هو الإمام، حافظ الزمان، أمير المؤمنين في الحديث، علي بن عمر بن أحمد ابن مهدي بن مسعود بن النعمان بن دينار بن عَبد الله، أَبو الحسن الدارقطني (٢) الشافعي (٣) مولده: ولد لخمس خلون من ذي القعدة سنة ست (٤) وثلاثمائة (٥) في دار قطن ببغداد.
نشأته: اعتني بطلب العلم منذ نعومة أظفاره، واهتم بالحديث وعلومه، وبالغ في اهتمامه، فبدأ يتردد على مجالس العلماء وعمره لم يتجاوز العشرة، فهو يمشي خلف المتعطشين إلى العلم وبيده رغيف وعليه إدام، وعندما يمنع من الدخول يقعد على
_________________
(١) الدارقطني: بفتح الدال وبعد الالف راء مفتوحة، ثم قاف مضمومة، وبعدها طاء مهملة ساكنة، ثم نون، هذه نسبة إلى دار قطن وكانت محلة كبيرة ببغداد. الانساب ٥ / ٢٧٣، وفيات الاعيان ٣ / ٢٩٨ - ٢٩٩.
(٢) انظر: تاريخ بغداد ١٢ / ٣٤، تاريخ دمشق ١٢ / ٢ / ٢٤٠ / ١، المنتظم ٧ / ١٨٣، التقييد ١٧٩ / ٢، وفيات الاعيان ٣ / ٢٩٧، سير أعلام النبلاء ١٠ / ٢٥٩ / ١، التذكرة ٣ / ٩٩١، طبقات الشافعية الكبرى ٢ / ٣١٠، البداية ١١ / ٣١٧.
(٣) وقيل: سنة خمس. انظر المنتظم ٧ / ١٨٣.
(٤) انظر: سؤالات السلمي للدارقطني ١٥٨ / ٢، تاريخ بغداد ١٢ / ٣٩ - ٤٠، المنتظم ٧ / ١٨٤، معجم البلدان ٢ / ٤٢٢: الاستدراك لابن نقطة ٤ / ٢، وفيات الاعيان ٣ / ٩٨، التذكرة ٣ / ٩٩١. (*)
[ ٩ ]
الباب ويبكي.
فهو كما حكى لنا يوسف القواس (٦) " كنا نمر إلى البغوي (٧) والدارقطني صبي يمشي خلفنا، بيده رغيف وعليه كامخ (٨)، فدخلنا إلى ابن منيع (٩) ومنعناه، فقد فقعد على الباب ويبكي (١٠) ".
وكان من صغره موصوفا بالحفظ الباهر والفهم الثاقب، والبحر الزاخر (١١) حضر في حداثته مجلس إسماعيل الصفار، فجلس ينسخ جزءا كان معه وإسماعيل يملي، فقال له بعض الحاضرين: لا يصح سماعك وأنت تنسخ، فقال الدارقطني: فهمي للاملاء أحسن من فهمك وأحضر، ثم قال له ذلك الرجل: أتحفظ كم أملى حديثا؟ فقال: إنه أملى ثمانية عشر حديثا إلى الان، والحديث الاول منها عن فلان، ثم ساقها كلها بأسانيدها وألفاظها لم يخرم منها شيئا، فتعجب الناس منه (١٢) .
ودأب على طلب العلم حتى صار فريد عصره، وقريع دهره، ونسيج
وحده، وإمام وقته في أسماء الرجال وأحوال الرواة وصناعة التعليل والجرح والتعديل وحسن التصنيف والتأليف، واتساع الرواية والاطلاع التام في الدراية، مع الصدق والامانة، والفقه والعدالة، وقبول الشهادة، وصحة الاعتقاد وسلامة المذهب (١٣) .
ورسخ في معرفة الحديث وعلله حتى صار من أحسن من تكلم في الحديث وعلله (١٤)
_________________
(١) هو: يوسف بن عمر القواس، توفي سنة خمس وثمانين وثلاثمائة. التذكرة: ٣ / ٩٨٩.
(٢) هُوَ: عَبد اللَّهِ بْنُ مُحمد بْنِ عَبد الْعَزِيزِ.
(٣) تاريخ دمشق ١٢ / ٢ / ٢٤١ / ١. سير أعلام النبلاء ١٠ / ٢٦٠ / ١. التذكرة ٣ / ٩٩٤.
(٤) هو: عبد الله بن محمد البغوي.
(٥) تاريخ دمشق ١٢ / ٢ / ٢٤١ / ١.
(٦) البداية والنهاية ١١ / ٣١٧.
(٧) انظر البداية والنهاية ١١ / ٣١٧، وتاريخ بغداد ١٢ / ٣٦ - ٣٧.
(٨) انظر المصدرين السابقين.
(٩) كتابه العلل الذي أقوم بتحقيقه جزء منه دليل واضح على ذلك. (*)
[ ١٠ ]
وفي الوقت نفسه اهتم بدراسة علم القراءآت، فأخذ القراءة عرضا وسماعا عن مُحمد بن النقاش (١٥) وعلي بن سَعيد القزاز (١٦)، ومن في طبقتهما، وأصبح على معرفة جيدة بالقراءات وأصولها ومسائلها وبرع فيها براعة بالغة جعلت الناس يقولون: إِن الدارقطني يخرج مقرئ البلاد.
فقد حَدَّثَنا عن نفسه فقال: " كنت أنا والكتاني (١٧) نسمع الحديث، فكانوا يقولون: يخرج الكتاني محدث البلاد، ويخرج الدارقطني مقرئ البلاد، فخرجت أنا
محدثا والكتاني مقرئا " (١٨) .
وكان الدارقطني مضطلعا بعلم القراءات فصنف فيها كتابا موجزا جمع الاصول في أبواب عقدها أول الكتاب، حتى قيل فيه: لم يسبق أَبو الحسن إلى طريقته التي سلكها في عقد الابواب المقدمة في أول القراءات، وصار القراء بعده يسلكون طريقته في تصانيفهم ويحذون حذوه (١٩) .
كما أَنه كان مضطلعا بالفقه، فإنه كان فقيها على مذهب الإمام الشافعي، تفقه على أَبي سَعيد الاصطخري (٢٠) الفقيه الشافعي، وقيل: بل أخذه عن صاحب لابي سعيد (٢١) .
وكان عارفا باختلاف العلماء ومذاهبهم، فهو كما قال الخطيب (٢٢): " فان كتاب السنن الذي صنفه يدل على أَنه كان ممن اعتنى بالفقه، لانه لا يقدر على جمع
_________________
(١) هو: محمد بن الحسن بن محمد، أبو بكر المقرئ النقاش، توفي سنة إحدى وخمسين وثلاثمائة. تاريخ بغداد ٢ / ٢٠١ - ٢٠٥.
(٢) توفى قبل الاربعين وثلاثمائة. انظر ترجمته في غاية النهاية ١ / ٥٤٣ - ٥٤٤.
(٣) هو: عمر بن إبراهيم بن أحمد، توفي سنة تسعين وثلاثمائة. غاية النهاية ١ / ٥٨٧ - ٥٨٨.
(٤) انظر المنتظم ٧ / ١٨٤.
(٥) انظر تاريخ بغداد ١٢ / ٣٤ - ٣٥.
(٦) هو: الحسن بن أحمد بن يزيد، توفي سنة ثمان وعشرين وثلاثمائة. تاريخ بغداد ٧ / ٢٦٨ - ٢٧٠.
(٧) انظر تاريخ بغداد ١٢ / ٣٤ - ٣٥، ووفيات الاعيان ٣ / ٢٩٧.
(٨) هو: أحمد بن علي الخطيب البغدادي، توفي سنة ثلاث وستين وأربعمائة. التذكرة: ٣ / ١١٣٥ - ١١٤٦. (*)
[ ١١ ]
ما تضمن ذلك الكتاب إلاَّ من تقدمت معرفته بالاختلاف في الاحكام (٢٣) ".
وبجانب هذه العلوم فقد اعتنى بدراسة النحو وكتب اللغة والشعر، فإنه كان يحفظ دواوين جماعة من الشعراء.
(٢٤) قال الخطيب: حَدَّثني الازهري (٢٥): " أَن أبا الحسن لما دخل مصر كان بها شيخ علوي من أَهل مدينة رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُقَالُ له: مسلم بن عُبَيد الله وكان عنده كتاب النسب عن الخضر بن داؤد عن الزبير بن بكار (٢٦) وكان مسلم أحد الموصوفين بالفصاحة، المطبوعين على العربية، فسأَل الناس أبا الحسن أن يقرأ عليه كتاب النسب، ورغبوا في سماعه بقراءته.
فأجابهم إلى ذلك واجتمع في مجلس من كان بمصر من أَهل العلم والادب والفضل، فحرصوا على أن يحفظوا على أَبي الحسن لحنة، أَو يظفروا منه بسقطة، فلم يقدروا على ذلك، حتى جعل مسلم يعجب ويقول له: وعربية أَيضًا (٢٧) ".
وكان الدارقطني مدرسة قائمة خرجت العديد من الحفاظ والعلماء، وقد أتاحت له معرفته العظيمة الواسعة بعلوم الحديث وغيره مكانة مرموقة بين أساتيذ العصر، فأمه طلبة العلم من كل حدب وصوب.
وتصدر في آخر أيامه للاقراء ببغداد (٢٨) .
_________________
(١) تاريخ بغداد ١٢ / ٣٥.
(٢) انظر تاريخ بغداد ١٢ / ٣٥.
(٣) هو: عُبَيد الله بن أَحمد بن عُثمان، أَبو القاسم الصيرفي، توفي سنة خمس وثلاثين وأربعمائة، شذرات الذهب ٣ / ٢٥٥.
(٤) قد طبع جزء منه باسم جمهرة نسب قريش وأخبارها، بتحقيق محمود شاكر في القاهرة سنة ١٣٨١ هـ.
(٥) تاريخ بغداد ١٢ / ٣٥.
(٦) وفيات الاعيان ٣ / ٢٩٧. (*)
[ ١٢ ]