في فبراير سنة ١٩٤٦، كنت في زيارة للقاهرة .. وقد رأيت أن أقابل الرجل الذي يتبعه نصف مليون شخص، وكتب في " النيويورك كرونيكل " بالنص:
«زرت هذا الأسبوع رجلًا قد يصبح من أبرز الرجال في التاريخ المعاصر، وقد يختفي اسمه إذا كانت الحوادث أكبر منه ذلك هو الشيخ حسن البنا زعيم الإخوان».
هذا ما كتبته منذ خمس سنوات، وقد صدقتني الأحداث فيما ذهبت إليه، فقد ذهب الرجل مبكرًا .. وكان أمل الشرق في صراعه مع المستعمر، وأنا أفهم جيدًا أن الشرق يطمح إلى مصلح يضم صفوفه، ويرد له كيانه، غير أنه في اليوم الذي بات فيه مثل هذا الأمل قاب قوسين أو أدنى انتهت حياة الرجل على وضع غير مألوف .. وبطريقة شاذة ..
هكذا الشرق لا يستطيع أن يحتفظ طويلًا بالكنز الذي يقع في يده .. لقد لفت هذا الرجل نظري بصورته الفذة، عندما كنت أزور القاهرة بعد أن التقيت بطائفة كبرى من زعماء مصر ورؤساء الأحزاب. كان هذا الرجل خلاب المظهر، دقيق العبارة، بالرغم من أنه لا يعرف لغة أجنبية. لقد حاول أتباعه الذين كانوا يترجمون بيني وبينه أن يصوروا لي
[ ٥ ]
أهداف هذه الدعوة، وأفاضوا في الحديث على صورة لم تقنعني.
وظل الرجل صامتًا. حتى إذا بدت له الحيرة في وجهي قال لهم: قولوا له شيئًا واحدًا .. «هل قرأت عن محمد؟» قلت: نعم. قال: «هل عرفت ما دعا إليه وصنعه؟» قلت: نعم. قال: «هذا هو ما نريده».
وكان في هذه الكلمات القليلة ما أغناني عن الكثير مما حاول البعض من أنصار البنا أن يقولوه لي.
لفت نظري إلى هذا الرجل سمته البسيط، ومظهره العادي، وثقته التي لا حد لها بنفسه، وإيمانه العجيب بفكرته.
كنت أتوقع أن يجيء اليوم الذي يسيطر فيه هذا الرجل علي الزعامة الشعبية. لا في مصر وحدها، بل في الشرق كله.
وسافرت من مصر بعد أن حصلت على تقارير وافية ضافية عن الرجل وتاريخه، وأهدافه وحياته، وقد قرأتها جميعًا وأخذت أقارن بينه وبين جمال الدين الأفغاني، ومحمد عبده، ومحمد أحمد المهدي، والسيد السنوسي، ومحمد بن عبد الوهاب. فوصل
[ ٦ ]
بي البحث إلى أن الرجل قد أفاد من تجارب هؤلاء جميعًا، وأخذ خير ما عندهم، وأمكنه أن يتفادى ما وقعوا فيه من أخطاء. ومن أمثلة ذلك أنه جمع بين وسيلتين متعارضتين، جرى على إحداهما الأفغاني وارتضي الأخرى محمد عبده.
.. كان الأفغاني يرى الإصلاح عن طريق الحكم، ويراه محمد عبده عن طريق التربية .. وقد استطاع حسن البنا أن يدمج الوسيلتين مَعًا، وأن يأخذ بهما جميعًا، كما أنه وصل إلى ما لم يصلا إليه، وهو جمع صفوة المثقفين من الطبقات والثقافات المختلفة إلى مذهب موحد، وهدف محدد.
ثم أخذت أتتبع خطوات الرجل بعد أن عدت من أمريكا وأنا مشغول به، حتى أثير حوله غبار الشبهات حينًا، مما انتهى إلى اعتقال أنصاره، وهي مرحلة كان من الضروري أن يمر بها أتباعه، ثم استشهاده قبل أن يتم رسالته.
وبالرغم من أنني كنت أسمع في القاهرة أن الرجل لم يعمل شيئًا حتى الآن وإنه لم يزد على جمع مجموعات ضخمة من الشباب حوله، غير أن معركة فلسطين، ومعركة التحرير الأخيرة في القناة، قد أثبتتا بوضوح أن الرجل صنع بطولات خارقة .. قَلَّ أن تجد لها مثيلًا، إلا في تاريخ العهد الأول للدعوة الإسلامية.
[ ٧ ]
كل ما أستطيع أن أقوله هنا، أن الرجل أفلت من غوائل المرأة والمال والجاه، وهي المغريات الثلاث التي سلطها المستعمر على المجاهدين، وقد فشلت كل المحاولات التي بذلت في سبيل إغرائه.
وقد أعانه على ذلك صوفيته الصادقة، وزهده الطبيعي، فقد تزوج مبكرًا وعاش فقيرًا وجعل جاهه في ثقة أولئك الذين اِلْتَفُّوا حوله، وأمضى حياته القصيرة العريضة مجانبًا لميادين الشهرة الكاذبة، وأسباب الترف الرخيص.
وكان يترقب الأحداث في صبر ويلقاها في هدوء، ويتعرض لها في اطمئنان، ويواجهها في جرأة.
لقد شاءت الأقدار أن يرتبط تاريخ ولادته، وتاريخ وفاته بحادثين من أضخم الأحداث في الشرق فقد ولد عام ١٩٠٦ وهو عام دنشوا، ومات عام ١٩٤٩، وهو عام إسرائيل، التي قامت شكليًا سنة ١٩٤٨ وواقعيًّا سنة ١٩٤٩.
وكان الرجل عجيبًا في معاملة خصومه، وأنصاره على السواء، كان لا يهاجم خصومه ولا يصارعهم بقدر ما يحاول إقناعهم وكسبهم إلى صفه، وكان يرى أن الصراع بين هيئتين لا يأتي بالنتائج المرجوة.
[ ٨ ]
وكان يؤمن بالخصومة الفكرية، وَلاَ يُحَوِّلُهَا إلى خصومة شخصية، ولكنه مع ذلك لم يسلم من إيذاء معاصريه ومنافسيه، فقد أعلنت عليه الأحزاب حربًا عنيفة .. كان الرجل يقتفي خطوات عمر وعلي، ويصارع في مثل بيئة الحسين، فمات مثلهم شهيدًا.
لقد سمعت الكثير من خصومه، وكان هذا طبيعيًا، بل كان من الضروري أن يختلف الناس في رجل استطاع أن يجمع حوله هذا الحشد الضخم من الناس بسحر حديثه وجمال منطقه، وقد انصرف هؤلاء من حول الأحزاب، والجماعات والفرق الصوفية والمقاهي ودور اللهو.
وكان لابد أن يصبح هذا مثار حقد بعض الناس الذين أدهشهم أن يستطيع هذا الرجل المتجرد الفقير أن يجمع إليه مثل هذا الشباب.
ومن الأمور التي لفتت نظري أنه أخذ من عمر خصلة من أبرز خصاله، تلك هي إبعاد الأهل عن مغانم الدعوة، فقد ظل عبد الرحمن ومحمد وعبد الباسط، وهم إخوته، بعيدين عن كبريات المناصب، ولطالما كان يحاسبهم، كما كان عمر يحاسب أهله ويضاعف لهم العقوبة إذا قَصَّرُوا. وقد أتيح لي أن ألتقي بوالده الوقور، الشيخ عبد الرحمن البنا، وسمعته يتحدث مع بعض الإخوان،
[ ٩ ]
إنه كان يتمني لو أن ابنه وضع الكتب في أمر الإسلام واكتفى بذلك، وقد رد عليه الأستاذ البنا بأنه منشرح الصدر لمعالجة الإسلام عن طريق تآلف الرجال.
ثم يتحدث جاكسون عن نشأة حسن البنا وأفكاره فيقول:
« في الأزقة الضيقة في أحشاء القاهرة، في حارة الروم، وسوق السلاح وعطفة نافع، وحارة الشماشرجى .. بدأ الرجل يعمل، وتجمع حوله نفر قليل، وكان حسن البنا الداعية الأول في الشرق الذي قدم للناس برنامجًا مدروسًا كاملًا، لم يفعل ذلك أحد قبله، ولم يفعله جمال الدين ولا محمد عبده، ولم يفعله زعماء الأحزاب والجماعات الذين لمعت أسماؤهم بعد الحرب العالمية الأولى ..».
.. وأستطيع بناء على دراساتي الواسعة أن أقول: إن حياة الرجل وتصرفاته كانت تطبيقًا صادقًا للمبادئ التي نادى بها. وقد منحه (الإسلام) كما كان يفهمه ويدعو إليه، حلة متألقة، قوية الأثر في النفوس، لم تتح لزعماء السياسة ولا لرجال الدين! لم يكن من الذين يشترون النجاح بثمن بخس، ولم يجعل الواسطة مبررة للغاية، كما يفعل رجال السياسة، ولذلك كان طريقه مليئًا بالأشواك، وكانت
[ ١٠ ]
آية متاعبة أنه يعمل في مجرى تراكمت فيه الجنادل والصخور، وكان هذا مما يدعوه إلى أن يدفع أتباعه إلى التسامي ويدفعهم إلى التغلب على مغريات عصرهم والاستعلاء علي الشهوات التي ترتطم بسفن النجاة فتحول دون الوصول إلى البر.
كان يريد أن يصل إلى الحل الأمثل، مهما طال طريقه، ولذلك رفض المساومة، وألغى من برنامجه أنصاف الحلول، وداوم فى إلحاح القول بأنه لا تجزئة في الحق المقدس في الحرية والوطنية والسيادة .. وكان هذا مما سبب له المتاعب والأذى.
وراعت بعض من حوله الثمرة، وعجزت أعصابهم عن أن تقاوم البريق، فسقطوا في منتصف الطريق.
كان يؤمن بالواقعية ويفهم الأشياء على حقيقتها، مجردة من الأوهام، وكان يبدو - حين تلقاه - هادئًا غاية الهدوء، وفي قلبه مرجل يغلي، ولهيب يضطرم فقد كان الرجل غيورًا على الوطن الإسلامي، يحترق كلما سمع بأن جزءًا منه قد أصابه سوء أو ألم به أذى، ولكنه لم يكن يصرف غضبته - كبعض الزعماء - وفي مصارف الكلام أو الضجيج أو الصياح، ولا ينفس عن نفسه بالأوهام، وإنما يوجه هذه الطاقة القوية إلى العمل والإنشاء والاستعداد لليوم الذي يمكن أن تتحقق فيه آمال الشعوب.
[ ١١ ]
وكان في عقله مرونة، وفي تفكيره تحرر، وفي روحه إشراق، وفي أعماقه إيمان قوى جارف.
وكان متواضعًا تواضع من يعرف قدره، متفائلًا، عف اللسان، عف القلم، يجل نفسه عن أن يجري مجرى أصحاب الألسنة الحداد.
كان مذهبه السياسي أن يرد مادة الأخلاق إلى صميم السياسة بعد أن نزعت منها وبعد أن قيل: إن السياسة والأخلاق لا يجتمعان.
وكان يريد أن يكذب قول تاليران: «إن اللغة لا تستخدم إلا لإخفاء آرائنا الحقيقة» فقد كان ينكر أن يضلل السياسي سامعيه أو أتباعه، أو أمته. وكان يعمل على أن يسمو بالجماهير، ورجل الشارع، فوق خداع السياسة، وتضليل رجال الأحزاب.
وكان يوم الثلاثاء .. يومًا مشهودًا يتجمع فيه بعض مئات من أنحاء القاهرة ليستمعوا إلى هذا الرجل الذي يصعد المنصة في جلبابه الأبيض وعباءته البيضاء وعمامته الجميلة، فيجيل النظر في الحاضرين لحظة .. بينما تنطلق الحناجر بالهتاف.
.. ولا تدهشك خطابته بقدر ما تدهشك إجابته
[ ١٢ ]
عن الأسئلة التي كان بعضها يتصل بشخصيته وحياته وأسرته.
وقد سئل مرة بعد أن ترك عمله في الحكومة ورفض مرتب الجريدة الضخم الذي كان يبلغ مائة جنية .. مم يأكل .. فقال في بساطة: كان محمد يأكل من مال خديجة وأنا آكل من مال (أخ خديجة) يقصد صهره ..
وكان أعجب ما في الرجل صبره على الرحلات في الصعيد .. هذه الرحلات التي لا تبدأ إلا في فصل الصيف حيث تكون بلاد الوجه القبلي في حالة غليان .. وفي أحشائها ينتقل الرجل بالقطار والسيارة والدابة وفي القوارب وعلى الأقدام.
وهناك تراه، غاية في القوة واعتدال المزاج .. لا الشمس اللافحة ولا متاعب الرحلة .. تؤثر فيه ولا هو يضيق بها تراه منطلقًا كالسهم، منصوب القامة يتحدث إلى من حوله، ويستمع، ويفصل في الأمور.
وقد أمدته هذه الرحلات في خمسة عشر عَامًا، زار خلالها أكثر من ألفي قرية، زار كل قرية بضع مرات، بفيض غزير من العلم والفهم للتاريخ القريب والبعيد وللأسر والعائلات والبيوتات وأحداثها وأمجادها
[ ١٣ ]
وما ارتفع منها وما انخفض .. وألوانها السياسية وأثرها في قراها وبلادها ورضا الناس عنها أو بغضهم لها .. وما بين البلاد أفرادًا وأحزابًا وهيئات وطوائف من خلافات أو حزازات .. كان يزور أحيانًا بلدًا من البلاد بلغت فيه الخصومة بين عائلتين مبلغها، وكل عائلة تود أن تستأثر به لتنتصر على الأخرى، فيقصد إلى المسجد مباشرة، أو يغير طريق سفره فلا يستقبله أحد إلا بعد أن يكون قد قصد إلى دار عامل فقير في البلد ..
.. وكنت إذا قلت له فلان .. الحسيني مثلًا أو الحديدي أو الحمصاني قال لك .. إن هذا الاسم تحمله خمس أسر أو أربع إحداها في القاهرة والثانية في دمنهور والثالثة في الزقازيق والرابعة في .. فأيها تقصد؟
وكانت هذه الزيارات المتوالية طوال هذه السنوات المتتالية، قد كونت له رأيًا في الناس .. فقل أن تكون قرية في مصر لا يعرف الرجل شبابها وأعيانها ووزراءها ورجال الأحزاب والدين والمتصوفة فيها .. ولا يكون قد تحدث إليهم واستمع منهم .. وعرف آمالهم ورغباتهم، وفي خلال الزيارات .. كنت ترى الرجل بسيطًا غاية البساطة ينام في الأكواخ أحيانًا، ويجلس على «المصاطب» ويأكل ما يقدم له ..
[ ١٤ ]
لا يحرص إلا على شيء واحد هو ألا يفهم الناس عنه أنه شيخ طريقة .. أو من الطامعين في المنفعة العاجلة.
ولقد حدثني أنه كان يدخل بلدًا من البلاد أحيانًا لا يعرف فيها أحدًا فيقصد إلى المسجد، فيصلي مع الناس، ثم يتحدث بعد الصلاة عن الإسلام .. وأحيانًا ينصرف الناس عنه فينام على حصير المسجد وقد وضع حقيبته تحت رأسه .. والتف بعباءته. ولا شك [أنه قد لقي في زياراته شيوخًا] وشبانًا، مثقفين وعوام .. وإنه قد استمع إليهم وقال لهم .. وأفاد منهم خبرة ضخمة واسعة .. أضافها إلى علمه وثقافته .. وإنني على ثقة من أن حسن البنا رجل لا ضريب له في هذا العصر، وأنه قد مر في تاريخ مصر، مرور الطيف العابر .. الذي لا يتكرر ..
«كان لا بد أن يموت هذا الرجل الذي صنع التاريخ وحول مجرى الطريق شهيدًا .. كما مات عمر وعلي والحسين، فقد كان الرجل يقتفي خطواتهم».
مات في عمر الزهر النضير، وفي نفس السن التي مات فيها كثير من العباقرة ورجال الفكر والفن .. وقضى وهو يسطع ويتألق.
وعاش الرجل كل لحظة من حياته، بعد أن
[ ١٥ ]
عجزت كل وسائل الإغراء في تحويله عن «نقاء» الفكرة وسلامة الهدف.
لم يحن رأسه، ولم يتراجع ولم يتردد أمام المثبطات ولا المهددات .. وكان الرجل قذى في عيون بعض الناس، وحاول الكثيرون أن يفيدوا من القوة التي يسيطر عليها، فقال لهم: «إِنَّ أَنْصَارَهُ لَيْسُوا عَصًا فِي يَدِ أَحَدٍ، وَإِنَّهُمْ للهِ وَحْدَهُ». وحاول البعض أن يضموه إليهم أو يطووه، فكان أصلب عُودًا من أن يخدع أو ينطوي
وكان على بساطته التي تظهر للمتحدث إليه بعيد الغور إلى الدرجة التي لا تفلت متصلًا به أو متحدثًا إليه من أن يقع في شركه ويؤمن بالفكرة التي يدعو إليها ..
وكان لا يواجه إلا من يعترض طريق دعوته، وكان يستر من لم يكشف خصومته. وكان لا يهاجم عَهْدًا ما دام هذا العهد لا يحول دون الامتداد الطبيعي لدعوته وكان يدخر قوته للوطن، ويكبر نفسه ودعوته من أن يكونا أداة صراع داخلي .. وظن بعض الناس أن هذا ضعف ولين ومسايرة، وما كان كذلك، فالرجل بطبيعته لم يكن يحب الصراع في معركة جانبية، ولا يقبل توزيع قواه .. وإنما يؤمن بالتطور والانتقال من مرحلة
[ ١٦ ]
إلى مرحلة ومن دور إلى دور على أساس النضج والتكامل، وكان هذا يزعج خصوم الوطن الذي لم يعهد سياسة تعلو على المطامع الفردية، وتتعالي على الأغراض الذاتية، وتنقي جوها من الدوافع الشخصية الخاصة.
وكان الرجل على قدراته الفائقة في ضبط أعصابه كَيِّسًا في مواجهة الأمور، لَبِقًا في استقبال الأحداث والأزمات.
وإلى هذا كله كان غاية الاعتدال، فكان يعيش براتب لا يزيد على راتبه المدرسي المحدود، وبين يديه الأموال الضخمة المعروضة من أتباعه، وحوله من العاملين معه من يصل دخله إلى ضعف أو أضعاف ما يحصل عليه.