وهذه من أهم القرائن التي بُنِي عليها علم العلل في التَّرجيح بين الرُّواة المختلفين على شيوخهم المكثرين.
وقد اهتم علماء الحديث وعلله بمعرفة طبقات الحفَّاظ ومراتب أصحابهم. فقسم ابن المدينيِّ والنَّسائيُّ (٣) أصحاب نافع تسع طبقات مع اختلافهما في ذكر رواة كل طبقة.
كما قسم النَّسائي أصحاب الأعمش سبع طبقات (٤) .
وهذا الاختصاص يعود إلى عدَّة قرائن، منها قوة الحفظ أو الكتابة - وقد تقدَّم ذكرها - أو طول الملازمة وقِدَمِهَا، أو قرابة الرَّاوي، ونحو ذلك من الأسباب الكثيرة.
والاهتمام بهذه القرينة ومعرفة طبقات أصحاب الحفَّاظ ومنازلهم من شيوخهم، ومراتبهم بين بعض، يعطي المرء قوَّة وملكة في تعليل الحديث
_________________
(١) التهذيب (١/١٣٣) .
(٢) رواية ابن محرز (٥٤٧) .
(٣) في كتابه: الطبقات (ص٥٣) .
(٤) الطبقات (ص٧٨) وشرح العلل (١/١٠٤-١٠٥) .
[ ٧٠ ]
والتَّرجيح عند الاختلاف، دون كثير عناء أو جهد، قد يبذله من جهل ذلك.
فإذا روى جماعة عن حافظٍ له أصحاب، وتفرد راوٍ عنه - دونهم - بزيادة أو وجه، وجب التَّوقف عن قبولها لأنَّ «تفرَّد واحد عنه بها دونهم مع توفر دواعيهم على الأخذ عنه وجمع حديثه يقتضي ريبة توجب التَّوقف عنها» (١) .
قال ابن رجب: «اعلم أن معرفة صحة الحديث وسقمه تحصل من وجهين: - أحدهما: معرفة رجاله وثقتهم وضعفهم، ومعرفة هذا هيِّنٌ (٢)، لأنَّ الثِّقات والضُّعفاء دٌوِّنوا في كثير من التَّصانيف، وقد اشتهرت بشرح أحوالهم التَّواليف.
الوجه الثاني: معرفة مراتب الثِّقات، وترجيح بعضهم على بعض عند الاختلاف، إما في السَّند، وإما في الوقف والرَّفع، ونحو ذلك. وهذا هو الذي يحصل من معرفته وإتقانه وكثرة ممارسته الوقوف على دقائق علل الحديث » (٣) .
ويستخدم علماء الحديث هذه القرينة بقولهم - مثلًا -: - فلان أثبت، أو أحفظ فيه، أو كان يعرض، أو كان يكتب، أو لازمه كثيرًا، ونحو ذلك مما يدلُّ على التَّميز عن غيره في شيء يقتضي تقديمه عند الاختلاف.
قال ابن القيِّم في تقرير قاعدة هذه القرينة: «ولا تنافي بين قول من ضعَّفه وقول من وثَّقه، لأنَّ من وثقه جمع بين توثيقه في غير الزُّهري
_________________
(١) النكت لابن حجر (٢/٦٩٢) وقد سبق نقله.
(٢) هذا أمر نسبي لا مطلق.
(٣) شرح العلل (٢/٤٦٧-٤٦٨) .
[ ٧١ ]
وتضعيفه فيه، وهذه مسألة غير مسألة تعارض الجرح والتَّعديل، بل يظنُّ قاصر العلم أنها هي، فيعارض قول من جرَّحه بقول من عدَّله، وإنَّما هذه مسألة أخرى غيرها وهي الاحتجاج بالرَّجل فيما رواه عن بعض الشُّيوخ وترك الاحتجاج به بعينه فيما رواه عن آخر، وهذا كإسماعيل بن عيَّاش، فإنه عند أئمَّة هذا الشَّأن حجَّة في الشَّاميين أهل بلده وغير حجَّة فيما رواه عن الحجازيين والعراقيين وغير أهل بلده.
ومثل هذا تضعيف من ضعَّف قبيصة في سفيان الثَّوريِّ واحتجَّ به في غيره كما فعل أبو عبد الرحمن النَّسائي.
وهذه طريقة الحذاق من أَصحاب الحديث أطباء علله يحتجُّون بحديث الشَّخص عمن هو معروف بالرِّواية عنه وبحفظ حديثه وإتقانه وملازمته له واعتنائه بحديثه ومتابعة غيره له ويتركون حديثه نفسه عمَّن ليس هو معه بهذه المنزلة»، إلى آخر كلامه الذي سبق (١) .
ومن الأمثلة عليها قول ابن معين: «حماد بن سلمة أعرف بعلي بن زيد من حماد ابن زيد» (٢) .
وقال أبو حاتم: «المسعودي أفهم بحديث عون» (٣) .
ويدخل في هذه القرينة من سمع من الراوي قبل الاختلاط، فيرجح جانبه لاختصاصه بالسماع منه قبل تغيره، وقد تفرد هذه القرينة، والأمر سهل.
_________________
(١) الفروسية (ص٤٤)، وقد سبق ذكر بعض كلامه (ص ١٠) .
(٢) رواية ابن الجنيد (٨٤٠) .
(٣) العلل لابن أبي حاتم (٢/١٧٩) .
[ ٧٢ ]
ومن أمثلته قول أبي حاتم: «إسرائيل أقدم سماعًا من زهير في أبي إسحاق»، ثم ذكر اختلاط أبي اسحاق (١) .
من أهم القرائن التي بُنِي عليها علم العلل في التَّرجيح بين الرُّواة المختلفين على شيوخهم المكثرين: