وقال أيضًا: «هذا الحديث ليس هو في كتاب أبي صالح عن الليث، نظرت في أصل الليث، وليس فيه هذا الحديث» (١) .
وكذلك قال الدَّارقطني: «ولا يثبت هذا الحديث، لأنه ليس في كتب حماد بن سلمة المصنفات» (٢) .
٧) مخالفة الراوي لما روى: وليس المراد هنا ما يذكره الأصوليون، بل إن حفَّاظ الحديث قد يعلُّون الحديث المرفوع - من جهة الثبوت لا الدلالة - إذا ورد عن الرَّاوي نفسه ما يدلُّ على وهم الرفع، أو على مخالفته الصريحة، سواء اختلف في رواية الرفع أم لا.
قال ابن رجب (٣) مبينًا ذلك: «قاعدة: في تضعيف حديث الرَّاوي إذا روى ما يخالف رأيه. قد ضَعَّفَ الإمام أحمد وأكثر الحفَّاظ أحاديث كثيرة بمثل هذا»، ثم ذكر أمثلة لذلك ومنها: حديث ابن عباس ﵁ أن امرأة رفعت صبيًا للنبي ﷺ وقالت: ألهذا حج؟ قال " نعم، ولك أجر ". فقد ذكر البخاري في تاريخه الكبير الاختلاف على إبراهيم ابن عقبة والثوري في وصله وإرساله. ثم قال: «أخشى أن يكون هذا مرسلًا في الأصل » ثم ذكر رواية أبي ظبيان وأبي السفر عن ابن عباس قال: «أيما صبي حج ثم أدرك فعليه الحج» قال البخاري عَقِبَه: «وهذا المعروف عن ابن عباس» (٤) .
_________________
(١) العلل لابن أَبي حاتم (٢/٣٥٣) .
(٢) العلل (٥/٣٤٦) .
(٣) شرح العلل (٢/٧٩٦) .
(٤) التاريخ الكبير (١/١٩٨-١٩٩)، والمرفوع أخرجه مسلم في صحيحه (١٣٣٦) وغيره.
[ ٩٥ ]
فرجح البخاري الإرسال للاختلاف فيه، وجعل الموقوف المخالف قرينة على ترجيحه، لا سببًا وحيدًا لذلك.
ومن المعلوم أن الرِّواية مقدَّمة على الرأي المجرَّد إذا ثبتا جميعًا. ولكن الحفَّاظ جعلوا مخالفة الرَّاوي لما روى، قرينةً على وهم الرِّواية لا مُقَدَّمَةً عليها، وفرق بين الأمرين واضح، هذا مع ما قد يحتفُّ بالطُّرق من قرائن أخرى يتبين بها الصَّواب.
ومن الأمثلة على ذلك مما قد تخفى مخالفته، ما رواه مجاهد عن ابن عمر ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ أكثر من عشرين مرة يقرأ في الركعتين قبل الفجر، والركعتين بعد المغرب: «قل يا أيها الكافرون»، و«قل هو الله أحد» (١) .
قال مسلم معِلًا هذه الرِّواية: «وهذا الخبَرُ وهمٌ عن ابن عمر. والدليل على ذلك الرِّوايات الثابتة عن ابن عمر أنه ذكر ما حفظ عن النَّبي ﷺ من تطوع صلاته بالليل والنهار، فذكر عشر ركعات، ثم قال: «وركعتي الفجر، أخبرتني حفصة » قال مسلم: «فكيف سمع منه أكثر من عشرين مرة قراءته فيها؟ ثم يخبر أنه حفظ الركعتين من حفصة عن النَّبي ﷺ» (٢) .
وبنحو هذا أعلَّ أبو حاتم الرَّازي أَيْضًَا (٣) .
وكذا أعلَّ البخاري حديث أبي هريرة مرفوعًا: «من استقاء فقد
_________________
(١) أخرجه ابن أَبي شيبة في المصنف كتاب الصلاة / باب ما يقرأ فيهما (٢/٥٠) ومسلم في التمييز (ص٢٠٧) .
(٢) التمييز (ص٢٠٨) .
(٣) العلل لابن أَبي حاتم (١/١١٨) .
[ ٩٦ ]
أفطر» (١)، بأنه قد روي عن أبي هريرة أنه كان لا يرى القيء يفطر الصائم (٢) .
بل ربَّما أعلَّ الحفَّاظ رواية مختلفًا فيها بقرينةِ مخالفةِ التَّابعيِّ لما روى، كما أعلَّ الدَّارقطني حديث أبي هريرة عن النَّبي ﷺ أنه كره السَّدل.
قال الدَّارقطني: «وروي هذا الحديث عن عطاء عن النَّبي ﷺ مرسلًا. وفي رفعه نظر، لأن ابن جريج روى عن عطاء بن أبي رباح أنه كان يسدل في الصَّلاة» (٣) .
وقال ابن حجر: «قال الدارقطني في العلل: رواه يحيى بن سليم عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر. قال الدارقطني: وتابعه بقية عن عبيد الله، والصحيح عن نافع عن سعيد بن أبي هند عن أبي موسى. وقد روى طلق بن حبيب قال: قلت لابن عمر: هل سمعت من النبي ﷺ في الحرير شيئًا؟ قال: لا. قال: فهذا يدلُّ على وهم بقية ويحيى بن سليم في إسناده» (٤) .