١ - تعريف عام: تعتبر سؤالات حمزة بن يوسف السهمي من كتب الجرح والتعديل، إذ انها وجهت الى عدد من كبار النقاد، كما انها شملت رجالا من بلدان واقطار مختلفة، بلغت تلك السؤالات بحسب احصائي الدقيق لها ستا واربعين ومائتين سؤالا وجه للدارقطني، ويبدو انها وجهت للدارقطني من حمزة السهمي ومن غيره من تلاميذ الدارقطني، ويبدو انها وجهت للدارقطني من حمزة السهمي ومن غيره من تلاميذ الدارقطني حيث نجد السهمي تارة يقول: (سالت ابا الحسن علي بن عمر الدارقطني.
وتارة يقول: (سئل الدارقطني.
وتارة يقول: (سمعت) .
والعبارتان الاخيرتان صريحتان في الدلالة على ان السائل غير السهمي، ولكن الثالثة تدل ايضا على انه كان حاضرا وسمع بنفسه جواب الدارقطني، وعليه فان نسبة جميع السؤالات الى السهمي اما باعتبار انه ساله اغلبها، واما باعتبار قيامه بجمعها وترتيبها على الصورة التي وصلت الينا.
وقد تضمنت اجوبة الدارقطني عن تلك السؤالات عموما التعريف برجال الحديث وبيان احوالهم جرحا وتعديلا، والمصنفات التي رووها، وبيان اوهامهم في بعض رواياتهم، وقد اشتملت النسخة التي اعتمدتها في التحقيق
[ ٥١ ]
على سؤالات لغير الدارقطني من شيوخ السهمي، وارى ان اعرف بتلك السؤالات رغم عدم دخولها في موضوع البحث تتميما للفائدة العلمية وبيان هؤلاء الشيوخ وسؤالاتهم كالاتي: - ١ - الحسن بن علي بن عمر القطان البصري المعروف بابن غلام الزهري، وبلغ عدد السؤالات الموجهة إليه سبعا واربعين سؤالا، ويعبر عن صيغة تحمله للسؤالات بلفظ (سمعت) (وسالت) .
٢ - ويلي ابن غلام الزهري في عدد السؤالات الحافظ أبو بكر احمد بن ابراهيم الاسماعيلي، حيث بلغ عدد سؤالاته له خمسا واربعين سؤالا ويعبر عن صيغة تحمله عن ابي بكر الاسماعيلي بلفظ (سمعت ابا بكر الاسماعيلي) (واخبرنا) ٣ - ثم يليه أبو بكر احمد بن عبدان وقد بلغ عدد السؤالات احدى وعشرين سؤالا، ويعبر عن كيفية تحمله بلفظ (سمعت و(سالت) ٤ - ويليه أبو زرعة محمد بن يوسف الكشي، حيث بلغ عدد سؤالاته اثنى عشر سؤالا.
٥ - ويليه محمد بن احمد بن حماد بن سفيان الكوفي، وقد بلغ عدد السؤالات الموجهة إليه عشر اسئلة.
٦ - ثم أبو زرعة احمد بن الحسين الرازي، وبلغ عدد السؤالات الموجهة إليه سبعا.
[ ٥٢ ]
٧ - ثم أبو بكر محمد بن ابراهيم بن علي بن عاصم، وبلغ عدد الاسئلة الموجهة إليه خمسا، كما وجهت اسئلة الى عدد من المشايخ منهم.
٨ - الوزير بن حنزابة، حيث بلغ عدد السؤالات الموجهة له ثلاثا.
٩ - وكذا محمد بن المظفر الحافظ.
١٠ - وابو بكر بن زحر.
١١ - وابو مسعود الدمشقي حيث بلغ عدد السؤالات الموجهة له سؤالين.
١٢ - وكذا أبو الحسن بن لولو الوراق.
وهناك مشايخ لم يسالهم حمزة اكثر من سؤال واحد، وهم: -
١٣ - أبو حفص عمر بن محمد الزيات.
١٤ - وابو نصر محمد بن احمد بن ابراهيم.
١٥ - والقاضي أبو القاسم صدقة بن علي بن المؤمل.
١٦ - وابو حفص عمر بن محمد بن عراك.
١٧ - وابو بكر محمد بن عبد الله الفقيه المالكي.
١٨ - وابو عمر بن حيوية.
١٩ - وابو احمد عبد الله بن عدي بن عبد الله.
ويعبر عن صيغة تحمله عن هؤلاء المشايخ بلفظ (سمعت) .
و(سالت) .
وهذه السؤالات كلها حول رجال الحديث، واحيانا مروياتهم جرحا وتعديلا، كما ان حمزة السهمي نفسه قد تحدث عن الرجال في السؤالات جرحا وتعديلا.
دراسة سؤالات السهمي للدارقطني: مع ان سؤالات حمزة السهمي كما في النسخة الاصلية التي اعتمدت عليها في التحقيق تتضمن سؤالات لغير الدارقطني من شيوخ السهمي كما تقدم، الا اني
[ ٥٣ ]
ساقصر دراستي هنا على سؤالاته للدارقطني باعتبارها هي موضوع البحث كما انها تبلغ ثلاثة ارباع السؤالات تقريبا، كما ظهر ذلك من احصاء عدد السؤالات الموجهة من حمزة لغيره من المشايخ.
١ - ترتيب السؤالات: ابتدات السؤالات بسؤال من حمزة للدارقطني حول مراده بقوله: (فلان لين)، ثم اخذ يساله عن احوال الرجال، وبدا ترتيبهم بالممدين من الاسماء تخللهم بعض التراحم ابتدات بالهمزة كاحمد بن هارون الترجمة، وازرق بن
دريد الترجمة (١٠٠) وغير ذلك، ثم تلى ذلك باب الالف، ورتب التراجم بعد ذلك وفق حروف المعجم، وبعد الترجمة (٣٨١) تصبح الاسئلة عامة، فنراه في الترجمة ٣٨٣ يسال الدارقطني عن سماع ابي حنيفة - ﵀ - أو في الترجمة ٣٨٦ يقول: (سمعت ابا حفص عمربن محمد الزيات يقول: (مات الصوفي الصغير احمد بن الحسين وهكذا، ثم تنتهي السؤالات بترجمة أبو اسحاق ابراهيم الخواص.
٢ - مصادر الدارقطني في السؤالات: يعتبر تصريح الدارقطني ببيان مصادره في الكلام على الرواة وبيان احوالهم جرحا وتعديلا، قليلا بصفة عامة، وان كانت مقارنة كلامه على الرواة بكلام سابقيه من ائمة الجرح والتعديل تدل على اتفاقه معهم في احيان كثيرة، لكنه يعني في بعض الاحيان، بالاشارة الى مصدره في الحكم على الرجال سواء بالتحديد، أو الاجمال، ومما ذكره بالتحديد الترجمة (٣٦)، عندما ساله حمزة السهمي عن محمد بن محمد بن سليمان الباغندي، ضحكي عن الوزير ابي الفضل بن حنزابة حكاية جرحه فيها.
ومما ذكره بالاجمال الترجمة (٦٠) عندما ساله حمزة عن ابن دريد فقال: (تكلموا فيه) والترجمة (١٤٨) حين سئل عن ابي بكر احمد بن خالد الحراني فقال: (هذا ضعيف ليس بشئ، ما رايت احدا اثني عليه) .
[ ٥٤ ]
٣ - انواع النقد والفاظه في السوالات: تبين لي من دراسة السؤالات وفحصها ان النقد عند الدارقطني جرحا وتعديلا ينقسم الى قسمين كبيرين، احدهما: النقد المطلق.
وثانيهما: النقد المقيد.
اما الاول فانه يحكم على الراوي بالجرح أو التعديل بصفة عامة مطلقة
مثل: قوله في فلان (ثقة)، أو (ضعيف)، أو (فيه لين)، وهكذا، وهذا القسم هو الصفة الغالبة على السؤالات.
واما الثاني فهو ان يحكم على الراوي بالتعديل مع جرحه في جانب معين، مثال ذلك الترجمة (٢١٠)، حين يساله حمزة عن ابي محمد بكر بن محمد بن عبد الوهاب فيقول: (صالح ما علمت منه الا خيرا - ان شاء الله -، ولكن ربما اخطا في الحديث) والترجمة (١١٦) عندما يسال عن البزار يقول: (ثقة يخطئ كثيرا ويتكل على حفظه) .
واما الفاظه في النقد فهي تلتقي بصفة عامة مع الفاظه في كتاب الضعفاء حيث نجدها اما مفردة مثل: (ثقة) أو (ضعيف)، أو (فيه لين)، أو (كذاب)
وهكذا.
واما مركبة مثل قوله: (ثقة جبل)، أو (ثقة مامون جبل) .
وهنا لك الفاظ في النقد لم تشتهر في الاستعمال عند غير الدارقطني ومنها: (آية من الايات) الترجمة (٥٣)، أو (مدبر من ابات الله، قلت له: كان يضع الحديث؟ قال: نعم.
) الترجمة (٥٨)، (آية من الايات كان مخلصا) الترجمة (٧٦) .
٤ - بيانه لعلة بعض اسانيد الراوي وغلطه: لم يكتف الدارقطني في عدة مواضع لبيان حال الراوي المسئول عنه، ولكنه يضيف الى ذلك بيان ما في بعض اسانيده من علة أو غلط، مثال ذلك الترجمة (٣٨٢) حين سئل الدارقطني عن (حديث رواه المعافا عن يحيى بن ابي انيسة عن الزهري عن ابي هريرة..الحديث فقال: يحيى متروك الحديث وليس
[ ٥٥ ]
عند الزهري عن سعيد المقبري شئ، انما هو سعيد بن المسيب وكما سئل عن الرواة سئل ايضا عن بعض الاسانيد فابان حالها، مثال ذلك الترجمة (٣٨٤) حيث سئل (الحكم عن ابن عمر اسماع ام مرسل؟) فأجاب على ذلك.
٥ - تفسيره لسبب الجرح واهتمامه به: يعتبر بيان سبب جرح الراوي من الامور الهامة التي تمكن من يطلع عليها من الاقرار، أو المعارضة للجرح إذا لم ير السبب كافيا في ذلك، كما انها تدل على خبرة الناقد وتمكنه من حال الراوي، وقد عني الدارقطني في عدة مواضع من هذه السؤالات بان يذكر الجرح ويتبعه ببيان سببه، مثال ذلك: الترجمة (١٠٤) قال حمزة: (سالت ابا الحسن الدارقطني عن ابي بحر محمد بن الحسن بن كوثر البربهاري؟ فقال: كان له اصل صحيح واصل ردئ فحدث بذا وبذاك فافسده) .
٦ - بيان مراده لبعض الفاظ النقد: وتضمنت تلك السؤالات ايضا ما يعتبر من اصول النقد عند الدارقطني حيث يمكن تطبيق جوابه على عامة ما ورد عنه من نقد، سواء في هذه السؤالات، أو في غيرها من مؤلفاته واقواله، ومن ذلك قول حمزة: (سالت ابا الحسن الدارقطني قلت له: إذا قلت فلان لين ايش تريد به؟ قال: لا يكون ساقطا متروك الحديث، ولكن يكون مجروحا بشئ لا يسقط عن العدالة) .
أو ان يعرف المدلس انه هو الذي (يحدث بما لم يسمع)، كما في الترجمة (٣٦) .
٧ - من آرائه النقدية: تبدوا آراء الدارقطني في النقد عندما يختلف مع غيره، أو يرجح رايا أو يضعفه، فهذا يدل على شخصيته المتميزة في الحكم على الراوي، ومما اختلف
[ ٥٦ ]
فيه مع غيره من ذلك الترجمة (٨٣) عندما ساله حمزة عن ابي بشر الدولابي، فاجابه بقوله: (تكلموا فيه ما تبين من امره الا خير) .
وقد يوافق غيره من النقاد كما في الترجمة (٣٦) إذ كان رأيه موافقا لغيره من الحفاظ النقاد..والدارقطني حين يوافق حكمه على الراوي حكم غيره من النقاد، فان ذلك لا يلغي رأيه، لانه متى ارتضى حكم غيره على الراوي يعتبر قائلا به.
٨ - من لم يعرفه الدارقطني في السؤالات: رغم سعة علم الدارقطني وخبرته بالرجال، الا ان الاحاطة بجميع الرجال لم تتوفر لناقد واحد، وهذا من طبيعة البشر، فالكمال المطلق لله تعالى وحده، ولذلك نجد من بين هذه السؤالات من سئل عنهم فأجاب بانه لا يعرفهم، وهذا يدل على امانة الدارقطني وانصافه في النقد حيث لا يتكلم الا عمن يعرفه ويخبر حاله.
٩ - مفاضلته بين الرواة والحفاظ: وتضمنت السؤالات مفاضلة الدارقطني للحفاظ والمحدثين بعضهم على بعض وهذا امر مهم للغاية، سيما إذا كان الحفاظ من المستويات العالية ومن اهل الجرح والتعديل، فالمفاضلة فيما بينهم امر يحتاج الى الدقة، وان يكون الناقد لهما من النقاد الذين ارتقوا المنزلة العالية في الجرح والتعديل، وهذا امر لا يقوى عليه كل واحد ومن ذلك قول حمزة: في الترجمة: (١١٣) (وسئل - الدارقطني - إذا حدث أبو عبد الرحمن النسائي، وابن خزيمة بحديث ايما تقدمه؟ فقال: أبو عبد الرحمن، فانه لم يكن مثله، ولا اقدم عليه احدا، ولم يكن في الورع مثله) .
ومثال ذلك: قول الدارقطني (وقد سئل عن المعمري، وموسى بن هارون؟ فقال: موسى بن هارون ابقى واثبت، ولا يدلس) .
[ ٥٧ ]
مميزات سؤالات حمزة عن كتاب الضعفاء: وقد تميزت سؤالات حمزة عن كتاب (الضعفاء) ان معظمها يدور حول رجال معاصرين للدارقطني أو من شيوخه، أو اقرانه، أو شيوخ شيوخه، كما
ان معظمهم بغداديون أو قدموا الى بغداد، الامر الذي جعل الخطيب البغدادي يقتبس من السؤالات (١٦٥) نصا، كما ان بعضهم كان من اقطار متعددة من اقطار العالم الاسلامي المترامية الاطراف، وشملت السؤالات لمجموعة من شيوخ ابي بكر الاسماعيلي، كما شملت رجالا مختلفين، فبعضهم ثقات عدول، وبعضهم الاخر مجروحين في حين ان كتاب (الضعفاء) اكثره مجروحون، ولم يكن حمزة السهمي يكتفي بسؤال شيخ واحد حول الرجل المسئول عنه، بل احيانا يسال اكثر من شيخ حول رجل واحد، بينما كتاب (الضعفاء) من كلام الدارقطني وحده، كما تضمنت السؤالات رجالا متقدمين، وهؤلاء قليلون جدا قياسا الى عدد تراجم السؤالات عامة، في حين ان كتاب (الضعفاء) شمل رجالا متقدمين كثيرين.
ومن مميزات السؤالات انها جاءت باشياء لم اجدها في غيرها من ذلك ان هنا لك رجالا لم اقف لهم على ترجمة، الا فيها، وهؤلاء قليلون جدا قياسا الى عدد تراجم السؤالات عامة.
اثر السؤالات فيما بعدها: لقد كان للسؤالات اثر كبير في المصنفات التي كتبت بعدها، والتي بحثت في الرجال واحوالهم فقد اقتبس منها الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد (١٦٥) نصا بواسطة على بن محمد بن نصر الدينوري، منها (١٢٠) نصا رواها السهمي عن الدارقطني) كما اقتبس ابن عساكر في كتابه (تاريخ دمشق) من سؤالات السهمي واشار الى الفراغ الذي في تلك النسخة، وهو مطابق لواقعها مما يوحي بان نسخته هي نفس نسخة احمد الثالث أو متفقة معها في
[ ٥٨ ]
اصل واحد، وقد بلغ عدد النصوص التي اقتبسها سبع نصوص.
واما القاضي أبو الحسين محمد بن ابي يعلي، فهو الاخر اقتبس من السؤالات في كتابه
(طبقات الحنابلة) في ثلاث مواضع.
كما اقتبس ياقوت الحموي في كتابه (معجم البلدان) من السؤالات في ثلاث مواضع.
واقتبس ابن نقطة في كتابيه (التقييد)، (والاستدراك) من السؤالات احد عشر نصا، وقد ذكر تلقيه للسؤالات جميعها بالسند حيث قال: (اخبرنا أبو حفص عمر بن محمد بن طبرزد قال: انبانا أبو القاسم علي بن طراد الزينبي، قال: انبانا اسماعيل بن مسعدة الاسماعيلي قال: ثنا حمزة بن يوسف السهمي.
وهذا هو نفس سند نسخة احمد الثالث التي اعتمدتها كاصل مما يدل على توثيق هذه النسخة.
اضافة الى ان هنا لك اقتباسات من السؤالات سيلاحظها القارئ اثناء مطالعته للكتاب منها: اقتباسات ابن الجوزي في كتابه (المنتظم) وابن كثير في كتابه (البداية والنهاية)، اما الذهبي فقد اقتبس من السؤالات في كتبه (سير اعلام النبلاء) (والعبر) و(تاريخ الاسلام) و(ميزان الاعتدال) و(المغني في الضعفاء) و(تذكرة الحفاظ) و(معرفة القراء الكبار) (١٥٨) نصا.
كما اقتبس ابن حجر من السؤالات في (تهذيب التهذيب) و(لسان الميزان) ١٥٣) نصا.
ان كثرة الاقتباس من السؤالات على هذا النحو الكبير تدل بوضوح على اهتمام علماء الجرح والتعديل فيها، وعظيم استفادتهم منها، واتخاذها اصلا ومصدرا لمؤلفاتهم في الجرح والتعديل، ولا عجب في ذلك فهي جوابات لكبار المحدثين والنقاد، وفي مقدمتهم الحافظ الدارقطني الذي استوعب الجواب على اكثر السؤالات، ولعل في هذا ما يكفي للتدليل على اهمية قيامي بتحقيق نصوصها ودراستها في هذه الرسالة، ليمكن على ضوئها تأصيل تلك النصوص المنقولة عنها فيما بعدها من كتب الجرح والتعديل.
[ ٥٩ ]