اسمُه ونَسَبُه ومَولدُه:
هو: محمَّد بن الحُسَين بن محمَّد بن موسى بن خالد بن سالِم بن راوِيَة بن سعيد بن قَبيصَة بن سُراقَة، أبو عبد الرحمن، الأَزْدي، السُّلَمي الصُّوفي.
والأَزْدي: نسبةٌ إلى «أَزْد شَنُوءَة»، وهي قَبيلة أبيهِ، لكنَّه اشْتُهر بـ"السُّلمي"، وهي نسبةٌ إلى قَبيلة أُمِّه بني سُلَيم.
مَولدُه:
وُلدَ السُّلَمي في عاشِر جُمادى الآخِرَة، سنةَ خمسٍ وعشرينَ
_________________
(١) ترجمته في: "تاريخ بغداد" للخطيب (٢/٢٤٨- ٢٤٩)، و"المنتخب من كتاب السياق لتاريخ نيسابور" (ص١٨)، و"الرسالة القشيرية" (ص١٤٠)، و"الأنساب" للسمعاني (٣/٤٦)، و"المنتظم" لابن الجوزي (١٥/١٥٠-١٥١)، و"سير أعلام النبلاء" (١٧/٢٤٧- ٢٥٥)، و"تاريخ الإسلام" (حوادث ووَفَيات سنة ٤١٢هـ/ ص ٣٠٤- ٣٠٧)، و"تذكرة الحفاظ" (٣/١٠٤٦- ١٠٤٧)، و"ميزان الاعتدال" (٣/٥٢٣) جميعها للذهبي، و"البداية والنهاية" لابن كثير (١٥/٥٩٠)، و"الكشف الحثيث" لسبط ابن العجمي (ص٢٢٥ رقم ٦٤٥)، و"طبقات الشافعية الكبرى" للسبكي (٤/١٤٣- ١٤٧)، و"لسان الميزان" لابن حجر (٥/١٤٠-١٤١)، و"طبقات الحفاظ" للسيوطي (ص٤١١)، و"طبقات المفسرين" للسيوطي (ص٩٧- ٩٨)، و"طبقات المفسرين" للداودي (ص١٠١ رقم ١٣٤)، و"شذرات الذهب" لابن العماد (٣/١٩٦- ١٩٧)، و"هدية العارفين" (٢/٦١)، و"الرسالة المستطرفة" للكتاني (ص٥٤)، و"تارخ الأدب العربي" لكارل بروكلمان (القسم الثاني/ ص ٤٧٨- ٤٨١)، و"تاريخ التراث العربي" لفؤاد سزكين (م١/ج٤/ص١٧٨- ١٨٤) . ومقدمة تحقيق كتابه "طبقات الصوفية" لنور الدين شريبة.
[ ٣٣ ]
وثلاثِ مئة، على ما ذكر تلميذُه أبو سعيد محمَّد بن علي الخَشَّاب (^١) .
وقيل: وُلدَ يوم الثَّلاثاء، العاشرِ من جُمادى الآخِرَة، سنةَ ثلاثينَ وثلاثِ مئة.
نَشأتُه وطَلَبُه للعِلم:
نشأ أبو عبد الرحمن السُّلمي في بيتٍ يغلبُ عليه التصَوُّف والزُّهد؛ فأبوه الحسين بن محمَّد كان من الزَّاهِدينَ السَّالكين طرقَ التصوُّف، ولم يُعرَف عنه العنايةُ بطلب العلم أو رواية الحديث.
أمَّا جَدُّه لأمه فهو الشيخُ العالم المحدِّث الزاهد الصُّوفي الكبير أبو عمرو إسماعيل بن نُجَيد بن أحمد بن يوسُف السُّلمي (^٢) . وأمَّا جدُّ جدِّه أحمد بنُ يوسفَ السُّلميُّ فكان من ثقاتِ المحدِّثينَ، سأل أبو عبد الرحمن السلمي عنه الدارقطنيَّ فقال: ثقةٌ نبيل (^٣) .
ولقد لازمَ السُّلميُّ جدَّه أبا عمرو ملازمةً، فانتفع بذلك أيَّ نفع، فكان رفيقَه في حضور العلم ومجالس الرِّواية والتحديث. ولم ينتفع
_________________
(١) انظر ترجمته في "المنتخب من السياق" للفارسي (ص٥٥-٥٦)، و"سير أعلام النبلاء" (١٨/١٥٠) .
(٢) ولد ابن نجيد سنة اثنتين وسبعين ومئتين، وتوفي سنة خمس وستين وثلاث مئة، كنيته أبو عمرو. ترجم له السلمي في "طبقات الصوفية" (ص ٤٥٤- ٤٥٧)، وله ترجمة في: "سير أعلام النبلاء" (١٦/١٤٦- ١٤٨)، و"العبر" (٢/٣٣٦)، و"الوافي بالوَفَيات" (٩/١٣٧- ١٣٨)، و"طبقات الشافعية الكبرى" (٣/٢٢٢- ٢٢٤)، و"البداية والنهاية" (١٥/٣٧٧)، و"الرسالة المستطرفة" (ص٨٧- ٨٨) .
(٣) انظر النص رقم (٥) من كتابنا هذا.
[ ٣٤ ]
بذلك فحسبُ، بل إنَّ ثراءَ جدِّه مكَّنه من التَّفرُّغِ لطلب العلم صغيرًا والانقطاع له.
فكتب بخطِّه في سنة ثلاثٍ وثلاثين وثلاث مئة عن أبي بكر الصبغي، وهو لمَّا يتجاوزِ الثامنةَ من عمره، وابتدأَ بالتصنيف سنة نيف وخمسين وثلاث مئة، وهو في منتصف عِقْدِه الثالث.
ورحل في طلب الحديثِ والعلم إلى بُلدانٍ كثيرة، قال الذهبيُّ: «كتب الحديثَ بمَرْوَ ونَيْسابورَ والعراقِ والحِجاز» (^١) .
مكانتُه وكلامُ العلماء فيه:
كان السُّلميُّ جليلَ القَدْر عند أهل بلدِه، عظيمَ المنزلة في طائفتِه، جمع شيوخًا وكتبًا. وكان صاحبَ حديثٍ مُجوِّدًا، وله عنايةٌ خاصَّةٌ بالصوفيَّة وأخبارهم، صنَّف لهم كتبًا في السنن والتفسير والتاريخ (^٢) .
قال الذهبيُّ: «قال الخشَّاب (^٣): كان مَرْضيًّا عند الخاصِّ والعام، والمُوافِق والمُخالِف، والسُّلطان والرَّعِيَّة، في بلده وفي سائِر بلاد المسلمين، ومضى إلى الله كذلك، وحَبَّب تصانيفَه إلى الناس، وبيعَتْ بأغلى الأثمان، وقد بعْتُ يومًا من ذلك على رَداءة خطِّي بعشرين دينارًا؛ وكان في الأحياء» (^٤) .
_________________
(١) "تذكرة الحفاظ" (٣/١٠٤٦) .
(٢) "تاريخ بغداد" (٢/٢٤٨) .
(٣) هو: محمد بن علي أبو سعيد الخشَّاب، وقد أفرد للسُّلمي ترجمةً في جزء. انظر "السير" (١٧/٢٤٧) .
(٤) "السير" (١٧/٢٤٨) .
[ ٣٥ ]
وقال عبدُالغافر بن إسماعيلَ الفارسيُّ: «أبو عبد الرحمن شيخُ الطريقة في وقته، المُوفَّق في جمع علوم الحَقائق، ومعرفة طريق التصَوُّف، وصاحبُ التصانيف المشهورة في علوم القوم، وقد وَرِثَ التصوُّفَ عن أبيه وجدِّه، وجمع من الكتُب ما لم يُسبَق إلى ترتيبه في غيره، حتى بلغ فِهْرست تصانيفه المئةَ أو أكثر، حدَّث أكثر من أربعينَ سنةً إملاء وقراءة، وكتب الحديثَ بنَيْسابور ومَرْوَ والعراقِ والحجاز، وانتَخَب عليه الحفَّاظ الكبار» (^١)
وقد بلغ السُّلميُّ منزلةً عاليةً في معرفة الرجال وأحوالهم، حتى قال الذهبيُّ عنه: «وقد سألَ أبا الحسن الدارقطنيَّ عن خَلْقٍ من الرجال سؤالَ عارفٍ بهذا الشأن» (^٢) .
ومع هذه المنزلة العالية في العلم؛ أُخذت عليه أمورٌ بسبب تصوُّفه وإغراقه فيه؛ فقد اتُّهمَ بوضع الأحاديث للصُّوفيَّة، والتهاون في رواية الأحاديث والحكايات الموضوعَة والباطلَة.
قال الخطيبُ: «قال لي محمَّدُ بنُ يوسفَ القطَّانُ النيسابوريُّ: كان أبو عبد الرحمن السلميُّ غيرَ ثقةٍ، ولم يكن سَمِعَ من الأصمِّ إلاَّ شيئًا يسيرًا، فلمَّا مات الحاكمُ أبو عبد الله بنُ البيِّع؛ حدَّث عن الأصمِّ بـ"تاريخِ يحيى بن معين" وبأشياءَ كثيرةٍ سواه، قال: وكان يضعُ للصُّوفيةِ الأحاديثَ» (^٣) .
_________________
(١) "المنتخب من السياق" (ص ١٨) .
(٢) "تذكرة الحفاظ" (٣/١٠٤٦- ١٠٤٧) باختصار. وانظر "السير" (١٧/٢٥٢) .
(٣) "تاريخ بغداد" (٢/٢٤٨) .
[ ٣٦ ]
ومن هنا ذهبَ بعضُ الأئمَّة إلى تضعيفه وردِّ ما يتفرَّد به من روايات.
قال الذهبيُّ في وَصْفه: «الحافظُ العالم الزَّاهد شيخ المشايخ … سمع خلقًا كثيرًا، وكتب العاليَ والنازلَ، وصنَّف وجمعَ، وسارت بتصانيفه الرُّكْبان … إلا أنه ضعيفٌ» (^١) .
وقال أيضًا: «في القلب ممَّا يتفرَّد به» (^٢) .
ودافعَ عنه بعضُ الأئمَّة بأن مثله لا يتعمَّد الكذب، وحَمَلوا ما رواه من الأباطيل على أنه من الوَهَم (^٣) .
وأكثر ما أُخِذ عليه: تأليفه لكتاب "حقائق التفسير"، فقد أبعَدَ فيه النَّجْعَة، وتنكَّب مذهبَ أهل السنة، ومضى مع الصُّوفيَّة في غُلُوِّهم وفلسفتهم، حتى عُدَّ كثيرٌ مما فيه من زَنْدَقَة الباطنيَّة والقَرامِطَة، وتحريفًا لكلام الله ومُراده.
قال الذهبيُّ: «في تصانيفه أحاديثُ وحكاياتٌ موضوعة، وفي "حقائق التفسير" أشياءُ لا تَسوغ أصلًا، عدَّها بعضُ الأئمة من زندقة الباطنيَّة، وعدَّها بعضُهم عرفانًا وحقيقة، نعوذ بالله من الضَّلال ومن الكلام بهوى، فإن الخيرَ كلَّ الخير في متابعة السنة والتمسُّك بهدي الصَّحابة والتابعين ﵃» (^٤) .
_________________
(١) "تذكرة الحفاظ" (٣/١٠٤٦- ١٠٤٧) باختصار.
(٢) "ميزان الاعتدال" (٣/٥٢٤) .
(٣) انظر "السير" (١٧/٢٥٥)، و"لسان الميزان" (٥/١٤١) .
(٤) "السير" (١٧/٢٥٢) .
[ ٣٧ ]
وقال في "تاريخ الإسلام": «وله كتابٌ سماه "حقائق التفسير" ليتَه لم يصنِّفْه؛ فإنه تخريفٌ وقَرْمَطَةٌ، فدونَكَ الكتابَ فسترى العَجَبَ» (^١) .
وذهب الإمامُ الواحديُّ المفسِّر إلى أبعدَ من ذلك، فقد نقل عنه الإمامُ ابن الصَّلاح في "الفَتاوى" أنَّه قال: «صنَّفَ أبو عبد الرحمن السُّلميُّ "حقائق التفسير"، فإن كان اعتَقَدَ أن ذلك تفسيرٌ فقد كَفَرَ» (^٢) .
وَفاتُه:
تُوفِّي السُّلمي في شهر شعبانَ (^٣)، سنة اثنتي عشرة وأربع مئة، بنَيْسابور، وكانت جنازتُه عظيمةً مَشهودَة (^٤)، رحمه الله تعالى وعفا عنَّا وعنه.
شُيوخُه:
تقدم فيما مضى أن السُّلميَّ أكثَرَ من القراءة والرِّواية عن الأشياخ.
قال السمعانيُّ: «كان مكثرًا من الحديث، وله رحلةٌ إلى العراق والحِجاز، وشيوخُه أكثر من أن تذكر» (^٥) .
_________________
(١) "تاريخ الإسلام" (٢٨/٣٠٧) .
(٢) "فتاوى ابن الصلاح" (١/١٩٦-١٩٧) .
(٣) وقيل: في رجب.
(٤) "السير" (١٧/٢٥٢) .
(٥) "الأنساب" (٣/٤٦) .
[ ٣٨ ]
ونكتفي هنا بذكر أهم شُيوخه:
١- أحمد بن إسحاقَ بن أيوبَ بن يزيد، أبو بكر الصِّبْغي.
٢- إسماعيل بن نُجَيد بن أحمد بن يوسف، أبو عمرو السُّلَمي، وهو جَدُّه لأمه.
٣- علي بن عمرَ بن أحمدَ بن مهدي، أبو الحسن الدارقطنيُّ.
٤- محمَّد بن يعقوبَ بن يوسف بن الأَخْرَم، أبو عبد الله الشَّيباني، الحافظ، محدِّث نَيْسابور وعالمُها.
٥- محمَّد بن يعقوبَ بن يوسف بن مَعْقِل بن سِنان، أبو العبَّاس الأَصَمُّ.
تَلاميذُه:
روى عن السلميِّ جمعٌ من طلاَّب العلم، نقتَصِر على ذكر أشهرهم:
١- أحمد بن الحُسَين بن عليِّ بن موسى، أبو بكر البَيْهَقي، صاحب "السنن".
٢- عبد الكريم بن هَوازن، أبو القاسم القُشَيري، صاحب "الرسالة القُشَيرية".
٣- عليُّ بن أحمدَ المَديني، أبو الحسن المؤذِّن، وهو آخرُ من حدَّث عنه (^١) .
_________________
(١) "الأنساب" (٣/٤٦) .
[ ٣٩ ]
٤- محمَّد بن يحيى بن إبراهيم، أبو بكر النَّيْسابوري المُزَكِّي.
مُصنَّفاتُه:
خَلَّف السُّلميُّ عددًا من المصنَّفات، نذكر منها أشهرَها:
١- آداب الصُّحبة وحسنُ العِشرَة.
٢- تاريخُ الصُّوفيَّة.
٣- حقائقُ التفسير.
٤- السُّؤالاتُ، وهو كتابنا هذا.
٥- طبقات الصُّوفيَّة.
[ ٤٠ ]