العِلَّةُ في اللُّغَةِ: - قال في القَامُوسِ: «والعِلَّةُ - بالكَسْرِ -: المَرَضُ. عَلَّ يَعِلُّ، واعتلَّ، وأعلَّه الله تعالى فهو مُعَلٌّ، وعَلِيل، ولا تقل: مَعْلُول » (١) . وقال النَّوويُّ عن "مَعْلُول": «هو لحن»، وتبعه السّيوطي (٢) . بينما عبَّر ابن الصلاح بقوله: «والمَعْلُول مرذول عند أهل العربية واللُّغة»، وعلق العراقي على ذلك بقوله: «واعتُرِض عليه بأنه قد حكاه جماعة من أهل اللُّغة، منهم قُطْرُب (٣)، بينما حكاه اللَّبْلي (٤) والجوهري (٥) في الصِّحاح والمُطَرِّزي (٦)
في المُغْرِب»، ثم قال العراقيُّ: «والجواب عن
_________________
(١) القاموس: مادة «علل» .
(٢) تدريب الراوي (١/٢٩٤) .
(٣) هو أبو علي محمد بن المستنير البصري، أحد العلماء بالنحو واللغة، توفي سنة ٢٠٦هـ - تاريخ بغداد (٣/٢٩٨) .
(٤) هو أبو العباس أحمد بن يوسف الفهري، ولد بلَبْلَة غرب الأندلس عام ٦٢٣هـ، وتوفي سنة ٦٩١هـ، له تحفة المجد الصريح في شرح كتاب الفصيح - مقدمة فهرس اللبلي (ص٥) وما بعدها.
(٥) هو أبو نصر إسماعيل بن حمَّاد الجوهري الفارابي، من بلاد الترك، إمام في علم اللغة، وخطه يضرب به المثل في الحسن، توفي سنة ٣٩٨ هـ - إنباه الرُّوَاة للقفطي (١/٢٢٩) .
(٦) هو ناصر بن عبد السَّيِّد الخوارزمي الحنفي، شيخ المعتزلة، له شرح المقامات، توفي سنة ٦١٠هـ - السير (٢٢/٢٨) ..
[ ٧ ]
المصنِّف - أي ابن الصَّلاح - أنه لا شكَّ في أنَّه ضعيف وإنْ حكاه بعض من صنَّف في الأفعال كابن القُوطيَّة (١) . وقد أنكره غير واحد من أهل اللُّغة كابن سيده (٢) والحَريري (٣) وغيرهما» (٤) . وفيما قاله نظر، ولعلَّ قول الزَّركشي أَقرب حيث قال: «والصَّواب أنه يجوز أن يقال: علَّه، فهو مَعْلُول، من العِلَّة والاعتلال، إلا أنه قليل ويشهد لهذه العِلَّة قولهم: عليل كما يقولون قتيل وجريح وظهر بما ذكرناه أن قول المصنِّف: "مرذول"، أجود من قول النَّووي في اختصاره: "لحن"، لأن اللَّحن ساقط غير معتبر البتة، بخلاف المرذول. وأما قول المحدِّثين: "علَّله فلان بكذا"، فهو غير موجود في اللغة، وإنَّما هو مشهور عندَهم بمعنى ألهاه بالشيء وشغله، من تعليل الصَّبي بالطَّعام. لكنَّ استعمال المحدِّثين (٥) له في هذا المعنى على سبيل الاستعارة» (٦) .
وأقدم من وجدته استعمل كلمة معلول بمعنى مريض - ممن يحتجُّ بكلامه في اللُّغة - مع العلم والإمامة في الدِّين - الإمامُ الشَّافعي، حيث قال في كتاب الرَّهن من كتابه "الأمِّ": «ومن يجوز ارتهانه ثلاث أصناف: - صحيح وآخر مَعْلُول وآخر فاسد »، إلى أنْ قال: «فهذا الرَّهن
_________________
(١) هو أبو بكر محمد بن عمر الأندلسي النحوي، كَانَ رأسًا في اللغة والنحو، ذا عبادة ونسك، توفي سنة ٣٧٦هـ - السير (١٦/٢١٩) .
(٢) هو أبو الحسن علي بن إسماعيل المرسي الضرير، عالم باللغة، توفي سنة ٤٥٨هـ - السير (١٨/١٤٤) .
(٣) هو أبو محمد القاسم بن علي البصري، صاحب المقامات، توفي سنة ٥١٦هـ - السير (١٩/٤٦٠) .
(٤) التقييد (ص١١٦) .
(٥) لم أجد عمَّن سلف من المحدثين من استعملها، فالمراد من تأخر منهم، فلا ينسب إليهم هذا الاستعمال بإطلاق.
(٦) النكت للزركشي (٢/٢٠٥-٢٠٦) .
[ ٨ ]
الصَّحيح الذي لا علة فيه، وأما المَعْلُول » (١) .
فهذا النَّصُّ يردُّ على كلِّ من أنكره لغةً، فاللفظة قليلة الاستعمال، صحيحة لغة، لا مرذولة.
وأقدم من وجدته استعمل لفظة: "معلّ" هو العقيليُّ (٢)، وهي صحيحة.
أما لفظة: «مَعْلُول» فقليلة عند السلف من المحدثين (٣)، فيما يظهر.
العِلَّة في الاصطلاح:
عرَّف العراقي (٤) العِلَّة في منظومته الألفية بقوله: -
وهي عبارة عن أسباب طرت فيها غموض وخفاء أثَّرت (٥) .
فيؤخذ مما قال أن العِلَّةَ: سببٌ خفيٌ وغامضٌ مؤثِّرٌ في الحديث الذي
_________________
(١) الأم (٣/١٨٤)، وقد قال عبد الملك بن هشام النحوي وأبو عبيد القاسم: «الشافعي ممن تؤخذ عنه اللغة» - مناقب الشافعي لابن أَبي حاتم (ص١٣٦) . ولم أجد شاهدًا - بعد البحث - من الشعر القديم المحتج به على المراد هنا.
(٢) الضعفاء (٣/٢٨٧) .
(٣) من أقدم من ذكر هذه اللفظة: ١. البخاري فيما نقله عنه الترمذي في علله الكبير (١/٥٥١-ترتيبه)، والخليلي في الإرشاد (٣/٩٦١) . ٢. أَبُو داود في رسالته (ص٣٤) . ٣. الترمذي في جامعه في موضعين (٩٧و١١١٩)، ولم أجده عن غيرهم من العلماء ممن هو في طبقتهم المتقدمة.
(٤) وهو مقتضى كلام الحاكم وابن الصلاح وغيرهما، كما سيأتي.
(٥) فتح المغيث (١/٢٥٨) .
[ ٩ ]
ظاهره السَّلامة. فللعلة ركنان هما: -
١. الخفاء والغموض.
٢. القدح في الحديث، سندًا أو متنًا.
ويلزم عليه أنه إن تخلَّف أحدهما فلا يسمى الحديث مُعَلًا اصطلاحًا.
وهذا التَّعريف الذي استقرَّ مؤخرًا - وهو ما سار عليه غالب العلماء.
فهو يخصِّص العلَّة ويحصرها بوصفين، أما السابقون من المحدِّثين فإن العِلَّة عندهم أعمُّ مما اشتهر بعد، فهي: «كلُّ ما أثَّر - ولو لم يقدح - في الحديث سندًا أو متنًا، لفظًا أو معنىً، ظهر أم خفي» .
حيث نجد في كتب الحديث والعلل الكثيرَ من تعليلِ أحاديثٍ بغيرِ ما تقدَّم في التعريف الأول (١)، فيعللون بعلل غير خفية بل في غاية الوضوح كالرَّاوي المتروك (٢)، ويعللون بغيْر قادحٍ كتغيير الصَّحابي.
ويشهد لذلك تسميةُ التِّرمذيِّ المنسوخَ معلولًا لعدم العمل به (٣)، لا لعدم صحته، لاشتمال الصَّحيح على أحاديث منسوخة (٤) .
_________________
(١) علوم الحديث لابن الصلاح (١٢٢-التقييد) والنكت لابن حجر (٢/٧٧١) وتوضيح الأفكار (٢/٢٧) .
(٢) قال ابن أَبي حاتم: «سألت أَبي عن حديث رَوَاهُ عمرو بن خالد عن زيد بن علي عن آبائه أن عليًا انكسرت إحدى زنديه فأمره النبي -ﷺ- أن يمسح على الجبائر فقال أَبي: هذا حديث باطل، لا أصل له، وعمرو بن خالد: متروك الحديث» - العلل (١/٤٦) . وسئل الدارقطني عن حديث آخر من حديث ابن عباس عن أَبي بكر أن النبي -ﷺ- قال: «العائد في هبته كالكلب يعود في قيئه» . فقال: يرويه الوليد بن سلمة الأردني، وهو متروك الحديث عن عمر بن قيس سندل، وهو ضعيف أيضًا ويضطرب في إسناده » - العلل للدارقطني (١/٢١٣) .
(٣) فتح المغيث (١/٢٧٢) .
(٤) النكت للزركشي (٢/٢١٥) .
[ ١٠ ]
ونقل ابن أبي حاتم عن أبيه قوله: «حديث ابن مسعود في التطبيق منسوخ» (١) .
ونصَّ ابن الصلاح على ما سبق، فقال: «إنَّ بعضهم - أي المحدِّثين - أطلق اسم العلة على ما ليس بقادح» (٢) .
ولعلَّ تخصيص المتأخِّرين هذا النوع باسم العلل لأن أكثر أحاديث كتب العلل من هذا النَّوع، كما هو ظاهر وصرَّح به السخاوي (٣)، أو لأنه أدقُّها وأغمضُها، وقد اعتَرَض بعضُهم بشدة على هذا التخصيص، ولكلٍ وجهٍ ما يؤيده، ولعل ما ذهب إليه المتأخرون نوع من الحصر والتقييد، لا تغيير في المنهج بالمعنى العام، وإلا فما سلف من صنيعهم أولى، وصنيع الخلف أسهل للتعلم والفهم، والخلاف في النهاية غير مؤثر إذا سلم النهج العام.
وعلى ما سبق، فالحديث المعلُّ اصطلاحًا متأخرًا هو: "الحديث الذي ظاهره السَّلامة، اطُّلع على قادح في صحته سندًا أو متنًا".
فلا يكون الحديث معلولًا - اصطلاحًا - إلا إذا توفر فيه شرطان هما: -
١. السَّلامة في الظاهر بتحقق شروط صحة الحديث - سندًا (٤) - أولًا.
_________________
(١) العلل (١/٩١) .
(٢) مقدمة ابن الصلاح (ص-التقييد) .
(٣) فتح المغيث (١/٢٧١) .
(٤) عبَّر العراقي عن ذلك بقوله: «ويتطرق ذلك إلى الإسناد الذي رجاله ثقات الجامع شروط الصحة من حيث الظاهر» - التقييد (ص١١٦)، ولذا لا يشتغل بتعليل رواية الضعفاء كما قال أَبُو حاتم لابنه: «ليس عبد الله في هذا الوزن أن يشتغل بخطئه، عامة حديثه على هذا» - العلل (٢/٢٦٦) .
[ ١١ ]
٢. الوقوف على قادح في أحد هذه الشروط - غالبًا - ثانيًا.
قال الحاكم: «وإنَّما يعلَّل الحديث من أوجه ليس للجرح فيها مدخل، فإنَّ حديث المجروح ساقط واهٍ (١)، وعلة الحديث تكثر في أحاديث الثِّقات، أنْ يحدِّثوا بحديثٍ له علة فيخفى عليهم علمه، فيصير الحديث معلولًا » (٢) .
ويظهر أن الحاكم أول من خصَّص هذا المصطلح، وتبعه من بعده دون أن يستدرك عليه، بل إنَّ ابن حجر قال بعد كلام لابن الصلاح: «وفي هذا ردٌّ على من زعم أن المعلول يشمل كلَّ مردود» (٣)، وقال أيضًا: «المعلول ما علته قادحة خفية» (٤)، وعلى هذا التعريف الأخير سار الرُّكبان من أهل الحديث.
تنبيه: لا يلزم من الإشارة إلى وجود علة في حديث أن يكون معلًا مطلقًا.
قال العلائي: «وإنَّما يقوى القول بالتَّعليل عند عدم المعارض، وحيث يجزم المعلِّلُ بتقديم التَّعليل، أو أنَّه أظهر، فأمَّا إذا اقتصر على الإشارة إلى العِلَّة فقط، بأن يقول - مثلًا - في الموصول: رواه فلان مرسلًا، أو نحو ذلك، ولا يبيِّن أي الرِّوايتين أرجح، فهذا موجود في كلامهم، ولا يلزم منه رجحان الإرسال على الموصول» (٥)، وبنحوه لابن حجر (٦) أيضًا.
* * *
_________________
(١) يعرف ضعف المحدِّث - غالبًا - بمخالفة بقية الثقات، كما قال الدارقطني عن راوٍ: «يحدِّث بأحاديث يسندها، ويوقفها غيْره» - سؤالات الحاكم للدارقطني. (٣٣٤) .
(٢) معرفة علوم الحديث (ص١١٢-١١٣) .
(٣) النكت لابن حجر (٢/٧٠٩) .
(٤) النكت لابن حجر (٢/٧٧١) .
(٥) النكت لابن حجر (٢/٧٧٧) .
(٦) المصدر السابق.
[ ١٢ ]