وهي تعدُّ من أقوى القرائن المسلوكة للتَّرجيح بين الرِّوايات المختلفة. واعتمدها كثير من الحفَّاظ السَّابقين. ومن أشهرهم يحيى القطَّان حيث قال: «كنَّا نظنُّ أنَّ الثَّوريَّ وهم فيه لكثرة من خالفه» (١) .
ونصَّ عليها الشافعي فقال: «والعدد أولى بالحفظ من الواحد» (٢) .
وقال أيضًا: «إنَّما ندع تثبيت ما خالفه فيه غيره مما هو أكثر منه عددًا فأمَّا ما لم يكن يخالفه فيه أحد وهو لفظ غير الَّلفظ الذي خولف فيه وأمر غير الأمر الذي خولف، فنثبته إذا لم يكن فيه مخالف» (٣) .
وقال أيضًا: «إنَّما يغلط الرَّجل بخلاف من هو أحفظ منه، أو يأتي بشيء
_________________
(١) العلل للدارقطني (٥/٢١١) .
(٢) اختلاف الحديث (ص١٢٧) وشرح العلل (١/٤٢٥) .
(٣) السنن المأثورة (٤٨١) - برواية المزني - والأم (٨/٥٦٣) .
[ ٥٥ ]
في الحديث يشركه فيه من لم يحفظ منه ما حفظ، وهم عدد وهو منفرد» (١) .
وقال أبو حاتم محتجًا بهذه القرينة في حديثٍ: «اتفق ثلاثة أنفس على التَّوصيل» (٢) .
وقال ابن معين في حديث: «الناس يحدثون به مرسلًا» (٣) .
وقال البيهقي: «وكما رجَّح الشَّافعي إحدى الرِّوايتين على الأُخْرَى بزيادة الحفظ، رجَّح أيضًا بزيادة العدد» (٤) .
وقال أيضًا: «والجماعة أولى بالحفظ من الواحد» (٥) .
وقال الخطيب: «ويرجَّح بكثرة الرُّواة لأحد الخبرين، لأن الغلط عنهم والسَّهو أبعد، وهو إلى الأقلِّ أَقرب» (٦) .
وقال الدَّارقطني في حديث: «واجتماع هؤلاء الأربعة على خلاف ما رواه ابن أبي كثير يدلُّ على ضبطهم للحديث» (٧) .
وسئل الدَّارقطني عن الحديث إذا اختلف فيه الثِّقات، فقال: «ينظر ما اجتمع عليه ثقتان فيحكم بصحته، أو ما جاء بلفظة زائدة، فتقبل تلك
_________________
(١) اختلاف الحديث (ص٢٩٤) .
(٢) العلل لابن أَبي حاتم (٢/٣٩١) .
(٣) رواية الدوري (٢٩٧٣) .
(٤) القراءة خلف الإمام للبيهقي (٣١٦) .
(٥) الشعب (٤/٧) .
(٦) الكفاية (ص٤٧٦) .
(٧) السنن (٣/٤٤) .
[ ٥٦ ]
الزِّيادة من متقن، ويحكم لأكثرهم حفظًا وثبتًا على من دونه» (١) .
وقال الذهبي: «وإن كان الحديث قد رواه الثَّبت بإسناد، أو وقفه أو أرسله، ورفقاؤه الأثبات يخالفونه، فالعبرة بما اجتمع عليه الثِّقات، فالواحد قد يغلط » (٢) .
وقال الصَّنعاني: «الملاحظ القرائن. والكثرة أحد القرائن» (٣) .
وهذه القرينة إنما تفيد إذا كانت الرواة محتجًا بهم من الطرفين (٤) المختلفين، أما مع الضعف فالأمر يحتاج إلى قرائن أخرى.