فإن الله ﵎ من رحمته وفضله أن بيَّن للناس ما يحتاجون إليه من أمور دينهم أتمَّ البيان، وأكمله، فأرسل رسله وأنزل كتبه، حجة للعالمين.
وكان من الأمور التي بيَّنها الله - تعالى- لعباده المؤمنين، أحكام الطهارة، فذكرها -سبحانه- في آيات من كتابه، وفصَّلها رسوله ﷺ في جملة من أحاديثه.
ومن أهم مسائل الطهارة التي بيَّنها ﷺ: المسح على الخفين. وصار من أهميتها أنْ ذكرها العلماء في كتب العقيدة؛ ردًا على من أنكر ما جاءت به السُّنة من جواز المسح.
فهذا سهل بن عبد الله التستري - ﵀ - قيل له: متى يعلم الرجل أنه على السنة والجماعة؟ فذكر أمورًا عدة منها ألا يترك المسح على الخفين (١).
وقال أبو عصمة: «سألت أبا حنيفة: مَن أهل الجماعة؟ قال: من فضَّل أبا بكر وعمر وأحبَّ عليًا وعثمان ﵄، وآمن بالقدر خيره وشره من الله، ومسح على الخفين، ولم يُكَفِّرُ مؤمنًا بذنب، ولم يتكلم في الله بشيء» (٢).
وقال أبو الحسن الأشعري -﵀-: «واختلفوا في المسح على الخفين، فقال: أكثر أهل الإسلام بالمسح على الخفين، وأنكر المسح على الخفين الروافض والخوارج» (٣).
وقال أيضًا: «ويثبتون المسح على الخفين سنة ويرونه في الحضر والسفر» (٤) ومن أشهر الأحاديث الثابتة في شأن هذه السُّنة، حديث المغيرة بن شعبة ﵁، حيث ذكر فيه بعض ما لم يروه غيره من الصحابة ﵁.
_________________
(١) (*) قال مُعِدُّ الكتاب للشاملة: هذا المبحث ليس في المطبوع
(٢) أخرجه اللالكائي في السنة (٣٢٤).
(٣) أخرجه البيهقي في الاعتقاد (ص ١٦٣).
(٤) مقالات الإسلاميين (٢/ ١٦١).
(٥) المقالات (١/ ٣٤٨).
[ ١٠٩ ]
قال عبد الرحمن بن مهدي: «عندي ١٣ حديثًا عن المغيرة في المسح» (١).
وقال ابن المديني: «حديث المغيرة بن شعبة في المسح رواه عن المغيرة أهل المدينة وأهل الكوفة وأهل البصرة» (٢).
وقال أبو نعيم بعد أن سرد ٢٣ تابعيًا: «رووا عن المغيرة عن النبي ﷺ في المسح على الخفين، منهم من ساق القصة، ومنهم من اقتصر على المسح على الخفين والجوربين» (٣).
وقال ابن عبد البر بعد سرد بعض طرقه: «وكلهم يصف ضيق الجبة ويصف إمامة عبد الرحمن بن عوف، والقصة على وجهها بألفاظ متقاربة ومعنى واحد، إلا قليلًا منهم ممن اختصر القصة، وقصد إلى الحكم في المسح على الخفين وعلى الناصية» (٤).
ولأهمية هذا الحديث، قمت بجمع طرقه عن المغيرة ﵁ - من كتب الحديث والسنة - التي ذكر فيها المسح، فأربى عدد رواته على الأربعين راويًا.
أخرج الشيخان عن ثلاث من رواته فحسب، وهم:
١.عروة بن المغيرة (٥).
٢. مسروق (٦).
٣. الأسود بن هلال (٧).
ولفظ الحديث المشهور الذي رواه الثقات وخرجه أصحاب الكتب السبعة وغيرهم، يدور على "أنَّ النَّبيَّ ﷺ خَرَجَ لِحَاجَتِهِ فَاتَّبَعَهُ الْمُغِيرَةُ بِإِدَاوَةٍ فِيهَا مَاءٌ، فَصَبَّ عَلَيْهِ حِينَ فَرَغَ مِنْ حَاجَتِهِ فَتَوَضَّأَ وَمَسَحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ".
_________________
(١) المعجم للإسماعيلي (٢/ ٧٠٣)، ويعني بالحديث الطريق والسند.
(٢) الكبرى للبيهقي (١/ ٢٨٤).
(٣) معرفة الصحابة (٦٢٢٩).
(٤) التمهيد (١١/ ١٣٠).
(٥) البخاري (١٨٢ و٢٠٣) ومسلم.
(٦) البخاري (٣٦٣) ومسلم (٢٧٣).
(٧) مسلم (٢٧٤).
[ ١١٠ ]
وزاد بعض الرُّواة عن المغيرة القصَّة كاملة، يقول فيه المغيرة ﵁: «تخلَّف رسول الله ﷺ وتخلَّفت معه، فلما قضى حاجته قال:" أمعك ماء "؟ فأتيته بمطهرة فغسل كفَّيه ووجهه، ثم ذهب يحسر عن ذراعيه، فضاق كمُّ الجبَّة، فأخرج يده من تحت الجبَّة وألقى الجبَّة على منكبيه، وغسل ذراعيه، ومسح بناصيته وعلى العمامة وعلى خفيه، ثم ركب وركبت، فانتهينا إلى القوم وقد قاموا في الصَّلاة، يصلِّي بهم عبد الرحمن بن عوف وقد ركع بهم ركعة، فلما أحسَّ بالنبي ﷺ ذهب يتأخَّر، فأومأ إليه، فصلَّى بهم، فلما سلَّم قام النَّبي ﷺ وقمت، فركعنا الرَّكعة التي سبقتنا».
فزاد فيه أيضًا المسح على العمامة والرأس، وهي رواية جماعة أيضًا عن المغيرة في الصحيح.
ومن الرواة من ذكر قصة عبد الرحمن بن عوف ولم يذكر المسح فيه (١).
واقتصرت في هذا البحث على الألفاظ الخارجة عن رواية الجماعة سواء كانت في الصحيحين أم لا.