بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم وبعد.
للسنة النبوية المنزلة العظيمة في التشريع الاسلامي فهي تحتل المرتبة الثانية بعد كتاب الله ﷿، ولقد امرنا الله تعالى بوجوب اتباع السنة والعمل بها.
والرجوع إليها فقال: (من يطع الرسول فقد اطاع الله) وقال: (وما آتاكم الرسول فخذوه، وما نهاكم عنه فانتهوا) وقال: (يا ايها الذين آمنوا اطيعوا الله، واطيعوا الرسول واولي الامر منكم فان تنازعتم في شئ فردوه الى الله والى الرسول ان كنتم تؤمنون بالله واليوم الاخر، ذلك خير واحسن تأويلا.)
وقال رسول الله (ﷺ): (تركت فيكم ما ان تمسكتم به لن تضلوا من بعدي: كتاب الله وسنتي) وقال (ﷺ) (يوشك رجل منكم متكئا على اريكته يحدث بحديث عني فيقول: بيننا وبينكم كتاب الله، فما وجدنا فيه من حرام حرمناه الا وان ما
[ ٥ ]
حرمه رسول الله مثل الذي حرم الله.)
وقال تعالى: (فليحذر الذين يخالفون عن امر الله ان تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب اليم) .
ولقد اهتم المسلمون بحفظ سنة نبيهم (ﷺ)، فدونوها وحفظوها وفتشوا عن الطريق الذي وصلت إليهم الاحاديث منه..فانشاوا علم الجرح والتعديل..أو علم معرفة احوال الرجال من حيث قبول روايتهم اوردها..ان علم الجرح والتعديل هو ميزة من مميزات الحضارة الاسلامية عن غيرها من الحضارات، وسمة بارزة اتسم بها المسلمون عن غيرهم من الاقوام والشعوب..ذلك ان قبول الاخبار ورواية الحديث في المجتمع المسلم لا يقبل من كل فرد بل لا بد ان تتوفر في الناقل شروط وخصال حددها علماء الجرح والتعديل..فعلم معرفة الرجال والبحث عن احوالهم علم تفرد به المسلمون..بل هم اول من ابتكر هذا الفن من الفنون وما احوج الحضارات الاخرى الى هذا العلم..فلو تساءلنا ما سبب انحراف اليهودية والنصرانية عن حقيقتها كاديان منزلة من عند الله ﷾؟ لكان الجواب البديهي هو لكذب الرواة الذين نقلوا هذه الاديان لاممهم.
في حين ان المسلمين حافظوا على حقيقة دينهم واصالته بتحرزهم في نقل
سنة نبيهم (ﷺ) وعدم اخذهم الرواية الا بعد التاكد من صحتها وصدق راويها..ان نشؤ علم الجرح والتعديل يعتبر استجابة طبيعية من المسلمين لتوجيهات الله تعالى، وتعليمات نبيهم (ﷺ) .
قال تعالى: (يا ايها الذين آمنوا ان جاءكم فاسق بنبا فتبينوا ان تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين.)
[ ٦ ]
وقال (ﷺ): (لا تحدثوا الا عمن تقبلون شهادته) وهكذا سار السلف الصالح على هذا النهج، قال علي بن ابي طالب ﵁: (انظروا عمن تأخذون هذا العلم فانما هو الدين) وكذا قال أبو هريرة وابن سرين وغيرهم من علماء الامة الاسلامية ومحدثوها.
قال العز بن عبد السلام رحمه الله تعالى: (القدح في الرواة واجب لما فيه من اثبات الشرع، ولما على الناس في ترك ذلك من الضرر في التحريم والتحليل وغيرهما) .
وقال ابن خلدون: (ومن علوم الحديث النظر في الاسانيد ومعرفة ما يجب العمل به (من) الاحاديث بوقوعه على السند الكامل الشرط لان العمل انما وجب بما يغلب على الظن هدفه من اخبار رسول الله (ﷺ) فيجتهد في الطريق التي تحصل ذلك الظن وهو بمعرفة رواة الحديث بالعدالة والضبط، وانما يثبت ذلك بالنقل عن اعلام الدين بتعديلهم وبراءتهم من الجرح والغفلة، ويكون لنا ذلك دليلا على القبول أو الترك) ولقد بذلك علماء الجرح والتعديل جهودا جبارة في دراسة احوال الرجال الذين نقلوا السنة النبوية، وقلبوهم ظهرا لبطن..وكانوا في دراستهم في غاية التقوى والورع، الموضوعية والتجرد عن الهوى والمحاباة..ولقد برز جهابذة اختصوا بهذا الفن..ومن هؤلاء الامام الحافظ أبو
الحسن علي بن عمر الدارقطني، حيث اتجه إليه المحدثون والنقاد يسالونه عن الجرح والتعديل، وعلل الحديث.. (٥)
[ ٧ ]
وهذه سؤالات الحافظ أبو القاسم حمزة بن يوسف السهمي للامام الحافظ أبو الحسن الدارقطني ولغيره من المشايخ، من كتب الجرح والتعديل المهمة..ذلك انها سؤالات من حافظ كبير، لطائفة من كبار النقاد في مجال الجرح والتعديل، وعلى رأسهم الامامين الكبيرين ابي الحسن الدارقطني وابي بكر الاسماعيلي..كما ان هذه السؤالات كان لها الاثر الكبير في المصنفات التي جاءت فيما بعدها والفت في مجال الجرح والتعديل ومعرفة احوال الرجال..فقد اقتبس منها الخطيب البغدادي (١٦٥) نصا في تاريخ بغداد كما اقتبس منها ابن عساكر في كتابه (تاريخ دمشق) في اكثر من موضع، وكذا ابن الجوزي في كتبه (المنتظم) و(الموضوعات)، وكذا ابن كثير في (البداية والنهاية) وابن نقطة في (التقييد)، و(الاستدراك) وقبله ابن ماكولا في (الاكمال) كما اقتبس الذهبي ﵀ في كتبه (تاريخ الاسلام) و(تذكرة الحفاظ) و(سير اعلام النبلاء) وغير ذلك من المصنفات التي كتبها..وكذا ابن العماد في الشذرات، وابن حجر في مصنفاته..الى غير ذلك من كتب الجرح والتعديل والتراجم مما يدل على الاهمية العظيمة لهذه السؤالات.
ان كل من يشتغل بالحديث وعلومه، ولا سيما المهتم بالجرح والتعديل ليتطلع شوقا الى هذه السؤالات.
ولقد بذلت جهدي في تحقيقها ودراستها وتاصيل نصوصها من المخطوط والمطبوع..فان اصبت فمن الله..وان اخطأت فمني والشيطان واستغفر الله، والله تعالى اسال ان يوفقنا لخدمة ديننا وسنة نبينا (ﷺ) وهو حسبنا ونعم
الوكيل وآخر دعوانا ان الحمد لله رب العالمين
[ ٨ ]