«وترجَّح ذلك عنده بقرينة، كونها تختصُّ بأبيه فدواعيه متوفِّرة على حملها عنه» (١) .
٢) الرواية بالمعنى: ومن أمثلته ما رواه هشيم بن بشير عن الزُّهري حديث: «لا يتوارث أهل ملتين» (٢)، فقد رواه كلُّ أصحاب الزُّهري عنه بلفظ: «لا يرث المسلم الكافر، ولا الكافر المسلم» (٣) .
قال أحمد: «لم يسمع هشيم من الزُّهري حديث علي بن حسين عن عمرو بن عثمان عن أسامة بن زيد عن النَّبي ﷺ: «لا يتوارث أهل ملتين شتى»، قال أبي: وقد حدثنا به هشيم» (٤) .
وقال ابن حجر: «وقد حكم النَّسائي وغيره على هشيم بالخطأ فيه، وعندي أنه رواه من حفظه بلفظٍ ظنَّ أنه يؤدِّي معناه. فلم يصبْ، فإن الَّلفظ الذي أتى به أعمُّ من اللفظ الذي سمعه. وسبب ذلك أن هشيمًا سمع من الزُّهري بمكة أحاديث، ولم يكتبها، وعلق بحفظه بعضها، فلم يكن من الضَّابطين عنه، ولذلك لم يخرج الشَّيخان عنه شيئًا» .
ويشهد لقول ابن حجر ما رواه عمرو بن عون عن هشيم قال: «سمعت من الزهري نحوًا من مئة حديث، فلم أكتبها» (٥) .
_________________
(١) هدي الساري (ص٥٣٤) .
(٢) أخرجه النسائي في الكبرى (٤/٨٢) والطحاوي في شرح المعاني (٣/٢٦٦) .
(٣) أخرجه البخاري: كتاب الحج / باب توريث دور مكة (١٥٨٨) ومسلم في أول كتاب الفرائض (١٦١٣) .
(٤) العلل لعبد الله (٢/٣٤١) .
(٥) تاريخ بغداد (١٤/٨٦) والتهذيب (٤/٢٨٠) .
[ ٨٧ ]
ووقع هشيم بسبب الرِّواية بالمعنى في وهم آخر.
فقد روى سفيان بن عيينة قال حدثنا عمرو قال سمعت أبا فاتخة سعيد بن علاقة يقول سمعت ابن عباس يقول: «يصوم المجاور المعتكف» .
فحكى سفيان أن هشيمًا يقوله عن عمرو عن أبي فاتخة أن ابن عباس قال: لا اعتكاف إلا بصوم.
قال سفيان: «أخطأ هشيم، وهو كما قلت لك» (١) .
وقال ابن أبي حاتم: «سمعت أبي يذكر حديث عبد الرَّزَّاق عن معمر عن الزُّهري عن أنس أنَّ النَّبي ﷺ أشار في الصَّلاة بأصبعه. قال أبي: اختصر عبد الرَّزَّاق هذه الكلمة من حديث النَّبي ﷺ أنه ضَعُفَ فقدَّم أبا بكرٍ يصلي بالنَّاس فجاء النَّبي ﷺ فذكر الحديث. قال أبي: أخطأ عبد الرَّزَّاق في اختصاره هذه الكلمة لأنَّ عبد الرَّزَّاق اختصر هذه الكلمة وأدخله في باب من كان يشير بأصبعه في التَّشهد وأوهم أنَّ النَّبي ﷺ إنَّما أشار بيده في التشهد وليس كذاك هو » (٢) .
وقال التِّرمذي: «حدثنا محمود بن غَيلان حدثنا عبد الرَّزَّاق عن معمر عن ابن طاوس عن أبيه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: "من حلف فقال إن شاء الله لم يحنث" (٣) . سألت محمدًا عن هذا الحديث فقال: جاء مثل
_________________
(١) المعرفة ليعقوب (٣/١١٠) .
(٢) العلل لابن أَبي حاتم (١/١٦٠) .
(٣) أخرجه أحمد (٢/٣٠٩) والترمذي في جامعه (١٥٣٢) وابن ماجة (٢١٠٤) وابن حبان في صحيحه (٤٣٤١) .
[ ٨٨ ]
هذا من قبل عبد الرَّزَّاق وهو غلط، إنَّما اختصره عبد الرَّزَّاق من حديث مَعْمَر (١) عن ابن طاوس عن أبيه عن أبي هريرة عن النَّبي ﷺ في قصة سليمان بن داود حيث قال: لأطوفنَّ الليلة على سبعين امرأة» (٢) .
ونقل ابن حجر عن شيخه العراقي قوله في شرح التِّرمذيِّ: «بأنَّ الذي جاء به عبد الرَّزَّاق في هذه الرِّواية ليس وافيًا بالمعنى الذي تضمَّنته الرِّواية التي اختصره منها، فإنه لا يلزم من قوله ﷺ لو قال سليمان: إن شاء الله لم يحنث أن يكون الحكم كذلك في حقِّ كل أحد غير سليمان، وشرط الرِّواية بالمعنى عدم التَّخالف، وهنا تخالف بالخصوص والعموم. قلت: وإذا كان مخرج الحديث واحدا فالأصل عدم التعدد » (٣) .
وقال ابن حجر في حديث: «قلت: هذا يوهم أن هؤلاء أرسلوه وليس كذلك، فقد أخرجه الشيخان من رواية حماد بن زيد وسفيان بن عيينة ومسلم من حديث أيوب وابن جريج كلهم عن عمرو بن دينار موصولا، وإنما أراد الدارقطني أن شعبة خالف هؤلاء الجماعة في سياق المتن واختصره، وهم إنما أوردوه على حكاية قصة الداخل، وأمر النبي ﷺ له بصلاة ركعتين والنبي ﷺ يخطب، وهي قصة محتملة للخصوص وسياق شعبة يقتضي العموم في حقِّ كلِّ داخل، فهي مع اختصارها أزيد من روايتهم وليست بشاذة، فقد تابعه على ذلك روح بن القاسم عن عمرو بن دينار» (٤) .
_________________
(١) أخرج روايته البخاري (٤٩٤٤) ومسلم (١٦٥٤) .
(٢) العلل الكبير (٢/٦٥٦-ترتيبه) والجامع (١٥٣٢) .
(٣) فتح الباري (١١/٧٣٧) .
(٤) هدي الساري (ص٥١٦) .
[ ٨٩ ]