غرابة السند: مع أنَّ وصف الحديث بالغرابة مما قد يضعف جانبه، إلا أنه ربما يقوى جانبه عند الاختلاف. ومعنى ذلك أنه إذا اختلف على راوٍ في حديث، وروى أحد أصحابه وجهًا غريبًا صحيحًا، لا احتمال فيه لسلوك الجادَّة، ومثل هذا الوجه يندر الوهم فيه، ويعد الخطأ فيه نادرًا، فإن روايته تكون أقوى من هذه الجهة.
وشاهده قول عبد الله بن أحمد: «سألت أبي عن حديث هشيم عن حصين عن عمرو بن مرة عن علقمة بن وائل عن أبيه عن النَّبي ﷺ في الرفع. قال: رواه شعبة عن عمرو بن مرة عن أبي البختري عن عبد الرحمن اليحصبي عن وائل عن النَّبي ﷺ. خالف حصينٌ شعبة. فقال: شعبة أثبت في عمرو بن مرة من حصين. القول قول شعبة، من أين يقع شعبة على: أبي البختري عن عبد الرحمن اليحصبي عن وائل» (٣) .
_________________
(١) الفتح (١٠/٥٤٦) .
(٢) قمت بجمع أشهرها في كتاب "المشهور من أسانيد الحديث" - طبع دار طويق.
(٣) العلل لعبد الله بن أحمد (١/١٨١) .
[ ٨٠ ]
وقال أبو حاتمٍ في حديثٍ: «لو كان عن ابن عمر كان أسهل عليه من أبي الصِّديق » (١) .
وقال أيضًا: «حديث عثمان بن حكيم أشبه، لأن حفظ زيد بن ثابت أسهل من يزيد بن ثابت» (٢) .
وهذا الحوار الذي دار بين أبي حاتم وابنه يبيِّن شيئًا من هذه القرينة، واختلاف الحفَّاظ فيها لاختلاف قوتها.
قال ابن أبي حاتم: «سألت أبي عن حديث رواه سفيان الثوري عن معاوية بن صالح عن عبد الرحمن بن جبير عن عقبة بن عامر ﵁ قال: سألت النبي ﷺ عن المعوذتين فقيل لأبي: إن أبا زرعة قال: هذا خطأ! قال أبي: الذي عندي إنه ليس بخطأ، وكنت أرى قبل ذلك أنه خطأ، إنَّما هو معاوية بن صالح عن العلاء بن الحارث عن القاسم بن عبد الرحمن عن معاوية ﵁ عن النبي ﷺ؛ قيل لأبي: كذا قاله أبو زرعة. قال أبي: وليس هو عندي كذا، الذي عندي أنه صحيح - الذي كان الحديثين جميعًا - كانا عند معاوية بن صالح، وكان الثوري حافظًا، وكان حفظ هذا أسهلَ على الثوري من حديث العلاء، فحفظ هذا ولم يحفظ ذاك، ومما يدلُّ أَنَّ هذا الحديث صحيح؛ أَنَّه يرويه الحمصيون عن عبد الرحمن بن جبير عن عقبة ﵁، ومحال أن يغلط بين هذا الإسناد إلى إسناد آخر، وإنَّما أكثر ما يغلط النَّاس إذا كان حديثًا واحدًا من اسم شيخ إلى شيخ آخر، فأما مثل هؤلاء فلا أرى يخفى على الثوري» (٣) .
_________________
(١) العلل لابن أَبي حاتم (١/٣١٥) .
(٢) العلل لابن أَبي حاتم (١/٣٥٩) .
(٣) العلل لابن أَبي حاتم (٢/٦٠) .
[ ٨١ ]
فرجح أبو حاتم الوجهين عن معاوية خلافًا لأبي زرعة بقرينة أن الوهم من الثوري في سند كامل غريب مثل ذلك محال عادةً، بخلاف الوهم في رجل واحد في السَّند.
ومن الغرابة المقوِّيَّة قول ابن رجب: « فإنَّ في إسناده ما يُستغرب، فلا يحفظه إلا حافظ» (١) .
وقال أيضًا: «لا ريب أن الذين قالوا فيه عن أبي هريرة ﵁ جماعة حفاظ، لكن الوهم يسبق كثيرًا إلى هذا الإسناد، فإن رواية سعيد المقبري عن أبي هريرة ﵁، أو عن أبيه عن أبي هريرة ﵁، سلسلة معروفة تسبق إليها الألسن، بخلاف رواية سعيد عن أبيه عن ابن وديعة عن سلمان، فإنها سلسلة غريبة، لا يقولها إلا حافظ لها متقن» (٢) .
ومن أقوى الأمثلة على ما ذكره ترجيح الدارقطني (٣) - حرب بن شداد- على هشام وشيبان بسبب زيادته اسم غريب، مع أن هشامًا أثبت بكثير، وقد تابعه آخر.
ومن أمثلة الغرابة المضعِّفة للحديث قول أبي حاتم: «أبو سلمة عن ثوبان لا يجيء» (٤) .
وقال أيضًا: «واصل عن أبي قلابة لا يجيء» (٥) .
ويدخل في هذا الباب قول البرقاني للدَّارَقُطْنِي: «قلت موسى بن ثروان، قال: ويقال ابن سروان عن طلحة بن عبيد الله بن كريز عن عائشة -﵂- إسناد محمول حمله النَّاس» (٦) .
_________________
(١) شرح العلل (٢/٧٢٦) .
(٢) فتح الباري لابن رجب (٨/١١١) .
(٣) العلل الواردة (١١/٢٤٣) .
(٤) العلل لابنه (١/٣٦٤) .
(٥) العلل لابنه (١/٣٧٦) .
(٦) سؤالات البرقاني (٥٠٠) .
[ ٨٢ ]
ومن هذا الباب الاختلاف في تسمية الشيخ على وجهين، وقد روى عن أحدهما دون الآخر فهو غريب، فيرجح جانب المتصل لغرابة ذاك السند، ومن شواهده قول أبي حاتم: «لا يشبه هذا الحديث حديث الأعمش، لأن الأعمش، لم يروِ عن أبي تميمة شيئًا، وهو بأبي إسحاق أشبه» (١) .
ويلحظ أن هذه القرينة عكس لقرينة سلوك الجادة - السابقة - إلى حدٍّ ما.