الحديث العشرون: باب ما جاء في "أمرك بيدك" من كتاب الطلاق عن رسول الله ﷺ.
٣/٤٧٢-٤٧٣ سنن الترمذي
بتحقيق وتعليق محمد فؤاد عبد الباقي
[ ٢ / ٦٦٥ ]
حدّثنا على بن نصر بن علي، حدثنا سليمان بن حرب، حدثنا حماد ابن زيد١ قال: قلت، لأيوب: هل علمت أن أحدًا قال في "أمرك بيدك" أنها ثلاث إلا الحسن٢؟ فقال: لا إلا الحسن، ثم قال: اللهم غفرًا٣ إلا ما حدثني قتادة، عن كثير مولى بني سمرة، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: "ثلاث"، قال أيوب فلقيت كثيرًا مولى بنى سمرة، فسألته فلم يعرفه، فرجعت إلى قتادة فأخبرته فقال: نسي.
_________________
(١) ١ حماد بن زيد بن درهم الأزدي، الجهضمي، أبو إسماعيل البصري، ثقة ثبت، فقيه، قيل أنه كان ضريرًا، ولعله طرأ عليه؛ لأنه صح أنه كان يكتب، من كبار الثامنة، مات سنة تسع وسبعين أي ومائة، وله إحدى وثمانون سنة، روى له الجماعة. صلى الله عليه وسلمتقريب التهذيب) ١/١٩٧. ٢ الحسن بن أبي الحسن البصري، واسم أبيه: يسار -بالتحتانية والمهملة- الأنصاري مولاهم، ثقة، فقيه، فاضل مشهور، وكان يرسل كثيرًا ويدلس، قال البزار: كان يروي عن جماعة. يسمع منهم فيتجوز، ويقول: حدثنا، وخطبنا، يعني قومه الذين حدثوا، وخطبوا بالبصرة، هو رأس أهل الطبقة الثالثة، مات سنة عشر ومائة، وقد قارب التسعين، روى عنه الجماعة. صلى الله عليه وسلمالمصدر السابق) ١/١٦٥. ٣ بفتح الغين المعجمة هو منصوب على المصدر أي اغفر غفرًا قال بعض العلماء: "طلب المغفرة من الله تعالى؛ لأنه جعل سماع هذا القول مخصوص بالحسن، يعني أنه سمع من قتادة أيضًا مثله" ا؟. صلى الله عليه وسلمتحفة الأحوذي) ٤/٣٤٥.
[ ٢ / ٦٦٧ ]
كلام الترمذي على هذا الحديث
قال أبو عيسى: "هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث سليمان بن حرب، عن حماد بن زيد" وسألت محمدًا عن هذا الحديث؟ فقال: حدثنا سليمان بن حرب عن حماد بن زيد بهذا، وإنما هو عن أبي هريرة موقوفًا. ولم يعرف حديث أبي هريرة مرفوعًا.
وكان علي بن نصر حافظًا صاحب حديث.
وقد اختلف أهل العلم في "أمرك بيدك":
فقال بعض أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ؛ منهم عمر بن الخطاب، وعبد الله بن مسعود: هي واحدة. وهو قول غير واحد من أهل العلم، من التابعين، ومن بعدهم.
وقال عثمان بن عفان، وزيد بن ثابت: القضاء ما قضت.
وقال ابن عمر: إذا جعل أمرها بيدها، وطلقت نفسها ثلاثًا، وأنكر الزوج وقال: لم أجعل أمرها بيدها إلا واحدة، استحلف الزوج، وكان القول قوله مع يمينه.
وذهب سفيان، وأهل الكوفة إلى قول عمر، وعبد الله، وأما مالك ابن أنس فقال: القضاء ما قضت، وهو قول أحمد، وأما إسحاق فذهب إلى قول ابن عمر.
[ ٢ / ٦٦٨ ]
تخريج الحديث
أخرج الحديث سوى الترمذي:
أبو داود في "سننه"١. مختصرًا، وسكت عنه أما المنذري في "مختصر سنن أبي داود٢"، فإنه نقل كلام الترمذي، وأقره عليه.
النسائي: في "سننه"٣.
البيهقي: في "السنن الكبرى"٤.
الخطيب البغدادي: في "جزء من حدث ونسي"٥، و"الكفاية"٦
أخرجه هؤلاء كلهم من طريق سليمان بن حرب عن حماد بن زيد.
وقد وهم صاحب "جمع الفوائد٧" في عزوه الحديث لابن ماجه في "سننه"؛ إذ لم يخرج ابن ماجة لكثير مولى ابن سمرة في "سننه" أصلًا، وإنما أخرج له في "التفسير"، كما يظهر من رمز ابن حجر له في "تقريب التهذيب"٨.
_________________
(١) ١ ٢/٣٥٣. ٢ ٣/١٣٢ مع شرح وتهذيب سنن أبي داود. ٣ ٦/١٤٧. ٤ ٧/٣٤٩. ٥ انظر: تذكرة المؤتسي بمن حدث ونسي/٣. ٦ /٢٢٠. ٧ ١/٦١٢. ٨ ٢/١٣٣.
[ ٢ / ٦٦٩ ]
حكم هذا الحديث
هذا الحديث يدور على "سليمان بن حرب١"، وقد اختلف عليه فيه:
فرواه عنه "علي بن نصر" مرفوعًا.
ورواه عنه البخاري –فيما حكاه الترمذي- موقوفًا، ولم يعرفه مرفوعًا.
وقد قال المباركفوري٢ على قول الترمذي: "وكان علي بن نصر٣ حافظًا صاحب حديث" ا؟.
"لعل الترمذي أراد بقوله هذا أن علي بن نصر روى هذا الحديث مرفوعًا، وكان ثقة حافظًا، وروايته مرفوعًا زيادة، وزيادة الثقة الحافظ مقبولة، والله تعالى أعلم" ا؟.
والذي يستفاد من البحث والتقصي أن هذه الزيادة لم ينفرد بها "علي بن نصر"، بل شاركه فيها غيره من الجهابذة الحفاظ، مثل
_________________
(١) ١ سليمان بن حرب الأزدي الواشحي -بمعجمة ثم مهملة- البصري، القاضي بمكة، ثقة أمام حافظ، من التاسعة، مات سنة أربع وعشرين أي ومئتين، وله ثمانون سنة، روى له الجماعة. "تقريب التهذيب" ١/٣٢٢ ٢ تحفة الأحوذي ٤/٣٤٧. ٣ علي بن نصر بن علي بن نصر بن علي الجهضمي -بفتح الجيم وسكون الهاء بعدها معجمة مفتوحة- ثقة حافظ، من الحادية عشرة، مات سنة خمسين ومئتين، روى له مسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي. "تقريب التهذيب" ٢/٤٥.
[ ٢ / ٦٧٠ ]
"محمد بن يحيى الذهلي"١ عند الخطيب البغدادي في "الكفاية"٢، وإسماعيل بن إسحاق القاضي٣ عند البيهقي في "السنن الكبرى"٤.
وفي هذا رد على من أعلّ الحديث بالوقف؛ استنادًا على ما نقله الترمذي عن البخاري٥، ولا يعدو الأمر بالنسبة للبخاري ما قاله الترمذي في "العلل الكبير"٦.
"وكأن البخاري لم يحفظه مرفوعًا" ا؟.
وذلك بأن يكون سليمان بن حرب رواه مرة مرفوعًا، ورواه مرة موقوفًا، وأدى كل واحد ممن رواه عنه وفق ما سمع.
_________________
(١) ١ محمد بن يحيى بن عبد الله بن خالد بن فارس بن ذؤيب الذهلي، النيسابوري، ثقة حافظ، جليل، من الحادية عشرة، مات سنة ثمان وخمسين أي ومئتين على الصحيح، وله ست وثمانون سنة، روى له البخاري، وأهل السنن الأربعة. "تقريب التهذيب" ٢/٢١٧. ٢ /٢٢٠. ٣ قال فيه الذهبي في "تذكرة الحفاظ ٢/٦٢٥-٦٢٦": "الإمام شيخ الإسلام الحافظ، صاحب التصانيف، وشيخ مالكية العراق، وعالمهم، ولد سنة تسع وسبعين ومئة، ومات سنة اثنتين وثمانين ومئتين" ا؟. ٤ ٧/٣٤٩. ٥ انظر: "المحلى" ١٠/١١٩ و"مختصر الأحكام الكبرى"/٣٠٣. ٦ ورقة ٣٢.
[ ٢ / ٦٧١ ]
وعلى كل حال فهذا الحديث من قبيل من حدّث ونسي حديثه، وذلك أن أيوب١ راوي الحديث عن قتادة٢ ذكر أنه لقي كثيرًا مولى بني سمرة فسأله عن هذا الحديث الذي يرويه قتادة عنه، فأنكره، وقال: لا أعرفه، ولما رجع أيوب إلى قتادة، وأخبره بموقف كثير منه، قال له: إنه نسي.
هذا وقد بيّن علماء مصطلح الحديث الحكم فيمن روى عن رجل حديثًا، فسئل المروي عنه فأنكره، فذكروا أن إنكار الشيخ مرويه إن كان على طريقة الجزم كأن يقول: "كذب علي"، أو "ما رويت له هذا"، فهو علة قادحة.
وأما إن كان إنكاره لا على طريقة الجزم، كأن يقول: "لا أذكر هذا" أو "لا أعرفه" فليس ذلك قادحًا في الحديث، وقُبِل
_________________
(١) ١ هو أيوب بن أبي تميمة كيسان السختياني -بفتح المهملة بعدها معجمة ثم مثناة ثم تحتانية وبعد الألف نون- أبو بكر البصري، تقدمت ترجمته في الحديث الخامس عشر، وقد قال ابن حجر فيه في "تقريب التهذيب" ١/٨٩: "ثقة ثبت، حجة من كبار الفقهاء العباد، من الخامسة، مات سنة إحدى وثلاثين ومئة، وله خمس وستون، روى له الجماعة". ٢ قتادة بن دعامة بن قتادة السدوسي أبو الخطاب البصري، تقدمت ترجمته في الحديث الأول، وهو كما قال ابن حجر في "تقريب التهذيب" ٢/١٢٣ ثقة ثبت، وقد ذكره في طبقات المدلسين، في الثالثة منها، إذ هو مشهور بالتدليس.
[ ٢ / ٦٧٢ ]
ذلك الحديث في الأصح.
وعليه فإن هذا الحديث يكون مقبولا على رواية المصنف، والنسائي؛ نظرًا لأن كثيرًا لم يجزم فيها بالإنكار، فقد قال أيوب لما التقى به "فسأله فلم يعرفه".
وأما على رواية أبي داود فإنه يكون مردودًا؛ لأن كثيرًا أنكر الحديث فيها جزمًا، حيث قال: "ما حدثت بهذا قط".
هذا وكثير المذكور هو: كثير بن أبي كثير البصري مولى عبد الرحمن بن سمرة.
روى عن: مولاه، وابن عباس، وأبي هريرة، وابن المسيب، وأبي سلمة ابن عبد الرحمن، وأبي عياض. وأرسل عن عمر.
وروى عنه: محمد بن سيرين، ومنصور بن المعتمر، وأيوب السختياني وعبد الله بن القاسم، وقتادة١.
قال العجلي٢: "تابعي ثقة".
وذكره ابن حبان في: "الثقات"٣.
وقال ابن حجر في "تهذيب التهذيب"٤: "قلت: ذكره ابن الجوزي
_________________
(١) ١ تهذيب التهذيب ٨/٤٢٧. ٢ انظر: المصدر السابق الجزء والصفحة. ٣ ٥/٣٣٢. ٤ ٨/٤٢٧.
[ ٢ / ٦٧٣ ]
في "الصحابة"، وزعم عبد الحق١ تبعًا لابن حزم٢ أنه مجهول، فتعقب ذلك ابن القطان بتوثيق العجلي، وذكره العقيلي في "الضعفاء" وما قال فيه شيئًا" ا؟.
وقد ترجمه البخاري في "التاريخ الكبير"٣ فلم يذكر فيه شيئًا، كما أورده ابن أبي حاتم في كتابه "الجرح والتعديل"٤، ولم يتعرض له بجرح أو تعديل، ومثل هذا –كما سلف في أكثر من موضع- يورده ابن أبي حاتم رجاء أن يجد فيه جرحًا أو تعديلًا، فيضيفه إليه، كما بين هذا في آخر مقدمة كتابه المذكور٥.
واكتفى الذهبي في "ميزان الاعتدال"٦ بنقل قول ابن حزم فيه، وتوثيق العجلي وابن حبان من غير أن يتعقب ذلك بشيء، وكأنه أشار في كتابه الكاشف٧ إلى تضعيف هذا التوثيق بقوله فيه: "وثق".
_________________
(١) ١ مختصر الأحكام الكبرى/٣٠٢-٣٠٣. ٢ المحلى ١٠/١١٩. ٣ ٤/١/٢١١. ٤ ٣/٢/١٥٦. ٥ ١/١/٣٨. ٦ ٣/٤١٠. ٧ ٣/٦.
[ ٢ / ٦٧٤ ]
وأما ابن حجر فإنه أطلق عليه من الحكم لفظ "مقبول"؛ بناء على قاعدته التي ذكرها في مقدمة كتابه "تقريب التهذيب"١، وهي أن من ليس له من الحديث إلا القليل، ولم يثبت فيه ما يترك حديثه من أجله، فإليه الإشارة بلفظ مقبول، حيث يتابع وإلا فلين الحديث، فقال في "تقريب التهذيب"٢: كثير بن أبي كثير البصري مولى ابن سمرة مقبول، من الثالثة وهم من عده صحابيا، روى له أبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجة في التفسير.
والحال أننا بحثنا له عن متابع فلم نجد، فالحديث إذًا ضعيف، وقد ضعّفه الترمذي بقوله "غريب".
وقال النسائي٣: "هذا حديث منكر".
وطعن البيهقي في كثير هذا، وبالتالي في روايته فقال٤ بعد أن أخرج الحديث من طريقه: "وكثير هذا لم يثبت من معرفته ما يوجب قبول روايته، وقول العامة بخلاف روايته".
_________________
(١) ١ /٥. ٢ ٢/١٣٣ وانظر في ترجمته: تهذيب الكمال ٦ ورقة ٥٧٢. ٣ سنن النسائي ٦/١٤٧. ٤ السنن الكبرى ٧/٣٤٩.
[ ٢ / ٦٧٥ ]