وللتَّرجيح قرائن خاصة أخرى يمكن استنباطها من تعليلات الحفَّاظ، والنظر في سياق كلامهم، واستخراج أسباب ترجيحهم رواية على أخرى، مع التَّنبُّه إلى أنَّه قد تقدَّم قرينةٌ على أخرى لأسبابٍ تظهر من كل حديثٍ بعينه.
ومن الأمثلة على اختلاف الحفاظ في الترجيح بسبب الاختلاف في تقديم القرائن قول ابن أبي حاتم: «سألت أبي وأبا زرعة عن حديث رواه
_________________
(١) العلل (٣/٢٢٩) .
(٢) الفتح (١٠/٣٢٢)، حديث (٥٧٩٠) .
[ ١١٠ ]
الثوري عن الزبير ابن عدي عن أبي رزين عن زر بن حبيش عن أبي بن كعب عن النبي ﷺ في المعوذتين.
قال أبو زرعة: ورواه عنبسة بن سعيد قاضي الري عن عمرو بن أبي قيس عن الزبير بن عدي عن أبي رزين عن حذيفة عن النبي ﷺ. قال أبو زرعة: حديث عنبسة وعمرو أشبه عندي إذا اتفق عليه النفسان، وهما الرواة عن الزبير، وأخاف أن يكون اشتبه على الثوري عاصم عن زر، ولعله من الزبير.
قال أبي: حديث الثوري أصح عن أُبيّ، وهو أحفظهم وأعلى من هؤلاء بدرجات والحديث بأُبي أشبه إذْ كان قد رواه عاصم عن زر عن أبي عن النبي ﷺ وليس لحذيفة عن النبي ﷺ في المعوذتين معنى» (١) .
فاختلافا في قرينة الترجيح، فبينما اعتمد أبو زرعة على العدد والاختصاص، اعتمد أبو حاتم على الحفظ والمتابعة القاصرة.
ومما سبق يتبين إجمالًا إنه ينبغي في الترجيح بين الرواة الثقات عند خفاء القرائن العامة النظرُ في تراجمهم لاستنباط قرائن خاصة دقيقة تساعد على الحكم بدقة، كما لو كان الراوي معروفًا بقصر الأسانيد، أو وقفها، كما هو مذهب بعض السلف، وصرَّح به أحمد بن حنبل فقال: «وقد كان مذهبهم أن يقصروا بالحديث ويوقفوه» (٢) .
وقال الدَّارقُطني إنَّ ابن سيرين وابن عون ومالك ربما أوقفوا المرفوع أو أرسلوا الموصول (٣) .
_________________
(١) العلل (٢/٥٤-٥٥) .
(٢) رواية المروذي (٧٨) وشرح العلل (٢/٦٨٩) .
(٣) علل الدَّارقُطني (١٠/١٤و٢٣و٦/٦٣) .
[ ١١١ ]
ويمكن للناظر في هذه القرائن أن يقسمها إلى ما يلي:
أ/ باعتبار القرب والبعد، قسمان:
١ - قرائن داخلية: تعرف من الرِّوايات التي تذكر مع العلة، فيُرجَّح بينها من خلال ذلك دون حاجة - أحيانًا - إلى تتبع الطُّرق وجمعها، ومن أمثلتها قرينة البلد والاختصاص.
٢ - قرائن خارجية: قد يتعذر الحكم على الحديث بدونها، ومن أمثلتها قرينة العدد والاختلاف على الرَّاوي ونحو ذلك.
ب/كما أنها باعتبار الظهور والخفاء قسمان آخران:
١ - قرائن ظاهرة: كالقرائن العامة.
٢ - قرائن خفية: كالرواية عن أهل بلده.
ج/ وباعتبار التنصيص، قسمان:
١ - قرائن نص العلماء على عليها، كقولهم: «فلان أحفظ».
٢ - قرائن مسكوت عنها، تعلم بالقياس والاستنباط.
والأمثلة على القرائن السابقة من كلام أهل العلم على الأحاديث كثيرة جدًا، ولعل فيما ذُكر كفاية في الدلالة على أصل كل مسألة، والله أعلم.
وصلى الله على نبيه محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.
[ ١١٢ ]