ومما يجب التَّنبُّه له هنا - ويعدُّ من مهمات علم العلل - أمورٌ منها:
الأول: - أن قواعد هذا العلم وأصوله وضوابطه الكلية والفرعية لا تؤخذ إلا عن أهله السابقين الراسخين. فلا تؤخذ عن أقوال المعتزلة وأشباههم ممن ألف في الأصول، وكانوا لا يعرف شيئًا عن الحديث وعلومه، بل إن بعضهم كان عدوًا له ولأهله بقوله بردِّ أخبار الآحاد (٢) . ومع هذا يتكلَّمون عن قواعد الحديث والرِّواية بكلام منطقي نظري في الأذهان، لا نصيب له في الأعيان.
فكما نأخذ القراءات عن القرَّاء، والفقه عن أهله وهكذا، ولا نتقدَّم على أقوالهم، ومن خالفهم جملةً رُدَّ قولهم وصار خارجًا عن العلم ورسمه، فكذلك يقال لكل من خالف طرائق المحدِّثين السَّابقين تمامًا.
قال الإمام مسلم: «أعلم رحمك الله أنَّ صناعةَ الحديث ومعرفة أسبابه من الصحيح والسقيم إنما هي لأهل الحديث خاصة لأنهم الحفاظ لروايات الناس العارفين بها دون غيره» (٣) .
قال ابن القيِّم: «طريق الأصوليين وأكثر الفقهاء أنهم لا يلتفتون إلى علَّةٍ للحديث إذا سلمت طريق من الطُّرق منها فإذا وصله ثقة أو رفعه لا
_________________
(١) النكت لابن حجر (٢/٦٠٦)، وقد سبق.
(٢) من أهم مؤلفاتهم في النكاية بأهل الحديث كتاب: "قبول الأخبار ومعرفة الرجال" لأبي القاسم البلخي المعتزلي، وقد طبع مؤخرًا!!
(٣) التمييز (ص٢١٨) .
[ ٥٠ ]
يبالون بخلاف من خالفه ولو كثروا، والصَّواب في ذلك مع أئمة هذا الشَّأن العالمين به وبعلله، وهو النَّظر والتَّمهر في العلل والنَّظر في الواقفين والرَّافعين والمرسلين والواصلين أنهم أكثر وأوثق وأخص بالشَّيخ وأعرف بحديثه إلى غير ذلك من الأمور التي يجزمون معها بالعلَّة المؤثِّرة في موضع وبانتفائها في موضع آخر لا يرتضون طريق هؤلاء ولا طريق هؤلاء» (١) .
الثاني: - أن مصطلح الاختلاف والمخالفة أعمُّ عند المحدِّثين منه عند غيرهم من الفقهاء والأصوليين - ممن لم يمشِ على طريقتهم في علم الحديث -.
فأيُّ فرقٍ مؤثِّرٍ بين روايتين - سندًا أو متنًا - يعدُّ اختلافًا عند المحدِّثين يحتاج إلى ترجيح بينهما - غالبًا -، وإن تعذَّر قيل بالجمع، هذا إذا لم يكن الاختلاف داخلًا في علم مشكل الحديث (٢) .
فوصل المرسل أو المنقطع يعدُّ مخالفة، ورفع الموقوف يعدُّ مخالفة، والزِّيادة في المتن تعدُّ مخالفة كما نصَّ على ذلك أكثر المحدِّثين السَّابقين الذين تكلَّموا في العلل، فنجدهم يقولون: «خالفه فلان»، ثم يذكرون رواية من أرسل أو أوقف أولم يذكر ما ذكر غيره، وهكذا مما تواتر في كتبهم.
قال أحمد وذُكِرَ له حديثُ نافعٍ عن ابن عمر: «من باع عبدًا وله مالٌ
_________________
(١) حاشية أَبي داود (١٠/٢٥)، مع التصويب.
(٢) هذا العلم من أهم علوم متن الحديث، ومهمته الإجابة عن متون الأحاديث المشكلة من حيث الدلالة، أو الجمع بين الأحاديث التي تتعارض في الأذهان عند البعض، وربما اعتمد في الإجابة على قواعد علل الحديث السابق ذكرها، ومن أشهر الكتب المؤلفة فيه كتاب: «اختلاف الحديث» للإمام الشافعي وكتاب: «مشكل الحديث» لأبي جعفر الطحاوي، رحمهما الله تعالى، وقد طبع باسم: «شرح مشكل الحديث»، وليس في مخطوطاته هذا الاسم!!
[ ٥١ ]
فماله للبائع»، فقال: «خالفه سالم، هكذا رواه الزُّهري عن سالم عن ابن عمر عن النَّبي ﷺ» (١) .
وقال ابن المديني في حديث: «رواه حماد بن سلمة عن عاصم عن أبي صالح عن أبي هريرة، وخالفه الأعمش فرواه عن أبي سلمة عن كعب» (٢) .
وقال البخاري: «وروى محمد عن نافع عن ابن عمر مرفوع في التيمم. وخالفه أيوب وعبيد الله والنَّاس فقالوا: عن نافع عن ابن عمر فعله» (٣) .
وقال ابن معين: «قد روى شعبة أيضًا في القطع في ربع دينار فصاعدًا حديث الزُّهري، لم يروه غيره، وقد خالفه غيره ولم يرفعه أبو سفيان » (٤) .
وقال الدَّارقطني: « وقد اتفق عنه رجلان ثقتان فأسنده عن عمر، ولولا أن الثوري خالفه، فرواه عن زيد العمي فلم يذكر فيه عمر، لكان القول قول من أسند عن عمر، لأنه زاد. وزيادة الثِّقَة مقبولة» (٥) .
وقال الخطيب: «وخالفه معمر بن راشد فرواه عن الحكم عن عكرمة قوله، لم يذكر فيه النَّبي ﷺ ولا أبا هريرة» (٦) .
وكل كتب العلل مليئة بمثل هذه النصوص التي تدلُّ أن المخالفة عند المحدِّثين أعمُّ منها عند غيرهم من الفقهاء والأصوليين.
_________________
(١) رواية المروذي (٢٧٤) .
(٢) العلل (١٢٩) .
(٣) التاريخ الكبير (١/٥٠) .
(٤) رواية ابن طهمان (٥٨) .
(٥) العلل (٢/٧٤) .
(٦) تاريخ بغداد (١/٢٦٨) .
[ ٥٢ ]
الثالث: - إن كثيرًا من المحدِّثين يذكرون المخالف بمبهمًا بقولهم: «خالفه النَّاس أو خالفه الثِّقات أو خالفه غيره» (١)، ويعتمدون ذلك، ولم يرُدُّ من بعدهم قولهم بحجَّة أنَّ ما ذكر مبهم، والمخالف ثقة مسمىً، فدلَّ هذا على اعتماد ما ذكر إلا إذا ثبت بالأدلَّة أو كلام السَّابقين ما يخالف قول المعِلِّ.
الرابع: - أنَّ الأصل عند المحدِّثين التَّرجيح بين الرِّوايات المختلفة - لحديث واحد - ثم الجمع بينها عند تكافئ (٢) الأدلَّة، خلاف ما تقرَّر في الفقه وأصوله من الجمع بين المتون المتعارضة بادئ الرَّأي، ثم التَّرجيح عند تعذر ذلك بقواعد مقررة هنالك، لأن قواعد هذا العلم غير ذاك، ولا يلزم من ذلك خطأ أحد المنهجين.
فالنَّاظر في كتب العلل وترجيحات علماء الحديث، يجد أن نسبة القول بالجمع بين الرِّوايات المختلفة قليلة جدًا بالنِّسبة لما رجَّحوه من روايات، فهذا بيان للواقع الذي استند على أدلة وقرائن أدَّت إلى هذه النَّتيجة الاستقرائية.
فلا يصار إلى القول بالجمع بين الرِّوايات أو القول بالاضِّطراب إلا بعد محاولة التَّرجيح بالقرائن الآتي ذكرها.
قال ابن حجر في بيان ذلك: «وإذا كان شعبة - وهو أتقن من غيره - حَفِظَ عن خبيب فيه الشَّكَّ، فذاك دليل على أنَّ خبيبًا لم يضبطه، فلا يحتاج إلى الجمع الذي جمعه ابن خزيمة، ثم هجم ابن حبَّان فجزم به» (٣) .
_________________
(١) الأمثلة على ذلك كثيرة جدًا منها: - العلل لابن أَبي حاتم (١/١٩و٦٦و٢/٤٤و٢٠٨) وعلل الدارقطني (٢/١٤و٤/١٤٣) .
(٢) يأتي قول لابن خزيمة ينص على ذلك (ص ٤٠) .
(٣) النكت لابن حجر (٢/٨٨١)، وربما خالف ابن حجر ما قرره هنا، فيجمع في شرح للبخاري بين روايات مختلفة، فينقده بعضهم بالتكلُّف في ذلك، وهذا ظاهر في مواضع يسيرة فحسب، ولعله في القصص أكثر منه في غيره.
[ ٥٣ ]
وقال أيضًا: «الاختلاف عند النُّقاد لا يضر إذا قامت القرائن على ترجيح إحدى الرِّوايات أو أمكن الجمع على قواعدهم» (١) .
وقال أيضًا: «وأما المخالفة وينشأ عنها الشُّذوذ والنَّكارة، فإذا روى الضَّابط والصَّدوق شيئًا، فرواه من هو أحفظ منه أو أكثر عددًا بخلاف ما روى بحيث يتعذر الجمع على قواعد المحدِّثين، فهذا شاذ، وقد تشتد المخالفة أو يضعف الحفظ، فيحكم على ما يخالف فيه بكونه منكرًا» (٢) .
الخامس: - أنَّ على من أراد الاشتغال بعلم العلل، والتبحر فيه وضبطه بشكل تام أن يهتم بأمور في الحديث تعدُّ من مهماته، ومن ذلك:
أ. معرفة الثقات من الضعفاء.
ب. معرفة مواليدهم ووفياتهم وبلدانهم.
ج. معرفة المكثرين من رواة الحديث (٣) .
د. معرفة مراتب أصحابهم فيهم (٤)، كأصحاب الزهري وقتادة ونحوهما.
هـ. معرفة أشهر الأسانيد.
و. معرفة المدلسين والمختلطين.
ز. معرفة المنقطع من الأسانيد (٥) .
* * *
_________________
(١) هدي الساري (ص٥٣١) .
(٢) هدي الساري (ص٥٤٤) .
(٣) قد قمت بجمع أشهرهم في كتاب "طبقات المكثرين" - طبع دار طويق.
(٤) قمت بجمعهم في كتاب كبير بعنوان "مراتب الثقات".
(٥) قمت بجمعها في كتاب فجاوز عددها ثلاثة آلاف سند منقطع، نص العلماء عليها.
[ ٥٤ ]