الحديث العاشر: باب ما ذكر في فضل الصلاة من أبواب الصلاة عن رسول الله ﷺ.
٢/٥١٢ سنن الترمذي بتحقيق أحمد محمد شاكر
[ ١ / ٤٦٩ ]
حدّثنا عبد الله بن أبي زياد القطواني الكوفي، حدثنا عبيد الله بن موسى، حدثنا غالب أبو بشر، عن أيوب بن عائد الطائي، عن قيس بن مسلم، عن طارق بن شهاب، عن كعب بن عجرة قال: قال لي رسول الله ﷺ: "أعيذك بالله يا كعب بن عجرة من أمراء يكونون من بعدي. فمن غشي أبوابهم أو لم يغش فلم يصدقهم في كذبهم، ولم يعنهم على ظلمهم، فهو مني وأنا منه، وسيرد على الحوض. يا كعب بن عجرة: "الصلاة برهان، والصوم جُنَّة١ حصينة، والصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار" يا كعب بن عجرة: "إنه لا يربو لحم نبت من سحت٢ إلا كانت النار أولى به" ا؟.
كلام الترمذي على هذا الحديث
قال أبو عيسى: هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه، لا نعرفه إلا من حديث عبيد الله بن موسى. وأيوب عائذ الطائي يضعّف، ويقال: "كان يرى رأي الإرجاء".
وسألت محمدًا عن هذا الحديث؟ فلم يعرفه إلا من حديث عبيد الله ابن موسى، واستغربه جدًا.
_________________
(١) ١ أي يقي صاحبه ما يؤذيه من الشهوات. الجنة: الوقاية. "النهاية في غريب الحديث والأثر" ١/٣٠٨. ٢ السحت: الحرام الذي لا يحل كسبه؛ لأنه يسحت البركة: أي: يذهبها. "المصدر السابق" ٢/٣٤٥.
[ ١ / ٤٧١ ]
وقال محمد: حدّثنا ابن نمير عن عبيد الله بن موسى عن غالب بهذا.
التعريف برجال الإسناد
١- عبد الله بن أبي زياد القطواني١ الكوفي: نسب إلى جده وهو عبد الله ابن الحكم أبو عبد الرحمن الدهقان٢، واسم أبي زياد، سليمان. روى عن: ابن عيينة، وأبي داود الطيالسي، وزيد بن الحباب. وروى عنه: أبو داود، والترمذي، وابن ماجة٣.
قال ابن أبي حاتم٤: "قدمت الكوفة وهو حي، وكان مستترًا فلم أكتب عنه، وذلك سنة خمس وخمسين ومئتين، ورجعنا من الحج وقد توفي، وكان ثقة، وقال: سئل أبي عنه فقال: "كوفي صدوق" ا؟.
قال الذهبي في الكاشف٥: "صدوق مشهور، مات بالكوفة" ا؟.
وقال ابن حجر في "تقريب التهذيب"٦: "صدوق، من العاشرة مات سنة خمس وخمسين أي ومئتين، روى له أبو داود، والترمذي، وابن ماجة" ا؟.
_________________
(١) ١ بفتح القاف والمهملة. ٢ بكسر فسكون. ٣ تهذيب التهذيب ٥/١٩٠. ٤ الجرح والتعديل ٢/٢/٣٨. ٥ ٢/٨١. ٦ ١/٤١١.
[ ١ / ٤٧٢ ]
٢- عبيد الله بن موسى بن أبي المختار واسمه باذام١ العبسي٢ مولاهم الكوفي أبو محمد الحافظ. روى عن: شعبة، ومسعر، وإسرائيل بن يونس. وروى عنه: البخاري (وفي الزهرة: روى عنه البخاري "٢٧" حديثًا، وروى في مواضع عن غير واحد عنه٣ والدارمي، وإسحاق ابن راهويه٤. صفوة القول في هذا الراوي هو أن جماعة وثقوه منهم:
ابن معين٥، والعجلي٦، وعثمان بن أبي شيبة٧، وأبو حاتم٨، وابن سعد٩، وابن عدي١٠، والذهبي، وقد ذكره في "ميزان الاعتدال"١١، و"المغني في الضعفاء"١٢، كما أثنى عليه في
_________________
(١) ١ بموحدة وإعجام الذال. ٢ بموحدة. ٣ تهذيب التهذيب ٧/٥٣. ٤ المصدر السابق ٧/٥٠ وما بعدها. ٥ المصدر السابق ٧/٥٢ و٥٣. ٦ المصدر السابق ٧/٥٢. ٧ المصدر السابق ٧/٥٣ و"الثقات" لابن شاهين ورقة ٧٢. ٨ الجرح والتعديل ٢/٢/٣٣٥. ٩ الطبقات الكبرى ٦/٤٠٠. ١٠ انظر تهذيب التهذيب ٧/٥٢. ١١ ٣/١٦. ١٢ ٢/٤١٨.
[ ١ / ٤٧٣ ]
"تذكرة الحفاظ"١. وممن وثقه أيضًا ابن حجر في "تقريب التهذيب"٢ فقال: "ثقة كان يتشيع، من التاسعة، قال أبو حاتم: كان أثبت في إسرائيل من أبي نعيم، واستصغر في سفيان، مات سنة ثلاث عشرة أي ومئتين على الصحيح، روى له الجماعة".
وأكثر ما نقم على هذا الراوي هو غلوّه وإفراطه في التشيع، وروايته أحاديث منكرة في التشيع، لم يرجع عنها، مما كان سببًا في تضعيفه عند جماعة من الناس.
وهذا هو السبب بعينه الذي جعل أحمد يترك الرواية عنه فيما بعد٣.
ومن هنا كان أحد رجال البخاري الذين طعن فيهم، فإنه لا يخفى أن عبيد الله بن موسى هذا من مشايخ البخاري، بل قال ابن حجر في "هدي الساري مقدمة فتح الباري"٤: "إنه من كبار شيوخه".
وقد سبق أن البخاري روى عنه سبعة وعشرين حديثًا كما في "الزهرة" هذا مباشرة من غير واسطة، وإلا روى عنه غير ذلك بواسطة.
_________________
(١) ١ ١/٣٥٤. ٢ ١/٥٣٩. ٣ انظر: تهذيب التهذيب ٧/٥٠ وما بعدها في ترجمة عبيد الله. ٤ /٤٢٣.
[ ١ / ٤٧٤ ]
كما احتج به الباقون ومنهم مسلم، ولكن لم يرووا عنه مباشرة، وإنما بواسطة.
٣- غالب أبو بشر: هو غالب بن نجيح أبو بشر١ الكوفي، روى عن: أيوب بن عائذ الطائي، وأبي صخرة جامع بن شداد، وحماد بن أبي سليمان. وروى عنه: جرير بن عبد الحميد، وإسحاق السلولي، وأبو أحمد الزبيري٢.
قال ابن حجر في "تهذيب التهذيب"٣: "ذكره ابن حبان في "الثقات". له عنده (يعني عند الترمذي) حديث كعب بن عجرة في التحذير من أمراء الجور" ا؟.
قال أحمد شاكر في تعليقه على "سنن الترمذي"٤: "وليس له في "الكتب الستة" إلا هذا الحديث عند الترمذي وحده" ا؟.
وقال ابن حجر في "تقريب التهذيب"٥: "مقبول، من السابعة، روى له الترمذي".
_________________
(١) ١ في تقريب التهذيب ٢/١٠٤ قال: "غالب بن نجيح بن بشر" وهو خطأ صوابه كما في "تهذيب التهذيب" وغيره "أبو بشر". ٢ تهذيب التهذيب ٨/٢٤٤. ٣ ٨/٢٤٤. ٤ ٢/٥١٣. ٥ ٢/١٠٤.
[ ١ / ٤٧٥ ]
٤- أيوب بن عائذ١ بن مدلج الطائي البحتري الكوفي، روى عن: قيس ابن مسلم، وبكير بن الأخنس، والشعبي. وروى عنه: القاسم بن مالك المزني، وعبد الواحد بن زياد، والسفيانان، وغيرهم٢.
قال الترمذي: "وأيوب بن عائذ الطائي يضعّف، ويقال: "كان يرى رأي الإرجاء".
وقد علق أحمد شاكر٣ على هذه الفقرة بما مفاده: أنها ذكرت في بعض النسخ، ولم تذكر في بعضها الآخر.
وقوله بعد ذلك: "وأيوب بن عائذ لم أر من ضعّفه، وإنما قالوا: "كان يرى الإرجاء" وليس هذا بضعف" ا؟. محل نظر؛ فإن البخاري أورده في "الضعفاء"٤؛ لإرجائه، وكذا سرده أبو زرعة في "الضعفاء"٥.
وأيضًا لولم يكن ذلك ضعفًا لما أدخله الذهبي في كتابه "المغني في الضعفاء"٦، مع أنه وثقه، فقد قال فيه: "أبو أيوب بن عائذ ثقة
_________________
(١) ١ ترجم له الذهبي في "ميزان الاعتدال" ١/٢٨٩ باسم أيوب بن صالح بن عائذ. ٢ تهذيب التهذيب ١/٤٠٦. ٣ في تعليقه على "سنن الترمذي" ٢/٥١٤. ٤ /١٨. ٥ مصور ورقة/٤٨. ٦ ١/٩٦.
[ ١ / ٤٧٦ ]
مرجئ". وها هو الذهبي نفسه يذكره في "ميزان الاعتدال"١، ويعبّر عن إيراد البخاري له في الضعفاء بسبب الإرجاء بأنه غمز له، ثم يتعجب من البخاري كيف يغمزه، ويحتج به في صحيحه، فقال: " وكان من المرجئة قاله البخاري وأورده في الضعفاء لإرجائه، والعجب من البخاري يغمزه، وقد احتج به، لكن له عنده حديث، وعند مسلم له حديث آخر فإنه مقل".
وهذا الحديث الذي له عند البخاري بيّنه ابن حجر في "هدي الساري"٢ أثناء دفاعه عن البخاري في روايته له فقال: " له في صحيح البخاري حديث واحد في المغازي في قصة أبي موسى الأشعري أخرجه له بمتابعة شعبة".
فأوضح أن البخاري لم يحتج به بل أخرج له، بمتابعة جبل من الجبال هو شعبة، وهذا مما يصلح أن يعتذر به عن البخاري في إخراجه لحديثه، مع أن البخاري لما أورده في الضعفاء قال فيه: "كان يرى الإرجاء وهو صدوق".
والحاصل أن ما يقول أحمد شاكر وقد انتقد البخاري بإخراجه لأيوب هذا؛ لأنه طعن فيه بسبب الإرجاء؟ وابن حجر في جوابه عن ذلك ذكر من وثقه أولًا، ثم تلا بمن ضعّفه
_________________
(١) ١ ١/٢٨٩. ٢ /٣٩٢.
[ ١ / ٤٧٧ ]
بالإرجاء فقال: "وثقه ابن معين، وأبو حاتم، والنسائي، والعجلي، وأبو داود، وزاد كان مرجئًا، وكذا ضعّفه بسبب الإرجاء أبو زرعة، وقال البخاري: كان يرى الإرجاء إلا أنه صدوق". فابن حجر الذي دافع عن البخاري بما سبق وهو أنه لم يخرج له إلا متابعة، أقرّ تضعيفه بالإرجاء، ولم يرده كما فعل أحمد شاكر.
هذا ولما كان صادقًا في روايته متقنًا لها، وثقه في تقريب التهذيب مع التنصيص ببدعة الإرجاء التي فيه تمامًا، كما حصل من الذهبي في المغني، وقد مضى.
قال ابن حجر١: "أيوب بن عائذ -بتحتانية ومعجمة- ابن مدلج الطائي البحتري -بضم الموحدة وسكون المهملة وضم المثناة- الكوفي، ثقة، رمي بالإرجاء، من السادسة، روى له البخاري، ومسلم، والترمذي، والنسائي".
وإقرار ابن حجر هو الحق فإن الإرجاء وغيره من الابتداع جرح بل جرح مفسر ومبيّن، ولا تقبل رواية المبتدع مطلقة من القيود والشرط، بل يشترط في قبولها: ألا يكون داعيًا لبدعته، وألا
_________________
(١) ١ تقريب التهذيب ١/٩٠ وانظر في مصادر ترجمته: الجرح والتعديل ١/١/٢٥٢ سؤالات الآجري لأبي داود ورقة ١٢ الضعفاء والكذابين والمتروكين لأبي زرعة صفحة ٤٨.
[ ١ / ٤٧٨ ]
يروي شيئًا مما يؤيد بدعته وألا يكون غاليًا فيها، وأن يكون صادق اللهجة فيما يرويه١.
وقد اعتذر للبخاري في روايته عن أيوب بما تقدم، وأيضًا حديثه الذي أخرجه البخاري يبدو منه أنه في قصة ليس في حكم شرعي. وهذه الأعذار التي اعتذر بها عن أيوب تكاد تكون قاسمًا مشتركًا بين جميع المبتدعين الذين روى لهم البخاري، بل ومسلم، قال ابن حجر٢: "وأما روايات المبتدعين إذا كانوا صادقين ففي الصحيحين عن خلق كثير من ذلك، لكنهم من غير الدعاة ولا الغلاة. وأكثر ما يخرجان من هذا القسم في غير الأحكام. نعم قد أخرجا لبعض الدعاة والغلاة، كعمران بن حطان، وعباد بن يعقوب، وغيرهما، إلا أنهما لم يخرجا لأحد منهم إلا ما توبع عليه" ا؟.
٥- قيس بن مسلم: الجدلي أبو عمرو الكوفي، ثقة، رمي بالإرجاء، من السادسة، مات سنة عشرين ومئة، روى له الجماعة٣.
طارق بن شهاب بن عبد شمس البجلي الأحمسي أبو عبد الله الكوفي.
_________________
(١) ١ انظر: هدي الساري مقدمة فتح الباري/٣٨٥، ومقدمة لسان الميزان ١/٩ وما بعدها، وشرح علل الترمذي لابن رجب/٨٣ وما بعدها. ٢ انظر: توضيح الأفكار ١/٩٠. ٣ تقريب التهذيب ٢/١٣٠.
[ ١ / ٤٧٩ ]
قال أبو داود: رأى النبي ﷺ ولم يسمع منه، مات سنة اثنتين أو ثلاث وثمانين، روى له الجماعة١.
٧- كعب بن عجرة٢: الأنصاري المدني، أبو محمد، صحابي مشهور، مات بعد الخمسين له نيف وسبعون، روى له الجماعة٣.
درجة هذا الحديث
حكم الترمذي على هذا الحديث بالحسن، كما بين معنى قوله "غريب" وأنه من هذا الوجه فهي غرابة في الإسناد فقط ليست في المتن، وإلا الترمذي نفسه روى الحديث كما سيأتي، وعن كعب أيضًا، ولكن بغير هذا الإسناد.
والذي يبدو لي أن هذا الحديث ضعيف بهذا الإسناد؛ فقد قال ابن حجر في غالب بن نجيح "مقبول"، ومعنى قوله "مقبول" أي حيث يتابع وإلا فليّن الحديث كما بيّن هذا ابن حجر في مقدمة كتابه "تقريب التهذيب"، ولما لم يكن لغالب المذكور متابع –وقد مضى أنه بهذا الإسناد غريب كما ذكره الترمذي، ونقله عن شيخه البخاري؛ لأنه تفرد به عبيد الله بن موسى- كان الحديث ضعيفًا.
_________________
(١) ١ تقريب التهذيب ١/٣٧٧ وانظر: الإصابة في تمييز أسماء الصحابة ٢/٢١٢. ٢ بضم العين وسكون الجيم وبالراء. ٣ تقريب التهذيب ٢/١٣٥ وانظر: الإصابة في تمييز أسماء الصحابة ٣/٢٩٧.
[ ١ / ٤٨٠ ]
نعم قد يكون المتن حسنًا أو صحيحًا بالنظر إلى قوة شواهده التي سوف نعرف.
وإذا اتّضح ذلك عرف تساهل أحمد شاكر في تصحيحه للحديث بهذا الإسناد، فإنه قال:
"فالحديث صحيح وله شواهد تؤيد صحته سنذكرها إن شاء الله".
ولما ذكر منها حديث جابر –وهو ضعيف الإسناد كما سيأتي- قال: "وهذا إسناد صحيح" ثم قال:
"فهذا الحديث الصحيح عن جابر شاهد قوي لرواية أيوب بن عائذ من حديث كعب بن عجرة، وهو يؤيد ما ذهبنا إليه من أنه حديث صحيح".
هذا ولما كان الحديث روي عن كعب بأسانيد أخرى، فقد عبرت عنها بالمتابعات، ثم أردفتها بالشواهد، أما أحمد شاكر فإنه عبّر عن الجميع بكلمة شواهد، ولا ضير في ذلك كما لا يخفى.
المتابعات
للحديث متابع رواه الترمذي١ من طريقين عن أبي حصين عن الشعبي، عن عاصم العدوي، عن كعب بن عجرة.
الأول: من طريق مسعر عنه. والثاني: من طريق سفيان عنه.
_________________
(١) ١ سنن الترمذي مع تحفة الأحوذي ٦/٥٣٧-٥٣٨.
[ ١ / ٤٨١ ]
ومن الطريقين رواه النسائي في "سننه"١.
ومن الطريقين أيضًا رواه ابن حبّان في "صحيحه"٢، وقد أحال في طريق سفيان على الأخرى.
ومن طريق سفيان عن أبي الحصين رواه أحمد في "مسنده"٣.
ومن طريق مسعر رواه أبو نعيم في "حلية الأولياء"٤، وقال: "مشهور من حديث مسعر".
وله متابع آخر رواه الترمذي٥ من طريق سفيان، عن زبيد، عن إبراهيم –وليس بالنخعي- عن كعب بن عجرة نحو حديث مسعر، ولم يسق الترمذي لفظه، وإنما أحال به على رواية الشعبي، عن عاصم، عن كعب.
قال أحمد شاكر في تعليقه على "سنن الترمذي"٦: "وكل هذه الراويات ليس فيها ذكر الصلاة، والصوم، والصدقة، وأكل السحت" ا؟.
قال الإمام الترمذي رحمه الله تعالى: "حدّثنا هارون بن إسحاق
_________________
(١) ١ ٧/١٦٠-١٦١. ٢ انظر: موارد الظمآن إلى زوائد ابن حبّان/٣٧٨. ٣ ٤/٢٤٣ وأخرجه أيضًا ابن عبد البر في التمهيد ٢/٣٠٣ بإسناده إلى أحمد بن حنبل. ٤ ٧/٢٤٨. ٥ سنن الترمذي مع تحفة الأحوذي ٦/٥٣٧-٥٣٨. ٦ ٢/٥١٣.
[ ١ / ٤٨٢ ]
الهمداني، أخبرنا محمد بن عبد الوهاب، عن مسعر، عن أبي حصين، عن الشعبي، عن العدوي، عن كعب بن عجرة قال: "خرج إلينا رسول الله ﷺ ونحن تسعة: خمسة وأربعة أحد العددين من العرب، والآخر من العجم، فقال: "إسمعوا هل سمعتم أنه سيكون بعدي أمراء. فمن دخل عليهم فصدّقهم بكذبهم، وأعانهم على ظلمهم، فليس مني ولست منه، وليس بوارد على الحوض. ومن لم يدخل عليهم، ولم يعنهم على ظلمهم، ولم يصدّقهم بكذبهم، فهو مني وأنا منه، وهو وارد على الحوض".
قال الترمذي: "هذا حديث صحيح غريب لا نعرفه من حديث مسعر إلا من هذا الوجه".
قال هارون: وحدّثني محمد بن عبد الوهاب، عن سفيان، عن أبي حصين، عن الشعبي، عن عاصم العدوي، عن كعب بن عجرة، عن النبي ﷺ نحوه.
قال هارون وحدثني محمد، عن سفيان، عن زبيد، عن إبراهيم وليس بالنخعي، عن كعب بن عجرة، عن النبي ﷺ نحو حديث مسعر. ا؟.
ولما أخرجه الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد"١ من طريق سفيان عن التيمي عن عاصم قال: "المحفوظ عن سفيان، عن أبي حصين، عن الشعبي، عن عاصم ".
_________________
(١) ١ ٥/٣٦٢ في ترجمة محمد بن صالح أبي جعفر الصائغ.
[ ١ / ٤٨٣ ]
وأخرجه البخاري في "التاريخ الكبير"١ من طريق سفيان، عن زبيد إشارة فقال: "حدّثني محمد بن يوسف، عن سفيان، عن زبيد، عن رجل يقال له إبراهيم عن كعب بن عجرة قال النبي ﷺ "سيكون أمراء". وقد أخرجه في ترجمة إبراهيم بن قعيس.
قال المعلمي في تعليقه على "التاريخ الكبير": "سيكون عليكم أمراء. والحديث في "جامع الترمذي" في أبواب الفتن أخرجه من طريق سفيان، عن زبيد، عن إبراهيم، وليس بالنخعي عن كعب بن عجرة" وذكر المزي وابن حجر٢ إبراهيم هذا، ولم يعرفا من حاله بغير ما تضمنه السند، والظاهر أنه غير قعيس والله أعلم" ا؟.
الشواهد
وللحديث شاهد رواه أحمد في "مسنده"٣ قال: "حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن ابن خثيم، عن عبد الرحمن بن سابط، عن جابر بن عبد الله أن النبي ﷺ قال لكعب بن عجرة: "أعاذك الله من إمارة السفهاء". قال: ما إمارة السفهاء؟ قال: "أمراء يكونون بعدي لا يقتدون بهدي ولا يستنون بسنتي. فمن صدّقهم بكذبهم، وأعانهم على ظلمهم
_________________
(١) ١ ١/١/٣١٥. ٢ تهذيب التهذيب ١/١٨٥ وقال في "تقريب التهذيب" ١/٤٧ "إبراهيم عن كعب بن عجرة مجهول من الثالثة وليس هو النخعي روى له الترمذي". ٣ ٣/٣٢١ وانظر: المسند بتحقيق وتعليق أحمد شاكر رقم الحديث (١٤٤٩٣) .
[ ١ / ٤٨٤ ]
فأولئك ليسوا مني ولست منهم، ولا يردوا على حوضي. ومن لم يصدّقهم بكذبهم ولم يعنهم على ظلمهم، فأولئك مني وأنا منهم وسيردوا١ على حوضي. يا كعب بن عجرة: الصوم جنة، والصدقةتطفئ الخطيئة، والصلاة قربان، أو قال: برهان. يا كعب بن عجرة: إنه لا يدخل الجنة لحم نبت من سحت، النار أولى به. يا كعب بن عجرة: الناس غاديان: فمبتاع نفسه فمعتقها، وبائع نفسه فموبقها".
ورواه أيضًا في "مسنده"٢، عن عفان عن وهيب، عن ابن خثيم بنحوه فهذا الشاهد يدور على ابن خثيم، عن عبد الرحمن بن سابط، وفيما يلي تعريف موجز بهما:
١- ابن خثيم، هو: "عبد الله بن عثمان بن خثيم -بالمعجمة والمثلثة مصغرًا- القارئ المكيّ أبو عثمان، صدوق من الخامسة، مات سنة اثنتين وثلاثين أي ومئة، روى له البخاري تعليقًا، ومسلم، وأهل السنن الأربعة"٣.
عبد الرحمن بن سابط (ويقال) ابن عبد الله بن سابط، وهو الصحيح، ويقال ابن عبد الله بن عبد الرحمن الجمحي المكيّ ثقة، كثير الإرسال من الثالثة، مات سنة ثمان عشرة أي ومئة، روى له
_________________
(١) ١ "ولا يردوا"، "وسيردوا" هكذا في المسند. ٢ ٣/٣٩٩ وانظر المسند بتحقيق وتعليق أحمد شاكر رقم الحديث (١٥٣٤٧) . ٣ تقريب التهذيب ١/٤٣٢.
[ ١ / ٤٨٥ ]
مسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي في عمل اليوم والليلة، وابن ماجة١.
وإذا كان هذا حاله عمومًا وهو أنه كثير الإرسال، فما هو حاله مع جابر بن عبد الله؟ فالجواب مختلف فيه، ففي "تهذيب الكمال"٢ "قيل ليحيى: سمع عبد الرحمن من سعد؟ قال: من سعد؟ ابن إبراهيم؟ قالوا: لا، من سعد بن أبي وقاص، قال: لا. قيل ليحيى: سمع من أبي أمامة؟ قال: لا. قيل ليحيى سمع من جابر؟ قال: لا هو مرسل، كان مذهب يحيى أن عبد الرحمن يرسل عنهم ولم يسمع منهم" ا؟.
وأثبت له ابن أبي حاتم السماع من جابر، فقال في "الجرح والتعديل"٣: "روى عن عمر "﵁" مرسل، وعن جابر بن عبد الله متصل" ا؟.
فانظر مع هذا الاختلاف ومع ما قيل قبله في ابن خثيم إلى أحمد شاكر، فإنه قال عن إسناد هذا الحديث: "وهذا إسناد صحيح".
_________________
(١) ١ تقريب التهذيب ١/٤٨٠. ٢ ٤ ورقة ٣٩٥ وانظر: تهذيب التهذيب ٦/١٨٠ و"المراسيل" لابن أبي حاتم/١٢٨ و"جامع التحصيل في أحكام المراسيل" ٢/٥١٤. ٣ ٢/٢/٢٤٠ وأما في "المراسيل" فإنه أورد ابن سابط هذا، واكتفى بنقل رأي ابن معين فيه من غير أن يعقب عليه بشيء "المراسيل"/١٢٨.
[ ١ / ٤٨٦ ]
وهو في هذا يشبه الحاكم، فإن الحاكم روى هذا الشاهد في "المستدرك" من طريقين:
مطولًا١ من طريق عبد الرزاق، وقال: هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه، "ووافقه الذهبي".
ومختصرًا٢ من طريق معلى بن أسد عن وهيب، وسكت عليه، وتبعه الذهبي في السكوت عليه.
أما المنذري وكذا الهيثمي فإنهما نقلا الحديث، وقال كل منهما عقبه عبارة لا يلزم منها تصحيح الحديث.
فقد نقله المنذري في "الترغيب والترهيب"٣، وعزاه لأحمد٤، والبزار وقال: "رواتها محتج بهم في الصحيح، ورواه ابن حبان في صحيحه"٥ ا؟.
ونقله الهيثمي في "مجمع الزوائد"٦، ونسبه أيضًا لأحمد،
_________________
(١) ١ المستدرك ٤/٤٢٢. ٢ المستدرك ٣/٤٧٩-٤٨٠. ٣ ٣/٣٣٩. ٤ مسند الإمام أحمد بن حنبل ٣/٣٢١، ٣٩٩. ٥ انظر: "موارد الظمآن" إلى زوائد ابن حبان/٣٧٨ وقد رواه ابن حبان من طريقين: من طريق حماد بن سلمة عن ابن خثيم نحوه ومن طريق عبد الرزاق عن معمر عنه، ولم يسقه بل أحال على الذي قبله بقوله فذكر نحوه إلا ٦ ٥/٢٤٧.
[ ١ / ٤٨٧ ]
والبزار١، وقال: "رجالهما رجال الصحيح" ا؟.
فهاتان العبارتان من المنذري، والهيثمي لا تفيد تصحيح الحديث؛ فإنه يكون الرجال رجال الصحيح ومحتجًا بهم في الصحيح إلا أن هذا لا ينفي وجود علة انقطاع مثلا، كما هو هنا على رأي ابن معين الذي يرى أن عبد الرحمن بن سابط لم يسمع من جابر.
والانقطاع –لا شك- مؤثر في صحة الحديث، وعلى كل حال فإن عبارة المنذري وكذا الهيثمي أحوط وأدق.
وقد روى هذا الشاهد أيضًا أبو نعيم في "حلية الأولياء"، وذلك في ترجمة يوسف بن أسباط، مرتين من طريقه عن زائده بن قدامة.
ففي المرة الأولى٢ رواه مطولا نحو حديث عبد الرزاق من طريق يوسف ابن أسباط، عن زائدة بن قدامة، عن عبد الله بن عثمان بن خثيم، عن عبد الرحمن بن سابط، عن جابر بن عبد الله سمعت النبي ﷺ يقول لكعب بن عجرة: "
وقال عقبة: "لم يسقه هذا السياق من حديث جابر، إلا ابن خثيم تفرد به رواه عنه الأعلام" ا؟.
_________________
(١) ١ انظر: كشف الأستار عن زوائد البزار ٢/٢٤١. ٢ حلية الأولياء ٨/٢٤٧.
[ ١ / ٤٨٨ ]
وفي المرة الثانية١ قال: "وروى ابن أسباط عن زائدة بن قدامة، عن عبد الله بن عثمان بن خثيم، عن عبد الرحمن بن سابط، عن سفيان الثوري، عن جابر، عن النبي ﷺ قال لكعب بن عجرة: "أعيذك بالله من إمارة السفهاء قال وما ذاك".
هكذا هذه المرة أشار إليه مجرد إشارة، ومما ينبغي التنبيه عليه هو أن سفيان جاء في هذا السند مدمجًا ومقحمًا؛ لأن ابن سابط متقدم عليه ولا يروي عنه.
ابن سابط من الثالثة من أوساط التابعين، وسفيان من السابعة من كبار أتباع التابعين، وقد ولد سفيان سنة ٩٧؟، بينما كانت وفاة ابن سابط سنة ١١٨؟، والمهم في هذا هو أنه لم يثبت أن ابن سابط روى عن سفيان، بل لم يثبت العكس وهو سفيان يروي عن ابن سابط، ثم كيف يكون سفيان عن جابر وهو لم يدركه.
والمعروف أن هذا السند عن ابن خثيم، عن عبد الرحمن بن سابط، عن جابر بن عبد الله.
وإذا تبيّن ذلك علم أن مجيء سفيان بين عبد الرحمن وجابر غلط ظاهر، من الجائز أن يكون من الناسخ، أو من الطابع، أو يكون وهمًا من ابن نعيم.
وأورد هذا الشاهد المنذري في "الترغيب
_________________
(١) ١ حلية الأولياء ٨/٢٥٢.
[ ١ / ٤٨٩ ]
والترهيب"١ مختصرًا جدًا، وعزاه لأبي يعلى، وذكر أنه بإسناد صحيح.
شاهد ثان: قال ابن حجر الهيثمي في "الزواجر عن الكبائر"٢: "وأخرج أحمد٣ بسند رواته محتج بهم في الصحيح إلا راويًا لم يسم عن النعمان بن بشير. قال: "خرج علينا رسول الله ﷺ ونحن في المسجد بعد صلاة العشاء فرفع بصره إلى السماء ثم خفض، حتى ظننا أنه حدث في السماء أمر، فقال: "ألا إنه ستكون بعدي أمراء يظلمون ويكذبون. فمن صدّقهم بكذبهم، ومالأهم على ظلمهم، فليس مني ولا أنا منه. ومن لم يصدّقهم بكذبهم، ولم يمالئهم على ظلمهم فهو مني وأنا منه" الحديث.
وقد أورد هذا الشاهد المنذري في "الترغيب والترهيب"٤ وقال عقبه: "رواه أحمد وفي إسناده راو لم يسم، وبقيته ثقات محتج بهم في الصحيح".
شاهد ثالث: وقال ابن حجر الهيثمي أيضًا٥:"وأخرج
_________________
(١) ١ ٢/١٠. ٢ ٢/١١٩. ٣ مسند الإمام أحمد ٤/٢٦٧-٢٦٨. ٤ ٣/٣٤٠. ٥ الزواجر عن الكبائر ٢/١٢٠.
[ ١ / ٤٩٠ ]
الطبراني وابن حبان في "صحيحه"١، واللفظ له، عن عبد الله بن خباب٢، عن أبيه قال: "كنا قعودًا على باب النبي ﷺ فخرج علينا فقال: "اسمعوا، قلت: قد سمعنا، قال: اسمعوا، قلنا: قد سمعنا، قال: إنه سيكون بعدي أمراء فلا تصدقوهم بكذبهم، ولا تعينوهم على ظلمهم، فإنه من صدّقهم بكذبهم، وأعانهم على ظلمهم لم يرد على الحوض" ا؟.
شاهد رابع: وعن أبي سعيد الخدري "﵁" عن النبي ﷺ قال: "يكون أمراء تغشاهم غواش أو حواش من الناس، يكذبون، ويظلمون، فمن دخل عليهم فصدّقهم بكذبهم، وأعانهم على ظلمهم، فليس مني، ولست منه. ومن لم يدخل عليهم ولم يصدّقهم بكذبهم، ولم يعنهم على ظلمهم، فهو مني، وأنا منه".
قال المنذري في "الترغيب والترهيب"٣: "رواه
_________________
(١) ١ انظر: موارد الظمآن إلى زوائد ابن حبان/٣٧٩. ٢ في الأصل: "عبد الله بن عمر" وهو خطأ صوابه عبد الله بن خباب كما في "موارد الظمآن"/٣٧٩ وقد أورده المنذري في "الترغيب والترهيب" ٣/٣٤١ عن عبد الله ابن خباب على الصواب. وفي موارد الظمآن أيضًا قال لهم اسمعوا وهم يقولون قد سمعنا ثلاث مرات. ٣ ٣/٣٤١.
[ ١ / ٤٩١ ]
أحمد١ واللفظ له، وأبو يعلى ومن طريقه ابن حبّان في "صحيحه"٢، إلا أنهما قالا: فمن صدقهم بكذبهم، وأعانهم على ظلمهم فأنا منه بريء".
وقد أورده الذهبي في "الكبائر"٣ فقال عن ابن مسعود فلعله من خطأ النساخ والله أعلم.
شاهد خامس: رواه أحمد في "مسنده"٤ عن إسماعيل، عن يونس عن حميد بن هلال أو عن غيره، عن ربعي بن حراش، عن حذيفة، عن النبي ﷺ قال: "إنها ستكون أمراء يكذبون ويظلمون، فمن صدّقهم بكذبهم، وأعانهم على ظلمهم، فليس منا، ولست منهم، ولا يرد على الحوض. ومن لم يصدقهم بكذبهم، ولم يعنهم على ظلمهم، فهو مني وأنا منه، وسيرد على الحوض".
قال ابن كثير في "النهاية"٥: "رواه الطبراني٦ من حديث
_________________
(١) ١ مسند الإمام أحمد بن حنبل ٣/٢٤ ورواه ابن حبان في "صحيحه". انظر: موارد الظمآن /٣٧٩. ٢ انظر: موارد الظمآن إلى زوائد ابن حبان/٣٧٩. ٣ /١١١. ٤ ٥/٣٨٤. ٥ ٢/١٥ في باب ذكر ما ورد في الحوض النبوي. ٦ المعجم الكبير ٣/١٨٥-١٨٦ ورواه أحمد في "مسنده" ٥/٣٨٤، والبزار انظر: "كشف الأستار عن زوائد البزار" ٢/٢٣٩-٢٤٠ قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" ٥/٢٤٨: "رواه أحمد والبزار والطبراني في الكبير والأوسط وأحد أسانيد البزار رجاله رجال الصحيح ورجال أحمد كذلك".
[ ١ / ٤٩٢ ]
مبارك بن فضالة، عن خالد بن أبي الصلت، عن عبد الملك بن عمير، عن ربعي، عن حذيفة مرفوعًا: "ستكون أمراء يكذبون ويظلمون. فمن صدّقهم بكذبهم، وأعانهم على ظلمهم، فليس مني ولست منه. ومن لم يصتدقهم بكذبهم، ولم يعنهم على ظلمهم، فهو مني وأنا منه، وسيرد على الحوض غدًا إن شاء الله".
إلى غير ذلك من الشواهد التي ذكرت في "الترغيب والترهيب"١، وفي "مجمع الزوائد"٢، وفي غيرهما.
ض
_________________
(١) ١ ٣/٣٤٠ وما بعدها. ٢ ٥/٢٦٤-٢٤٨.
[ ١ / ٤٩٣ ]