الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد ﷺ.
وبعد:
فإن الله بعث رسوله بالحق وأنزل عليه كتابا فيه ما يهم الناس جميعا وجعل ما يقرره رسوله أمرا لا بد من اتباعه لأنه وحي أوحاه الله إليه وجعل لهذه الأمة خصيصة الإسناد خاصة لها لتحفظ أمور دينها من تداخل الكذب فيه أو التزوير.
ولما توسعت الدولة الإسلامية بفضل الفتوحات التي كانت تهدف إنقاذ الناس من الجاهلية العمياء إلى الهدى والنور، تداخلت بعض العناصر التي دست ما يحلوا لها من الأكاذيب ضد الدين الإسلامي وكان لا بد لهؤلاء من رجال يفتشون عن تلك الأكاذيب ليبصروا الناس بها حتى لا يقع تبعتها عليهم.
فقاموا بالسؤال عن أحوال الرواة الذين نقلوا وروا وبينوا الثقة أو الضعيف أو الكاذب، فظهر بهذا علم يعرف بعلم الجرح والتعديل.
إذا كانت السؤالات هي اللبنة الأولى لهذا العلم الذي انتشر وتطور من كونه مجرد سؤالات إلى كتب تجمع الضعفاء في ثناياها وأحاديثهم ككتاب الكامل لابن عدي والضعفاء والمجروحون لابن حبان والضعفاء للعقيلي.
وإلى كتب اقتصرت على ذكر أسماء الثقات كابن حبان وابن شاهين. وكتب
[ ١ ]
جمعت بين الثقات والضعفاء وهي كتب متأخرة نوعا ما كتهذيب الكمال وما تبعه من ملخصات للذهبي وابن حجر وغيرهما.
وإلى كتب جمعت الرجال حسب الطبقات كابن سعد وخليفة وغيرهما.
ولعلنا لا نستطيع إعطاء فكرة أكيدة عن تاريخ ظهور كتب السؤالات لعدم وجود أدلة مادية بين أيدينا، إلا أن الاستقراء التقريبي يدل على أن الروايات التي وصلتنا عن الإمام أحمد بن حنبل من أوائل تلك الكتب فكان كتاب العلل ومعرفة الرجال في علم الجرح والتعديل، ومسائل الكوسج وابن راهوية١.
أما كتاب العلل ومعرفة الرجال فقد تضمن الكلام على: الأحاديث المعللة. والرواة الذين سئل عنهم الإمام أحمد وكان السائل هو ابنه عبد الله٢.
ويأتي بعده المجموعة الكاملة التي وصلتنا عن الإمام يحي بن معين ت ٢٣٣هـ من رواية أبي العباس أحمد بن محمد بن القاسم بن محرز وسمي كتاب "معرفة الرجال عن يحي بن معين" وتبلغ روايته ثلث رواية الدوري تقريبا٣.
ورواية أبي إسحاق إبراهيم بن عبد الله بن الجنيد في الحدود ٢٦٠هـ.
وهي تشارك رواية الدوري وابن محرز في مادتها. مما يدل على الاشتراك في المجالس والأخذ عن يحي. فقد جاء في روايته نصوص تشابه نصوصا عن الدوري. وذكر أسئلة موجهة من الدوري إلى يحي٤ ورواية أبي سعيد عثمان بن سعيد بن خالد الدارمي.
واسمها " تاريخ عثمان بن سعيد الدارمي عن يحي بن معين في تجريح
_________________
(١) ١ وقج سجلت هذه المخطوطات في الجامعةالإسلامية من قبل بعض الدارسين في الدراسات العليا. ٢ طبع الكتاب بتحقيق د- طلعت قوج بكيت ود- إسماعيل جراح أوغلو في عام ١٩٦٣م. بأنقرة. ٣ التاريخ لا بن معين ١/١٤٣. ٤ التاريخ لا بن معين ١/١٤٦.
[ ٢ ]
الرواة وتعديلهم" وتختلف هذه الرواية عن سابقتها في ترتيبها ومادتها فقد بدأها بتراجم لأصحاب بعض التابعين البارزين والمفاضلة بينهم في السماع والتثبت.
أما المادة التي أوردها فهي محدودة وختصرة العبارة. وقاصرة على الجرح والتعديل. ولا تتطرق إلى تفصيلات أخرى. ويكاد أسلوبها لا يخرج عن العبارات التالية.
سألته عن أشعث بن عبد الرحمن الجرمي؟ فقال ثقة. قلت وأبوه؟ فقال ثقة ١.
ورواية أبي يعقوب إسحاق بن منصور بن بهران الكوسج ت ٢٥١هـ واسمها سؤالات إسحاق بن منصور الكوسج.
وتشابه مادتها رواية الدارمي في عبارتها المحددة المختصرة٢.
ورواية أبي الفضل العباس بن محمد بن حاتم الدوري ت ٢٧١هـ واسمها التاريخ.
وهذه الرواية أوسع الروايات وأكثرها مادة وأغزرها فوائد، ويرجع ذلك إلى طول ملازمة الدوري ليحي بن معين وصاحبه أيضا في بعض أسفاره٣.
ولما لهذه الرواية من مكانة عند العلماء إذ لا تكاد تخلو صفحة من كتاب في الرجال من نقل عنها. لغزارة مادتها وكثرة فوائدها ولما يحول دونها من صعوبة المراجعة. فقد دفع بذلك الحافظ أبا سعيد أحمد بن محمد ابن زياد. المعروف بابن الأعرابي ت ٣٤٠هـ إلى ترتيب هذه الرواية على حروف المعجم
_________________
(١) ١ التاريخ لا بن معين ١/١٥٨.. ٢ التاريخ لا بن معين ١/١٥٠.. ٣ التاريخ لا بن معين ١/١٥٢. ٤ ذكر د- أحمد محمد نور سيف، أنه بحث عن ترتيب هذه الرواية إلا أنه لم يقف عليها، وقد وفقه الله في القيام بترتيب الكتاب حسب حروف المعجم مما سهل على الباحثين في الكشف عن الرواة، وتضمن هذا الترتيب المجلد لثاني من كتاب التاريخ.
[ ٣ ]
ومن كتب السؤالات أيضا.
أسئلة البرذعي ت ٢٩٢هـ للإمام أبي زرعة وابن حاتم الرازيان١ كتاب الجرح والتعديل للامام ابن أبي حاتم ت ٣٢٧هـ.
وهو عبارة عن أسئلة وجهها المؤلف إلى أبيه وأبي زرعة رحمهما الله. وقد طعن الإمام أبو أحمد الحاكم ﵀ في كتاب الجرح والتعديل إذ ادعى أنه كتاب البخاري، وأن أبا زرعة وأبا حاتم نسباه إليهما٢.
ونقل إلينا الذهبي قصة عن الحاكم إذ يقول: "كنت بالري وهم يقرؤن على ابن أبي حاتم كتاب الجرح والتعديل، فقلت لابن عدويه الوراق هذه ضحكة أراكم تقرؤن كتاب التاريخ للبخاري على شيخكم على الوجه الذي نسبتموه إلى أبي زرعة وأبي حاتم.
فقال يا أبا أحمد. إن أبا زرعة وأبا حاتم لما حمل إليهما تاريخ البخاري. قالا: هذا علم لا يستغنى عنه. ولا يحسن بنا أن نذكره عن غيرنا. فاقعدا عبد الرحمن يسألهما عن رجل بعد رجل وزادا فيه ونقصا٣.
لكن الحقيقة ليست كذلك فهو وإن كان يشبه كتابه كتاب البخاري في جوانب كثيرة إلا أن هناك فرقا جوهريا.
لقد ألف البخاري كتابه وسماه التاريخ، ومع أنه يضم مادة كبيرة في تراجم الرواة وعلل الحديث.إلا أنه في مقياس الجرح والتعديل لم يبلغ التي تنشد في الكتب المؤلفة لهذا الغرض. فقد وقف البخاري عليه الرحمة بكتابه في منتصف الشوط. وجاء ابن أبي حاتم فسار بالكتاب
_________________
(١) ١ قام د- سعد الهاشمي بتحثيق هذا الكتاب للحصول على شهادة الدكتوراه. وقد ذكر المحقق أهم كتب السؤالات وبين في مقدمة التحقيق أهمية كتاب البرذعي وأعطى دراسة جيدة. في الجزء٢/٢٧١-٣٠٠. ٢ الكنى لأبي أحمد الحاكم ١/١٣٧. ٣ تذكرة الحفاظ ٣٧/٩٨.
[ ٤ ]
إلى نهايته. وذلك لأنه حشد له من أقوال النقاد في الجرح والتعديل ما تعم به فائدته١.
سؤالات أبي عبيد الآجري٢.
صنف هذا الكتاب على البلدان فذكر فيه الرواة من أهل الكوفة والبصرة وبغداد ودمشق والجزيرة وأيلة. وبعض باقي المراكز العلمية المختلفة آنذاك سواء كانوا من أهل تلك البلاد أصلا أو ممن دخلها من غير أهلها.
ويغلب على الظن أن الجزأين الأول والثاني هما في رواة مكة والمدينة على اعتبار أنهما من أهم المراكز العلمية التي كان الرواة يؤمونها.
والجزء الثالث اقتصر فيه على ذكر رواة أهل الكوفة ثم البصرة ولم يستوعبها ويغلب على الظن أن في الجزء الثاني من هذا الكتاب ذكرا لجملة من رواة أهل الكوفة كما هو الحال في أول الجزء الرابع في البصريين، لأن المصنف –أو ربما الناسخ- لم يخصص لكل جزء أهل بلد معين.
ولم يتبع المصنف ترتيبا معينا في رواة أهل بلد معين، ولربما ذكر بعض من تشابهت أسماؤهم أو كناهم، أو من كانوا من طبقة واحدة على التوالي٣.
السؤالات عن الدراقطني٤.
سؤالات الحافظ السلفي لخميس الحوزي عن جماعة من أهل واسط٥.
وعنوانه يدل على مضمونه إذ أن الأسئلة وجهت من التلميذ لشيخه عن رجال من أهل واسط بغض النظر عن كونهم من أهلها الواردين عليها من الغرباء والمتتبع لهذا الكتاب يرى أن خميس الحوزي قد أطنب في ذكر
_________________
(١) ١ التاريخ لابن معين ١/١٣. ٢ قام الأستاذ محمد قاسم العمري بتحقيق جزء ٣ لنيل شهادة الماجستير. ٣ مقدمة سؤالات أبي عبيد الآجري ص٥٤. ٤ سيأتي الكلام عن سؤالات. ٥ حققه الاستاد مطاع الطرابيشي.
[ ٥ ]
أحوال الرجال الذين سئل عنهم. دون الاقتصار على الجرح والتعديل كما فعل غيره من الذين سبقوه في التأليف في هذا النوع من الأسئلة.
ولعل هذه النماذج التي ذكرتها عن كتب السؤالات تعطي القارئ صورة مبسطة عن أسلوب كل كتب ومنهاج كل عالم فيما كتب وأجاب. ولنعد إلى موضوعنا.
الذي نحن بصده لإعطاء فكرة عن كتب السؤالات التي وصلتنا عن الإمام الدارقطني. وذلك قبل الكلام عن كتاب البرقاني.
فمن تلك الكتب:
١-أسئلة السلمي.
تشرك في مادتها مع كتاب البرقاني من حيث السؤالات الموجهة للإمام الدارقطني عن أحوال الرجال. وتنفرد عنه بأمور.
أ - نقل بعض أقوال النقاد. أمثال ابن معين والنسائي. وذكر فيه بعض الأسئلة التي وجهها الدارقطني وكان –السلمي- حاضرا في ذلك المجلس١.
ب - أكثر من السؤال عن علل الأحاديث بالنسبة لما هو وارد عند البرقاني ويبتدئ الجزء الأول منه من أول الكتاب إلى آخر حرف الميم.
٢- سؤالات أبي القاسم حمزة بن يوسف السهمي.
ويتميز الكتاب عن سابقه بذكر مقدمة سئل فيها السهمي شيخه عن أشياء عامة دون ترتيب للمواد. ثم بدأ بمن اسمه أحمد ولم يقتصر على توجيه الأسئلة للدارقطني. إنما وجه بعضها إلى بعض أئمة الجرح
_________________
(١) ١ ومثال ذلك: قول السلمي: مثل أبو الحسن على علي بن عمر الحافظ سأله ابن سعد الإسماعيلي رحمهما الله.. السؤالات ١٦٤ ب.
[ ٦ ]
والتعديل١.
وقد أطال الكلام في بعض التراجم بالنظر إلى ما كتبه الحافظ البرقاني في سؤالاته.
٣- أسئلة الحاكم للدارقطني٢.
البرقاني٣
هو الإمام أبو بكر أحمد بن محمد بن أحمد بن غالب البرقاني، يقول عن نفسه، ولدت في آخر سنة ست وثلاثين وثلاثمائة٤.
كان إماما في الجرح والتعديل٥ إلى جانب كونه محدثا، شغوفا بكتابة
_________________
(١) ١ من الذين سألهم السهمي، ابا محمد العنبري، أبا زرعة الجرجانيومحمد بن أحمد ابن سفيان وغيرهم. إلا أنه لم يكثر الشؤالات وإطلاق اسم السؤالات عن الدارقطني لهذا الكتاب له وجه. إذ أن معظم الأسئلة وجهت إلى الدارقطني. ٢ قال الحاكم في مقدمة السؤالات. ذكر أسامي مشايخ من أهل العراق خفي على أحوالهم في الجرح والتعديل علقت أساميهم وعرضته على شيخنا أبي الحسن على بن عمر الدارقطني الحافظ ﵀. فعلق بيده تحت أساميهم ما صح له من أحوالهم سألته فشافهني سؤالات الحاكم ٢٦٩أ. ٣ البرقاني: بفتح الباء الموحدة وسكون الراء المهملة وفتح القاف- اللباب ١/١٤٠. ٤ تاريخ بغداد ٤/٣٧٦. ٥ أطلقت عليه هذا الحكم نظرا لما وجدته في بعض كتب الرجال اذ أنهم نقلوا بعض أقوال البرقاني في الرواة. مثال ذلك.. محمد بن عيسى بن حيان. قال الذهبي فيه قال أبو الحسن الدارقطني. ضعيف متروك. وقال الحاكم- متروك وقال آخر- كان مغفلا. وأما البرقاني فوثقه. وكذلك ترجمة. محمد بن عبدة بن حرب. حيث قال الذهبي قال البرقاني وغيره من المتروكين إلى غير ذلك من الأمثلة الكثير. ميزان الاعتدال ٣/٦٣٤،٦٧٨.
[ ٧ ]
كل ما يسمعه من علم١.
ورد بغداد فسمع من شيوخها ثم دخل جرجان واسفرايين ونيسابور وهراة ومرو ثم حط عصا الترحال في بغداد فاستوطنها وحدث بها٢.
قال الخطيب البغدادي:
كان ثقة ورعا متقنا متثبتا فهما، لم ير في شيوخنا أثبت منه، حافظا للقرآن عارفا بالفقه، له حظ من علم العربية، كثير الحديث، حسن الفهم له والبصيرة فيه٣.
قال الشيرازي:
تفقه في حداثته وصنف في الفقه ثم اشتغل بعلم الحديث فصار فيه إماما٤.
مؤلفاته:
رغم اشتهار الإمام البرقاني في الأواسط العلمية في عصره لم نقف على مؤلفاته ولا نستطيع الحكم قطعيا بفقدانها، كما لا نستطيع قصرها على الكتب التي ذكرها الخطيب البغدادي في ترجمته وإن كان معاصرا له لأن الخطيب نفسه نقل إلينا نصا يفيد عدم وقوفه على مصنفات الإمام البرقاني لأنه لم ينظر في كتبه كلها من أصحاب الحديث، غير أبي الحسن النعيمي، فإنه نظر في جميعها وعلق منها٥.
وبعد البحث والتنقيح في كتب التراجم تمكنت من العثور على مؤلفاته الآتية:
_________________
(١) ١ قال السهمي في تاريخ جرجان ص١١١. "فلما كان يترك شيئا يجري إلا وهو يكتب". ٢ تاريخ بغداد ٤/٣٧٣. ٣ المصدر السابق ٤/٣٧٤.. ٤ طبقات الفقهاء ١٢٧. ٥ تاريخ بغداد ٤/٣٧٣.
[ ٨ ]
١- المسند المتضمن لما اشتمل عليه صحيح البخاري ومسلم١.
٢- التخريج لصحيح الحديث٢.
٣- أسئلته للدارقطني عن الرجال٣.
أما الكتب التي وقفنا على أسمائها ولم نقف على أعيانها فهي:
١- أحاديث سفيان الثوري وشعبة وأيوب وعبيد الله بن عمرو وعبد الملك بن عمير وبيان بن بشر ومطر الوراق، وغيرهم من الشيوخ.
٢- ما جمعه من أحاديث مسعر٤.
٣- كتاب اللفظ٥.
وفاته:
قال محمد بن علي الصوري: دخلت على البرقاني. قبل وفاته بأربعة أيام أعوده فقال لي:
هذا اليوم السادس والعشرون من جمادى الآخرة، وقد سألت الله تعالى أن يؤخر وفاتي حتى يهال رجب، فقد روي أن لله فيه عتقاء من النار عسى أن أكون منهم.
قال الصوري: وكان هذا القول يوم السبت، فتوفي صبيحة يوم الأربعاء مستهل رجب٦.
_________________
(١) ١ توجد منه نسخة في آصفية تحت رقم ٥٩٥ تاريخ التراث العربي ١/٣٨٤. ٢ توجد منه نسخة مصورة من مكتبة تشتربيتي تحت رقم ١٤٦٠ في الجامعة الإسلامية. ٣ سيأتي الكلام عنه. ٤ تاريخ بغداد ٢/٣٧٤. ٥ هكذا ذكره الحافظ ابن حجر وأورده في المعجم وأفاد بأنه سمع الجزء الثالث والسابع والثامن المعجم المفهرس ١/٣٥٦. ٦ تاريخ بغداد ٧/٣٧٦.
[ ٩ ]
كتاب الأسئلة:
عبارة عن أسئلة في علم الجرح والتعديل وجهها البرقاني إلى شيخه الإمام الدارقطني١، وقد احتوت على ٦٢٨ ترجمة.
وكانت الأسئلة جميعها موجهة إلى الدارقطني ما عدا سؤالين فقط وجههما إلى أبي الحسن بن مظفر حيث ساله عن محمد بن دينار٢.
وسؤال آخر وجهه إليه بمشاركة الإمام الدارقطني٣.
وإذا نظرنا إلى أسئلة البرقاني من الناحية العلمية وجدناها مركزة تفي بالغرض التي من أجلها طرحها البرقاني، وبالمقابل كانت إجابات الدارقطني وافية مركزة.
وبالمقارنة بين أقواله وأقوال النقاد وجدتها متطابقة تماما، باستثناء أربعة مواضع٤ خالف فيها أئمة الجرح والتعديل ولعله بان له شيء.
ومن ميزة هذا الكتاب أنه بيّن لنا مكانة الدارقطني ومدى اعتماده على نفسه في إصدار الحكم على المسئولين عنهم دون التصريح بالاعتماد على أقوال النقاد إذا استثنينا ثلاث مواضع فقط مما نقل فيه عن غيره٥.
_________________
(١) ١ لم أترجم للإمام الدارقطني اكتفاء بما كتبته عنه في مقدمة كتاب الضعفاء والمتروكين وهو تحت الطبع. ٢ انظر رقم ٤٣٩. ٣ انظر رقم ٤٣٩. ٤ الموضع الأول: ترجمة الحارث ابن عمير حيث قال فيه. ثقة وهو مختلف فيه. الموضع الثاني: ترجمة حسام بن مصك حيث قال فيه يعتبر به وهو ضعيف. //الثالث://حفص بن عمر الحلبي//صالح يعتبر به وضعفه غيره من الأئمة. //الرابع://اسحاقبن يسار// لا يحتج به وإنما يعتبر به وهو ثقة. ٥ انظر ترجمة ابن عقيل. وترجمة عبد الله بن ناجد. وترجمة علي بن هاشم بن البريد.
[ ١٠ ]
ومقابل ذلك رد قول الإمام أحمد بن حنبل ويحي بن معين في موضع واحد١، ومن أجل ما تقدم كان لكتاب السؤالات أهمية بالغة بالنسبة لمن جاء بعد البرقاني كالمزي والحافظ الذهبي، أو من عاصره كالخطيب البغدادي، وتجلت هذه الأهمية في اعتمادهم على كتاب السؤالات اعتمادا كليا.
ولعل الخطيب البغدادي كان من الذين انفردوا في عزو النقول بسنده عن البرقاني عن الدارقطني وكان نقله حرفيا، ومن أجل هذا كنت أعتبر كتاب الخطيب بمثابة نسخة أخرى في تصحيح النسخة الفريدة التي وقفت عليها، وذلك في التراجم التي أوردها في تاريخه عن كتاب السؤالات بل تعدى الأمر عن ذلك حيث قمت بإلحاق ترجمة وهب بن حفص الحراني من كتاب التاريخ، لأن حرف الواو ساقط كله من أصل الكتاب، والنص الذي ألحقته يدل على أن الناسخ قد سها عنه، لأن الأسلوب هو أسلوب السؤالات.
سبب تحقيق لنصوص الكتاب:
يعود السبب في ذلك على أمور أجملها بالآتي:
١ - اعتماد النقاد على أقوال الدارقطني وبالذات رواية البرقاني عنه.
٢ - الأخطاء الفاحشة التي وقعت في بعض المؤلفات التي نقلت عن البرقاني٢.
٣- اختلاف العلماء في نقل بعض النصوص المحررة في السؤالات بين الإيجاز والمخل والبتر.
كل هذه الأسباب مجتمعة أدت إلى إخراج هذا الكتاب، وأرجوا الله أن أوفق في إخراج بقية كتب السؤالات عن الدارقطني لتكتمل مجموعته في الجرح والتعديل:
_________________
(١) ١ انظر ترجمة عامر بن صالح بن عبد الله. ٢ قارن بين ترجمة شهر بن حوشب وسويد بن إبراهيم من كتاب السؤالات وكتابي ميزان الاعتدال وتهذيب التهذيب.
[ ١١ ]