٣/١٥٦ سنن الترمذي
بتحقيق محمد فؤاد عبد الباقي
[ ٢ / ٥٨٣ ]
حدّثنا يحيى بن موسى حدثنا يحيى بن اليمان، عن معمر، عن محمد ابن المنكدر، عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ: "الفطر يوم يفطر الناس، والأضحى يوم يضحي الناس".
كلام الترمذي على هذا الحديث
قال أبو عيسى: سألت محمدًا قلت له: محمد بن المنكدر سمع من عائشة؟ قال: نعم، يقول في حديثه "سمعت عائشة".
قال أبو عيسى: هذا حديث حسن غريب صحيح من هذا الوجه.
تخريج الحديث
أخرج الحديث سوى الترمذي:
الدارقطني في "سننه"١.
البغوي في "شرح السنة"٢ بإسناده إلى الترمذي.
وفي هذا ردّ على العراقي، حيث قال في "شرح سنن الترمذي"٣: "حديث عائشة هذا انفرد بإخراجه الترمذي" ا؟. اللهم إلا أن يريد أنه انفرد به عن باقي الستة فنعم.
_________________
(١) ١ ٢/٢٢٥. ٢ ٦/٢٤٧. ٣ ٣ ورقة ١٣ وجه/أ.
[ ٢ / ٥٨٥ ]
حكم هذا الحديث
هذا الحديث اختلف في إسناده على معمر١:
فرواه عنه يحيى بن اليمان، عن محمد بن المنكدر، عن عائشة (فجعله من مسند عائشة) .
وخالفه يزيد بن زريع فرواه عنه عن محمد بن المنكدر، عن أبي هريرة (فجعله من مسند أبي هريرة) .
ولا شك بأرجحية يزيد بن زريع، وتقديمه على يحيى بن اليمان، فإن يزيد أوثق، وأحفظ، وأتقن من يحيى، يدرك الفرق بينهما من وقف على ترجمتيهما في كتب الرجال.
فكون الحديث من "مسند أبي هريرة" هو الأقرب إلى الصحة والصواب إن شاء الله تعالى.
قال في "تهذيب التهذيب"٢: يزيد بن زريع٣ العيشي٤، ويقال
_________________
(١) ١ معمر بن راشد الأزدي مولاهم أبو عروة البصري، نزيل اليمن، ثقة، ثبت، فاضل إلا أن في روايته عن ثابت والأعمش وهشام بن عروة شيئًا، وكذا فيما حدّث به بالبصرة، من كبار السابعة، مات سنة أربع وخمسين أي ومئة، وهو ابن ثمان وخمسين سنة، روى له الجماعة "تقريب التهذيب" ٢/٢٦٦ وقد تقدمت ترجمته في الحديث الأول. ٢ ١١/٣٢٥-٣٢٦. ٣ بتقديم الزاي مصغرًا "تقريب التهذيب" ٢/٣٦٤. ٤ بتحتانية كما في "الخلاصة" للخزرجي/٤٣١.
[ ٢ / ٥٨٦ ]
التميمي، أبو معاوية البصري الحافظ.
روى عن: سعيد بن أبي عروبة، وشعبة، والثوري، وغيرهم.
وروى عنه: ابن المبارك، وابن مهدي، وابن المدني، وآخرون.
وقد لحقه ثناء عظيم من ذلك ما قاله أبو بكر الأسدي، عن أحمد: "إليه المنتهى في التثبت بالبصرة".
وقال عبد الله بن أحمد، عن أبيه: "كان ريحانة البصرة".
وقال أبو طالب عن أحمد: "ما أتقنه! وما أحفظه! يا لك من صحة حديث صدوق متقن! ".
وقال عبد الخالق بن منصور عن ابن معين: "يزيد بن زريع الصدوق الثقة المأمون".
وقال إبراهيم بن محمد بن عرعرة: "لم يكن أحد أثبت من يزيد بن زريع"١.
وقال أبو حاتم٢: "إمام ثقة".
وقال ابن سعد٣: "كان ثقة حجة، كثير الحديث".
قال ابن حجر في "تقريب التهذيب"٤: "ثقة، ثبت، من الثامنة،
_________________
(١) ١ تهذيب التهذيب ١١/٣٢٦. ٢ الجرح والتعديل ٤/٢/٢٦٥. ٣ الطبقات الكبرى ٧/٢٨٩. ٤ ٢/٣٦٤.
[ ٢ / ٥٨٧ ]
مات سنة اثنتين وثمانين أي ومئة، روى له الجماعة".
وقال الخزرجي في "الخلاصة"١: "الحافظ أحد الأعلام".
وقد ترجمه الذهبي في "تذكرة الحفاظ"٢ في الطبقة السادسة، فقال عنه: "يزيد بن زريع الحافظ الحجة محدّث البصرة".
فهذه النصوص ونحوها ناطقة بما كان يتمتع به يزيد من ثقة وإمامة وحفظ، وإتقان، مما يثبت أرجحيته، وذلك بالنظر إلى ترجمة يحيى بن اليمان التي جاء فيها كما في "تهذيب التهذيب"٣، و"ميزان الاعتدال"٤، و"المغني في الضعفاء"٥، و"تاريخ بغداد"٦، وغير ذلك.
يحيى بن يمان العجلي أبو زكرياء الكوفي. روى عن: أبيه، وهشام ابن عروة، والأعمش، وآخرين. وروى عنه: ابنه داود، وأبو بكر، وعثمان ابنا أبي شيبة، وابن معين وغيرهم.
قال حنبل بن إسحاق عن أحمد: "ليس بحجة".
_________________
(١) ١ /٤٣١. ٢ ١/٢٥٦ وانظر في مصادر ترجمته أيضًا: "التاريخ الكبير" ٤/٢/٣٣٥ و"التاريخ الصغير" ٢/٢٢٨، ٢٣٠ و"تاريخ خليفة بن خياط"/٤٥٦ و"الطبقات" لخليفة بن خياط/٢٢٤ و"شرح علل الترمذي" لابن رجب/١٥١، ٣٦٩. ٣ ١١/٣٠٦-٣٠٧. ٤ ٤/٤١٦. ٥ ٢/٧٤٦. ٦ ١٤/١٢٠-١٢٤.
[ ٢ / ٥٨٨ ]
وعن ابن معين ثلاث روايات:
الأولى: قال إبراهيم بن الجنيد، عن ابن معين: "ليس يثبت لم يكن يبالي أي شيء حدّث، كان يتوهّم الحديث".
والثانية: قال عثمان الدارمي عنه: "أرجو أن يكون صدوقًا"١.
والثالثة: قال عبد الخالق بن منصور عنه: "ليس به بأس".
وقال يعقوب بن شيبة: "كان صدوقًا كثير الحديث، وإنما أنكر عليه أصحابنا كثرة الغلط، وليس بحجة إذا خولف" وقال أيضًا: "يحيى بن يمان ثقة أحد أصحاب سفيان، وهو يخطئ كثيرًا في حديثه".
وقال الآجرّي عن أبي داود: "يخطئ في الأحاديث ويقلبها".
وقال أبو بكر بن عياش: "ذاك راهب" يعني لعبادته.
وقال أبو بكر بن عفان الصوفي، عن وكيع: "ما كان أحد من أصحابنا أحفظ منه، ثم نسي فلا أعلم بالكوفة أحفظ من داود ابنه".
وقال ابن أبي شيبة: "كان سريع الحفظ سريع النسيان".
وقال عبد الله بن علي بن المديني عن أبيه: "صدوق، فُلِج، فتغير حفظه".
_________________
(١) ١ تتمة هذا في "تاريخ بغداد" ١٤/١٢٣ و"شرح علل الترمذي" لابن رجب/٣٨٥ قلت: فكيف حديثه؟ قال: "ليس بالقوي". وذكر الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" ١٤/١٢٢ بسنده إلى ابن الغلابي، قال: قال أبو زكريا يحيى بن معين: "ربما عارضت أحاديث يحيى بن يمان بأحاديث الناس فما خالف ضربت عليه " ا؟.
[ ٢ / ٥٨٩ ]
وقال ابن عدي١: "عامة ما يرويه غير محفوظ، وهو في نفسه لا يتعمد الكذب إلا أنه يخطئ، ويشبه عليه".
وقال ابن سعد٢: "كان كثير الحديث كثير الغلط لا يحتج به إذا خولف".
وقال أبو حاتم٣: "مضطرب الحديث في حديثه بعض الصنعة، ومحله الصدق".
وقال النسائي٤: "ليس بالقوي".
وقال ابن حجر في "تقريب التهذيب"٥: "صدوق، عابد، يخطئ كثيرًا، وقد تغير، من كبار التاسعة، مات سنة تسع وثمانين أي ومئة، روى له البخاري في الأدب المفرد، ومسلم، وأهل السنن الأربعة".
فأنت ترى أن الرجل ضعيف من قبل حفظه، فلا غرو إذا قدم عليه يزيد بن زريع، وهو ثقة ثبت. وأعتقد أنه لا يعوزك الاستدلال على خطئه وغلطه في الأحاديث، وذلك من خلال النظر في ترجمته، وقد قال ابن عدي
_________________
(١) ١ الجزء الرابع صفحة ٤٧٩. ٢ الطبقات الكبرى ٦/٣٩١. ٣ الجرح والتعديل ٤/٢/١٩٩. ٤ الضعفاء والمتروكين للنسائي/١٠٩. ٥ ٢/٣٦١ وانظر في مصادر ترجمته أيضًا: "التاريخ الكبير" ٤/٢/٣١٣ و"تاريخ خليفة بن خياط"/٤٥٨ و"الطبقات" لخليفة بن خياط/١٧٢ و"المعرفة والتاريخ" ليعقوب بن سفيان ١/٧٢١-٧٢٢ و"الخلاصة" للخزرجي/٤٢٩.
[ ٢ / ٥٩٠ ]
–كما مرّ-: عامة ما يرويه غير محفوظ. وهذا ويؤيد كون هذا الحديث مما أخطأ فيه يحيى فقلبه على معمر، أن أيوب١ السختياني، وروح بن القاسم٢ وعبد الوارث٣، رووه٤ فتابعوا فيه معمرًا، عن ابن المنكدر، عن أبي هريرة. ولا يخفى أن رواية هؤلاء الثقات الأثبات تعتبر متابعات قاصرة لرواية يزيد.
_________________
(١) ١ أيوب بن أبي تميمة كيسان السختياني -بفتح المهملة بعدها معجمة ثم مثناة ثم تحتانية وبعد الألف نون- أبو بكر البصري، ثقة، ثبت حجة، من كبار الفقهاء العباد، من الخامسة، مات سنة إحدى وثلاثين ومئة، وله خمس وستون، روى له الجماعة. "تقريب التهذيب" ١/٨٩. ٢ روح بن القاسم التميمي العنبري أبو غياث: صلى الله عليه وسلمبالمعجمة والمثلثة) البصري، ثقة، حافظ، من السادسة، مات سنة إحدى وأربعين أي ومئة، أرّخه ابن حبان، روى له الجماعة إلا الترمذي. "المصدر السابق" ١/٢٥٤. ٣ عبد الوارث بن سعيد بن ذكوان العنبري مولاهم، أبو عبيدة التنوري: -بفتح المثناة وتشديد النون- البصري، ثقة، ثبت، رمي بالقدر، ولم يثبت عنه، من الثامنة، مات سنة ثمانين ومئة، روى له الجماعة. "المصدر السابق" ١/٥٢٧ وتصحيح الوفاة من تهذيب التهذيب ٦/٤٤٣. ٤ أخرج حديث أيوب أبو داود في "سننه" ٦/٤٤١ مع عون المعبود، وسكت عنه هو والمنذري "مختصر سنن أبي داود" ٣/٢١٣ ومن طريق أبي داود أخرجه البيهقي في "السنن الكبرى" ٣/٣١٧، وأخرجه أيضًا من غير طريقه في ٥/١٧٥، وأخرجه الدارقطني في "سننه" ٢/٢٢٤ وأخرج حديث روح بن القاسم الدارقطني في "سننه" ٢/٢٢٥، وأخرج حديث عبد الوارث البيهقي في "السنن الكبرى" ٤/٢٥١ مقرونًا به روح.
[ ٢ / ٥٩١ ]
والواقع أنه لا يمكن أن يقف أمام تلك الروايات ما انفرد به يحيى بمصداق كلام الترمذي، الذي قال فيه عن هذا الحديث: "غريب من هذا الوجه".
ولم يكن ذلك وحده عن رواية يحيى، فإنه بالإضافة إلى ما ذكره وقع شك في رفعها، فقد قال أحد الرواة عن يحيى في هذا الحديث، وهو أبو هشام الرفاعي –كما عند الدارقطني١-: "أظنه رفعه" هكذا على الشك فلم يدر أبو هشام هل رفعه يحيى إلى النبي ﷺ، أو وقفه على عائشة ﵂، وقد صوّب الدارقطني وقفه عليها. قال ابن حجر في "التلخيص الحبير"٢: "صوّب الدارقطني وقفه في العلل".
وأبو هشام هذا هو محمد بن يزيد بن محمد بن كثير العجلي الرفاعي، الكوفي، قاضي المدائن، قال فيه ابن حجر في "تقريب التهذيب"٣: "ليس بالقوي، من صغار العاشرة. وذكره ابن عدي في شيوخ البخاري، وجزم الخطيب بأن البخاري روى عنه، لكن قد قال البخاري: رأيتهم مجمعين على ضعفه، مات سنة ثمان وأربعين أي ومئتين، روى له مسلم، وأبو داود، وابن ماجه".
_________________
(١) ١ سنن الدارقطني ٢/٢٢٥. ٢ ٢/٢٥٦. ٣ ٢/٢١٩.
[ ٢ / ٥٩٢ ]
نعم أخرج الحديث بمعناه، وبزيادة في أوله البيهقي في "السنن الكبرى"١ من حديث سفيان الثوري، عن ابن المنكدر، عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ: "عرفة يوم يعرف الإمام والأضحى يوم يضحي الإمام، والفطر يوم يفطر الإمام". وهذا الحديث يعتبر متابعة قاصرة لرواية يحيى بن يمان، وهو لا شك يؤثر في كلام الترمذي السابق عن حديث يحيى "غريب من هذا الوجه".
ولكن الراوي عن سفيان محمد بن إسماعيل الفارسي يُغرِّب قاله ابن حبان في "الثقات"٢.
وقد قال البيهقي عقب تخريجه للحديث: "ومحمد هذا يعرف بالفارسي، وهو كوفي قاضي فارس، تفرد به عن سفيان".
ونقل ابن حجر٣ عن البيهقي أنه قال هنا: وهو ما لم أقف عليه في "السنن الكبرى": "ومحمد ابن المنكدر عن عائشة مرسل".
وإذا عاد الحديث إلى حديث أبي هريرة فهو منقطع؛ لأن ابن المنكدر٤ لم يسمع من أبي هريرة، حيث كانت وفاة ابن المنكدر سنة
_________________
(١) ١ ٥/١٧٥. ٢ انظر لسان الميزان ٥/٧٧. ٣ التلخيص الحبير ٢/٢٥٦-٢٥٧. ٤ محمد بن المنكدر بن عبد الله بن الهدير بالتصغير التيمي، المدني، ثقة فاضل، من الثالثة، مات سنة ثلاثين أي ومئة أو بعدها، روى له الجماعة "تقريب التهذيب" ٢/٢١٠.
[ ٢ / ٥٩٣ ]
ثلاثين ومئة ١٣٠؟١، وفي رواية أخرى سنة إحدى وثلاثين ومئة ١٣١؟٢، وبلغ ستًا وسبعين سنة ٧٦؟ فتكون ولادته على هذا سنة أربع وخمسين ٥٤؟، أو خمس وخمسين ٥٥؟.
واختلف في وفاة أبي هريرة من سنة سبع وخمسين إلى سنة تسع وخمسين أي على ثلاثة أقوال: روى ابن عيينة عن هشام بن عروة قال: "مات أبو هريرة وعائشة سنة سبع وخمسين"٣، وفيها أرّخه خليفة٤ وعمر بن علي، وأبو بكر البزار، وجماعة٥.
وقال الهيثم بن عدي، وضمرة بن ربيعة، وأبو معشر: مات سنة ثمان وخمسين٦. وقال الواقدي، وأبو عبيدة، وغيرهما: مات سنة تسع وخمسين٧.
_________________
(١) ١ انظر: تاريخ خليفة بن خياط/ ٣٩٥ وتهذيب التهذيب ٩/٤٧٤. ٢ انظر: التاريخ الصغير للبخاري ٢/٣٢. ٣ سير أعلام النبلاء ٢/٤٤٨ وتهذيب التهذيب ١٢/٢٦٦. ٤ التاريخ/٢٢٥. ٥ تهذيب التهذيب ١٢/٢٦٦. ٦ الإصابة ٤/٢١٠. ٧ المصدر السابق الجزء والصفحة وتهذيب التهذيب ١٢/٢٦٦ والذي فيهما أبو عبيد صوابه أبو عبيدة معمر بن المثنى كما في "سير أعلام النبلاء" ٢/١٣٥.
[ ٢ / ٥٩٤ ]
قال ابن حجر١: "زاد الواقدي وهو ابن ثمان وسبعين سنة وهو صلى على عائشة في رمضان سنة ثمان وخمسين، وعلى أم سلمة في شوال سنة تسع وخمسين، ثم توفي بعد ذلك فيها". قال الذهبي٢: "قلت: الصحيح خلاف هذا".
قال ابن حجر٣: "قلت: هذا من أغلاط الواقدي الصريحة؛ فإن أم سلمة بقيت إلى سنة إحدى وستين، وثبت في صحيح مسلم ما يدل على ذلك، كما في ترجمتها، والظاهر أن التي صلى عليها ثم مات معها في السنة هي عائشة، كما قال هشام بن عروة: أنها ماتا في سنة واحدة".
قال ابن حجر في "الإصابة في تمييز أسماء الصحابة"٤: "والمعتمد في وفاة أبي هريرة قول هشام بن عروة٥".
وعلى هذا يكون ابن المنكدر أدركه وله من العمر سنتان أو ثلاث، مما لا يمكن معه سماع.
_________________
(١) ١ تهذيب التهذيب ١٢/٢٦٦. ٢ سير أعلام النبلاء ٢/٤٤٨. ٣ تهذيب التهذيب ١٢/٢٦٦. ٤ ٤/٢١٠. ٥ هكذا رجح ابن حجر هنا أما في "تقريب التهذيب" ٢/٤٨٤ فإنه حكى الأقوال من غير ترجيح.
[ ٢ / ٥٩٥ ]
وقد قال ابن معين١ وأبو بكر البزار٢:"لم يسمع من أبي هريرة".
وقال أبو زرعة٣: "لم يلقه".
وإذا كان الأمر كذلك فلم يسمع من عائشة أيضًا؛ لأنها ماتت قبل أبي هريرة، وبذلك جزم ابن حجر في ترجمة ابن المنكدر من "تهذيب التهذيب"٤، وقد اعتمد ابن حجر في سنة وفاتها، على قول هشام بن عروة فقال في "تقريب التهذيب"٥ في ترجمتها: "ماتت سنة سبع وخمسين على الصحيح".
ويفهم من كلامه هذا أنه مختلف في سنة وفاتها، وهو كذلك فقد قيل٦: أنها توفيت سنة ثمان وخمسين ليلة الثلاثاء لسبع عشرة ليلة خلت من رمضان.
_________________
(١) ١ التاريخ ٢/٤٤٦ وانظر: "المراسيل" لابن أبي حاتم/١٨٩ و"جامع التحصيل في أحكام المراسيل" ٢/٦٥٥ و"تهذيب التهذيب" ٩/٤٧٤. ٢ انظر: تهذيب التهذيب ٩/٤٧٤. ٣ انظر "المراسيل" لابن أبي حاتم/١٨٩ و"جامع التحصيل في أحكام المراسيل" ٢/٦٥٥ و"تهذيب التهذيب" ٩/٤٧٤. ٤ ٩/٤٧٤. ٥ ٢/٦٠٦. ٦ انظر: "سير أعلام النبلاء" ٢/١٣٥ و"الإصابة في تمييز أسماء الصحابة" ٤/٣٦١ و"تهذيب التهذيب" ١٢/٤٣.
[ ٢ / ٥٩٦ ]
هذا ونقل ابن حجر عن ابن سعد ما يفيد عدم لقيه لعائشة فقال١: وأخرج ابن سعد من طريق أبي معشر قال: دخل المنكدر على عائشة ﵂ فقال: إني قد أصابتني جائحة فأعينيني، فقالت: ما عندي شيء لو كان عندي عشرة آلاف لبعثت بها إليك، فلما خرج من عندها جاءتها عشرة آلاف من خالد بن أسد، فقالت: وما أوشك ما ابتليت، ثم أرسلت في أثره فدفعتها إليه، فدخل السوق فاشترى جارية بألف درهم فولدت له ثلاثة فكانوا عباد أهل المدينة محمد، وأبو بكر، وعمر.
قال ابن حجر: "وإذا كان كذلك فلم يلق عائشة؛ لأنها ماتت قبله".
وإذا تقرر ذلك فإن مما يدعو للتوقف ما نقله الترمذي هنا عن شيخه البخاري من إثبات سماع ابن المنكدر من عائشة ﵂، حيث قال الترمذي: سألت محمدًا. قلت له: محمد ابن المنكدر سمع من عائشة؟ قال: نعم يقول في حديثه سمعت عائشة.
ولا أكتم للقارئ أنني بقيت حائرًا أمام هذه المسألة التي أرى أنها من المسائل العويصة؛ نظرًا لأن البخاري يثبت فيها أمرًا تنفيه سائر المصادر٢.
_________________
(١) ١ تهذيب التهذيب ٩/٤٧٥ وانظر: "الطبقات الكبرى" ٥/٢٨ و"سؤالات السلمي" للدارقطني ورقة صلى الله عليه وسلم١٥) . ٢ يلاحظ عدم تعرّض ابن أبي حاتم في كتابه "المراسيل" والعلائي في كتابه "جامع التحصيل" لسماع ابن المنكدر من عائشة ﵂ مع أن كلا منهما أورد ابن المنكدر في كتابه.
[ ٢ / ٥٩٧ ]
وإذا كان البخاري واحدًا في هذا الأمر، ويجوز عليه الوهم والخطأ، حتى إنه ألف ابن أبي حاتم كتابًا في بيان خطأ البخاري في تاريخه، وكذا ألف الخطيب البغدادي "موضع أوهام الجمع والتفريق"، وهو في بيان أوهام البخاري في تاريخه بالنسبة لهذا النوع، فإن من الصعوبة بمكان توهيم البخاري أو إلصاق الخطأ به قبل التثبت والتأكد، وتجميع الأدلة، فالبخاري ليس رجلا عاديًا. ورد عنه أنه قال١: "قَلّ اسم في التاريخ إلا وله عندي قصة".
والواقع أنني قمت أول ما قمت بالتأكد والتثبت من نقل الترمذي عن البخاري، وقد تحققت من صحته فهو موجود في نسخة العراقي مع شرحه٢ لسنن الترمذي، وذكره ابن حجر في كتابين من كتبه.
أحدهما: "تهذيب التهذيب"٣: وفيه أثبت عقب ذكره أن ابن المنكدر لم يلق عائشة ﵂.
الثاني: "التلخيص الحبير"٤: وفيه علق إمكان سماع ابن
_________________
(١) ١ هدي الساري مقدمة فتح الباري. ٢ ٣ ورقة ٦٤ وجه/ب. ٣ ٩/٤٧٤. ٤ ٢/٢٥٧ أما في "بلوغ المرام"/١١٢ فأنه اكتفى بإيراد الحديث معزوًا للترمذي، وسكت عنه وانظر: سبل السلام ٢/٦٣
[ ٢ / ٥٩٨ ]
المنكدر من أبي هريرة على ثبوت سماعه من عائشة؛ لأن أبا هريرة مات بعدها.
ثم هذا النقل جاء في كتاب "العلل الكبير"١ للترمذي، فقد أدخل فيه هذا الحديث، ويبدو أنه أدخله فيه من أجل سماع ابن المنكدر من عائشة، وقد جاء كلام البخاري حوله بصورة أكمل وأوضح، مما فتح لنا بابًا في الجواب عنه، فقد قال الترمذي الذي أراد أن يتثبت من شيخه في سماع ابن المنكدر من عائشة:
سألت محمدًا عن هذا الحديث؟ وقلت له: محمد بن المنكدر سمع من عائشة؟ فقال: نعم. روى مخرمة بن بكير عن أبيه٢، عن محمد المنكدر قال: سمعت عائشة. فالبخاري يبدو هنا واضحًا، حيث يقرن الجواب بدليله، كما هي عادة علمائنا من سلفنا الصالح، فمستنده على إثبات سماع ابن المنكدر من عائشة هذا الإسناد الوحيد الذي ساقه، والذي فيه التصريح بسماع ابن المنكدر من عائشة.
وإذا تبيّن ذلك فإنني رجعت إلى مصادر ترجمة ابن بكير فوجدت
_________________
(١) ١ ورقة ٢٤. ٢ بكير بن عبد الله بن الأشج مولى بني مخزوم، أبو عبد الله، أو أبو يوسف، المدني، نزيل مصر، ثقة، من الخامسة مات سنة عشرين أي ومئة وقيل بعدها، روى له الجماعة "تقريب التهذيب" ١٢/١٠٨.
[ ٢ / ٥٩٩ ]
فيها ما يدل على ضعف هذا الإسناد، وعدم الاعتداد به في إثبات سماع ابن المنكدر من عائشة؛ لأن ابن بكير روى عن أبيه وجادة لم يسمع منه، فلم يحتج العلماء بمروياته عنه.
قال أبو طالب١: سألت أحمد عن مخرمة؟ فقال ثقة ولم يسمع من أبيه شيئًا، إنما يروي من كتاب أبيه، وقال ابن أبي خيثمة٢: قلت لابن معين: مخرمة بن بكير؟ فقال: وقع إليه كتاب أبيه ولم يسمعه.
وقال الدوري عن ابن معين٣: مخرمة ضعيف الحديث ليس حديثه بشيء، يقولون: إن حديثه عن أبيه كتاب ولم يسمعه منه.
وقال أبو داود٤: لم يسمع من أبيه إلا حديثًا واحدًا، وهو حديث الوتر.
وقال سعيد بن أبي مريم٥: سمعت خالي موسى بن سلمة قال: أتيت مخرمة بن بكير فسألته يحدثني عن أبيه قال: ما سمعت من أبي شيئًا إنما هذه كتب وجدناها عندنا عنه، ما أدركت أبي إلا وأنا غلام، وفي لفظ: لم
_________________
(١) ١ تهذيب التهذيب ١٠/٧٠ والجرح والتعديل ٤/١/٣٦٣. ٢ تهذيب التهذيب ١٠/٧٠. ٣ انظر: ميزان الاعتدال ٤/٨١ وتهذيب التهذيب ١٠/٧٠ والجرح والتعديل ٤/١/٣٦٤. ٤ انظر: تهذيب التهذيب ١٠/٧٠. ٥ ميزان الاعتدال ٤/٨١.
[ ٢ / ٦٠٠ ]
أسمع من أبي وهذه كتبه. وقال ابن حبان١: يحتج بحديثه من غير روايته عن أبيه؛ لأنه لم يسمع من أبيه. وقال ابن حجر في تقريب التهذيب٢: "مخرمة٣". بن بكير٤ بن عبد الله بن الأشج أبو المسور المدني، صدوق، وروايته عن أبيه وجادة من كتابه. قاله أحمد، وابن معين، وغيرهما. وقال ابن المديني: سمع من أبيه قليلا، من السابعة مات سنة تسع وخمسين أي ومئة، روى له البخاري في الأدب المفرد، ومسلم، وأبو داود، والنسائي. فلا شك أن هذه النصوص والنقول عن هؤلاء العلماء الكبار فيما يتعلق بأحاديث ابن مخرمة عن أبيه تضعيف الثقة بالإسناد الذي أتى به البخاري، والذي قصد من ورائه إثبات سماع ابن المنكدر من عائشة، وكما سبق أن الصواب في هذا الحديث أنه من مسند أبي هريرة لا من مسند عائشة، وأن الأدلة على عدم سماع ابن المنكدر من عائشة.
أما تحسين الترمذي للحديث من هذا الوجه، أو تصحيحه له كما في بعض النسخ٥ فإنه –كما يبدو- إنما هو اعتماد على إجابة البخاري
_________________
(١) ١ انظر تهذيب التهذيب ١٠/٧١. ٢ ٢/٢٣٤. ٣ بفتح فسكون ففتح. ٤ بالتصغير. ٥ انظر: سبل السلام وسلسلة الأحاديث الصحيحة ١/ عند الحديث رقم صلى الله عليه وسلم٢٢٤) وكتاب هدي النبي ﷺ في الصلوات الخاصة/٣٠ ووقع عند العراقي من شرحه لسنن الترمذي صلى الله عليه وسلم٣) ورقة صلى الله عليه وسلم٦٤) وجه/ب: "هذا حديث غريب من هذا الوجه".
[ ٢ / ٦٠١ ]
له، وقد عرفت ما فيها ولله الحمد.
ولا يخفى أن الذهبي ترجم للسيدة عائشة ﵂ في "سير أعلام النبلاء" بترجمة طويلة جدًا، وقد سرد فيها الرواة عنها، ومنهم محمد ابن المنكدر، فقال١: "ومحمد بن المنكدر وكأنه مرسل".
هذا وقد جاء حديث عائشة ﵂ من غير طريق ابن المنكدر موقوفًا عليها، أخرجه البيهقي في السنن الكبرى٢ من طريق أبي حنيفة٣، قال: حدثني علي بن الأقمر٤ عن مسروق٥، قال: "دخلت على عائشة يوم عرفة فقالت: اسقوا مسروقًا سويقًا،
_________________
(١) ١ ٢/١١. ٢ ٤/٢٥٢. ٣ النعمان بن ثابت الكوفي أبو حنيفة الإمام يقال أصله من فارس، ويقال مولى بني تميم، فقيه مشهور، من السادسة، مات سنة خمسين ومئة على الصحيح، وله سبعون سنة، روى له الترمذي، والنسائي. "تقريب التهذيب" ٢/٣٠٣. ٤ علي بن الأقمر بن عمرو الهمداني -بسكون الميم وبالمهملة- الوادعي -بكسر الدال وبالمهملة- أبو الوازع، كوفي، ثقة، من الرابعة، روى له الجماعة. "تقريب التهذيب" ٢/٣٢. ٥ مسروق بن الأجدع بن مالك الهمداني الوادعي، أبو عائشة، الكوفي، ثقة، فقيه عابد مخضرم، من الثانية مات سنة اثنتين، ويقال سنة ثلاث وستين، روى له الجماعة "تقريب التهذيب" ٢/٢٤٢.
[ ٢ / ٦٠٢ ]
وأكثروا حلواه، قال: فقلت: إني لم يمنعني أن أصوم اليوم إلا أني خفت أن يكون يوم النحر، فقالت عائشة: النحر يوم ينحر الناس، والفطر يوم يفطر الناس".
قال الألباني١ "قلت: وهذا سند جيد بما قبله٢، كما جاء حديث عائشة أيضًا من غير طريق ابن المنكدر مرفوعًا بإسناد تالف". ا؟. أخرجه الشافعي في "مسنده"٣ عن شيخه إبراهيم بن محمد بن أبي يحيى قال حدثني عبد الله عن عطاء بن إبراهيم مولى صفية بنت عبد المطلب عن عروة بن الزبير، عن عائشة ﵂، فإبراهيم –كما سبق في الحديث الثالث- رماه الأكثرون بالكذب، وعطاء بن إبراهيم مولى صفية بنت عبد المطلب لم أعرفه، حيث لم أقف له على ترجمة في المصادر التي رجعت إليها، فاتضح من ذلك أن هذا الحديث بهذا الإسناد لا تقوم له قائمة.
وإذا كان حديث أبي هريرة ﵁ منقطعًا؛ لأن ابن المنكدر لم يسمع منه كما سلف، وقد قال ابن عيينة٤: "ما رأيت أحدًا أجدر أن يقول: قال رسول الله ﷺ، ولا يسأل عمن هو من ابن المنكدر" يعني
_________________
(١) ١ سلسلة الأحاديث الصحيحة ١/عند الحديث رقم صلى الله عليه وسلم٢٢٤) . ٢ الذي يبدو أن هذا الحديث روي إلى مسروق بأسانيد أخري مع اختلاف يسير في اللفظ. انظر: "مجمع الزوائد" ٣/١٨٩ و"الترغيب والترهيب" ٢/١٦٩. ٣ ٨/٣٦١ مع الأم. ٤ تهذيب التهذيب ٩/٤٧٥ وانظر: التاريخ الكبير ١/١/٢٢٠.
[ ٢ / ٦٠٣ ]
aq لتحريه، فإنه ورد من وجه آخر بزيادة جملة في أوله، أخرجه الترمذي في موضع آخر١ عن إسحاق بن جعفر بن محمد قال: حدثني عبد الله بن جعفر عن عثمان بن محمد عن المقبري٢، عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: "الصوم يوم تصومون، والفطر يوم تفطرون، والأضحى يوم تضحون". قال الترمذي عقبه: " هذا حديث غريب حسن، وفسّر بعض أهل العلم
_________________
(١) ١ سنن الترمذي ٣/٣٨٢ مع تحفة الأحوذي، ومن طريقه أخرجه البغوي في "شرح السنة" ٦/٢٤٨، وأخرجه الدارقطني في "سننه" ٢/١٦٤. أما أبو داود فإنه لم يخرجه في "سننه" من هذا الوجه كما يفهم من كلام المباركفوري في "تحفة الأحوذي" ٣/٣٨٣، وانظر: منتقى الأخبار وشرحه نيل الأوطار ٣/٣٥٣. قال العراقي في "شرحه لسنن الترمذي" صلى الله عليه وسلم٣) ورقة صلى الله عليه وسلم١٣) وجه/أ "حديث أبي هريرة انفرد بإخراجه المصنف صلى الله عليه وسلميعني عن باقي الستة) وحكم عليه بالغرابة، والحسن، ولم يرتفع به إلى درجة الصحة، وإن كان رواته ثقات، ولعثمان بن محمد الأخنسي عند المصنف ثلاثة أحاديث صحح منها حديثين وهما: "ما بين المشرق والمغرب قبلة"، وحديث "إياكم وسوء ذات البين فإنها الحالقة"، واقتصر في حديث الباب على الغرابة والحسن، كما في روايتنا من طريق الكروخي، لكن في رواية ابن المبارك عند الحباب الصيرفي "حسن غريب" وقد وثقه ابن معين، وذكره ابن حبان في "الثقات". وقال علي بن المديني: روى عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة مناكير، والأخنسي -بالخاء المعجمة والنون والسين المهملة- نسبة إلى جد أبيه، فإنه عثمان بن محمد بن المغيرة بن الأخنس بن شريف الثقفي". ٢ سعيد بن أبي سعيد كيسان المقبري أبو سعد المدني ثقة من الثالثة تغير قبل موته بأربع سنين، وروايته عن عائشة، وأم سلمة مرسلة، مات في حدود العشرين أي ومائة، وقيل قبلها، وقيل بعدها، روى له الجماعة. "تقريب التهذيب" ١/٢٩٧.
[ ٢ / ٦٠٤ ]
هذا الحديث فقال: إنما معنى هذا الصوم والفطر مع الجماعة وعظم الناس".
قال الألباني١: قلت: وإسناده جيد، رجاله كلهم ثقات، وفي عثمان ابن محمد، وهو ابن المغيرة بن الأخنس كلام يسير، وقال الحافظ في "التقريب"٢: "صدوق له أوهام".
وعبد الله بن جعفر هو ابن عبد الرحمن بن المسور المخرمي المدني٣، وهو ثقة، روى له مسلم. وإسحاق بن جعفر بن محمد هو الهاشمي الجعفري وهو صدوق، كما في "التقريب"٤، وقد تابعه أبو سعيد مولى بني هاشم٥ وهو ثقة من رجال البخاري قال: ثنا عبد الله بن جعفر المخرمي به دون الجملة الوسطى "والفطر يوم تفطرون"، أخرجه البيهقي في "سننه"٦.
قال العراقي في "شرح سنن الترمذي"٧: ولم ينفرد به الأخنسي
_________________
(١) ١ سلسلة الأحاديث الصحيحة ١/ عند الحديث رقم صلى الله عليه وسلم٢٢٤) . ٢ ٢/١٤. ٣ انظر ترجمته في "تهذيب التهذيب" ٥/١٧١. ٤ ١/٥٦. ٥ انظر ترجمته في "تهذيب التهذيب" ٦/٢٠٩. ٦ ٤/٢٥٢. ٧ ٣ ورقة ١٣ وجه/أ.
[ ٢ / ٦٠٥ ]
فقد رويناه في "سنن الدراقطني"١ من رواية محمد بن عمر، قال: ثنا داود ابن خالد وثابت بن قيس ومحمد بن مسلم جميعًا، عن المقبري، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: "صومكم يوم تصومون وفطركم يوم تفطرون".
ومحمد بن عمر هو الواقدي. ثم رواه من رواية الواقدي، عن عبد الله بن جعفر الزهري بلفظ ثم قال: الواقدي ضعيف وتعقبه القاضي أبو بكر بن العربي بقوله: "الواقدي ومحمد بن إسحاق إمامان عظيمان تقيان قويان، ومحمد بن إسحاق أكبر من محمد بن عمر فلا وجه لتضعيف القوي ". قلت (القائل العراقي): الواقدي إمام في السير، ضعيف في الحديث، وأنى نقبل توثيق ابن العربي الذي لم يعاصره، ويخبر رواياته، والجمهور لم يقبلوا توثيق من عاصره، فقد وثقه أبو عبيد، ومصعب ابن عبد الله الزهري، ومحمد بن إسحاق الصنعاني؛ وذلك لأن الجرح مقدم إذا فسّر، لاسيما إذا فسّر بالكذب، ووضع الحديث.
قال فيه أحمد: هو كذاب يقلب الأخبار، يقلب حديث ابن أخي الزهري على معمر ونحوه.
وقال علي بن المديني، وأبو حاتم، الرازي، والنسائي: يضع الحديث.
وقال البخاري وأبو حاتم أيضًا: متروك.
وقال ابن معين: ليس بثقة.
_________________
(١) ١ ٢/١٦٤.
[ ٢ / ٦٠٦ ]
وقال علي بن المديني: لا أرضاه في الحديث، ولا في الأنساب، ولا في شيء.
وقال صاحب الميزان: استقرّ الإجماع على وهن الواقدي١.
ولم يقنع الواقدي بروايته عن أصحاب المقبري حتى ألصقه على مالك بإسناد آخر، فقال أبو أمية الطرسوسي، ثنا الواقدي، قال: ثنا مالك وابن أبي الرجال، عن عمرة، عن عائشة، عن النبي ﷺ: "صومكم يوم تصومون، وفطركم يوم تفطرون".
وهذا لا يعرف من حديث مالك أصلا إلا من طريق الواقدي.
_________________
(١) ١ انظر: دفاع عن الحديث النبوي والسيرة للألباني/٢١ فقد وجه الأنظار إلى عدم الاغترار بما ذهب إليه ابن سيد الناس في مقدمة كتابه "عيون الأثر" من توثيق الواقدي، قال: "فإنه خلاف ما عليه المحققون من الأئمة قديمًا وحديثًا، ولمنافاته علم المصطلح الذي ينص على وجوب تقديم الجرح المفسَّر على التعديل. قال: وأي جرح أقوى من الوضع" ا؟. قد تقدمت ترجمة الواقدي في الحديث الثاني عشر وستأتي في الحديث الرابع والعشرون إن شاء الله تعالى.
[ ٢ / ٦٠٧ ]