لا شك أن للدارقطني كتابا كبيرا في العلل الواردة في الأَحاديث النبوية، وقد حاولت جاهدا أن أبحث عن نسخة مروية بالإسناد حفظتها لنا الايام من عوادي الدهر، ولكني لم أتمكن من ذلك، فالنسخ التي حصلت عليها حتى يومي هذا خالية من إسناد متصل بالمؤلف.
لذلك اضطررت للبحث عن قرائن تعوض عما فات من سلسلة الإسناد لاثبت أن هذا الكتاب هو كتاب العلل الذي أملاه الإمام الدارقطني.
فأولى هذه القرائن: أَن كل الأَحاديث المسندة في النسخة تبتدئ أسانيدها بشيوخ الدارقطني فمثلا: ١ - إِبراهيم بن حماد بن إِسحاق، أَبو إِسحاق الازدي (ت: ٣٢٣ هـ) أسند من طريقه ثلاثة وعشرين حديثا.
٢ - أَحمد بن عَبد الله بن مُحمد، أَبو بكر وكيل الصخرة (ت: ٣٢٥ هـ) روى من طريقه أربعين حديثا.
٣ - أَحمد بن عيسى بن السكين (ت: ٣٢٣ هـ) أورد من طريقه تسعة عشر حديثا.
٤ - أَحمد بن مُحمد بن سعدان، أَبو بكر الصيدلاني.
ذكر من طريقه عشرين حديثا.
٥ - أَحمد بن مُحمد بن سَعيد، أَبو العباس ابن عقدة (ت: ٣٣٢ هـ) أخذ من طريقه عشرين حديثا.
٦ - أَحمد بْنُ مُحمد بْنِ عَبد اللَّهِ بْنِ زياد، أَبو سهل القَطَّان (ت: ٣٥٠ هـ) روى من طريقه ثلاثة وعشرين حديثا.
[ ٥٩ ]
٧ - أَحمد بْنُ نَصْرِ بْنِ طَالِبٍ، أَبو طَالِبٍ الحافظ (ت: ٣٢٣ هـ) ذكر من طريقه واحدا وعشرين حديثا.
٨ - إسماعيل بن مُحمد بن إسماعيل الصفار (ت: ٣٤١ هـ) ذكر من طريقه أربعين حديثا.
٩ - الحسين بن إسماعيل أَبو عَبد الله المحاملي (ت: ٣٣٠ هـ) أورد من طريقه مائة وستة وسبعين حديثا.
١٠ - عَبد الله بن مُحمد بن زياد، أَبو بكر النيسابوري (ت ٣٢٤ هـ) ذكر من طريقه مائتين وخمسة وسبعين حديثا.
١١ - عَبد اللَّهِ بْنُ مُحمد بْنِ سَعيد بْنِ زياد المعروف بابن الجمال (ت: ٣٢٣) روى من طريقه خمسة وثلاثين حديثا.
١٢ - عَبد اللَّهِ بْنُ مُحمد بْنِ عَبد الْعَزِيزِ، أَبو القاسم البغوي (ت: ٣١٧ هـ) ذكر من طريقه سبعة وستين حديثا.
١٣ - علي بن عَبد الله بن مبشر، أَبو الحسن الواسطي (ت: ٣٢٤ هـ) ذكر من طريقه واحدا وتسعين حديثا.
١٤ - علي بن الفضل بن طاهر بن نصر، أَبو الحسن البلخي (ت: ٣٢٣ هـ) .
ذكر من طريقه ستة وعشرين حديثا.
١٥ - قاسم بن إسماعيل، أَبو عُبَيد المحاملي (ت: ٣٢٣ هـ) أورد من طريقه واحدًا
وعشرين حديثا.
١٦ - مُحمد بن إسماعيل، أَبو عَبد الله الفارسي (ت ٢٣٥ هـ) ذكر من طريقه اثنين وخمسين حديثا.
١٧ - مُحمد بن سُليمان بن علي، أَبو علي المالكي، أخذ من طريقه تسعة عشر حديثا.
١٨ - مُحمد بن عَبد الله بن إِبراهيم، أَبو بكر الشافعي (ت: ٣٥٤ هـ) ذكر من طريقه واحدا وثلاثين حديثا.
١٩ - مُحمد بن مخلد بن حفص أَبو عَبد الله الدوري العطار (ت: ٣٣١ هـ)
[ ٦٠ ]
أخذ من طريقه مائة وتسعة وأربعين حديثا.
٢٠ - مُحمد بن هارون، أَبو حامد الحضرمي (ت: ٣٢١ هـ) ذكر من طريقه ستة وعشرين حديثا.
٢١ - يَحيَى بن مُحمد بن صاعد بن كاتب، أَبو مُحمد الهاشمي (ت ٣١٨ هـ) أورد من طريقه مائة وأَربعة وثلاثين حديثا.
٢٢ - يعقوب بن إِبراهيم بن أحمد، أبو بكر البزار (ت: ٣٢٢ هـ) ذكر من طريقه أربعين حديثا.
وغير ذلك من شيوخه الذين روى عنهم في هذا الكتاب.
والقرينة الثانية: هي عزو الائمة بعض الاقوال أَو الأَحاديث إلى الدارقطني في كتابه العلل وهي موجودة بنصها في هذا الكتاب فمثلا: يقول أَبو مُحمد عَبد الله بن يوسف الزيلعي (*) في حديث " رفع القلم عن ثلاثة " الحديث.
" قال الدارقطني في كتاب العلل: هذا (١) حديث يرويه أَبو ظبيان (٢)، واختُلِفَ عَنه، فرواه سُليمان الأَعمش عنه، واختُلِف عليه (٤)، فرواه (٥) جَرير بْنُ حَازِمٍ عَن الأَعمش عَن أَبي ظبيان عَن ابن عَبَّاس (٦) فَرَفَعَهُ إِلَى النَّبي ﷺ عَن عَلي وعمر (٧) .
تفرد به (٨) ابن وَهب عن جَرير بن حازم.
_________________
(١) (*) - توفي سنة اثنتين وستين وسبعمائة. ذيل التذكرة لابن فهد ١٢٨ - ١٣٠.
(٢) في العلل: هو.
(٣) في العلل: أبو ظبيان حصين بن جندب.
(٤) فيها " عنه " غير موجود.
(٥) فيها: عنه.
(٦) فيها: فقال.
(٧) فيها: بعد " ابن عباس " عن علي.
(٨) في العلل: وعن عمر.
(٩) في العلل: تفرد بذلك. (*)
[ ٦١ ]
وَخَالَفَهُ ابْنُ فُضَيل وَوَكِيعٌ فَرَوَيَاهُ (٩) عَن الأَعمش عَن أَبي ظَبْيَانَ عَن ابْنِ عَبَّاس عَن علي وعمر مَوقوفًا.
فرواه عَمَّار بْنُ رُزَيق عَن الأَعمش عَن أَبي ظبين (١٠) مَوقوفًا.
ولم يذكر ابْنَ عَبَّاس.
وَكَذَلِكَ رَواه سَعْدُ (١١) بْنُ عُبَيْدَةَ عَن أَبي ظبيان مَوقوفًا، لم يَذْكُرِ ابْنَ عَبَّاس.
وَرَوَاهُ أَبو حُصَيْنٍ عَن أَبي ظَبْيَانَ عَن ابْنِ عَبَّاس عَن عَلِيٍّ وَعُمَرَ مَوقوفًا.
واختُلِفَ عَنه، فَقِيلَ: عَن أَبي ظَبْيَانَ عَن عَلي مَوقوفًا.
قَالَهُ أَبو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ وَشَرِيكٌ عَن أَبي حَصِين.
وَرَوَاهُ عَطَاءُ بْنُ السَّائِبِ عَن أَبي ظَبْيَانَ عَن عَلي وَعُمَرَ مَرفُوعًا.
حَدَّثَ بِهِ عَنْهُ حَماد بْنُ سَلَمة وأَبو الْأَحْوَصِ وجَرير بْنُ عَبد الحميد وعَبد العزيز ابن عَبد الصمد (١٢) وَغَيْرُهُمْ.
وَقَوْلُ وَكِيعٍ وَابْنُ فُضَيل أَشبه بِالصَّوَابِ " (١٣) .
ثم قال الزيلعي: " فسئل في علله هل لقي أَبو ظبيان عليا وعمر؟ فقال: نعم " (١٤) .
وهو موجود بنصه في هذا الكتاب (١٥) .
ونقل الزيلعي في نصب الراية عن الدارقطني في العلل في مواضع عديدة وهي
_________________
(١) في نسخة المطبوعة من نصب الراية: فرواه وهو خطأ بين.
(٢) في العلل: عن علي وعمر موقوفا.
(٣) في النسخة المطبوعة من نصب الراية: سعيد وهو خطأ.
(٤) في العلل: العمى.
(٥) نصب الراية، كتاب الحجر ٤ / ١٦٢ - ١٦٣.
(٦) المصدر السابق ٤ / ١٦٢ - ١٦٣.
(٧) المصدر السابق ٤ / ١٦٣.
(٨) انظر السؤال ٤ / ١٦٣. (*)
[ ٦٢ ]
موجودة بنصها في هذا الكتاب (١٦) .
وقال أَحمد بن علي بن حجر (١٧) في فتح الباري، في حديث أَبي بَكْرٍ أَنه سُئِلَ مَا بَقَاؤُنَا عَلَى هذا الامر الحديث: " وذكر الدارقطني في " العلل " أن في رواية شَريك وغيره عن إسماعيل بن أَبي خالد في حديث الباب أنها زينب بنت عوف، قال: وذكر ابن عُيَينة عن إسماعيل أنها جدة إِبراهيم بن المهاجر " (١٨) .
وهذا مطابق لما قاله الدارقطني في هذا الكتاب (١٩) .
وقال ابن حجر في التلخيص الحبير في حديث: " لم يكن يحجب النَّبي ﷺ عن القرآن شئ سوى الجنابة ".
" وحكى الدارقطني في العلل أن بعضهم رَواه عن عَمرو بن مُرَّة عَن أَبي البختري عن علي.
وخطأ هذه الرواية " (٢٠) .
وابن حجر ينقل كثيرا في فتح الباري والتلخيص الحبير والامالي عن
_________________
(١) انظر مثلا، نصب الراية ويقابلها في العلل للدارقطني. ١ / ٣٠٢ - ٣٠٣ السؤال رقم ٢١٣. ٣ / ٣٥ السؤال رقم ٧١. ٣ / ١٠٩ - ١١٠ السؤال رقم ١٩٢.
(٢) توفي سنة اثنتين وخمسين وثمانمائة. ذيل التذكرة لابن فهد ٣٢٦ - ٣٤٢، وذيل للسيوطي ٣٨٠ - ٣٨٢.
(٣) انظر فتح الباري، كتاب المناقب ٧ / ١٥٠.
(٤) انظر السؤال رقم ٤٩.
(٥) التلخيص الحبير، كتاب الطهارة، باب الغسل ١ / ١٢٩ (١٨٤) .
(٦) انظر السؤال رقم ٣٨٧. (*)
[ ٦٣ ]
العلل، ونقوله موجودة في هذا الكتاب (٢٢) .
وقال ابن حجر في التهذيب في ترجمته الحسن بن عُبَيد الله: " وضعفه الدارقطني بالنسبة للأعمش، فقال في العلل - بعد أن ذكر حديثا للحسن - خالفه فيه الأَعمش الحسن، ليس بالقوي ولا يقاس بالأَعمش " (٢٣) .
وهذا مطابق تماما لما في العلل (٢٤) .
والقرينة الثالثة هي: ما نقله الخطيب البغدادي عَن أَبي بكر البرقاني فقال: " قال أَبو بكر البرقاني: وكنت أكثر ذكر الدارقطني والثناء عليه بحضرة أَبي مسلم بن مهران الحافظ فقال لي أَبو مسلم: أراك تفرط في وصفه بالحفظ، فتسأَله عن حديث الرضراض عَن ابن مسعود، فجئت إلى أَبي الحسن وسأَلته عنه فقال: ليس هذا من مسائلك، وإِنما قد وضعت عليه، فقلت: نعم، فقال: من الذي وضعك على هذه المسأَلة؟ فقلت: لا يمكنني أن أسميه.
فقال: لا أجيبك أَو تذكره لي.
فأخبرته، فأملي علي أَبو الحسن حديث الرضراض باختلاف وجوهه، وذكر خطأ البخاري فيه، فألحقته بالعلل، ونقتله إليها أو كما قال " (٢٥) .
_________________
(١) انظر مثلا: فتح الباري العلل للدارقطني ٤ / ١٧٦ - ١٧٧ السؤال رقم ٣٥٥ ٦ / ٥٢٣ السؤال رقم ٣٥٨ التلخيص الحبير ١ / ١٨٣ (٢٦٣) السؤال رقم ٢٩١ ٢ / ٢٣٥ (٩٩٣) السؤال رقم ٦٢ ٣ / ١٦ (١١٧١) السؤال رقم ٤٠١ ٢٣ - التهذيب: ٢ / ٢٩٢ - ٢٩٣.
(٢) انظر السؤال رقم ٢٢٢.
(٣) تاريخ بغداد ١٢ / ٣٨. (*)
[ ٦٤ ]
وحديث الرضراض عَن ابن مسعود ﵁ هو: في مسند ابن مسعود من
كتاب العلل الموجود بين أيدينا، ولكن ليس في ذكر البخاري، بل المذكور فيه تخطئة ابن المديني.
فقد جاء في العلل في مسند ابن مسعود: " وَسُئِلَ عَنْ حَدِيثِ الرَّضْرَاضِ بْنِ أَسْعَدَ عَن ابْنِ مَسْعُودٍ كُنَّا نُسَلِّمُ عَلَى النَّبي ﷺ وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ.
فَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ يَرويه مُطَرِّفُ بْنُ طَرِيفٍ الْحَارِثِيُّ، واختُلِفَ عَنْهُ.
فَرَوَاهُ مُحمد بْنُ فُضَيل وأَسباط بْنُ مُحمد وجَرير بْنُ عَبد الْحَمِيدِ وَغَيْرُهُمْ عَنْ مُطَرِّفٍ عَن أَبي الْجَهْمِ سُليمان بْنِ الْجَهْمِ عَنِ الرَّضْرَاضِ عَنْ عَبد اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ.
وَرَوَاهُ أَبو كُدَيْنَة يَحيَى بْنُ الْمُهَلِّبِ عَنْ مُطَرِّفٍ عَن أَبي الْجَهْمِ عَنِ الرَّضْرَاضِ قَالَ: حَدَّثني قَيْسُ بْنُ ثَعْلَبَةَ عَن ابْنِ مسعود.
ذكر عَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ هَذَا الْحَدِيثَ فِي المُسند، فَقَالَ: كُنْتُ أَحْسِبُهُ مُتَّصِلًا حَتَّى رَأَيْتُ أَبَا كُدَيْنَة، رَواه عَنْ مُطَرِّفٍ فَأَدْخَلَ بَيْنَ الرَّضْرَاضِ وَبَيْنَ ابْنِ مَسْعُودٍ رَجُلًا يُقَالُ لَهُ: قَيْسُ بْنُ ثَعْلَبَةَ، وَقَيْسٌ هَذَا غَيْرُ مَعْرُوفٍ.
وَهَذَا الْقَوْلُ وَهْمٌ مِنْ أَبي كُدَيْنَة، وَالصَّحِيحُ قَوْلُ مَنْ قَالَ: عَنِ الرَّضْرَاضِ عَن ابْنِ مَسْعُودٍ.
وَبَيَّنَ أَبو حَمْزَةَ السُّكَّرِيُّ فِي رِوَايَتِهِ عَنْ مطرف لهذا الْحَدِيثِ، فَقَالَ: عَن أَبي الْجَهْمِ عَنِ الرَّضْرَاضِ رجل م بَنِي قَيْسِ بْنِ ثَعْلَبَةَ عَن ابْنِ مَسْعُودٍ.
والقول قول أَبي حمزة بمتابعة من قدمنا ذِكْرَهُمْ عَنْ مُطَرِّفٍ.
وَرَوَى هَذَا الْحَدِيثَ قَبيصَة بْنُ اللَّيْثِ الْأَسَدِيُّ عَنْ مُطَرِّفٍ عَن الشَّعبي عَنِ الرَّضْرَاضِ عَن ابْنِ مَسْعُودٍ، ووَهِمَ فِي ذِكْرِ الشَّعبِيّ، وَالصَّحِيحُ عَنْ مُطَرِّفٍ عَنْ أَبِي الجهم (٢٦) .
والله أعلم ".
_________________
(١) كتاب العلل، مسند ابن مسعود ٢ / ١٢ - ١٣ / ١. (*)
[ ٦٥ ]
القرينة الرابعة هي: ما ذكره بعض العلماء من أسلوب الدارقطني في إملاء العلل.
فقد ذكروا أَنه يذكر جميع ما في الحديث من اتفاق الرواة واختلافهم في الرواية.
فقد نقل الحديث عن البرقاني - عندما بين له طريقة إملاء الدارقطني للعلل - قَوْلَهُ ": فإذا أردت تعليق الدارقطني على الأَحاديث نظر فيها أَبو الحسن ثم أملى علي الكلام من حفظه فيقول: حديث الأَعمش عَن أَبي وائِل عَنْ عَبد اللَّهِ بن مسعود الحديث الفلاني، اتفق فلان وفلان على روايته، وخالفهما فلان، ويذكر جميع ما في الحديث " (٢٧) .
والقارئ الكريم يجد هذا الاسلوب سائدا في كتاب العلل الموجود بين أيدينا.
_________________
(١) تاريخ بغداد ١٢ / ٣٧. (*)
[ ٦٦ ]