَلَكَ مِنَ الْمَنْزِلَةِ الأَثِيرَةِ وَالْكَرَامَةِ الْفَائِقَةِ فَجَدِّدْ لِرَبِّكَ شُكْرًا فَإِنَّهُ يُحِبُّ الشَّاكِرِينَ وَيَسْتَوْجِبُ لَكَ الْمَزِيدَ مِنْهُ عِنْدَ الشُّكْرِ مِنْكَ، فَحَمِدْتُ اللَّهَ عَلَى مَا اصْطَفَانِي بِهِ وَأَكْرَمَنِي، ثُمَّ قَالَ جِبْرِيلُ يَا رَسُولَ اللَّهِ انْظُرْ إِلَى الْجَنَّةِ حَتَّى أريك مَالك فِيهَا وَمَا أَعَدَّ اللَّهُ لَكَ فِيهَا فَتَعْرِفَ مَا يَكُونُ مِنْ مَعَادِكَ بَعْدَ الْمَوْتِ فَتَزْدَادَ فِي الدُّنْيَا زَهَادَةً إِلَى زَهَادَتِكَ فِيهَا وَتَزْدَادَ فِي الآخِرَةِ رَغْبَةً إِلَى رَغْبَتِكَ فِيهَا، فَقُلْتُ نَعَمْ فَسِرْتُ مَعَ جِبْرِيلَ بِحَمْدِ رَبِّي مِنْ عِلِّيِّينَ يَهْوِي مُنْقَضًّا أَسْرَعَ مِنَ السَّهْمِ وَالرُّمْحِ، فَذَهَبَ رَوْعِي الَّذِي كَانَ قَدِ اسْتَحْمَلَنِي بَعْدَ سَمَاعِ الْمُسَبِّحِينَ حَوْلَ الْعَرْشِ وَثَابَ إِلَيَّ فُؤَادِي فَكَلَّمْتُ جِبْرِيلَ وَأَنْشَأْتُ أَسْأَلُهُ عَمَّا كُنْتُ رَأَيْتُ فِي عِلِّيِّينَ، قُلْتُ يَا جِبْرِيلُ مَا هَذِهِ الْبُحُورُ الَّتِي رَأَيْتُ مِنَ النُّورِ وَالظُّلْمَةِ وَالْمَاءِ وَالنَّارِ وَالثَّلْجِ وَالنُّورِ؟ قَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ تِلْكَ سُرَادِقَاتُ رَبِّ الْعِزَّةِ الَّتِي أَحَاطَ بِهَا عَرْشَهُ، فَهِيَ سُتْرَةٌ دُونَ الْحُجُبِ السَّبْعِينَ الَّتِي احْتَجَبَ بِهَا الرَّحْمَنُ من خلقه، وَتلك السرداقات سُتُورٌ لِلْخَلائِقِ مِنْ نُورِ الْحُجُبِ، وَمَا تَحْتَ ذَلِكَ كُلِّهِ مِنْ خَلْقِ اللَّهِ، وَمَا عَسَى أَنْ يَكُونَ مَا رَأَيْتَ مِنْ ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِلَى مَا غَابَ مِمَّا لَمْ تَرَهُ مِنْ عَجَائِبِ خَلْقِ رَبِّكَ فِي عِلِّيِّينَ، فَقُلْتُ: سُبْحَانَ اللَّهِ الْعَظِيمِ مَا أَكْثَرَ عَجَائِبَ خَلْقِهِ وَلا أَعْجَبَ مِنْ قُدْرَتِهِ عِنْدَ عَظِيمِ رُبُوبِيَّتِهِ ثُمَّ قُلْتُ يَا جِبْرِيلُ مَنِ الْمَلائِكَةُ الَّذِينَ رَأَيْتُ فِي الْبُحُورِ وَمَا بَيْنَ بَحْرِ النَّارِ إِلَى بَحْرِ الصَّافِّينَ وَالصُّفُوفُ بَعْدَ الصُّفُوفِ، كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ مُتَضَامِّينَ بَعْضُهُمْ فِي بَعْضٍ، ثُمَّ مَا رَأَيْتُ خَلفهم نحوهم
[ ١ / ١٦٦ ]
صَافِّينَ صُفُوفًا فِيمَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الآخَرِينَ مِنَ الْبُعْدُ وَالأَمَدِ وَالنَّأْيِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَمَا تَسْمَعُ رَبَّكَ يَقُولُ فِي بَعْضِ مَا نُزِّلَ عَلَيْكَ ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرّوح وَالْمَلَائِكَة صفا﴾ وَأَخْبَرَكَ عَنِ الْمَلائِكَةِ أَنَّهُمْ قَالُوا ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ وَإِنَّا لَنَحْنُ المسبحون﴾، فَالَّذِينَ رَأَيْتَ فِي بُحُورِ عِلِّيِّينَ هُمُ الصَّافُّونَ حَوْلَ الْعَرْشِ إِلَى مُنْتَهَى السَّمَاءِ السَّادِسَةِ، وَمَا دُونَ ذَلِكَ هُمُ الْمُسَبِّحُونَ فِي السَّمَوَاتِ وَالرُّوحُ رَئِيسُهُمُ الأَعْظَمُ كُلِّهِمْ ثُمَّ إِسْرَافِيلُ بَعْدَ ذَلِكَ فَقُلْتُ يَا جِبْرِيلُ فَمَنِ الصَّفُّ الأَعْلَى فَوْقَ الصُّفُوفِ كُلِّهَا الَّذِينَ أَحَاطُوا بِالْعَرْشِ وَاسْتَدَارُوا حَوْلَهُ، فَقَالَ جِبْرِيلُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ الْكُرُوبِيِّينَ هُمْ أَشْرَاف الْمَلَائِكَة وعظماؤهم ورؤساهم وَمَا يَجْتَرِي أَحَدٌ مِنَ الْمَلائِكَةِ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى مَلَكٍ مِنَ الْكُرُوبِيِّينَ، وَلَوْ نَظَرَتِ الْمَلائِكَةُ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ إِلَى مَلَكٍ وَاحِدٍ مِنَ الْكُرُوبِيِّينَ لَخُطِفَ وَهَجُ نُورِ أَبْصَارِهِمْ وَلا يَجْتَرِئُ مَلَكٌ وَاحِدٌ مِنَ الْكُرُوبِيِّينَ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى مَلَكٍ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ الصَّفِّ الأَعْلَى الَّذِينَ هُمْ أَشْرَافُ الْكُرُوبِيِّينَ وَعُظَمَاؤُهُمْ وَهُمْ أَعْظَمُ شَأْنًا مِنْ أَنْ أُطِيقَ صِفَتَهُمْ لَكَ، وَكَفَى بِمَا رَأَيْتَ فِيهِمْ ثُمَّ سَأَلْتُ جِبْرِيلَ عَنِ الْحُجُبِ وَمَا كُنْتُ أَسْمَعُ مِنْ تَسْبِيحِهَا وَتَمْجِيدِهَا وَتَقْدِيسِهَا لِلَّهِ تَعَالَى، فَأَخْبَرَنِي عَنْهَا حِجَابًا حِجَابًا وَبَحْرًا بَحْرًا وَأَصْنَافِ تَسْبيحِهًا بِكَلامٍ كَثِيرٍ فِيهِ الْعَجَبُ كُلُّ الْعَجَبِ مِنَ الثَّنَاءِ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى وَالتَّحْمِيدِ لَهُ، ثُمَّ طَافَ بِي جِبْرِيلُ فِي الْجَنَّةِ بِإِذْنِ اللَّهِ فَمَا تَرَكَ مَكَانًا إِلا رَأَيْتُهُ، وَأَخْبَرَنِي عَنْهُ، فَلأَنَا أَعْرَفُ بِكُلِّ دَرَجَةٍ وَقَصْرٍ وَبَيْتٍ وَغُرْفَةٍ وَخَيْمَةٍ وَشَجَرَةٍ وَنَهْرٍ وَعَيْنٍ مِنِّي بِمَا فِي مَسْجِدِي هَذَا، فَلَمْ يَزَلْ يَطُوفُ بِي حَتَّى انْتَهَى بِي إِلَى سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى، فَقَالَ يَا مُحَمَّدُ هَذِهِ الشَّجَرَةُ الَّتِي ذَكَرَهَا اللَّهُ فِيمَا أَنْزَلَ عَلَيْكَ فَقَالَ: ﴿عِنْد سِدْرَة الْمُنْتَهى﴾، لأَنَّهَا كَانَ يَنْتَهِي إِلَيْهَا كُلُّ مَلَكٍ مُقَرَّبٍ وَنَبِيٍّ مُرْسَلٍ، لَمْ يُجَاوِزْهَا عَبْدٌ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ قَطُّ غَيْرَكَ، وَأَنَا فِي سَبِيلِ مَرَّتِي هَذِهِ، وَأَمَّا قَبْلَهَا فَلا، وَإِلَيْهَا يَنْتَهِي أَمْرُ الْخَلائِقِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَقُدْرَتِهِ ثُمَّ يَقْضِي اللَّهُ فِيهِ بَعْدَ ذَلِكَ مَا يَشَاءُ فَنَظَرْتُ إِلَيْهَا فَإِذَا سَاقُهَا فِي كَثَافَةٍ لَا يَعْلَمُهَا إِلا اللَّهُ وَفَرْعُهَا فِي جَنَّةِ الْمَأْوَى وَهِيَ أَعْلَى الْجِنَانِ كُلِّهَا فَنَظَرْتُ إِلَى فَرْعِ السِّدْرَةِ فَإِذَا عَلَيْهَا أَغْصَانٌ نَابِتَةٌ أَكْثَرُ مِنْ تُرَابِ الأَرْضِ وَثَرَاهَا وَعَلَى الْغُصُونِ وَرَقٌ لَا يُحْصِيهَا إِلا اللَّهُ تَعَالَى وَإِذَا الْوَرَقَةُ الْوَاحِدَةُ مِنْ وَرَقِهَا مُغَطِّيَةً الدُّنْيَا كُلَّهَا وَحَمْلُهَا مِنْ أَصْنَافِ ثِمَارِ الْجَنَّةِ ضُرُوبٌ شَتَّى وَأَلْوَانٌ شَتَّى وَطَعْمٌ شَتَّى عَلَى كُلِّ غُصْنٍ مِنْهَا مَلَكٌ وَعَلَى كُلِّ ثَمَرَةٍ مِنْهَا مَلَكٌ يُسَبِّحُونَ اللَّهَ بِأَصْوَاتٍ مُخْتَلِفَةٍ وَبِكَلامٍ شَتَّى، ثُمَّ قَالَ جِبْرِيلُ أَبْشِرْ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَإِنَّ لأَزْوَاجِكَ وَلِوَلَدِكَ وَلِكَثِيرٍ مِنْ أُمَّتِكَ تَحْتَ هَذِهِ الشَّجَرَةِ مُلْكًا كَبِيرًا وَعَيْشًا غَضِيرًا، فِي أَمَانٍ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ فِيهِ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ، فَنَظَرْتُ فَإِذَا نهر يجرى من أصل
[ ١ / ١٦٧ ]
الشَّجَرَةِ، مَاؤُهُ أَشَدُّ بَيَاضًا مِنَ اللَّبَنِ وَأَحْلَى مِنَ الْعَسَلِ، وَمَجْرَاهُ عَلَى رَضْرَاضٍ دُرٍّ وَيَاقُوتٍ وَزَبَرْجَدٍ، حَافَتَاهُ مِسْكٌ أَذْفَرُ فِي بَيَاضِ الثَّلْجِ، فَقَالَ أَلا تَرَى يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ اللَّهُ فِيمَا أَنْزَلَ عَلَيْكَ إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ. وَهُوَ تَسْنِيمٌ وَإِنَّمَا سَمَّاهُ اللَّهُ تَعَالَى تَسْنِيمًا لأَنَّهُ يَتَسَنَّمُ عَلَى أَهْلِ الْجَنَّةِ مِنْ تَحْتِ الْعَرْشِ إِلَى دُورِهِمْ وَقُصُورِهِمْ وَبُيُوتِهِمْ وَغُرَفِهِمْ وَخِيَمِهِمْ فَيَمْزُجُونَ بِهِ أَشْرِبَتَهُمْ مِنَ اللَّبَنِ وَالْعَسَلِ وَالْخَمْرِ، وَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا﴾، أى يقودنها قَوْدًا إِلَى مَنَازِلِهِمْ وَهِيَ مِنْ أَشْرَفِ شَرَابٍ فِي الْجَنَّةِ، ثُمَّ انْطَلَقَ بِي يَطُوفُ فِي الْجَنَّةِ حَتَّى انْتَهَيْنَا إِلَى شَجَرَةٍ لَمْ أَرَ فِي الْجَنَّةِ مِثْلَهَا، فَلَمَّا وَقَفْتُ تَحْتَهَا رَفَعْتُ رَأْسِي فَإِذَا أَنَا لَا أَرَى شَيْئًا مِنْ خَلْقِ رَبِّي غَيْرَهَا لِعَظَمَتِهَا وَتَفَرُّقِ أَغْصَانِهَا وَوَجَدْتُ مِنْهَا رِيحًا طَيِّبَةً لَمْ أَشُمَّ فِي الْجَنَّةِ أَطْيَبَ مِنْهَا رِيحًا، فَقَلَّبْتُ بَصَرِي فِيهَا فَإِذَا أَوْرَاقُهَا حُلَلٌ مِنْ طَرَائِفِ ثِيَابِ الْجَنَّةِ، مَا بَيْنَ الأَبْيَضِ وَالأَحْمَرِ وَالأَصْفَرِ وَالأَخْضَرِ، وَثِمَارُهَا أَمْثَالُ الْقِلالِ مِنْ كُلِّ ثَمَرَةٍ خَلَقَ اللَّهُ فِي السَّمَاءِ وَالأَرْضِ، مِنْ أَلْوَانٍ شَتَّى وَطَعْمٍ شَتَّى وَرِيحٍ شَتَّى، فَعَجِبْتُ مِنْ تِلْكَ الشَّجَرَةِ وَمَا رَأَيْتُ مِنْ حُسْنِهَا، فَقُلْتُ يَا جِبْرِيلُ مَا هَذِهِ الشَّجَرَةُ فَقَالَ هَذِهِ الَّتِي ذَكَرَهَا اللَّهُ فِيمَا نَزَّلَ عَلَيْكَ وَهُوَ قَوْلُهُ ﴿طُوبَى لَهُم وَحسن مآب﴾، فَهَذِهِ طُوبَى لَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَلِكَثِيرٍ مِنْ أَهْلِكَ وَأُمَّتِكَ فِي ظِلِّهَا أَحْسَنُ مُنْقَلَبٍ وَنَعِيمٌ طَوِيل، ثمَّ انْطلق بن جِبْرِيلُ يَطُوفُ بِي فِي الْجَنَّةِ حَتَّى انْتَهَى إِلَى قَصْرٍ فِي الْجَنَّةِ مِنْ يَاقُوتَةٍ حَمْرَاءَ لَا آفَةٌ فِيهَا وَلا صَدْعٌ، فِي جَوْفِهَا سَبْعُونَ أَلْفَ قَصْرٍ فِي كُلِّ قَصْرٍ مِنْهَا سَبْعُونَ أَلْفَ دَارٍ فِي كُلِّ دَارٍ سَبْعُونَ ألف بَيت فِي كل بَيت مِنْهَا سَبْعُونَ أَلْفَ سَرِيرٍ مِنْ دُرَّةٍ بَيْضَاءَ لَهَا أَرْبَعَةُ آلافِ بَابٍ يُرَى بَاطِنُ تِلْكَ الْخِيَامِ مِنْ ظَاهِرِهَا وَظَاهِرُهَا مِنْ بَاطِنِهَا مِنْ شِدَّةِ ضَوْئِهَا وَفِي جَوْفِهَا سُرُرٌ مِنْ ذَهَبٍ فِي ذَلِكَ الذَّهَبِ شُعَاعٌ كَشُعَاعِ الشَّمْسِ تَحَارُ الأَبْصَارُ دُونَهَا لَوْلا مَا قَدَّرَ اللَّهُ لأَهْلِهَا وَهِيَ مُكَلَّلَةٌ بِالدُّرِّ وَالْجَوْهَرِ عَلَيْهَا فُرُشٌ بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ وَظَاهِرُهَا دُرٌّ مُنَضَّدٌ يَتَلالأُ فَوْقَ السُّرُرِ وَرَأَيْتُ عَلَى السُّرُرِ حُلِيًّا كَثِيرًا لَا أُطِيقُ صِفَتَهُ لَكُمْ فَوْقَ صِفَاتِ الأَلْسُنِ وَأَمَانِيِّ الْقُلُوبِ حُلِيُّ النِّسَاءِ عَلَى حِدَةٍ، وَحُلِيُّ الرِّجَالِ عَلَى حِدَةٍ، قَدْ ضُرِبَتِ الْحِجَالُ عَلَيْهَا دُونَ السُّتُورِ وَفِي كُلِّ قَصْرٍ مِنْهَا وَكُلِّ دَارٍ وَكُلِّ بَيْتٍ وَكُلِّ خَيْمَةٍ شَجَرٌ كَثِيرٌ سُوقُهَا ذَهَبٌ وَغُصُونُهَا جَوْهَرٌ وَوَرَقُهَا حُلَلٌ وَثَمَرُهَا أَمْثَالُ الْقِلالِ الْعِظَامِ فِي أَلْوَانٍ شَتَّى وَرِيحٍ شَتَّى وَطَعْمٍ شَتَّى وَمِنْ خِلالِهَا أَنْهَارٌ تَطَّرِدُ مِنْ تَسْنِيمٍ وَعَيْنِ كَافُورٍ وَعَيْنِ زَنْجَبِيلٍ طَعْمُهَا فَوْقَ وَصْفِ الْوَاصِفِينَ، وَرِيحُهَا رِيحُ الْمِسْكِ فِي كُلِّ بَيْتٍ فِيهَا خيمة لِأَزْوَاج من الحورالعين لَوْ دَلَّتْ إِحْدَاهُنَّ كَفَّهَا مِنَ السَّمَاء
[ ١ / ١٦٨ ]
لَبَذَّ نُورُ كَفِّهَا ضَوْءَ الشَّمْسِ فَكيف وَجههَا وَلَا يوصفن بشئ إِلا مِنْ فَوْقِ ذَلِكَ جَمَالا وَكَمَالا لِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ سَبْعُونَ خَادِمًا وَسَبْعُونَ غُلامًا مِنْ خُدَّامِهَا خَاصَّةً سِوَى خُدَّامِ زَوْجِهَا أُولَئِكَ الْخَدَمُ فِي النَّظَافَةِ وَالْحُسْنِ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: إِذَا رَأَيْتَهُمْ حسبتهم لُؤْلُؤ منثورا وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمَانٌ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ لُؤْلُؤ مَكْنُون، وَرَأَيْتُ فِي ذَلِكَ الْقَصْرِ مِنَ الْخَيْرِ وَالنَّعِيمِ وَالْغَضَارَةِ وَالْبَهْجَةِ وَالسُّرُورِ وَالنَّضْرَةِ وَالشَّرَفِ وَالْكَرَامَةِ مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ وَلا أُذُنٌ سَمِعَتْ وَلا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ، مِنْ أَصْنَافِ الْخَيْرِ وَالنَّعِيمِ كُلُّ ذَلِكَ مَفْرُوغٌ مِنْهُ يَنْتَظِرُ بِهِ صَاحِبَهُ مِنْ أَوْلِيَاءِ اللَّهِ تَعَالَى فَتَعَاظَمَنِي مَا رَأَيْتُ مِنْ عَجَبِ ذَلِكَ الْقَصْرِ فَقُلْتُ يَا جِبْرِيلُ هَلْ فِي الْجَنَّةِ قَصْرٌ مِثْلُ هَذَا، قَالَ نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ كُلُّ قُصُورِ الْجَنَّةِ مِثْلُ هَذَا وَفَوْقَ هَذَا قُصُورٌ كَثِيرَةٌ أَفْضَلُ مِمَّا تَرَى يُرَى بَاطِنُهَا مِنْ ظَاهِرِهَا وَظَاهِرُهَا مِنْ بَاطِنِهَا، وَأَكْثَرُ خَيْرًا، فَقُلْتُ لِمِثْلِ هَذَا فليعمل الْعَامِلُونَ، وَفِي نَحْوِ هَذَا فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ، فَمَا تَرَكْتُ مِنْهَا مَكَانًا إِلا رَأَيْتُهُ بِإِذْنِ اللَّهِ فَلأَنَا أَعْرَفُ بِكُلِّ قَصْرٍ وَدَارٍ وَبَيْتٍ وَغُرْفَةٍ وَخَيْمَةٍ وَشَجَرَةٍ مِنَ الْجَنَّةِ، مِنِّي بِمَسْجِدِي هَذَا، ثُمَّ أَخْرَجَنِي مِنَ الْجَنَّةِ فَمَرَرْنَا بِالسَّمَوَاتِ نَنْحَدِرُ مِنْ سَمَاءٍ إِلَى سَمَاءٍ، فَرَأَيْتُ أَبَانَا آدَمَ وَرَأَيْتُ أَخِي نُوحًا ثُمَّ إِبْرَاهِيمَ ثُمَّ رَأَيْتُ مُوسَى ثُمَّ رَأَيْتُ أَخَاهُ هَارُونَ وَإِدْرِيسَ فِي السَّمَاءِ الرَّابِعَةِ مُسْنِدًا ظَهْرَهُ إِلَى دِيوَانِ الْخَلائِقِ الَّذِي فِيهِ أُمُورُهُمْ، ثُمَّ رَأَيْتُ أَخِي عِيسَى فِي السَّمَاءِ الثَّانِيَةِ فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِمْ كُلِّهِمْ وَتَلَقَّوْنِي بِالْبِشْرِ وَالتَّحِيَّةِ، وَكُلُّهُمْ سَأَلَنِي مَا صَنَعْتَ يَا نَبِيَّ الرَّحْمَةِ وَإِلَى أَيْنَ انْتُهِيَ بِكَ، وَمَا صُنِعَ بِكَ، فَأُخْبِرُهُمْ فَيَفْرَحُونَ وَيَسْتَبْشِرُونَ وَيَحْمَدُونَ اللَّهَ عَلَى ذَلِكَ وَيَدْعُونَ رَبهم ويسألون لى الْمَزِيد والرحة وَالْفَضْلَ، ثُمَّ انْحَدَرْنَا مِنَ السَّمَاءِ وَمَعِي صَاحِبِي وَأَخِي جِبْرِيلُ، لَا يَفُوتُنِي وَلا أَفُوتُهُ حَتَّى أَوْرَدَنِي مَكَانِي مِنَ الأَرْضِ الَّتِي حَمَلَنِي مِنْهَا، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى ذَلِكَ، فِي لَيْلَةٍ وَاحِدَةٍ بِإِذْنِ اللَّهِ وَقُوَّتِهِ، ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ﴾، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ حَيْثُ شَاءَ اللَّهُ، فَأَنَا بِنِعْمَةِ اللَّهِ سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ وَلا فَخْرَ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، وَأَنَا عَبْدٌ مَقْبُوضٌ عَنْ قَلِيلٍ، بَعْدَ الَّذِي رَأَيْتُ مِنْ آيَاتِ رَبِّيَ الْكُبْرَى، وَلَقِيتُ إِخْوَانِي مِنَ الأَنْبِيَاءِ، وَقَدِ اشْتَقْتُ إِلَى رَبِّي وَمَا رَأَيْتُ مِنْ ثَوَابِهِ لأَوْلِيَائِهِ، وَقَدْ أَحْبَبْتُ اللُّحُوقَ بِرَبِّي وَلِقِيَّ إِخْوَانِي مِنَ الأَنْبِيَاءِ الَّذِينَ رَأَيْتُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى (حب) قِطْعَة مِنْهُ " (مر) فِي تَفْسِيره بِطُولِهِ كِلَاهُمَا مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ مِنْ طَرِيق ميسرَة بن عبد ربه واتهم بِهِ، إِلَّا أَن ابْن مرْدَوَيْه أخرجه من طَرِيق آخر دلّ على أَن الآفة فِيهِ من غير ميسرَة وَأَنَّهَا من شَيْخه عمر بن سُلَيْمَان الدِّمَشْقِي.
[ ١ / ١٦٩ ]
(٢) [حَدِيثٌ] " لِلَّهِ ثَلاثَةُ أَمْلاكٍ مَلَكٌ مُوَكَّلٌ بِالْكَعْبَةِ، وَمَلَكٌ مُوَكَّلٌ بِمَسْجِدِي هَذَا، وَمَلَكٌ مُوَكَّلٌ بِالْمَسْجِدِ الأَقْصَى، فَأَمَّا الْمُوَكَّلُ بِالْكَعْبَةِ فَيُنَادِي فِي كُلِّ يَوْمٍ مَنْ تَرَكَ فَرَائِضَ اللَّهِ خَرَجَ مِنْ أَمَانِ اللَّهِ، وَأَمَّا الْمَلَكُ الْمُوَكَّلُ بِمَسْجِدِي هَذَا فَيُنَادِي فِي كُلِّ يَوْمٍ مَنْ تَرَكَ سُنَّةَ مُحَمَّدٍ لَمْ يَرِدِ الْحَوْضَ وَلَمْ تُدْرِكْهُ شَفَاعَةُ مُحَمَّدٍ، وَأَمَّا الْمَلَكُ الْمُوَكَّلُ بِالْمَسْجِدِ الأَقْصَى فَيُنَادِي فِي كُلِّ يَوْمٍ مَنْ كَانَتْ طُعْمَتُهُ حَرَامًا كَانَ عَمَلُهُ مَضْرُوبًا بِهِ حُرَّ وَجْهِهِ " (خطّ) مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُود، وَقَالَ: مُنكر، وَرِجَاله ثِقَات سوى أَحْمد بن رَجَاء بن عُبَيْدَة وَمُحَمّد ابْن مُحَمَّد بن إِسْحَق الْبَصْرِيّ فمجهولان، وَقَالَ السُّيُوطِيّ: قَالَ الذَّهَبِيّ فِي الْمِيزَان هَذَا خبر كذب.
(٣) [حَدِيثٌ] " إِنَّ لِلَّهِ تَعَالَى شَيَاطِينَ فِي الْبَرِّ لَيْسَ لَهُمْ عَلَى مَا فِي الْبَحْرِ سُلْطَانٌ، وَشَيَاطِينَ فِي الْبَحْرِ لَيْسَ لَهُمْ عَلَى مَا فِي الْبَرِّ سُلْطَانٌ، وَشَيَاطِينَ فِي اللَّيْلِ لَيْسَ لَهُمْ عَلَى مَا فِي النَّهَارِ سُلْطَانٌ، وَشَيَاطِينَ فِي النَّهَارِ لَيْسَ لَهُمْ عَلَى مَا فِي اللَّيْلِ سُلْطَانٌ، وَشَيَاطِينَ فِي الظُّلْمَةِ لَيْسَ لَهُمْ عَلَى مَا فِي النُّورِ سُلْطَانٌ، وَشَيَاطِينَ فِي النُّورِ لَيْسَ لَهُمْ عَلَى مَا فِي الظُّلْمَةِ سُلْطَانٌ، وَشَيَاطِينَ فِي الْمَنَامِ لَيْسَ لَهُمْ عَلَى مَا فِي الْيَقَظَةِ سُلْطَانٌ وَشَيَاطِينَ فِي الْيَقَظَةِ لَيْسَ لَهُمْ عَلَى مَا فِي الْمَنَامِ سُلْطَانٌ، وَشَيَاطِينَ فِي الْجُمُوعِ لَيْسَ لَهُمْ عَلَى مَا فِي الْوَحْدَةِ سُلْطَانٌ وَشَيَاطِينُ مُوَكَّلُونَ بِالرِّجَالِ دُونَ النِّسَاءِ، وَشَيَاطِينُ مُوَكَّلُونَ بِالنِّسَاءِ دُونَ الرِّجَالِ، وَشَيَاطِينُ مُوَكَّلُونَ بِالْمُلُوكِ دُونَ الْمَمْلُوكَ، وَشَيَاطِينَ مُوَكَّلُونَ بِالضُّعَفَاءِ دُونَ الْكِبَارِ، وَشَيَاطِينَ مُوَكَّلُونَ بِالْكِبَارِ دُونَ الضُّعَفَاءِ وَشَيَاطِينُ مُوَكَّلُونَ بِالْمَسَاجِدِ يَطْرُدُونَ النَّاسَ طَرْدًا عَنِيفًا عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى، وَعَنِ الصَّلاةِ يَطْرُدُونَهُمْ إِلَى الشَّهَوَاتِ وَحُبِّ الدُّنْيَا وَإِلَى اللَّذَّاتِ وَإِلَى الأَسْوَاقِ وَالْجَمَاعَاتِ وَيُشَهُّونَ إِلَيْهِمْ وَيُحَبِّبُونَ إِلَيْهِمُ الْجُلُوسَ عَلَى الْمَعَاصِي الَّتِي لَا يَعْصِمُهُمْ مِنْهَا إِلا اللَّهُ فَمَنْ صَلَّى صَلاةَ الْغَدَاةِ فِي جَمَاعَةٍ ثُمَّ ذَكَرَ اللَّهَ وَذَكَّرَ بِهِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسَ ثُمَّ صَلَّى أَرْبَع رَكَعَاتٍ لَمْ يضرّهُ شئ مِنْ خَلْقِ اللَّهِ مِنْ سَاعَتِهِ تِلْكَ إِلَى مِثْلِهَا مِنَ الْغَدِ " (ابْن الْجَوْزِيّ) من حَدِيث أبي هُرَيْرَة وَفِيه الْعَلَاء بن عمر وَعبد الْمُنعم بن إِدْرِيس، قَالَ السُّيُوطِيّ: وَأخرجه الديلمي من طَرِيق لَيْسَ فِيهَا الْعَلَاء، فبرئ مِنْهُ وانحصر الْأَمر فِي عبد الْمُنعم.
(٤) [حَدِيثٌ] " الأَرْوَاحُ فِي خَمْسَةِ أَجْنَاسٍ فِي الإِنْسِ وَالْجِنِّ وَالشَّيَاطِينِ وَالْمَلائِكَةِ وَالرُّوحِ وَسَائِرُ الْخَلْقِ لَهَا أَنْفاسٌ وَلَيْسَتْ لَهَا أَرْوَاحٌ " (التِّرْمِذِيّ الْحَكِيم) من حَدِيث بُرَيْدَة وَلَا يَصح، فِيهِ صَالح بن حَيَّان
[ ١ / ١٧٠ ]
(٥) [حَدِيثٌ] " قُلُوبُ بَنِي آدَمَ تَلِينُ فِي الشِّتَاءِ وَذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَلَقَ آدَمَ مِنْ طِينٍ وَالطِّينُ يَلِينُ فِي الشِّتَاءِ " (نع) من حَدِيث معَاذ، من طَرِيق مُحَمَّد بن زَكَرِيَّا الغزال عَن عمر بن يحيى الْقرشِي عَن شُعْبَة عَن ثَوْر بن يزِيد عَن خَالِد بن معدان عَن معَاذ، وَلَا يَصح إِنَّمَا هُوَ مَحْفُوظ من قَول خَالِد بن معدان، وَالْمُتَّهَم بِرَفْعِهِ عمر بن يحيى أَو تِلْمِيذه مُحَمَّد بن زَكَرِيَّا (قلت) قَالَ الذَّهَبِيّ فِي الْمِيزَان هَذَا الحَدِيث شبه مَوْضُوع وَلَا نعلم لشعبة عَن ثَوْر رِوَايَة، وَقَالَ فِي طَبَقَات الْحفاظ: هَذَا حَدِيث غير صَحِيح مركب على شُعْبَة، وَعمر بن يحيى لَا أعرفهُ تَركه أَبُو نعيم وَقَالَ الْحَافِظ ابْن حجر: أَظُنهُ عمر بن يحيى بن عمر بن أبي سَلمَة بن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف وَقد ضعفه الدَّارَقُطْنِيّ وَالله أعلم.
(٦) [حَدِيثٌ] " لَا تَضْرِبُوا أَوْلادَكُمْ عَلَى بُكَائِهِمْ فَبُكَاءُ الصَّبِيِّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ، شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلا اللَّهُ، وَأَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ الصَّلاةُ عَلَى مُحَمَّدٍ رَسُولِ الله، وَأَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ دُعَاءٌ لِوَالِدَيْهِ " (خطّ) من حَدِيث ابْن عمر، وَقَالَ: مُنكر جدا وَرِجَاله ثِقَات سوى أبي الْحسن عَليّ بن إِبْرَاهِيم الْبَلَدِي، وَقَالَ السُّيُوطِيّ: قَالَ الْحَافِظ ابْن حجر مَوْضُوع بِلَا ريب وَأخرجه ابْن النجار والديلمي من طَرِيق أبي مقَاتل السَّمرقَنْدِي، وَهُوَ واه (قلت) بلَى مَنْسُوب إِلَى الْكَذِب والوضع كَمَا مر فَلَا يصلح تَابعا وَالله أعلم، وَأخرج ابْن عَسَاكِر من طَرِيق مُحَمَّد بن خُزَيْمَة عَن هِشَام بن عمار عَن مَعْرُوف الْخياط عَن وَاثِلَة بن الْأَسْقَع " مَرْفُوعا بكاء الصَّبِي إِلَى سنتَيْن يَقُول لَا إِلَه إِلَّا الله مُحَمَّد رَسُول الله، وَمَا كَانَ بعد ذَلِك فاستغفار لِأَبَوَيْهِ وَمَا عمل من حَسَنَة فَلَا بويه، وَمَا عمل من سَيِّئَة لم تكْتب عَلَيْهِ وَلَا على أَبَوَيْهِ حَتَّى يجْرِي عَلَيْهِ الْقَلَم، " قَالَ ابْن عَسَاكِر غَرِيب جدا (قلت) رَاوِيه عَن هِشَام بن عمار لَا أَدْرِي أهوَ مُحَمَّد بن خُزَيْمَة بالزاي أَو ابْن خريم بالراء، فَإِن كَانَ الأول فقد كفانا الذَّهَبِيّ همه فَقَالَ مُحَمَّد بن خُزَيْمَة عَن هِشَام ابْن عمار بِخَبَر كذب وَلَا يعرف، لَكِن تعقبه الْحَافِظ ابْن حجر فِي قَوْله لَا يعرف فَقَالَ بل هُوَ مَعْرُوف تَرْجمهُ ابْن عَسَاكِر فِي تَارِيخه وَقَالَ: أَحَادِيثه تدل على ضعفه وَإِن كَانَ الثانى
[ ١ / ١٧١ ]
فقد قَالَ الْحَافِظ ابْن حجر: ترْجم لَهُ ابْن عَسَاكِر أَيْضا وَهُوَ مَشْهُور بالرواية عَن هِشَام بن عمار وَلم أر فِيهِ تضعيفا انْتهى، فيراجع تَارِيخ ابْن عَسَاكِر ليعرف عَن أَي الرجلَيْن أخرج هَذَا الحَدِيث، وليعرف حَال رَاوِيه عَنهُ أبي الْفرج الْعَبَّاس بن مُحَمَّد بن حَيَّان الدِّمَشْقِي فَإِنِّي لم أَقف لَهُ على تَرْجَمَة وَالله أعلم.
(٧) [حَدِيثُ] " جَابِرٍ كُنَّا عِنْد النبى فَجَاءَهُ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ فَقَالَ إِنَّ ابْنًا لِي دَبَّ مِنْ سَطْحٍ إِلَى مِيزَابٍ، فَادْعُ اللَّهَ أَنْ يَهَبَهُ لأَبَوَيْهِ فَقَالَ النَّبِيُّ قُومُوا قَالَ جَابِرٌ فَنَظَرْتُ إِلَى أَمر هائل، فَقَالَ النبى ضَعُوا لَهُ صَبِيًّا عَلَى السَّطْحِ، فَوَضَعُوا لَهُ صَبِيًّا فَنَاغَاهُ، فَدَبَّ الصَّبِيُّ حَتَّى أَخَذَهُ أَبُوهُ، فَقَالَ رَسُول الله: هَلْ تَدْرُونَ مَا قَالَ لَهُ، قَالُوا اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: لَمْ تُلْقِ نَفْسُكَ فَتُتْلِفَهَا، قَالَ إِنِّي أَخَافُ الذُّنُوبَ قَالَ فَلَعَلَّ الْعِصْمَةُ أَنْ تُلْحِقَكَ، قَالَ: وَعَسَى فَدَبَّ إِلَى السَّطْحِ " (عد) وَقَالَ حَدِيث عَجِيب، وَفِيه أَبُو الْيُسْر مُحَمَّد بن الطُّفَيْل الْحَرَّانِي، وَلَيْسَ بِالْمَعْرُوفِ فَلَا أَدْرِي الْبلَاء مِنْهُ أَو من غَيره وَقَالَ السُّيُوطِيّ: قَالَ الذَّهَبِيّ حَدِيث كذب.
(٨) [حَدِيثٌ] " مَنْ وُلِدَ لَهُ ثَلاثَةٌ فَلَمْ يُسَمِّ أَحَدَهُمْ مُحَمَّدًا فَهُوَ مِنَ الْجَفَاءِ وَإِذَا سَمَّيْتُمُوهُ مُحَمَّدًا فَلا تَسُبُّوهُ وَلا تَجْبَهُوهُ وَلا تُعَنِّفُوهُ وَلا تَضْرِبُوهُ وَشَرِّفُوهُ وَعَظِّمُوهُ وَكَرِّمُوهُ وَبِرُّوا قَسَمَهُ " (عد) من حَدِيث ابْن عمر، وَفِيه خَالِد بن يزِيد أَبُو الْهَيْثَم الْعمريّ الْمَكِّيّ.
(٩) [حَدِيثُ] " سَعْدٍ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ يَقُولُ: هَلِ امْرَأَةٌ مِنْ نِسَائِكُمْ حَامِلٌ فَقَالَ رَجُلٌ أَظُنُّ امْرَأَتِي حَامِلا فَقَالَ إِذَا رَجَعْتُ إِلَى مَنْزِلِكَ فَضَعْ يَدَكَ عَلَى بَطْنِهَا وَسَمِّهِ مُحَمَّدًا فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِهِ رَجُلا " (ابْن الْجَوْزِيّ) وَقَالَ لَا يَصح فِيهِ عُثْمَان بن عبد الرَّحْمَن (قلت) قَالَ شيخ شُيُوخنَا السخاوي فِي الْأَجْوِبَة المرضية: روينَا فِي جُزْء أبي شُعَيْب عبد الله بن الْحسن الْحَرَّانِي عَن عَطاء الْخُرَاسَانِي أَنه قَالَ: " مَا سمي مَوْلُود فِي بطن أمه مُحَمَّدًا إِلَّا ذكر انْتهى، وَهَذَا لَهُ حكم الرّفْع لِأَنَّهُ لَا يُقَال مثله من قبل الرَّأْي فَيكون مُرْسلا، وليته ذكر السَّنَد إِلَى عَطاء حَتَّى عرفنَا حَال رِجَاله، " وَأما مَا رَوَاهُ ابْن النجار عَن عَليّ ﵁ قَالَ: من كَانَ لَهُ حمل فَنوى أَن يُسَمِّيه مُحَمَّدًا حوله الله ذكرا وَإِن كَانَ أُنْثَى، فَهُوَ من طَرِيق وهب فَلَا يصلح شَاهدا، " وَقد ذكره السُّيُوطِيّ فِي ذيله وَسَيَأْتِي وَالله أعلم.
[ ١ / ١٧٢ ]
(١٠) [حَدِيثٌ] " لَا يَدْخُلُ الْفَقْرُ بَيْتًا فِيهِ اسْمِي " (عد) من حَدِيث أَبِي هُرَيْرَةَ، وَلا يَصِحُّ فِيهِ عُثْمَان بن عبد الرَّحْمَن وَمُحَمّد بن عبد الْملك الْأنْصَارِيّ.
(١١) [حَدِيثٌ] " مَا اجْتَمَعَ قَوْمٌ فِي مَشُورَةٍ فِيهِمْ رَجُلٌ اسْمُهُ مُحَمَّدٌ لَمْ يُدْخِلُوهُ فِي مَشُورَتِهِمْ إِلا لَمْ يُبَارَكْ لَهُمْ فِيهِ " (عد) من حَدِيث عَليّ وَفِيه عُثْمَان الطرائفي (قلت) عُثْمَان الطرائفي وَثَّقَهُ ابْن معِين، وروى لَهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه، وَقَالَ الْحَافِظ ابْن حجر فِي التَّقْرِيب صَدُوق أَكثر من الرِّوَايَة عَن الضُّعَفَاء والمجهولين فضعف بِسَبَب ذَلِك، والْحَدِيث قَالَ الحافظان الذَّهَبِيّ وَابْن حجر: إِنَّه كذب، لكنهما ذكرَاهُ فِي تَرْجَمَة أَحْمد بن كنَانَة الشَّامي شيخ الطرائفي وَقَضيته اتهام أَحْمد بِهِ، لَا الطرائفي وَالله أعلم، قَالَ السُّيُوطِيّ: وَجَاء من حَدِيث عَليّ مَرْفُوعا: " مَا من قوم كَانَت لَهُم مشورة فَحَضَرَ مَعَهم من اسْمه أَحْمد أَبُو مُحَمَّد فشاوروه إِلَّا خير لَهُم، " أخرجه الديلمي لكنه من طَرِيق أبي بكر الْمُفِيد فَلَا يصلح شَاهدا، قلت وَأخرجه ابْن بكير من طَرِيق أَحْمد بن عَامر، فَلَا يصلح أَيْضا شَاهدا وَالله أعلم.
(١٢) [حَدِيثٌ] " مَا مِنْ أُمَّتِي مِنْ أَحَدٍ رَزَقَهُ اللَّهُ وَلَدًا ذَكَرًا فَسَمَّاهُ مُحَمَّدًا وَعَلَّمَهُ ﴿تَبَارَكَ الذى بِيَدِهِ الْملك﴾ إِلا حَشَرَهُ اللَّهُ عَلَى نَاقَةٍ مِنْ نُوقِ الْجَنَّةِ مُدَبَّجَةِ الْجَنْبَيْنِ خِطَامُهَا مِنَ اللُّؤْلُؤِ الرَّطِبِ عَلَى رَأْسِهَا تَاجٌ مِنْ نُورٍ وَإِكْلِيلٌ يُفْتَخَرُ بِهِ فِي الْجَنَّةِ " (ابْن الْجَوْزِيّ) من حَدِيث أنس وَقَالَ لَا يصلح فِيهِ مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن سُلَيْمَان المعداني وَهُوَ الْمُتَّهم بِهِ، وَقَالَ السُّيُوطِيّ: قَالَ الذَّهَبِيّ فِي الْمِيزَان: مَوْضُوع [حَدِيثٌ] " يُوقَفُ عَبْدَانِ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ تَعَالَى فَيَأْمُرُ بِهِمَا إِلَى الْجَنَّةِ فَيَقُولانِ رَبَّنَا بِمَ اسْتَأْهَلْنَا الْجَنَّةَ وَلَمْ نَعْمَلْ عَمَلا تُجَازِينَا بِهِ، فَيَقُولُ لَهُمَا عَبْدَيَّ ادْخُلا الْجَنَّةَ فَإِنِّي آلَيْتُ عَلَى نَفْسِي أَنْ لَا يَدْخُلَ النَّارَ مَنِ اسْمُهُ مُحَمَّدٌ وَلا أَحْمَدُ " (ابْن بكير) فِي جُزْء من اسْمه مُحَمَّد وَأحمد من حَدِيث أنس، وَفِيه صَدَقَة بن مُوسَى، وَقَالَ السُّيُوطِيّ: قَالَ الذَّهَبِيّ والآفة فِيهِ من شيخ ابْن بكير، وَهُوَ الدارع رَاوِيه عَن صَدَقَة بن مُوسَى وَصدقَة وَأَبوهُ لَا يعرفان، وَمثله مَا رَوَاهُ صَاحب مُسْند الفردوس من طَرِيق أبي نعيم عَن اللكي عَن أَحْمد بن إِسْحَق بن إِبْرَاهِيم
[ ١ / ١٧٣ ]
ابْن نبيط بن شريط مَرْفُوعا: " يَا مُحَمَّد لَا أعذب بالنَّار من سمي بِاسْمِك، " وَهِي نُسْخَة قَالَ الذَّهَبِيّ سمعناها من طَرِيق أبي نعيم عَن اللكي عَنهُ، لَا يحل الِاحْتِجَاج بِهِ لِأَنَّهُ كَذَّاب انْتهى وَأقرهُ فِي اللِّسَان، قَالَ الأبي: لم يَصح فِي فضل التَّسْمِيَة بِمُحَمد حَدِيث، بل قَالَ الْحَافِظ أَبُو الْعَبَّاس تَقِيّ الدَّين الْحَرَّانِي: كل مَا ورد فِيهِ فَهُوَ مَوْضُوع أهـ قَالَ شَيخنَا الْحلَبِي: لَكِن قَالَ بعض الْحفاظ وأصحها أَي أقربها إِلَى الصِّحَّة حَدِيث " من ولد لَهُ مَوْلُود وَسَماهُ مُحَمَّدًا حبا لي وتبركا باسمي كَانَ هُوَ ومولوده فِي الْجنَّة " انْتهى رَوَاهُ الرَّافِعِيّ عَن أبي أُمَامَة كَمَا فِي الْجَامِع الْكَبِير.
(١٤) [حَدِيثٌ] " مَا مِنْ مُسْلِمٍ دَنَا مِنْ زَوْجَتِهِ وَهُوَ يَنْوِي إِنْ حَمَلَتْ مِنْهُ أَنْ يُسَمِّيَهُ مُحَمَّدًا إِلا رَزَقَهُ اللَّهُ تَعَالَى ذَكَرًا، وَمَا كَانَ اسْمُ مُحَمَّدٍ فِي بَيْتٍ إِلا جَعَلَ اللَّهُ فِي ذَلِكَ الْبَيْتِ بَرَكَةً " (ابْن الْجَوْزِيّ) من حَدِيث مسور بن مخرمَة وَقَالَ لَا يَصح فِيهِ سُلَيْمَان بن دَاوُد مَجْرُوح وَشَيْخه عَبْثَر بن الْحسن مَجْهُول، وَيحيى بن سليم الطايفي لَا يحْتَج بِهِ (قلت) قَالَ الذَّهَبِيّ فِي تلخيصه حَدِيث مَوْضُوع وَسَنَده مظلم وَالله أعلم.
(١٥) [حَدِيثٌ] " لَا تَقُولُوا مُسَيْجِدٌ وَلا مُصَيْحِفٌ وَنَهَى عَنْ تَصْغِيرِ الأَسْمَاءِ وَأَنْ يُسَمَّى الصَّبِيُّ عُلْوَانَ أَوْ حَمْدُونَ أَوْ يَغْمُوشَ وَقَالَ هَذِهِ أَسْمَاءُ الشَّيَاطِينِ " (عد) مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَقَالَ وَضعه إِسْحَق بن نجيح، نعم صَدره مَحْفُوظ من قَول سعيد بن الْمسيب: " لَا تَقولُوا مصيحف وَلَا مسيجد، مَا كَانَ لله فَهُوَ عَظِيم حسن جميل " أخرجه أَبُو نعيم فِي الْحِلْية.
(١٦) [حَدِيثٌ] " عَلَيْكُمْ بِالْوُجُوهِ الْمِلاحِ وَالْحِدَقِ السُّودِ فَإِنَّ اللَّهَ يَسْتَحِي أَنْ يُعَذِّبَ وَجْهًا مَلِيحًا بِالنَّارِ " (عد) من حَدِيث أنس وَفِيه الْحسن بن عَليّ الْعَدوي قَالَ السُّيُوطِيّ وَتَابعه كَذَّاب مثله، وَهُوَ لَاحق بن الْحُسَيْن أخرجه الشِّيرَازِيّ فِي الألقاب، وَقَالَ: وروى الديلمي عَن أنس مَرْفُوعا: " إِن الله لَا يعذب حسان الْوُجُوه سود الحدق " (قلت) فِي سَنَده جَعْفَر ابْن أَحْمد الدقاق وَهُوَ آفته فِيمَا أَظن وَالله أعلم.
[ ١ / ١٧٤ ]
(١٧) [حَدِيثٌ] " لَنْ يَعْدَمَ الْمُؤْمِنُ إِحْدَى خُلَّتَيْنِ دَمَامَةٌ فِي وَجْهِهِ أَوْ قِلَّةٌ فِي مَالِهِ، " ابْن الْجَوْزِيّ من حَدِيث ابْن عمر، وقَالَ لَا يَصح فِيهِ هرون بن مُحَمَّد.
(١٨) [حَدِيثٌ] " إِنَّ اللَّهَ طَهَّرَ قَوْمًا مِنَ الذُّنُوبِ بِالصَّلْعَةِ فِي رُؤْسهمْ وَإِنَّ عَلِيًّا لأَوَّلُهُمْ، " (عد) من حَدِيث ابْن عَبَّاس، وَفِيه أَحْمد بن عبد الرَّحِيم أَبُو جَعْفَر الْجِرْجَانِيّ، قَالَ السُّيُوطِيّ: وَجَاء أَيْضا من حَدِيث معَاذ أخرجه الديلمي، قلت فِي سَنَده ضعفاء ومجاهيل وَالله أعلم.
(١٩) [حَدِيثٌ] " إِنَّ لِكُلِّ شئ مَعْدِنًا وَمَعْدِنُ التَّقْوَى قُلُوبُ الْعَاقِلِينَ " (خطّ) من حَدِيث عمر ابْن الْخطاب، وَلَا يَصح فِيهِ وثيمة بن مُوسَى وَابْن سمْعَان، قَالَ السُّيُوطِيّ واتهم بِهِ الْحَافِظ ابْن حجر فِي اللِّسَان ابْن سمْعَان خَاصَّة، وَقَالَ إِن ابْن يُونُس لم يذكر فِي وثيمة جرحا، وَإِن مسلمة بن قَاسم الأندلسي قَالَ: لَا بَأْس بِهِ، وَإِن الْعقيلِيّ قَالَ فَارسي سكن مصر صَاحب أغاليط روى عَن كل، وَإِن الْبَيْهَقِيّ أخرج الحَدِيث فِي الشّعب من طَرِيقه عَن سَلمَة بن الْفضل عَن رجل ذكره عَن الزُّهْرِيّ، وَقَالَ: هَذَا مُنكر وَلَعَلَّ الْبلَاء وَقع من الرجل الَّذِي لم يسم انْتهى، وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ من حَدِيث ابْن عمر إِلَّا أَنه قَالَ قُلُوب العارفين (قُلْتُ) فِي سَنَدِهِ مُحَمَّدُ بْنُ بن رَجَاء مُتَّهم بِالْوَضْعِ وَالله أعلم.
(٢٠) [حَدِيثٌ] " قَسَّمَ اللَّهُ الْعَقْلَ ثَلاثَةَ أَجْزَاءٍ فَمَنْ كُنَّ فِيهِ كَمُلَ عَقْلُهُ، وَمَنْ لَمْ تَكُنْ فِيهِ فَلا عَقْلَ لَهُ، حُسْنُ الْمَعْرِفَةِ بِاللَّهِ وَحُسْنُ الطَّاعَةِ لِلَّهِ وَحُسْنُ الصَّبْرِ عَلَى أَمْرِ اللَّهِ " (نع) من حَدِيث أبي سعيد، من طَرِيق سُلَيْمَان بن عِيسَى بن نجيح السجْزِي، قَالَ السُّيُوطِيّ: وَرَوَاهُ أَيْضا من طَرِيق عبد الْعَزِيز بن أبي رَجَاء، وَرَوَاهُ الْحَارِث فِي مُسْنده من طَرِيق دَاوُد بن المحبر وتابع سُلَيْمَان ابْن عِيسَى، مَنْصُور بن إِسْمَاعِيل الْحَرَّانِي أخرجه التِّرْمِذِيّ الْحَكِيم، وَمَنْصُور قَالَ الْعقيلِيّ لَا يُتَابع على حَدِيثه، وَذَكَرَهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي الثِّقَاتِ (قلت) فِي سَنَده مهْدي بن عَامر وَالْحسن ابْن حَازِم لم أَعْرفهُمَا وَالله أعلم.
(٢١) [حَدِيثٌ] " إِنَّ الْجَاهِلَ لَا تَكْشِفُهُ إِلا عَنْ سُوءَةٍ وَإِنْ كَانَ حَصِيفًا ظَرِيفًا عِنْدَ النَّاسِ وَالْعَاقِلَ لَا تَكْشِفُهُ إِلا عَنْ فَضْلٍ وَإِنْ كَانَ عَيِيًّا مَهِينًا عِنْدَ النَّاسِ " (الْحَارِث بن أبي أُسَامَة) من حَدِيث أبي الدَّرْدَاء، وَفِيه ميسرَة بن عبد ربه.
[ ١ / ١٧٥ ]
(٢٢) [حَدِيثٌ] " مَنْ كَانَتْ لَهُ سَجِيَّةٌ مِنْ عَقْلٍ وَغَرِيزَةُ يَقِينٍ لَمْ تَضُرَّهُ ذُنُوبُهُ شَيْئًا لأَنَّهُ كُلَّمَا أَخْطَأَ لَمْ يَلْبَثْ أَنْ يَتُوبَ تَوْبَةً تَمْحُو ذُنُوبَهُ وَبَقِيَ لَهُ فَضْلٌ يَدْخُلُ بِهِ الْجَنَّةَ فَالْعَقْلُ نَجَاةٌ لِلْعَاقِلِ بِطَاعَةِ اللَّهِ وَحُجَّةٌ عَلَى أَهْلِ مَعْصِيَةِ اللَّهِ " (عق) من حَدِيث أنس، وَفِيه ميسرَة قَالَ السُّيُوطِيّ وَرَوَاهُ أَبُو نعيم من طَرِيق سُلَيْمَان بن عِيسَى السجْزِي وتابع ميسرَة عَلَيْهِ مَنْصُور ابْن إِسْمَاعِيل أخرجه التِّرْمِذِيّ (قلت) هُوَ بالسند السَّابِق قَرِيبا أَن فِيهِ من لم أعرفهُ وَالله أعلم.
(٢٣) [حَدِيثُ] " عَطَاءٍ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ دَخَلَ عَلَى عَائِشَةَ ﵂ فَقَالَ: يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ الرَّجُلُ يَقِلُّ قِيَامُهُ وَيَكْثُرُ رُقَادُهُ، وَآخَرُ يَكْثُرُ قِيَامُهُ وَيَقِلُّ رُقَادُهُ، أَيُّهُمَا أَحَبُّ إِلَيْكِ؟ فَقَالَتْ سَأَلْتُ رَسُول الله كَمَا سَأَلْتَنِي، فَقَالَ: أَحْسَنُهُمَا عَقْلا فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَسْأَلُكَ عَنْ عِبَادَتِهِمَا، فَقَالَ يَا عَائِشَةُ إِنَّمَا يُسْئَلانِ عَنْ عُقُولِهِمَا، فَمَنْ كَانَ أَعْقَلَ كَانَ أَفْضَلَ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ " (الْحَارِث) وَفِيه دَاوُد بن المحبر، قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: كتاب الْعقل وَضعه أَرْبَعَة أَوَّلهمْ ميسرَة ثمَّ سَرقه مِنْهُ دَاوُد بن المحبر فَرَكبهُ بأسانيد غير أَسَانِيد ميسرَة ثمَّ سَرقه عبد الْعَزِيز بن أبي رَجَاء فَرَكبهُ بأسانيد أخر ثمَّ سَرقه سُلَيْمَان بن عِيسَى السجْزِي فَرَكبهُ بأسانيد أخر.
(٢٤) [حَدِيثٌ] " الْوَلَدُ سَيِّدٌ سَبْعَ سِنِينَ وَخَادِمٌ سَبْعَ سِنِينَ وَوَزِيرٌ سَبْعَ سِنِينَ فَإِنْ رَضِيتَ مَكَانَتَهُ لإِحْدَى وَعِشْرِينَ، وَإِلا فَاضْرِبْ عَلَى جَنْبِهِ فَقَدْ أَعْذَرْتَ إِلَى اللَّهِ فِيهِ " (حا) فِي الكنى من حَدِيث أَبى جبيرَة ابْن الضَّحَّاك وَفِيه مَجَاهِيل، وَقَالَ السُّيُوطِيّ أخرجه الطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط، وبيض لَهُ (قلت) إِخْرَاج الطَّبَرَانِيّ لَهُ لَا يَنْفِي الحكم عَلَيْهِ بِالْوَضْعِ، وَكَانَ الشَّيْخ بيض لينْظر فِي حكمه فَلم يتَّفق لَهُ، وَقد راجعت الْمجمع للهيثمي فرأيته قَالَ: قَالَ الطَّبَرَانِيّ لَا يرْوى إِلَّا بِهَذَا الْإِسْنَاد، قَالَ الْبَيْهَقِيّ وَفِيه زيد بن جبيرَة بن مَحْمُود مَتْرُوك انْتهى وَزيد هَذَا أخرج لَهُ التِّرْمِذِيّ وَابْن مَاجَه وَقد اقْتصر الْعَلامَة الشَّمْس السخاوي فِي الْمَقَاصِد الْحَسَنَة على تَضْعِيف الحَدِيث وَالله أعلم.
(٢٥) [حَدِيثٌ] " مَنْ أَكْرَمَ ذَا سِنٍّ فِي الإِسْلامِ كَانَ قَدْ أَكْرَمَ نُوحًا وَمَنْ أَكْرَمَ نُوحًا فِي قَوْمِهِ فَقَدْ أَكْرَمَ اللَّهَ ﷿ " (خطّ) من حَدِيثِ أَنَسٍ وَلا يَصِحُّ، فِيهِ يَعْقُوب بن تَحِيَّة الوَاسِطِيّ وَبكر بن أَحْمد الوَاسِطِيّ مَجْهُولَانِ، قَالَ السُّيُوطِيّ: قَالَ الذَّهَبِيّ وَيَعْقُوب بن إِسْحَق بن تَحِيَّة
[ ١ / ١٧٦ ]
هُوَ الْمُتَّهم بِهَذَا الحَدِيث. وَقَول ابْن الْجَوْزِيّ: إِنَّه وَبكر بن أَحْمد مَجْهُولَانِ مَمْنُوع، فقد ترجمهما الْخَطِيب فِي تَارِيخه. (قلت): وَرَأَيْت بِخَط الْحَافِظ ابْن حجر على حَاشِيَة مُخْتَصر الموضوعات لِابْنِ درباس مَا نَصه: بكر لَيْسَ بِمَجْهُول الْعين، فقد روى عَنهُ الْحَافِظ أَبُو نعيم والحافظ أَبُو يعلى الوَاسِطِيّ وَلم أر من تكلم فِيهِ بِجرح وَلَا تَعْدِيل انْتهى وَالله أعلم.
(٢٦) [حَدِيثٌ] " الْحَسَدُ عَشَرَةُ أَجْزَاءٍ، تِسْعَةٌ فِي الْعَرَبِ وَوَاحِدٌ فِي النَّاسِ. وَالْحَيَاءُ عَشَرَةُ أَجْزَاءٍ، تِسْعَةٌ فِي النِّسَاءِ وَوَاحِدٌ فِي النَّاسِ. وَلَوْلا ذَلِكَ مَا قَوِيَ الرِّجَالُ عَلَى النِّسَاءِ وَالْحِدَّةُ وَالْعُلُوُّ وَقِلَّةُ الْوَفَاءِ عَشَرَةُ أَجْزَاءٍ، تِسْعَةٌ فِي الْبَرْبَرِ وَوَاحِدٌ فِي النَّاسِ. وَالْبُخْلُ عَشَرَةُ أَجْزَاءٍ تِسْعَةٌ فِي فَارِسٍ وَوَاحِدٌ فِي النَّاسِ " (قطّ) فِي الأَفْرَادِ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ وَفِيه طَلْحَة بن زيد قَالَ السُّيُوطِيّ: وَجَاء من طرق أُخْرَى فِي كل مِنْهَا من اتهمَ بِالْوَضْعِ، فَعِنْدَ أبي الشَّيْخ فِي العظمة من مُرْسل خَالِد بن معدان من طَرِيق مَرْوَان بن سَالم، وَعند الْخَطِيب فِي كتاب البخلاء من مُرْسل مُحَمَّد بن مُسلم من طَرِيق سيف بن عَمْرو، وَعند الطَّبَرَانِيّ من حَدِيث عقبَة بن عَامر: الْخبث سَبْعُونَ جُزْءا للبربر تِسْعَة وَسِتُّونَ جُزْءا وللجن وَالْإِنْس جُزْء وَاحِد. (قلت) قَالَ الهيثمي: فِيهِ عبد الرَّحْمَن بن عبد الله بن عبد الحكم لَا أعرفهُ وَبَقِيَّة رِجَاله ثِقَات، وَفِي بَعضهم ضعف انْتهى. وَعبد الرَّحْمَن هَذَا أَظُنهُ ابْن عبد الله بن عبد الحكم بن أعين أَبُو الْقَاسِم الْمصْرِيّ أحد رجال التَّهْذِيب، وَإِنَّمَا الآفة شَيْخه وهب بن رَاشد، فقد قَالَ فِيهِ ابْن حبَان: لَا يحل الِاحْتِجَاج بِهِ، وَقدمنَا عَن أبي حَاتِم أَنه قَالَ: مُنكر الحَدِيث حدث ببواطيل وَالله أعلم.
(٢٧) [حَدِيثُ] عَلِيٍّ: " أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ سُئِلَ عَنِ الْمَمْسُوخِ فَقَالَ اثْنَا عَشَرَ: الْفِيلُ وَالدُّبُّ وَالْخِنْزِيرُ وَالْقِرْدُ وَالأَرْنَبُ وَالضَّبُّ وَالْوَطْوَاطُ وَالْعَقْرَبُ وَالْعَنْكَبُوتُ وَالدُّعْمُوصُ وَسُهَيْلٌ وَالزُّهْرَةُ، فَقِيلَ مَا سَبَبُ مَسْخِهِمْ؟ فَقَالَ: أَمَّا الْفِيلُ فَكَانَ جَبَّارًا لُوطِيًّا، وَأَمَّا الدُّبُّ فَكَانَا رَجُلا مُؤَنَّثًا يَدْعُو الرِّجَالَ إِلَى نَفْسِهِ، وَأَمَّا الْخِنْزِيرُ فَكَانَ مِنْ قَوْمٍ نَصَارَى سَأَلُوا رَبَّهُمْ نُزُولَ الْمَائِدَةِ فَلَمَّا نَزَلَتْ عَلَيْهِمْ كَانُوا أَشَدَّ مَا كَانُوا كُفْرًا وَتَكْذِيبًا، وَأَمَّا الْقِرْدُ فَيَهُودُ اعْتَدَوْا فِي السَّبْتِ، وَأَمَّا الأَرْنَبُ فَكَانَتِ امْرَأَةً لَا تَطَهَّرُ مِنْ حَيْضٍ وَلا غَيْرِهِ، وَأَمَّا الضَّبُّ فَكَانَ أَعْرَابِيًّا يسرق الْحَاج بِمِحْجَنِهِ، وَأما
[ ١ / ١٧٧ ]
الْوَطْوَاطُ فَكَانَ يَسْرِقُ الثِّمَارَ مِنْ رُؤُوس النَّخْلِ، وَأَمَّا الْعَقْرَبُ فَكَانَ رَجُلا لَدَّاغًا لَا يَسْلَمُ عَلَى لِسَانِهِ أَحَدٌ، وَأَمَّا الْعَنْكَبُوتُ فَكَانَتِ امْرَأَةً سَحَرَتْ زَوْجَهَا، وَأَمَّا الدُّعْمُوصُ فَكَانَ نَمَّامًا يُفَرِّقُ بَيْنَ الأَحِبَّةِ، وَأَمَّا سُهَيْلٌ فَكَانَ عَشَّارًا بِالْيَمَنِ، وَأَمَّا الزُّهْرَةُ فَكَانَتْ نَصْرَانِيَّةً وَهِيَ الَّتِي فُتِنَ بِهَا هَارُوتُ وَمَارُوتُ وَكَانَ اسْمُهَا أَنَاهِيدَ " (شا) من طَرِيق معتب مولى جَعْفَر الصَّادِق. (قلت) تَابعه أَبُو ضَمرَة أنس بن عِيَاض، وناهيك بِهِ ثِقَة أخرجه الزبير بن بكار فِي الموفقيات وَالله أعلم.
(٢٨) [حَدِيثٌ] " خُلِقَتِ الزَّنَابِيرُ من رُؤْس الْخَيل، وخلقت النَّحْل من رُؤْس الْبَقَرِ "، (ابْن الْجَوْزِيّ) من حَدِيث أنس وَقَالَ لَا يَصح، وَأكْثر رِجَاله مَجْهُولُونَ (قلت) قَالَ الذَّهَبِيّ فِي تلخيصه: سَنَده مظلم وَمُحَمّد بن حجاج هَالك وَالله أعلم.
(٢٩) [حَدِيثٌ] " إِذَا انْكَسَفَ الْقَمَرُ فِي الْمُحَرَّمِ كَانَ فِي تِلْكَ السَّنَةِ الْبَلاءُ وَالْقِتَالُ وَشُغْلُ السُّلْطَانِ وَفِتْنَةُ الْكُبَرَاءِ وَانْتِشَارٌ مِنَ الضُّعَفَاءِ، وَإِذَا انْكَسَفَ فِي صَفَرٍ كَانَ نَقْصٌ مِنَ الأَمْطَارِ حَتَّى يَظْهَرَ النُّقْصَانُ فِي الْبَحْرِ وَهُوَ الْغَايَةُ مِنْ نَقْصِ الأَمْطَارِ وَالْقُحُوطِ، وَإِذَا انْكَسَفَ فِي رَبِيعٍ الأَوَّلِ كَانَ مَجَاعَةٌ وَمَوْتٌ مَعَ أَمْطَارٍ وَحَرْبٌ وَتَحَوُّلُ مُلْكٍ بِمَوْتٍ كَبِيرٍ، وَإِذَا انْكَسَفَ فِي جُمَادَى الأُولَى كَانَ بَرْدٌ وَثُلُوجٌ وَأَمْطَارٌ مَعَ مَوْتٍ ذَرِيعٍ وَهُوَ الطَّاعُونُ، وَإِذَا انْكَسَفَ فِي جُمَادَى الآخِرَةِ فَهُوَ زَرْعٌ كَثِيرٌ وَخِصْبٌ وَسَعَةٌ مَعَ قِتَالٍ بَيْنَ النَّاسِ وَيَكُونُ جَرَادٌ وَالأَسْعَارُ تَزْدَادُ رُخْصًا وَكَسَادًا، وَإِذَا انْكَسَفَ فِي رَجَبٍ فَهُوَ أَمْطَارٌ وَسَمَكٌ كَثِيرٌ، وَذكر حَدِيثا طَويلا من هَذَا النمط " (ابْن الْجَوْزِيّ) من حَدِيث أنس من طَرِيق الجويباري وَهُوَ من وَضعه. أَثَرُ ابْنِ عَبَّاسٍ: " إِن لكل شئ سَبَبًا. وَلَيْسَ كُلُّ أَحَدٍ يَفْطُنُ لَهُ وَلا سَمِعَ بِهِ، وَإِنَّ لأَبِي جَاد لَحَدِيثًا عَجِيبًا، أَمَّا أَبُو جَاد فَأَبَى آدَمُ الطَّاعَةَ وَجَدَّ فِي أَكْلِ الشَّجَرَةِ وَأَمَّا هَوَّز فَهَوَى مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ وَأَمَّا حُطِّي فَحُطَّتْ عَنْهُ خَطَايَاهُ، وَأَمَّا كَلَمُنْ فَأَكْلَ مِنَ الشَّجَرَةِ وَمُنَّ عَلَيْهِ بِالتَّوْبَةِ وَأَمَّا سَعفَصُ فَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَأُخْرِجَ مِنَ النَّعِيمِ إِلَى النَّكَدِ، وَأَمَّا قَرَشَتْ فَأَقَرَّ بِالذَّنْبِ وَسَلِمَ مِنَ الْعُقُوبَةِ " (خطّ) وَفِيه مَجَاهِيل، والفرات بن السَّائِب لَيْسَ بشئ قَالَ السُّيُوطِيّ: وَرَاوِيه عَن الْفُرَات عبد الرَّحِيم بن وَاقد، قَالَ أَبُو جَعْفَر ابْن جرير: مَجْهُول
[ ١ / ١٧٨ ]
غير مَعْرُوف لَا يجوز الِاحْتِجَاج بِهِ، قَالَ الْحَافِظ ابْن حجر: وَالظَّاهِر أَنه غير عبد الرَّحِيم ابْن وَاقد الْخُرَاسَانِي يَعْنِي فَإِن ذَاك وَإِن ضعفه الْخَطِيب فقد ذكره ابْن حبَان فِي الثِّقَات.
(٣١) [حَدِيثٌ] " النَّظَرُ إِلَى الْوَجْهِ الْحَسَنِ يَجْلُو الْبَصَرَ وَالنَّظَرَ، وَالنَّظَرُ إِلَى الْوَجْهِ الْقَبِيحِ يُورِثُ الْكَلَحَ " (خطّ) من حَدِيث أنس، وَفِيه أَبُو سعيد الْعَدوي وخراش الطَّحَّان.
(٣٢) [حَدِيثٌ] " إِذَا كَانَ الْقَوْسُ مِنْ أَوَّلِ السَّنَةِ فَهُوَ عَامٌ خَصِيبٌ وَإِذَا كَانَ مِنْ آخِرِ السَّنَةِ فَهُوَ أَمَانٌ مِنَ الْغَرَقِ " (يخ) من حَدِيث أنس وَلَا يَصح، فِيهِ مَجَاهِيل وضعفاء (قلت) وَقَالَ الذَّهَبِيّ إِسْنَاده مظلم وَفِيه من يتهم وَالله أعلم.