قال أبو القاسم الكروخي: أخبرنا القاضي أبو عامر الأزدي والشيخ أبو بكر الغُورَجي والشيخ أبو المظفَّر عبيدُ اللهِ بن علي بن ياسين بن محمد الدَّهان ﵏، قالوا: أخبرنا أبو محمد الجَرَّاحي، أخبرنا أبو العباسِ المحبوبيُّ، أخبرنا أبو عيسى الحافظ الترمذي قال:
جميعُ ما في هذا الكتابِ من الحديثِ، فهو مَعمُولٌ به (^١)، وقد أخذَ بهِ بعضُ أهلِ العلمِ ما خلا حَديثينِ:
حديثَ ابن عبَّاسٍ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ جَمعَ بينَ الظُّهرِ والعَصرِ بالمدينةِ، وبين المغربِ والعشاءِ من غيرِ خَوفٍ ولا سفرٍ ولا مطرٍ (^٢).
وحديث النَّبيِّ ﷺ أنَّه قال: "إذا شَربَ الخَمْرَ، فاجْلدوهُ، فإنْ عادَ في الرَّابعةِ، فاقْتلُوه" (^٣). وقد بَيَّنا عِلَّةَ الحديثينِ جميعًا في الكتابِ.
_________________
(١) قال ابن رجب: كأن مراد الترمذي رحمه الله تعالى أحاديث الأحكام.
(٢) انظر الحديث في "الجامع" برقم (١٨٥) وقد بسطنا القول في هذا الحديث في "المسند" (١٩٥٣) فارجع إليه، ويقول الذهبي في "المهذب" ٣/ ١٤٤: ولعل البخاري إنما لم يخرجه (بزيادة: من غير خوف ولا مطر) لما فيه من الاختلاف على سعيد بن جبير في متنه، ورواية الجماعة أولى أن تكون محفوظة.
(٣) انظر الحديث برقم (١٥١٠).
[ ٦ / ٤٣٩ ]
قال: وما ذَكَرْنا في هذا الكتابِ من اختِيارِ الفقهاءِ، فما كان فيهِ من قولِ سفيانَ الثَّوْريِّ، فأكْثرهُ ما حدَّثنا به محمدُ بنُ عثمانَ الكوفيُّ، قال: حدَّثنا عُبَيدُ اللهِ بنُ موسى، عن سفيانَ.
ومنه ما حدَّثني به أبو الفَضلِ مَكْتُومُ بنُ العبَّاسِ التَّرمذيُّ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ يوسفَ الفِريابيُّ، عن سفيانَ.
وما كان فيه من قولِ مالكِ بن أنسٍ، فأكْثرُه ما حدَّثنا بهِ إسحاقُ بن موسى الأنصَاريُّ، قال: حدَّثنا مَعْنُ بن عيسى القزَّازُ (^١)، عن مالكِ بن أنسٍ.
وما كان فيه مِن أبوابِ الصَّومِ فأخبرنا به أبو مصْعبٍ المَدينيُّ (^٢)، عن مالكِ بن أنسٍ.
_________________
(١) نسبة إلى بيع القز، وهو أبو يحيى معن بن عيسى بن دينار المدني الأشجعي مولاهم أحد رواة "الموطأ" عن مالك، لقب بعكاز مالك لأن مالكًا بعدما كبر وأسن كان يستند عليه حين خروجه إلى المسجد كثيرًا، توفي بالمدينة سنة ثمان وتسعين ومئة. قال أبو حاتم: أثبت أصحاب مالك، وأوثقهم معن بن عيسى، وهو أحب إلي من عبد الله بن نافع بن الصائغ ومن ابن وهب.
(٢) وهو أحمد بن أبي بكر بن الحارث بن زرارة بن مصعب بن عبد الرحمن بن عوف أبو مصعب الزهري المدني الفقيه الثقة، المتوفى سنة ٢٤٢ هـ، وهو آخر من روى "الموطأ" عن مالك وفيه من الزيادات ما ليس في غيره، وقد طبع الموطأ بروايته بتحقيق صاحبنا الدكتور بشار عواد معروف.
[ ٦ / ٤٤٠ ]
وبعضُ كلامِ مالك ما أخبرنا به موسى بنُ حِزَامٍ، قال: أخبرنا عَبد اللهِ بن مَسْلمةَ القَعْنبيُّ، عن مالكِ بن أنسٍ.
وما كان فيه من قولِ ابنِ المُباركِ، فهو ما حدَّثنا به أحمدُ بنُ عَبْدةَ الآمُليُّ، عن أصحابِ ابن المُباركِ، عنه.
ومنه ما رُوِي عن أبي وَهْبٍ محمدِ بن مُزاحِمٍ، عن ابن المباركِ.
ومنه ما رُوِي عن عليَّ بن الحسنِ، عن عبد اللهِ بن المبارك.
ومنه ما روي عن عَبدانَ، عن سفيانَ بنِ عبد الملكِ، عن ابن المباركِ.
ومنه ما رُوي عن حِبَّانَ بن موسى، عن ابنِ المُباركِ.
ومنه ما رُوِي عن وَهْبِ بن زَمْعةَ، عن فَضالةَ النَّسويِّ، عن عبد اللهِ بن المُبَاركِ. وله رِجالٌ مُسَمَّون سِوى من ذَكَرْنا عن ابنِ المُباركِ.
وما كان فيه من قوْلِ الشَّافعيَّ، فأكْثرُه ما أخبرني الحسنُ بن محمدٍ الزَّعْفرانيُّ (^١)، عن الشَّافِعيَّ.
_________________
(١) هو الإمام العلامة الثقة شيخ الفقهاء والمحدثين أبو علي الحسن بن محمد بن الصباح البغدادي الزعفراني. قرأ على الشافعي كتابه القديم، وكان مُقدَّمًا في الفقه والحديث، ثقة جليلًا، عالي الرواية كبير المحل. قال ابن حبان: كان أحمد بن حنبل وأبو ثور يحضران عند الشافعي، وكان الحسن بن محمد الزعفراني هو الذي يتولى القراءة عليه. توفي سنة ستين ومئتين وهو في عشر التسعين.
[ ٦ / ٤٤١ ]
وما كان فيه من الوُضُوءِ والصَّلاةِ، فحدَّثنا بهِ أبو الوليدِ المكِّيُّ، عن الشَّافعيِّ.
ومنه ما حدَّثنا أبو إسماعيلَ، حدَّثنا يوسفُ بن يحيى القُرشيُّ البُويْطيُّ، عن الشَّافِعيِّ.
وذَكرَ فيه أشياءَ عن الرَّبيعِ، عن الشَّافعيَّ، وقد أجازَ لنا الرَّبيعُ ذلك، وكَتبَ به إلينا.
وما كان فيه من قولِ أحمدَ بن حَنْبلٍ وإسحاقَ بن إبراهيمَ، فَهُوَ ما أخبرنا به إسحاقُ بنُ منصورٍ، عن أحمدَ وإسحاقَ، إلا ما في أبوابِ الحجِّ والدِّياتِ والحدودِ، فإنِّي لم أسْمعهُ مِن إسحاقَ بن منصورٍ، وأخبرني بهِ محمدُ بن موسى الأصَمُّ، عن إسحاقَ بن منصورٍ، عن أحمدَ وإسحاقَ.
وبعضُ كلامِ إسحاقَ بنِ إبراهيمَ أخبرنا به محمدُ بن أفْلحَ، عن إسحاقَ، وقد بَيَّنَّا هذا على وَجْهِه في الكتابِ الذي فيهِ الموقوفُ.
وما كان فيه من ذِكْرِ العِللِ في الأحاديثِ والرِّجالِ والتَّاريخِ، فهو ما اسْتَخْرجْتُهُ من كتابِ "التَّاريخِ"، وأكثرُ ذلكَ ما ناظرتُ به محمدَ بن إسماعيلَ، ومنه ما ناظَرْتُ به عبد اللهِ بن عبد الرحمنِ، وأبا زُرْعةَ، وأكثرُ ذلكَ عن محمدٍ، وأقلُ شيءٍ فيه عن عبدِ اللهِ وأبي زُرْعةَ، ولم أرَ أحدًا بالعراقِ ولا بِخُراسانَ في معنى العللِ والتَّاريخِ ومَعْرفةِ الأسانيدِ كَبِيرَ أحدٍ أعلمَ مِن محمدِ بن إسماعيلَ.
[ ٦ / ٤٤٢ ]
وإنَّما حَملَنَا على مَا بَيَّنَّا في هذا الكتاب من قولِ الفُقهاءِ وَعِللِ الحديثِ، لأنَّا سُئلْنا عن هذا، فلم نَفْعلْهُ زمانًا، ثمَّ فَعلْناهُ، لِما رَجَوْنا فيهِ من مَنْفعةِ النَّاسِ، لِأنّا قد وَجَدْنا غيرَ واحدٍ من الأئِمةِ تَكلَّفُوا من التّصْنيفِ ما لم يُسْبقُوا إليه، منهُمْ هشامُ بن حسَّانَ، وعبد الملكِ بن عبد العزِيزِ بن جُرَيْجٍ، وسعيدُ بن أبي عَرُوبةَ، ومالكُ بن أنسٍ، وحَمَّادُ بن سَلمةَ، وعبد اللهِ بن المُبَاركِ، ويحيى بن زَكريَّا بن أبي زَائدةَ، ووكيعُ بن الجرَّاحِ، وعبد الرحمن بن مَهْديًّ، وغيرُهُم من أهلِ العلمِ والفَضلِ صَنَّفُوا، فجعلَ اللهُ في ذلكَ مَنْفعةً كثيرةً، ولهُم بذلك الثَّوَابُ الجَزيلُ عند اللهِ لِما نَفعَ اللهُ المسلمينَ بهِ، فهُم القُدوةُ فيما صَنَّفُوا.
وقد عابَ بعضُ من لا يَفْهمُ على أهلِ الحديثِ الكلامَ في الرِّجالِ، وقد وَجَدْنا غيرَ واحدٍ من الأئِمة من التَّابِعينَ قد تَكلَّمُوا في الرِّجالِ، منهُم الحسنُ البَصريُّ، وطاووسٌ، تكَلَّما في مَعْبَدٍ الجُهنيَّ، وتَكلَّمَ سعيدُ بن جُبَيْرٍ في طَلْقِ بن حَبِيبٍ، وتكلّمَ إبراهيمُ النَّخَعيُّ وعامرٌ الشّعْبيُّ في الحارثِ الأعْوَرِ.
وهكذا رُوِي عن أيُّوبَ السَّختيانيِّ، وعبد اللهِ بن عَوْنٍ، وسليمانَ التَّيْميِّ، وشعبةَ بن الحجَّاجِ، وسفيانَ الثَّوْريِّ، ومالكِ بن أنسٍ، والأوزاعيِّ، وعبد اللهِ بن المُبَاركِ، ويحيى بن سعيدٍ القطَّانِ، ووكيعِ بن الجرَّاحِ، وعبدِ الرحمنِ بن مَهْديٍّ، وغَيرِهمْ من أهلِ العلمِ تَكلّمُوا في الرِّجالِ وضَعَّفُوا.
[ ٦ / ٤٤٣ ]
وإنّما حَملهُم على ذلكَ عندنا - واللهُ أعلمُ - النَّصيحةُ للمسلمينَ، لا يُظنُّ بِهم أنَّهُم أرادُوا الطّعْنَ على النَّاسِ أو الغِيبةَ، إنّما أرادوا عِنْدنا أن يُبَيِّنوا ضَعْفَ هؤلاءِ لكي يُعْرَفُوا، لأنَّ بعض الّذِينَ ضُعَّفُوا كان صاحبَ بِدْعةٍ، وبَعْضهُم كان مُتّهمًا في الحديثِ، وبَعضهُم كانوا أصحابَ غَفْلةٍ وكثْرةِ خطأ، فأرادَ هؤلاءِ الأئِمةُ أنْ يُبَيِّنُوا أحوالَهُم شَفقةً على الدِّينِ وتثبُّتًا، لِأنَّ الشّهادةَ في الدِّينِ أحقُّ أنْ يُتثَبَّتَ فِيها من الشّهادةِ في الحُقُوقِ والأموالِ.
قال: وأخبرني محمدُ بن إسماعيلَ، حدَّثنا محمدُ بنُ يحيى بنِ سعيدٍ القطَّانُ، حدثني أبي، قال: سألتُ سفيانَ الثَّوريَّ وشُعبةَ ومالكَ بن أنسٍ وسفيانَ بن عُيينةَ عن الرَّجلِ تكونُ فيه تُهْمةٌ أو ضَعْفٌ، أسْكُتُ أو أُبَيِّنُ؟ قالوا: بَيَّنْ.
حدَّثنا محمدُ بن رافعٍ النَّيْسابُوريُّ، حدَّثنا يحيى بنُ آدمَ، قال: قِيل لأبي بكرِ بن عيَّاشٍ: إنَّ أُناسًا يجلسونَ ويجلسُ إليهمُ النَّاسُ، وَلا يَسْتأْهِلُونَ. قال: فقال أبو بكرِ بن عيَّاشٍ: كلُّ من جلسَ جلسَ إليه النَّاسُ، وصاحبُ السُّنَّةِ إذا ماتَ، أحيا اللهُ تعالى ذِكْرهُ، وَالمُبْتَدعُ لا يُذْكرُ.
حدَّثنا محمدُ بن عَليِّ بن الحسنِ بن شَقيقٍ، أخبرنا النَّضْرُ بن عَبد اللهِ الأصمُّ، حدَّثنا إسماعيلُ بن زكريَّا، عن عاصمٍ، عن ابن سِيرينَ، قال: كان في الزَّمنِ الأوَّلِ لا يَسْألونَ عن الإسنَادِ، فلمَّا
[ ٦ / ٤٤٤ ]
وَقَعتِ الْفِتنةُ، سَألُوا عن الإسنادِ، لكي يَأْخُذُوا حديثَ أهلِ السُّنَّةِ، ويَدَعُوا حديثَ أهلِ البِدَعِ (^١).
_________________
(١) هذا الأثر خرجه مسلم في مقدمة "صحيحه" ١/ ١٥ عن محمد بن الصباح البزاز، عن إسماعيل بن زكريا بهذا الإسناد ولفظه: قال: لم يكونوا يسألون عن الإسناد، فلما وقعت الفتنة، قالوا: سموا لنا رجالكم، فيُنْظَرُ إلى أهل السنة، فيؤخذ حديثهم، وينظر إلى أهل البدع، فلا يؤخذ حديثهم. قال ابن رجب في "شرح العلل" ١/ ٥٢: وابن سيرين ﵁ هو أول من انتقد من الرجال، وميز الثقات من غيرهم، وقد روي عنه من غير وجه أنه قال: إن هذا العلم دين، فانظروا عمن تأخذون دينكم، وفي رواية عنه أنه قال: إن هذا الحديث دين فلينظر الرجل عمن يأخذ دينه. قال يعقوب بن شيبة: وسمعت علي بن المديني يقول: كان مِمن ينظر في الحديث، ويُفتش عن الإسنادِ، لا نعلمُ أحدًا أوَّلَ منه مُحمَّدُ بنُ سيرين، ثم كان أيوبُ وابنُ عون، ثم كان شعبةُ، ثم كان يحيى بن سعيد وعبدُ الرحمن. قلت لعلي: فمالكُ بنُ أنس؟ فقال: أخبرني سفيانُ بن عيينة، قال: ما كان أشدَّ انتقاءَ مالكٍ الرجالَ. وروى الإمام أحمد عن جابر بن نوح، عن الأعمش، عن إبراهيم قال: إنما سُئِلَ عن الإسناد أيَّامَ المختارِ. قال ابن رجب، وسبب هذا أنه كثر الكذب على عليّ في تلك الأيام، كما روى شريك عن أبي إسحاق سمعت خزيمة بن نصر العبسي أيام المختار وهم يقولون ما يقولون من الكذب وكان من أصحاب علي، قال: ما لهم قاتلهم الله، أيَّ عصابة شانوا، وأيَّ حديث أفسدوا. وروى يونس، عن أبي إسحاق، عن صلة بن زفر العبسي، قال: قاتل الله المختار، أيَّ شيعةٍ أفسد، وأيَّ حديث شانَ. خرجه الجوزجاني وقال: كان المختار يعطي الرجل الألف دينار والألفين على أن يرويَ له في تقوية أمره حديثًا. =
[ ٦ / ٤٤٥ ]
حدَّثنا محمدُ بن عليِّ بن الحسنِ، قال: سَمِعتُ عَبْدانَ يقولُ: قال عبد اللهِ بن المُباركِ: الإِسنادُ عِنْدي من الدِّينِ، لولا الإسنادُ لقالَ من شاءَ ما شاءَ، فإذا قِيلَ له: مَنْ حَدَّثكَ؟ بَقي (^١).
_________________
(١) = قلنا: والمختار هذا هو ابن أبي عُبيد الثقفي غلب على الكوفة في أول خلافة ابن الزبير، فأظهر محبة أهل البيت ودعا الناس إلى طلب قتلة الحسين، فتبعهم فقتل كثيرًا ممن باشر ذلك، أو أعان عليه، فأحبه الناس، ثم إنه زين له الشيطان أن ادّعى النبوة، وزعم أن جبريل يأتيه، فروى أحمد في "مسنده" (٢١٩٤٧) بسند حسن عن رفاعة الفتياني - نسبة إلى فتيان بطن من بجيلة - قال: دخلت على المختار، فألقى لي وسادةً، وقال: لولا أن أخي جبريل قام عن هذه، لألقيتها لك، قال: فأردت أن أضرب عُنُقَه، فذكرتُ حديثًا حدثنيه أخي عمرو بن الحمق، قال: قال رسول الله ﷺ: "أيُّما مؤمِنٍ أمِنَ مؤمنًا على دمه فقتله، فأنا من القاتل بريء". ورواه أحمد (٢١٩٤٨) بإسناد صحيح عن رفاعة ولفظه: قال: كنت أقوم على رأس المختار، فلما عرفت كَذِبَه، هممت أن أسل سيفي، فأضرب عنقه، فذكرت حديثًا حدثناه عمرو بن الحمق، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من أمِنَ رجلًا على نفسه فقتله أعطي لواء الغدر يوم القيامة". قال الإمام الذهبي في "ميزان الاعتدال" ٤/ ٨٠: المختار بن أبي عُبيد الثقفي الكذاب لا ينبغي أن يروى عنه شيء، لأنه ضال مضل، كان يزعم أن جبريل ﵇ ينزل عليه، قتله مصعب بن الزبير، وقتل من أعوانه خلائق سنة ٦٧ هـ. ويقال: إنه الكذاب الذي أشار إليه النبي ﷺ في الحديث بقوله: "يخرج من ثقيف كذاب ومُبير" وهو في "صحيح مسلم" (٢٥٤٥).
(٢) أي: بقي ساكتًا أو حائرًا.
[ ٦ / ٤٤٦ ]
حدَّثنا محمدُ بن عليٍّ، أخبرنا حِبَّانُ بن موسى، قال: ذُكرَ لعبد اللهِ بن المُباركِ حديثٌ، فقال: يُحْتاجُ لهذا أركانٌ من آجُرٍّ. قال أبو عيسى: يعني: أنَّهُ ضَعَّفَ إسنادَه.
حدَّثنا أحمدُ بن عَبْدةَ، حدَّثنا وَهْبُ بن زَمْعةَ، عن عبد اللهِ بن المُبَاركِ: أنَّهُ تَركَ حديثَ الحسنِ بن عُمارةَ، والحسنِ بن دِينارٍ، وإبراهيمَ بن محمدٍ الأسْلميِّ، ومُقاتلِ بن سُليمانَ، وعثمانَ البُرِّيِّ، ورَوْحِ بن مُسافرٍ، وأبي شَيْبةَ الوَاسِطيِّ، وعمرِو بن ثابتٍ، وأيُّوبَ بن خُوطٍ، وأيُّوبَ بن سُوَيدٍ، وَنَصْرِ بن طَريفٍ أبي جَزْءٍ، والحكمِ، وحُبَيِّب (^١). الحكمُ رَوَى له حديثًا في كتابِ الرقائق، ثُمَّ تَركهُ، وحُبَيِّب لا أدري.
قال أحمدُ بن عَبدةَ: وسَمِعتُ عَبْدانَ، قال: كان عبد اللهِ بن المُبَاركِ قرأ أحاديثَ بَكْرِ بن خُنَيْسٍ، فكان أخيرًا إذا أتى عليها، أعْرضَ عنها، وكان لا يَذْكُره.
قال أحمدُ: وحدَّثنا أبو وَهْبٍ، قال: سَمَّوْا لعبد اللهِ بن المُبَاركِ رجلًا يُتَّهمُ (^٢) في الحديثِ، فقال: لأَنْ أقْطَعَ الطَّرِيقَ أحَبُّ إليَّ مِن أنْ أُحَدِّثَ عنه.
_________________
(١) هو حُبَيِّب بن حجر القيسي روى عنه جمع، ونقل ابن شاهين في "تاريخه" (٢٢٧) عن يحيى بن معين أنه قال فيه: ليس به بأس، وذكره ابن حبان في "الثقات" ٦/ ٢٤٩، وقد حسَّنّا حديثه في "مسند أحمد" (١٢٨٩٦) و(١٣٣٨٠).
(٢) في أصولنا الخطية: يهم، والمثبت من "شرح العلل" لابن رجب الحنبلي.
[ ٦ / ٤٤٧ ]
قال: وأخبرني موسى بن حِزامٍ، قال: سَمِعتُ يزيدَ بن هارونَ يقولُ: لا يَحلُّ لأحدٍ أنْ يَرْويَ عن سليمانَ بن عمرٍو النَّخعيِّ الكوفيِّ.
[حدَّثنا محمودُ بن غَيلانَ، حدَّثنا أبو يحيى الحِمَّانيُّ، سَمِعتُ أبا حَنِيفةَ يقولُ: مَا رَأيْتُ أحدًا أكْذبَ من جابرٍ الجُعفيِّ، ولا أفضلَ من عطاءِ بن أبي رباحٍ.
سَمِعتُ الجارودَ يقولُ: سَمِعتُ وكيعًا يقولُ: لولا جابرٌ الجُعفيُّ لكان أهلُ الكوفةِ بِغَيْرِ حديثٍ، ولولا حَمَّادٌ لكان أهلُ الكُوفةِ بِغَيْرِ فقهٍ] (^١).
وسَمِعتُ أحمدَ بن الحسنِ يقولُ: كُنَّا عند أحمدَ بن حَنبلٍ، فذكَرُوا من تَجبُ عليه الجُمُعةُ، فذكر فيه عن بعضِ أهلِ العلمِ من التَّابِعينَ وغَيرِهم، فقلتُ: فيهِ عن النَّبيِّ ﷺ حديثٌ، فقال: عن النّبيِّ ﷺ؟ قلتُ: نعم، حدَّثنا حجَّاجُ بن نُصَيْرٍ، قال: حدَّثنا المُعارِكُ بن عَبَّادٍ، عن عبد اللهِ بن سَعيدٍ المَقْبُريِّ، عن أبيه، عن أبي هُريرةَ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ: الجُمُعةُ على من آواهُ اللَّيْل إلى أهْلهِ" (^٢)، قال: فَغضبَ أحمدُ بن حَنبلٍ وقال: اسْتَغْفِرْ رَبّكَ. مَرَّتَيْنِ.
_________________
(١) ما بين حاصرتين لم يرد في أصولنا الخطية، وأثبتناه من شرح ابن رجب لـ "العلل" ١/ ٦٩، ثم قال ابن رجب: هذا يوجد في بعض النسخ ولا يوجد في بعض.
(٢) أخرجه المصنف في "الجامع" (٥٠٨).
[ ٦ / ٤٤٨ ]
قال أبو عيسى: إنّما فَعلَ هذا أحمدُ بن حَنبلٍ، لأنّهُ لم يُصدِّقْ هذا عن النّبيِّ ﷺ لضعفِ إسناده، لأنَّهُ لم يَعْرِفه عن النّبيِّ ﷺ، والحجَّاجُ بن نُصَيْرٍ يُضعَّفُ في الحديثِ، وعبد اللهِ بن سعيدٍ المَقْبُريُّ ضَعَّفهُ يحيى بن سعيدٍ القطّانُ جِدًّا في الحديثِ.
فكلُّ من رُوِي عنه حديثٌ مِمن يُتَّهمُ، أو يُضعَّفُ لِغَفْلته وكثرةِ خَطئه، ولا يُعرفُ ذلك الحديثُ إلا من حديثهِ، فلا يُحْتجُّ به.
وقد رَوَى غيرُ واحدٍ من الأئمَّةِ عن الضُّعفاءِ، وبَيَّنُوا أحوالَهُم للنَّاسِ.
حدَّثنا إبراهيم بن عبد اللهِ بن المُنْذرِ الباهِليُّ، حدَّثنا يَعْلى بن عُبيدٍ، قال: قال لنا سفيانُ الثَّوريُّ: اتَّقُوا الكَلْبيَّ. فقيلَ له: فإنَّكَ تَرْوي عنه. قال: أنا أعرفُ صِدْقَهُ من كَذبهِ.
وأخبرني محمدُ بن إسماعيلَ، حدَّثني يحيى بن مَعِينٍ، حدَّثني عَفّانُ، عن أبي عوانةَ، قال: لمَّا ماتَ الحسنُ البَصْريُّ، اشْتَهيْتُ كلامَهُ، فَتتبَّعْتُه عن أصحابِ الحسنِ، فأتَيْتُ به أبانَ بن أبي عَيَّاشٍ، فقرأهُ عليَّ كُلَّه عن الحسنِ، فَما أسْتَحِلُّ أنْ أرْوِيَ عنه شيئًا.
قال أبو عيسى: وقد رَوَى عن أبانَ بن أبي عَيَّاشٍ غيرُ واحدٍ من الأئمةِ، وإنْ كان فيه من الضَّعْفِ والغَفْلةِ ما وَصَفَه أبو عوانةَ وغيرُه، فلا يُغْترُّ بِروايةِ الثِّقَاتِ عن النَّاسِ، لأنَّهُ يُرْوى عن ابن سِيرينَ قال: إنَّ الرَّجلَ ليحَدَّثُني فما أتّهمُه، ولكن أتّهمُ من فَوقَه.
[ ٦ / ٤٤٩ ]
وقد روى غيرُ واحدٍ عن إبراهيمَ النَّخَعيِّ، عن عبد اللهِ بن مسعودٍ أنَّ النبيَّ ﷺ كان يَقنُتُ في وِتْرِه قَبلَ الرُّكوعِ.
وَرَوَى أبانُ بن أبي عيَّاشٍ، عن إبراهيمَ النَّخَعيِّ، عن عَلْقمةَ، عن عبد اللهِ بن مسعودٍ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ كان يَقْنُتُ في وِتْرِه قَبْلَ الرُّكُوعِ (^١). هكذا رَوَى سفيانُ الثَّوريُّ، عن أبانَ بن أبي عيَّاشٍ.
ورَوَى بَعضُهُم عن أبانَ بن أبي عيَّاشٍ بهذا الإسنادِ نحو هذا، وزادَ فيه: قال عبد اللهِ بن مسعودٍ: أخْبرتْني أُمِّي: أنّها باتَتْ عند النّبيِّ ﷺ، فَرَأتِ النّبيَّ ﷺ قَنتَ في وِتْرِه قَبْلَ الرُّكوعِ (^٢).
_________________
(١) أخرجه ابن أبي شيبة ٢/ ٣٠٢، والدارقطني (١٦٦٢)، والبيهقي ٣/ ٤١ من طريق يزيد بن هارون عن أبان، بهذا الإسناد. قال الدارقطني: أبان متروك، وقال البيهقي: ومدار الحديث على أبان وهو متروك. قال ابن رجب في "شرح العلل" ١/ ٩٨: وكان أبان لسوء حفظه يرفع الموقوف ويصل المرسل. قال أبو زرعة: لم يكن يتعمد الكذب، كان يسمع الحديث من أنس ومن شهر بن حوشب ومن الحسن، فلا يميز بينهم.
(٢) أخرجه الدارقطني (١٦٦٣) من طريق سفيان به، وقال: أبان بن أبي عياش متروك. قلنا: روى ابن أبي شيبة ٢/ ٣٠٢ عن يزيد بن هارون، عن هشام الدستوائي، عن حماد، عن إبراهيم، عن علقمة: أن ابن مسعود وأصحاب النبي ﷺ كانوا يقنتون في الوتر قبل الركوع. وهذا إسناد صحيح موقوف على ابن مسعود، وحسن إسناده الحافظ في "الدراية" ١/ ١٩٤. =
[ ٦ / ٤٥٠ ]
قال أبو عيسى: وأبانُ بن أبي عيَّاشٍ وإنْ كان قد وُصفَ بالعبادةِ والاجتهادِ، فهذا حَالُه في الحديثِ، والقومُ كانوا أصحابَ حِفْظٍ، فَرُبَّ رجلٍ وإنْ كان صالحًا لا يُقيمُ الشَّهادةَ، ولا يَحْفَظُها، فكُلُّ من كان مُتَّهمًا في الحديثِ في الكذب، أو كان مُغفَّلًا يُخْطِئُ الكثيرَ، فالّذي اختارَه أكثرُ أهلِ الحديثِ مِن الأئمَّةِ أنْ لا يُشْتَغَلَ بالرِّوايةِ عنه، ألا تَرَى أنَّ عبد اللهِ بن المُبَاركِ حَدَّثَ عن قَومٍ من أهلِ العلمِ، فلمَّا تَبيَّنَ له أمرُهُم، تَركَ الرِّوايةَ عَنهُم.
[أخبرني موسى بن حِزامٍ، سَمِعتُ صالحَ بن عبد اللهِ يقولُ: كُنَّا عندَ أبي مُقاتلٍ السَّمرقنْديِّ (^١)، فجعلَ يَرْوِي عن عَوْنِ بن أبي شَدَّادٍ الأحاديثَ الطِّوالَ التي كانت تُروى في وَصيَّةِ لُقْمانَ، وقَتْلِ سعيدِ بن
_________________
(١) = وأخرج الطبراني في "الكبير" (٩١٦٥) أن ابن مسعود كان لا يقنت في شيءٍ من الصلوات إلا في الوتر قبل الركوع. قال الحافظ في "الدراية" ١/ ١٩٣: إسناده صحيح، وأورده الهيثمي في "المجمع" ٢/ ١٣٧، ونسبه للطبراني، وحسن إسناده.
(٢) اسمه حفص بن سلم السمرقندي يروي عن الكوفيين والحجازيين، وهّاه قتيبة شديدًا، وكذبه ابن مهدي، وقال الذهبي في الكنى من "الميزان": هو أحد التلفى، وفي "لسان الميزان": حدث عن مسعر وأيوب وعُبيد الله بن عمر المناكير وكذبه وكيع، ووهاه الدارقطني، وقال ابن عدي: ليس هو ممن يُعتمد على رواياته، وذكره ابن حبان في "الضعفاء" ١/ ٢٥١ - ٢٥٢ فقال: كان صاحب تقشف وعبادة، ولكنه كان يأتي بالأشياء المنكرةِ التي يَعلَم مَنْ كتب الحديثَ أنه ليس لها أصل يرجع إليه، سئل ابن المُبارك عنه، فقال: خذوا عن أبي مقاتل عبادته وحسبكم.
[ ٦ / ٤٥١ ]
جبَيْرٍ، وما أشْبَهَ هذه الأحاديثَ، فقال ابنُ أخ لأبي مُقاتلٍ: يا عَمَّ لا تقُلْ: حدَّثَنا، فإنّكَ لم تَسْمعْ هذه الأشياءَ. قال: يا بُنيَّ هو كلامٌ حسنٌ.
وسمعتُ الجارودَ يقولُ: كُنَّا عند أبي مُعاويةَ، فذُكرَ له حديث أبي مُقاتلٍ، عن سفيانَ الثَّوريِّ، عن الأعمَشِ، عن أبي ظبيانَ، قال: سُئلَ عليٌّ عن كور الزَّنابيرِ، قال: لا بأسَ به، هو بِمنزلةِ صَيْد البحر. فقال أبو معاويةَ: ما أقول: إنَّ صاحبَكُم كذّاب، ولكن هذا الحديث كَذِبٌ] (^١).
وقد تكلَّمَ بعضُ أهلِ الحديثِ في قومٍ من أجِلَّةِ أهلِ العلمِ، وضَعَّفُوهُم من قِبَلِ حِفْظِهمْ، ووَثَّقهُمْ آخرُونَ من الأئمةِ لِجَلالَتهم وصِدْقِهمْ، وإنْ كانوا قد وَهمُوا في بعضِ ما رَوَوْا، قد تَكلَّمَ يحيى بن سَعيدٍ القطّانُ في محمدِ بن عمرٍو، ثُمَّ رَوَى عنه.
حدَّثنا أبو بكرٍ عَبد القدُّوس بن محمدٍ العطَّارُ البَصْريُّ، حدَّثنا عليُّ بن المَدِينيَّ، قال: سَألْتُ يحيى بن سعيدِ عن محمدِ بن عمرِو بن عَلْقمةَ، فقال: تُرِيدُ العَفْوَ أو تُشدَّدُ؟ فقلتُ: لا، بل أُشدَّدُ. فقال: ليس هو ممن تُريدُ، كان يقولُ: حدثنا أشياخُنا أبو سَلمةَ ويحيى بن عبد الرحمنِ بن حاطبٍ (^٢).
_________________
(١) ما بين حاصرتين أثبتناه من النسخة التي اعتمدها الحافظ ابن رجب في "شرحه" ١/ ٧٨ - ٧٩، ولم ترد في أصولنا الخطية.
(٢) محمد بن عمرو بن علقمة حسن الحديث كما قال الإمام الذهبي، فقد وثقه النسائي وابن معين في أكثر الروايات، وقال يحيى بن سعد القطان: صالح، ليس بأحفظ الناس للحديث، وقال أبو حاتم: صالح الحديث، يكتب حديثه =
[ ٦ / ٤٥٢ ]
قال يحيى: وسَألْتُ مالكَ بنَ أنسٍ عن محمدِ بن عمرٍو، فقال فيه نحو ما قلتُ. قال عليٌّ: قال يحيى: ومحمدُ بن عمرٍو أعلى مِن سُهَيْلِ بن أبي صالحٍ، وهو عندي فوقَ عبدِ الرحمنِ بن حَرْملةَ (^١). قال عليٌّ: فقلتُ ليحيى: ما رأيتَ مِن عبدِ الرحمنِ بن حَرْملةَ؟ فقال: لو شِئْتُ أنْ أُلَقَّنَه لفَعلْتُ. قلتُ: كان يُلقَّنُ؟ قال: نعم (^٢).
_________________
(١) = وهو شيخ، وقال ابن عدي: له حديث صالح، وقد حدث عنه جماعة من الثقات … وأرجو أنه لا بأس به، وقد تكلم فيه بعضهم من قبل حفظه، وإنما روى له البخاري مقرونًا بغيره، ومسلم في المتابعات.
(٢) هو عبد الرحمن بن حرملة بن عمرو بن سَنَّة الأسلمي أبو حرملة المدني روى له مسلم في "صحيحه" وأصحاب "السنن"، وهو صدوق حسن الحديث، فقد وثقه ابن نمير وابن معين واحتج به مسلم، وقال النسائي: ليس به بأس، وقال ابن عدي: لم أر له في أحاديثه حديثًا منكرًا، وسأل عبد الله بن أحمد أباه عن يزيد بن عبد الله بن قسيط وابن حرملة، فقال: ما أقربهما. ويزيد ثقة من رجال الشيخين، وقال أبو حاتم وحده: يكتب حديثه ولا يحتج به، وسئل يحيى بن سعيد القطان عنه، فضعفه ولم يرفعه، وقال أحمد بن سعد عن يحيى بن معين: ثقة، وروى عنه يحيى بن سعيد نحوًا من مئة حديث، وقال ابن المديني: راددتُ يحيى بن سعيد في ابن حرملة، فقال. ليس هو عندي مثل يحيى بن سعيد الأنصاري، فيفهم من هذا أنه ليس عنده من أهل الطبقة العليا من المتقين الأثبات، لا أنه ضعيف.
(٣) التلقين كما في "الفتح" ٧/ ١٣٨: أن يقول الطالب للشيخ: قل: حدثنا فلان بكذا، فيحدث به من غير أن يكون عارفًا به حديثه ولا بعدالة الطالب، فلا يؤمن أن لا يكون ذلك الطالب ضابطًا لذلك القدر، فيدل على تساهل الشيخ، فلذلك عابوه على من فعله. وأما الحافظ الذي نسي فلُقِّنَ حتى ذكر، أو تذكر حديثه من كتاب فرجع إليه حفظه الذي كان نسيه، فحكمه حكم الحافظ.
[ ٦ / ٤٥٣ ]
قال عليٌّ: ولم يَرْوِ يحيى عن شَرِيكٍ، ولا عن أبي بكرِ بن عيَّاشٍ، ولا عن الرَّبيعِ بن صَبِيحٍ، ولا عن المُبَاركِ بن فَضالةَ.
قال أبو عيسى: وإنْ كان يحيى بن سعيدٍ قد تَركَ الرَّوايةَ عن هؤلاءِ، فلم يَتْرُكِ الرَّوايةَ عَنهُم أنَّهُ اتَّهمهُمْ بالكذبِ، ولكنَّه تَركَهُم لِحَالِ حِفْظهم.
وذُكِرَ عن يحيى بن سعيدٍ أنَّهُ كان إذا رأى الرَّجُلَ يُحدِّثُ عن حِفْظِه مرّةً هكذا ومرّةً هكذا، لا يَثْبتُ على روايةٍ واحدةٍ، تَركهُ، وقد حَدَّثَ عن هؤلاءِ الّذِينَ تَركَهُمْ يحيى بن سعيدٍ القطّانُ: عبدُ اللهِ بن المُبَاركِ، ووكيعُ بن الجرَّاحِ، وعبد الرحمنِ بن مَهْديٍّ، وغَيرُهُم من الأئمةِ.
وهكذا تَكلَّمَ بعض أهلِ الحديثِ في سُهَيلِ بن أبي صالحٍ ومحمدِ بن إسحاقَ، وحمّادِ بن سَلمةَ، ومحمدِ بن عَجْلانَ، وأشباهِ هؤلاءِ من الأئمةِ، إنّما تَكلَّمُوا فِيهم من قِبلِ حِفْظهم في بعضِ ما رَوَوْا، وقد حَدَّثَ عَنهُم الأئمةُ.
حدَّثنا الحسنُ بن عليًّ الحُلْوانيُّ، أخبرنا عليُّ بن المَدينيَّ، قال: قال سفيانُ بن عُيينةَ: كُنَّا نَعدُّ سُهَيلَ بن أبي صالحٍ (^١) ثَبْتًا في الحديثِ.
_________________
(١) أكثر الأئمة على توثيقه: سفيان بن عيينة وأحمد والترمذي وابن سعد والعجلي والنسائي في رواية، وقال في أخرى: ليس به بأس، وإنما لين أمره ابن معين وأبو حاتم وحدهما، وقد روى عنه الأئمة الكبار: السفيانان والحمادان وشعبة ومالك بن أنس، وأبو معاوية محمد بن خازم الضرير ووهيب بن خالد ويحيي بن سعيد الأنصاري، واحتج به مسلم كثيرًا في "صحيحه". =
[ ٦ / ٤٥٤ ]
حدَّثنا ابن أبي عمرَ: قال سفيانُ بن عُيينةَ: كان محمدُ بن عَجْلانَ ثِقةً مَأْمُونًا في الحديثِ.
قال أبو عيسى: وإنَّما تَكلَّمَ يحيى بن سعيدٍ القطَّانُ عندنا في روايةِ محمدِ بن عَجْلانَ، عن سعيدٍ المَقْبُريَّ؛ حدَّثنا أبو بكرٍ، عن عليَّ بن عبد الله، قال: قال يحيى بن سعيدٍ: قال محمدُ بن عَجْلانَ: أحاديثُ سعيدٍ المقْبُريِّ: بَعضُها: سعيدٌ، عن أبي هُريرةَ، وبَعضُها: سعيدٌ، عن رجلٍ، عن أبي هُريرةَ، فاخْتلطَتْ، عليَّ فَصيَّرتُها عن سعيدٍ، عن أبي هُريرةَ. وإنما تَكلَّمَ يحيى بن سَعيدٍ عِنْدنا في ابن عَجْلانَ لهذا، وقد رَوَى يحيى عن ابن عَجْلانَ الكثيرَ (^١).
_________________
(١) = وقال السلمي: سألت الدارقطني: لمَ ترك البخاري حديث سهيل في كتابه الصحيح؟ فقال: لا أعرف له فيه عذرًا، فقد كان النسائي إذا مر بحديث سهيل، قال: هو واللهِ خيرٌ من أبي اليمان ويحيى بنِ بُكير وغيرهما. وقال ابن عدي: هو عندي ثبت لا بأس به مقبول الأخبار. وقال الحافظ في "الفتح" عن حديث في سنده سهيل: إسناده صحيح على شرط مسلم. وقد أخرج له البخاري حديثًا واحدًا في الجهاد (٢٨٤٠) مقرونًا بيحيى بن سعيد الأنصاري، وأخرج له حديثين آخرين متابعة في الدعوات، انظر (٦٣٢٩) و(٦٤٠٨).
(٢) هو محمد بن عجلان القرشي أبو عبد الله المدني وثقه أحمد وابن معين وابن عيينة وابن سعد وأبو زرعة وأبو حاتم والنسائي، وقال يعقوب بن شيبة: صدوق وسط. قال الذهبي في "السير" ٦/ ٣٢٠: حدث عنه شعبة ومالك وهو حسن الحديث وأقوى من ابن إسحاق، ولكن ما هو في قوة عُبيد الله بن عمر ونحوه. =
[ ٦ / ٤٥٥ ]
قال أبو عيسى: وهكذا من تَكلَّمَ في ابن أبي ليلى (^١)، إنّما تَكلَّمَ
_________________
(١) = وله في "صحيح مسلم" ثلاثة عشر حديثًا كلها في الشواهد، وهي بالأرقام (٢٩) و(٤٤٣) و(٤٨٠) و(٥٤٣) و(٥٧٩) و(٥٩٥) و(٩٨٥) و(١٣٩٩) و(١٥٩٩) و(١٦٠٥) و(١٧٢٠) وص ١٤٧٠ برقم (١٧٠٩)، و(١٨٨٥) و(٢٢٣٦) و(٢٣٩٨). وخبر يحيى بن سعيد الذي أورده الترمذي هو كذلك في كتاب علي بن المديني و"تاريخ البخاري الكبير" ١/ ١٩٧، و"الأوسط" ٢/ ٧٥، لكن الخبر في "علل أحمد" (٦٤٣) رواية ابنه: قال أبي: بلغني عن يحيى بن سعيد، قال: لم يقف ابن عجلان على حديث سعيد المقبري عن أبيه عن أبي هريرة، فتركها، فكان يقول: سعيد المقبري عن أبي هريرة؛ ترك أباه. ونص ابن حبان في "الثقات" ٧/ ٣٨٦ - ٣٨٧: قال يحيى القطان: سمعت محمد بن عجلان يقول: كان سعيد المقبري يحدث عن أبيه عن أبي هريرة، وعن أبي هريرة، فاختلط عليَّ، فجعلتها كلها عن أبي هريرة. قال أبو حاتم: وقد سمع سعيد المقبري من أبي هريرة، وسمع من أبيه عن أبي هريرة، فلما اختلط على ابن عجلان، ولم يميز بينها، اختلط فيها وجعلها كلها عن أبي هريرة، وليس هذا مما يُوهى الإنسان به، لأن الصحيفة كلها في نفسها صحيحة، فما قال ابن عجلان: عن سعيد، عن أبيه، عن أبي هريرة، فذاك مما حمل عنه قديمًا قبل اختلاط صحيفته عليه، وما قال: عن سعيد، عن أبي هريرة، فبعضها متصل صحيح وبعضها منقطع، لأنه أسقط أباه فلا يجب الاحتجاج عند الاحتياط إلا بما يروي الثقات المتقنون عنه، عن سعيد، عن أبيه، عن أبي هريرة.
(٢) هو محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى قاضي الكوفة، وكان من جلة الفقهاء المعتبرين، وله حديث كثير، وهو صدوق سيئ الحفظ، فإذا انفرد بحديث ولم يتابع عليه، لم يحتج به.
[ ٦ / ٤٥٦ ]
فيه من قِبلِ حِفْظِه. قال عليٌّ: قال يحيى بن سعيدٍ: رَوَى شُعبةُ عن ابن أبي ليلى، عن أخيه عيسى، عن عبد الرحمنِ بن أبي ليلى، عن أبي أيُّوبَ، عن النّبيَّ ﷺ في العُطاسِ. قال يحيى: ثمَّ لَقيتُ ابن أبي لَيلى، فحدَّثَنا عن أخيه عيسى، عن عبد الرحمنِ بن أبي ليلى، عن عليًّ، عن النّبيَّ ﷺ (^١).
ويُرْوى عن ابن أبي ليلى نَحو هذا غير شيءٍ، كان يَرْوي الشيءَ مَرَّةً هكذا ومَرَّةً هكذا، يُغيِّر الإِسنادَ، وإنّما جاءَ هذا من قِبلِ حِفْظِه، لأنَّ أكثرَ من مَضَى من أهلِ العلمِ كانوا لا يَكْتُبونَ، ومن كَتبَ مِنْهُم إنّما كان يكتبُ لهم بعد السَّماعِ.
وسَمِعتُ أحمدَ بن الحسنِ يقولُ: سَمِعتُ أحمدَ بن حنبلٍ يقولُ: ابن أبي ليلى لا يُحْتجُّ به (^٢).
قال: وكذلكَ من تَكلَّمَ من أهلِ العلمِ في مُجالدِ بن سعيدٍ (^٣) وعبد اللهِ بن لَهِيعةَ (^٤) وغَيرِهما، إنَّما تَكلَّمُوا فيهم من قِبلِ حِفْظهم
_________________
(١) أخرجه المصنف في الأدب: باب كيف يُشمت العاطس (٢٧٤١) وقد تكلمنا عليه هناك.
(٢) يعني إذا انفرد.
(٣) هو مجالد بن سعيد بن عُمير الهمداني الكوفي ليس بالحافظ وقد ضعفه غير واحد من الأئمة، وقال ابن عدي: عامةُ ما يرويه غيرُ محفوظ. قال ابن رجب: وخرج له مسلم مقرونًا، وكان يحيى بن سعيد يُحدث عنه، وحدث ابن مهدي عن رجل عنه. ومثله يقبل في المتابعات والشواهد.
(٤) هو عبد الله بن لَهِيعَة بن عُقبة الحضرمي المصري القاضي صدوق، =
[ ٦ / ٤٥٧ ]
وكثرةِ خَطئِهم، وقد رَوَى عَنهُم غيرُ واحدٍ من الأئمَّةِ، فإذا تَفرَّدَ أحدٌ من هؤلاءِ بحديثٍ ولم يُتابعْ عليهِ، لم يُحْتجَّ بهِ، كما قال أحمدُ بن حنْبلٍ: ابن أبي ليلى لا يُحْتجُّ به، إنّما عَنَى إذا تَفرَّدَ بالشَّيءِ، وأشدُّ ما يكونُ هذا إذا لم يَحْفظِ الإسنادَ، فزادَ في الإسنادِ، أو نَقصَ، أو غَيَّرَ الإِسنادَ، أو جاء بما يَتغيَّرُ فيهِ المعنى.
فأمَّا من أقامَ الإِسنادَ وحَفظَه، وغيَّرَ اللَّفظَ، فإنَّ هذا واسعٌ عند أهلِ العلمِ إذا لم يَتغيَّر فيه المعنى.
حدَّثنا محمدُ بن بَشَّارٍ، حدَّثنا عبد الرحمنِ بن مَهْديٍّ، حدَّثنا مُعاويةُ بن صالحٍ، عن العلاءِ بن الحارثِ، عن مَكْحُولٍ، عن واثلةَ بن الأسْقَعِ، قال: إذا حَدَّثْناكُم على المعنى فحسْبُكم (^١).
_________________
(١) = لكنه خلّط بعد احتراق كتبه، وحديثه قوي إذا روى عنه العبادلة: ابن المبارك وابن وهب وابن يزيد المقرئ وابن مسلمة القعنبي، وقد سمع منه قبل احتراق كتبه الوليد بن مزيد، وقتيبة بن سعيد والأوزاعي والثوري وشعبة وعمرو بن الحارث، وعبد الرحمن بن مهدي، والوليد بن مسلم، وإسحاق بن عيسى الطباع. خرج مسلم حديثه مقرونًا بعمرو بن الحارث، وأما البخاري والنسائي، فإذا ذكرا إسنادًا فيه ابن لهيعة وغيره سميا ذلك الغير، وكنيا عن اسم ابن لهيعة ولم يسمياه.
(٢) رجاله ثقات، وأخرجه الدارمي ١/ ٧٩، والبخاري في "تاريخه" ٦/ ٥١٣، والرامهرمزي في "المحدث الفاصل" ص ٥٣٣، والخطيب في "الكفاية" ص ٢٠٤.
[ ٦ / ٤٥٨ ]
حدَّثنا يحيى بن موسى، حدَّثنا عبد الرَّزاقِ، أخبرنا مَعْمرٌ، عن أيُّوبَ، عن محمدِ بن سِيرينَ، قال: كنتُ أسْمعُ الحديثَ مِنْ عَشرةٍ، اللَّفْظُ مُخْتلفٌ والمعنى واحدٌ (^١).
حدَّثنا أحمدُ بن مَنِيعٍ، حدَّثنا محمدُ بن عبد اللهِ الأنصاريُّ، عن ابن عَوْنٍ، قال: كان إبراهيمُ النَّخَعيُّ والحسنُ والشَّعْبيُّ يَأْتُونَ بالحديثِ على المعاني، وكان القاسمُ بن محمدٍ ومحمدُ بن سِيرينَ ورجاءُ بن حَيْوةَ يُعيدُونَ الحديثَ على حُروفهِ (^٢).
حدَّثنا عليُ بن خَشْرمٍ، أخبرنا حفصُ بن غِياثٍ، عن عاصمٍ الأحْوَلِ، قال: قلتُ لأبي عثمانَ النَّهْديِّ: إنّكَ تُحدَّثُنا بالحديثِ، ثمَّ تُحدَّثُنا به على غيرِ ما حَدَّثْتنا به. قال: عليكَ بِالسَّماعِ الأوَّلِ (^٣).
حدَّثنا الجارودُ، حدَّثنا وكيعٌ، عن الرَّبيعِ بن صَبِيحٍ، عن الحسنِ، قال: إذا أصَبْتَ المعنى أجْزَأكَ (^٤)
_________________
(١) رجاله ثقات، وهو في "المحدث الفاصل" ص ٥٣٤، و"الكفاية" ص ٢٠٦.
(٢) رجاله ثقات، وأخرجه الخطيب في "الكفاية" ص ٢٠٦ من طريق الحسين بن إدريس، حدثنا ابن عمار، حدثنا معاذ بن معاذ العنبري، عن ابن عون.
(٣) رجاله ثقات، وأبو عثمان النهدي: اسمه عبد الرحمن بن ملّ، مخضرم ثقة ثبت عابد.
(٤) الربيع بن صبيح ضعيف.
[ ٦ / ٤٥٩ ]
حدَّثنا عليُّ بن حُجْرٍ، أخبرنا عبد الله بن المُبَاركِ، عن سَيْفٍ - هو ابن سليمانَ - قال: سَمِعتُ مُجاهدًا يَقولُ: انْقصْ من الحديثِ إنْ شِئْتَ، ولا تَزِدْ فيهِ (^١).
حدَّثَنا أبو عمّارٍ الحسينُ بن حُرَيْثٍ، أخبرنا زيدُ بن الحُبابِ، عن رجلٍ، قال: خَرجَ إلينا سفيانُ الثَّوْريُّ، فقال: إنْ قلتُ لكُم: إنّي أُحدَّثُكمْ كما سَمِعتُ، فلا تُصدَّقُوني، إنّما هو المعنى (^٢).
أخبرنا الحسين بن حُرَيْثٍ، قال: سمعتُ وكيعًا يقولُ: إنْ لم يَكنِ المعنى واسعًا، فقد هَلكَ النَّاسُ (^٣).
_________________
(١) رجاله ثقات، وهو في "المحدث الفاصل" ص ٥٤٢ - ٥٤٣.
(٢) فيه مجهول، لكن رواه الخطيب في "الكفاية" ص ٢٠٩، فقال: أخبرني أبو نصر أحمد بن الحسين القاضي بالدينور، أخبرنا أبو بكر أحمد بن محمد بن إسحاق الحافظ، حدثنا عبد الله بن محمد بن جعفر، حدثنا الحسن بن علي بن عفان، حدثنا زيد بن الحُباب، سمعت سفيان الثوري يقول: إن قلت لكم: إني أحدَّثكم كما سمعتُ فلا تصدّقوني، قال زيد: يعني أنه يُحدَّث على المعاني. ورجاله ثقات.
(٣) رجاله ثقات. قال الحافظ ابن رجب في "شرح العلل" ١/ ١٤٧: ومقصود الترمذي ﵀ بهذا الفصل الذي ذكره ها هنا: أن مَن أقام الأسانيد وحفظها وغير المتون تغييرًا لا يغير المعنى أنه حافظ ثقة يُعتدّ بحديثه، وبنى على ذلك أن رواية الحديث بالمعنى جائزة، وحكاه عن أهل العلم. وكلامه يشعر بأنه إجماع، وليس كذلك، بل هو قول كثير من العلماء ونصَّ عليه أحمد وقال: ما زال الحفاظ يحدّثون بالمعنى. =
[ ٦ / ٤٦٠ ]
قال أبو عيسى: وإنّما تَفاضلَ أهلُ العلمِ بالحفظِ والإتقانِ والتَّثَبُّتِ عِندَ السَّماعِ مع أنَّهُ لم يَسلَمْ من الخطأ والغَلطِ كثيرُ أحدٍ من الأئمةِ مع حِفْظهم (^١).
_________________
(١) = وإنما يجوز ذلك لمن هو عالم بلغات العرب بصيرًا عالمًا بما يُحيل المعنى وما لا يُحيله، نصَّ على ذلك الشافعي. قلت: الذي عليه جمهور السلف والخلف - ومنهم الأئمة الأربعة المتبوعون - جواز نقل الرواية بالمعنى في الأحاديث المرفوعة وغيرها للعدل الذي هو عارف بدلالات الألفاظ واختلاف مواقعها. واستثني من ذلك ما تعبد بلفظه كالتشهد والقنوت ونحوهما، وما هو من جوامع كلمه ﷺ التي افتخر بإنعام الله عليه بها. ونقل القرطبي عن بعض المتأخرين أن الخلاف في هذه المسألة إنما يتصور بالنظر إلى عصر الصحابة والتابعين، لتساويهم في معرفة اللغة الجِبَّلّيَةِ الذوقية، وأما من بعدهم، فلا شك في أن ذلك لا يجوز، إذ الطباع تغيرت، والفهوم قد تباينت، والعوارف قد اختلفت. قال: وهذا هو الحق. قلت: ويتأكد ذلك في عصرنا هذا أن الكتب المصنفة، كالسنن والمسانيد قد حُققت على أصول معتدًّ بها وتوثق منها، وضبطت ألفاظها ضبطًا صحيحًا من قبل أهل العلم الذين بلغوا الغاية في هذا المجال.
(٢) قال ابن رجب في "شرح العلل" ١/ ١٥٩ تعليقًا على قول الترمذي: مع أنه لم يسلم من الخطأ والغلط كثير أحدٍ من الأئمة مع حفظهم: وهو كما قال، فقد قال ابن معين: لست أعجب ممن يُحدث فيخطئ، وإنما أعجب ممن يحدث فيصيب. وقال ابن المبارك: ومن يسلم من الوهم؟! وقد وهّمت عائشة ﵂ جماعة من الصحابة في رواياتهم للحديث، وقد جمع بعضهم جزءًا في ذلك. =
[ ٦ / ٤٦١ ]
حدَّثنا محمدُ بن حُمَيدٍ الرَّازيُّ، حدَّثنا جَريرٌ، عن عُمارةَ بن القَعْقَاعِ، قال: قال لي إبراهيمُ النَّخَعيُّ: إذا حَدَّثْتني فحدَّثْني عن أبي زُرْعةَ بن عمرِو بن جَريرٍ، فإنَّهُ حدَّثني مَرَّةً بحديثٍ، ثمَّ سَألْتُه بعدَ ذلك بِسنينَ، فَما أخْرمَ منه حَرْفًا.
حدَّثنا أبو حَفْصٍ عمرُو بن عَليًّ، حدَّثنا يحيى بن سعيدٍ القَطَّانُ، عن سفيان، عن منصورٍ، قال: قلتُ لإبراهيمَ: ما لِسالمِ بن أبي الجَعْدِ أتمَّ حديثًا مِنك؟ قال: لأنَّهُ كان يَكتبُ.
حدَّثنا عبد الجبارِ بن العلاءِ بن عبد الجبارِ، حدَّثنا سفيانُ، قال: قال عبد الملكِ بن عُمَيرٍ: إنَّي لأُحَدَّثُ بِالحديثِ، فما أدعُ منه حرفًا.
حدَّثنا الحسينُ بن مَهْديًّ البصريُّ، حدَّثنا عبد الرَّزاقِ، قال: أخبرنا مَعْمرٌ، عن قتادةَ، قال: ما سَمِعتْ أذُنايَ شيئًا قَطُّ إلا وعاهُ قَلْبي.
حدَّثنا سعيدُ بن عبد الرحمنِ المَخْزوميُّ، حدَّثنا سفيانُ بن عُيينةَ، عن عمرِو بن دِينارٍ، قال: ما رأيتُ أحدًا أنصَّ للحديثِ من الزُّهريّ.
حدَّثنا إبراهيمُ بن سعيدٍ الجَوْهَريُّ، حدَّثنا سفيانُ بن عُيينةَ،
_________________
(١) = قلت: هو كتاب "الإجابة لإيراد ما استدركته عائشة على الصحابة" وقد طبع بتحقيق الأستاذ سعيد الأفغاني ﵀، ووقعت له فيه تحريفات وتصحيفات وأخطاء استدركها صاحبنا الدكتور بنيامين أورال الأستاذ بجامعة أنقرة في نشرته الجديدة للكتاب، وقد راجعته قبل أن يقدم للطبع من أوله لآخره، وكتبت له مقدمة حافلة وهي نافعة إن شاء الله في بابها، وتم طبعه في مؤسسة الرسالة.
[ ٦ / ٤٦٢ ]
قال: قال أيُّوبُ السَّخْتيانيُّ: ما عَلمْتُ أحدًا كان أعلمَ بِحديثِ أهلِ المدينةِ بعد الزُّهْريَّ من يحيى بن أبي كثيرٍ.
حدَّثنا محمدُ بن إسماعيلَ، حدَّثنا سليمانُ بنُ حَرْبٍ، حدَّثنا حَمَّادُ بنُ زيدٍ، قال: كان ابن عَوْنٍ يُحدَّثُ، فإذا حَدَّثْتُه عن أيُّوبَ بِخلافهِ تَركهُ، فأقولُ: قد سَمِعتَهُ، فيقولُ: إنَّ أيُّوبَ أعْلمُنا بِحديثِ محمد بن سيرينَ.
حدَّثنا أبو بكرٍ، عن عليَّ بن عبد اللهِ، قال: قلتُ ليحيى بن سعيدٍ: أيُّهُما أثْبتُ، هشامٌ الدَّسْتُوائيُّ أو مِسْعرٌ؟ قال: ما رأيتُ مِثْلَ مِسْعرٍ، كَان مِسْعرٌ من أثْبتِ النَّاسِ.
حدَّثنا أبو بكرٍ عبد القدُّوسِ بن محمدٍ، قال: حدَّثَني أبو الوليدِ، قال: سَمعتُ حَمَّادَ بن زيدٍ يقولُ: ما خَالَفني شُعبةُ في شيءٍ إلا تَركْتُه.
قال: قال أبو بكرٍ: وحدَّثني أبو الوليدِ، قال: قال لي حَمَّادُ بن سلمةَ: إنْ أرَدْتَ الحديثَ، فَعليْكَ بِشُعبةَ.
حدَّثنا عبدُ بن حُمَيدٍ، حدَّثنا أبو داودَ، قال: قال شعبةُ: ما رَوَيْتُ عن رجلٍ حديثًا واحدًا إلا أتَيتُه أكثرَ من مَرَّةٍ، والّذِي رَويْتُ عنه عَشرةَ أحاديثَ أتَيتُه أكثرَ من عَشْرِ مِرارٍ، والّذي رَوَيْتُ عنه خَمْسينَ حديثًا أتَيتُه أكْثرَ من خَمْسينَ مَرَّةً، والّذي رَوَيْتُ عنه مئةً أتَيتُه أكثرَ من مِئةِ مَرَّةٍ، إلا حَيَّانَ البارقيَّ فإنَّي سَمِعتُ منه هذه الأحاديثَ، ثمَّ عُدْتُ إليه فوجَدْتُه قد ماتَ.
حدَّثنا محمدُ بن إسماعيلَ، حدَّثنا عبد اللهِ بن أبي الأسودِ،
[ ٦ / ٤٦٣ ]
حدَّثنا ابن مَهْديًّ، قال: سمعتُ سفيانَ يقولُ: شُعبةُ أميرُ المؤمنينَ في الحديثِ (^١).
حدَّثنا أبو بكرٍ، عن عليَّ بن عبد اللهِ، قال: سَمِعتُ يحيى بن سعيدٍ يقولُ: ليسَ أحدٌ أحبَّ إليَّ من شُعبةَ، ولا يَعْدلُهُ أحدٌ عِنْدي، وإذا خَالفَهُ سفيانُ، أخَذْتُ بقولِ سفيانَ.
قال عليٌّ: قلتُ لِيحيى: أيُّهُما كان أحفظَ للأحاديثِ الطِّوالِ، سفيانُ أو شُعبةُ؟ قال: كان شُعبةُ أمرَّ فِيها. قال يحيى: وكانَ شُعبةُ
_________________
(١) رجاله ثقات، عبد الله بن أبي الأسود: هو عبد الله بن محمد بن أبي الأسود البصري أبو بكر ثقة حافظ احتج به البخاري، وسفيان هو الثوري، وأخرجه ابن أبي حاتم في تقدمة "الجرح والتعديل" ١/ ١٢٦ عن أبيه، عن أبي بكر عبد الله بن أبي الأسود به. وشعبة: هو أبو بسطام شعبة بن الحجاج الواسطي ثم البصري المولود سنة ٨٢ هـ والمتوفى سنة ١٦٠ هـ، ثقة حافظ متقن، وهو أول من فتش بالعراق عن الرجال، ووسع الكلام في الجرح والتعديل، واتصال الأسانيد وانقطاعها، ونقب عن دقائق علم العلل، وأئمة هذا الشأن من بعدُ تبعٌ له في هذا العلم، وهذا اللقب (أمير المؤمنين في الحديث) هو أعلى ألقاب الرواية عند المحدثين يعنون به أن صاحبه قد برع أهل زمانه في علم الحديث رواية ودراية، وقد فسر ابن أبي حاتم وصف شعبة بأمير المؤمنين في الحديث بقوله: يعني فوق العلماء في زمانه. وقد ألف صديقنا المفضال الأستاذ العلامة الشيخ عبد الفتاح أبو غدة ﵀ رسالة وجيزة، أدرج فيها أسماء المحدثين الذين قيل في أحدهم: أمير المؤمنين في الحديث، جمع فيها من وصف بهذا اللقب، واقتصر على ذكر اسمه وتاريخ ولادته ووفاته، واسم بلده واسم الواصف له بهذا اللقب، وعلى ذكر اسم المصدر الوارد فيه ذلك، وهي نفيسة في بابها.
[ ٦ / ٤٦٤ ]
أعلمَ بالرِّجالِ؛ فُلانٌ عن فُلانٍ، وكان سفيانُ صاحبَ أبوابٍ.
حدَّثنا أبو عمَّارٍ الحسينُ بن حُرَيْثٍ، قال: سمعتُ وكيعًا يقولُ: قال شُعبةُ: سفيانُ أحفظ مِنَّي، ما حَدَّثني سفيانُ عن شَيخٍ بشيءٍ فسألْتُه إلا وجَدتُه كما حدَّثني.
[حدَّثنا عمرُو بن عليًّ، قال: سمعتُ عبد الرحمنِ بن مَهْديًّ يقولُ: الأئِمةُ في الأحاديثِ أرْبعةٌ: سفيانُ الثّوْريُّ، ومالكُ بن أنسٍ، والأوزاعيُّ (^١)، وحمَّادُ بن زيدٍ] (^٢).
_________________
(١) هو عبد الرحمن بن عمرو بن يُحْمَد الشامي، شيخ الإسلام، وعالم أهل الشام وفقيههم، أبو عمرو الأوزاعي المولود سنة ٨٨ هـ، كان يسكن دمشق خارج باب الفراديس (ويقال له الآن: باب العمارة) بمحلة الأوزاع وهي العُقيبة الصغيرة، ثم تحول إلى بيروت فسكنها مرابطًا إلى أن مات بها. كان الأوزاعي من كبار أئمة الفقه المجتهدين في عصره، وكان مذهبه معمولًا به متبعًا. قال صاحب "الإرشاد" ١/ ١٩٨: أجاب عن ثمانين ألف مسألة في الفقه من حفظه. وقال الإمام الذهبي: كان أهل الشام ثم أهل الأندلس على مذهب الأوزاعي مدة من الدهر، ثم فني العارفون به، وبقي منه ما يوجد في كتب الخلاف. ووصفه السيوطي في "تدريب الراوي" بأنه من أصحاب المذاهب المتبوعة، وكان له مقلدون بالشام نحوًا من مئتي سنة. وحديثه في دواوين السنة، والمسانيد، وهو ثقة ثبت جليل مأمون، من رجال "التهذيب"، قال ابن سعد: مات سنة سبع وخمسين ومئة في آخر خلافة أبي جعفر.
(٢) ما بين معقوفين لم يرد في أصولنا الخطية، وأثبتناه من النسخة التي اعتمدها الحافظ ابن رجب في شرحه لـ "العلل" ١/ ١٥٦.
[ ٦ / ٤٦٥ ]
سمعتُ إسحاقَ بن موسى الأنصاريَّ، قال: سمعتُ مَعْنَ بن عيسى، يقولُ: كان مالكُ بن أنس يُشدَّدُ في حديثِ رسولِ اللهِ ﷺ في الياءِ وَالتّاءِ ونحوهما.
حدَّثنا أبو موسى، قال: حدَّثني إبراهيمُ بن عبد اللهِ بن قُريْمٍ الأنصاريُّ قَاضي المدينةِ، قال: مَرَّ مالكُ بن أنسٍ على أبي حازمٍ وهو جالسٌ، فجازه، فقيلَ له، فقال: إنَّي لم أجِدْ مَوْضعًا أجلسُ فيه، فكرهتُ أنْ آخُذَ حديثَ رسولِ اللهِ ﷺ وأنا قائمٌ.
حدَّثنا أبو بكرٍ، عن عليَّ بن عبد اللهِ، قال: قال يحيى بن سعيدٍ: مالكٌ، عن سعيدِ بن المُسَيّب، أحبُّ إليَّ من سفيانَ الثَّوْريَّ، عن إبراهيمَ النَّخَعيَّ.
قال يحيى: ما في القومِ أحدٌ أصحَّ حديثًا مِن مالكِ بن أنسٍ، كان مالكٌ إمامًا في الحديثِ.
سَمِعتُ أحمدَ بنَ الحَسنِ يقولُ: سَمِعتُ أحمدَ بنَ حنبلٍ يقولُ: ما رأيتُ بِعَيْنَيَّ مِثْلَ يحيى بنِ سعيدٍ القطّانِ.
قال أحمدُ: وسُئلَ أحمدُ بن حنبلٍ عن وكيعٍ وعبد الرحمنِ بن مَهْديًّ، فقال أحمدُ: وكيعٌ أكبرُ في القلبِ، وعبد الرحمنِ إمامٌ.
سَمِعتُ محمدَ بن عمرِو بن نَبْهانَ بن صَفْوانَ الثَّقَفيَّ البصريَّ يقولُ: سمِعتُ عليَّ بن المَدِينيَّ يقولُ: لو حُلَّفْتُ بين الرُّكْنِ والمقامِ، لَحَلفْتُ إنِّي لم أرَ أحدًا أعلمَ من عبد الرحمنِ بن مَهْديًّ.
[ ٦ / ٤٦٦ ]
قال أبو عيسى: والكلامُ في هذا وَالرَّوايةُ عن أهلِ العلمِ تَكْثُرُ، وإنّما بَيَّنَّا شيئًا منه على الاختصارِ لِيُسْتدَلَّ به على منازلِ أهلِ العلمِ، وتَفاضُلِ بعضهم على بعضٍ في الحِفْظِ والإِتقانِ، ومن تُكلّمَ فيه من أهلِ العلمِ لأيَّ شيءٍ تُكلَّمَ فيهِ.
والقراءةُ على العالمِ إذا كان يَحْفظُ ما يُقْرأُ عليهِ، أو يُمْسِكُ أصْلهُ فِيما يُقْرأُ عليه إذا لم يَحْفظْ، هو صحيحٌ عند أهلِ الحديثِ، مثلُ السَّماعِ (^١).
حدَّثنا حسين بن مَهْديًّ البصرِيُّ، حدَّثَنا عبد الرَّزاق، أخبرنا ابن جرَيْجٍ، قال: قَرأْتُ على عطاءِ بن أبي رَباحٍ، فقلتُ له: كيفَ أقولُ؟ فقال: قل: حدَّثنا.
حدَّثنا سُوَيدُ بن نصرٍ، أخبرنا عليُّ بن الحُسينِ بن واقدٍ، عن أبي عِصْمةَ، عن يزيدَ النَّحْويَّ، عن عِكْرمةَ: أنَّ نَفرًا قَدِمُوا على ابن عبَّاسٍ من أهلِ الطّائفِ بكتب من كُتبهِ، فجعلَ يَقْرأُ عليهم، فيُقدَّمُ
_________________
(١) قال ابن رجب: وقد اشترط الترمذي لصحة العرض على العالم أن يكون العالم حافظًا لما يعرض عليه، أو يمسك أصله بيده عند العرض عليه إذا لم يكن حافظًا. ومفهوم كلامه أنه إذا لم يكن المعروض عليه حافظًا ولا أمسك بأصله أنه لا تجوز الرواية عنه بذلك العرض. وقد قال أحمد في رواية حنبل: لا بأس بالقراءة إذا كان رجل يعرف ويفهم ويبين ذلك. قال يحيى بن إسماعيل الواسطي: القراءة على مالك بن أنس مثل السماع من غيره. والضرير والأمي إذا لم يحفظا الحديث، فإنه لا تجوز الرواية عنهما ولا تَلْقِينُهُما ولا القراءةُ عليهما من كتاب.
[ ٦ / ٤٦٧ ]
ويُؤَخَّرُ، فقال: إنَّي بَلِهْتُ (^١) بهذه المُصِيبةِ، فاقرؤُوا عليَّ، فإنَّ إقْرارِي به كَقراءَتي عَليْكُمْ.
حدَّثنا سُوَيدُ بن نَصرٍ، قال: أخبرنا عليُّ بن الحُسينِ بن واقدٍ، عن أبيهِ، عن منصورِ بن المُعْتمِرِ، قال: إذا ناولَ الرَّجلُ كِتابَهُ آخرَ، فقال: ارْوِ هذا عنَّي، فله أنْ يَرْويهُ (^٢).
_________________
(١) بالباء الموحدة كما في الأصول، قال المباركفوري: أي: عجزت عن القراءة، قال في "القاموس": بَلِهَ كفرح: عَييَ عن حُجته. وقوله: بهذه المصيبة، أي: بسبب ضعف بصره، وقد اشتد ضعفه حتى كُفَّ بصره في آخر عمره ﵁. وأورده الخطيب في "الكفاية" ص ٢٦٣، ولفظه: إني قد تَلِهْتُ، بالتاء، وأسند عن أبي الحسين بن فارس: تَلِهَ الرجل: إذا تحير، والأصل: وَلِهَ، إلا أن العرب قد تقلب الواو تاءً فيقولون: تجاه والأصل وجاه. وهذا الأثر الذي أسنده عن ابن عباس لا يصح، في سنده أبو عصمة - واسمه نوح بن أبي مريم - مشهور بالكذب والوضع.
(٢) قال ابن رجب في "شرح العلل" ١/ ٢٦١: والمناولة نوع من أنواع الإجازة إلا أنها أرفع أنواعها، وصورتها أن يدفع العالم كتابه إلى رجل ويقول له: هذا حديثي أو كتابي فاروه عني أو نحو ذلك، وممن رأى الرواية بها الزهري ومالك والأوزاعي - في المشهور عنه - والليث وأحمد، قال المروذي: قال أبو عبد الله: إذا أعطيتك كتابي فقلت لك: اروه عني وهو من حديثي، فما تبالي أسمعته أم لم تسمعه، قال: فأعطاني "المسند" ولأبي طالب مناولة. وقال القاضي عياض في "الإلماع" (ص ٧٩): وهي رواية صحيحة عند معظم الأئمة والمحدثين، وهو قول كافة أهل النقل والأداء والتحقيق من أهل النظر، ونقل عن مالك وجماعة من العلماء أنها بمنزلة السماع.
[ ٦ / ٤٦٨ ]
وسَمِعتُ محمدَ بن إسماعيلَ يقولُ: سَألْتُ أبا عاصمٍ النَّبِيلَ عن حديثٍ، فقال: اقرأْ عليَّ، فأحْبَبْتُ أنْ يَقْرأَ هو، فقال: أنْتَ لا تُجيزُ القِراءَةَ، وقد كان سفيانُ الثَّوْريُّ ومالكُ بن أنسٍ يُجِيزانِ القراءةَ؟!
حدَّثنا أحمدُ بن الحسنِ قال: حدَّثَنا يحيى بن سُليمانَ الجُعفيُّ المِصْريُّ، قال: قال عبد اللهِ بن وَهْبٍ: ما قلتُ: حدَّثنا، فهو ما سَمِعتُ مع النَّاسِ، وما قلتُ: حدَّثني، فهو ما سَمِعتُ وَحْدي، وما قلتُ: أخبرنا، فهو ما قُرئَ على العالِمِ وأنا شاهدٌ، وما قلتُ: أخبرني، فهو ما قَرأْتُ على العالِمِ، يعني: أنا وحدي.
سَمِعتُ أبا موسى محمدَ بن المُثَنَّى يقولُ: سَمِعتُ يحيى بن سعيدٍ القطَّانَ يقولُ: حدَّثنا وأخبرنا واحدٌ (^١).
_________________
(١) نقل البخاري في "صحيحه" عن الحميدي قوله: كان عند ابن عيينة حدثنا وأخبرنا وأنبأنا وسمعت واحدًا. قال الحافظ في "الفتح" ١/ ١٤٤ - ١٤٥: وهذا لا خلاف فيه عند أهل العلم بالنسبة إلى اللغة، ومِن أصرح الأدلة فيه قوله تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا﴾ وقوله تعالى: ﴿وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾، وأما بالنسبة إلى الاصطلاح، ففيه الخلاف، فمنهم من استمر على أصل اللغة، وهذا رأي الزهري ومالك وابن عيينة ويحيى القطان وأكثر الحجازيين والكوفيين، وعليه استمر عمل المغاربة، ورجحه ابن الحاجب في "مختصره"، ونقل عن الحاكم أنه مذهب الأئمة الأربعة. ومنهم من رأى إطلاق ذلك حيث يَقرأ الشيخ من لفظه، وتقييده حيث يُقرأ عليه، وهو مذهب إسحاق بن راهويه والنسائي وابن حبان وابن منده وغيرهم. =
[ ٦ / ٤٦٩ ]
قال أبو عيسى: وكُنَّا عند أبي مُصْعبٍ المَدِينيَّ، فَقُرئَ عليهِ بعضُ حديثهِ، فقلتُ له: كيفَ نقولُ؟ فقال: قل: حدَّثنا أبو مُصْعبٍ.
قال أبو عيسى: وقد أجازَ بعضُ أهلِ العلمِ الإجازةَ، إذا أجَازَ العالمُ لأحدٍ أنْ يَرْوي عنه شيئًا من حديثهِ، فله أنْ يَرْوي عنه.
حدَّثنا محمودُ بن غَيلانَ، حدَّثنا وكيعٌ، عن عِمْرانَ بن حُدَيْرٍ، عن أبي مِجْلزٍ، عن بَشِيرِ بن نَهيكٍ، قال: كَتبْتُ كتابًا عن أبي هُريرةَ، فقلتُ: أرْويهِ عنك؟ فقال: نعم (^١).
_________________
(١) = ومنهم من رأى التفرقة بين الصيغ بحسب افتراق التحمل، فيخصون التحديث بما يلفظ به الشيخ، والإخبار بما يقرأ عليه، وهذا مذهب ابن جريج والأوزاعي والشافعي وابن وهب وجمهور أهل المشرق.
(٢) رجاله ثقات، أبو مجلز: اسمه لاحق بن حميد. قال ابن رجب ١/ ٢٦٩: وأما الأثر الذي خرّجه الترمذي من حديث بشير بن نهيك عن أبي هريرة، فقد رواه رَوح بن عُبادة عن عمران بن حُدير عن أبي مِجلَز قال: قال بشير بن نَهيك: كنت أكتب بعض ما أسمع من أبي هريرة، فلما أردتُ فراقه أتيت بالكتب فقرأتها عليه، فقلت: هذا سمعته منك؟ فقال: نعم. ورواه عثمان بن الهيثم عن عمران به بنحوه. ورواه أبو عاصم عن عمران بن حدير به، وقال في حديثه: فلما أردت فراقه أتيته فقلت: هذا حديثك أحدث به عنك؟ قال: نعم. وهذا ليس من باب المناولة ولا من باب العرض المجرد، بل رواية روح تدل على أنه عرض بعد سماع، وفي كلتا الروايتين أنه كان يكتب ما يسمع منه، ثم أقر له أبو هريرة وأذن له في روايته، وهذا نهاية ما يكون من التثبت في السماع.
[ ٦ / ٤٧٠ ]
حدَّثنا محمدُ بن إسماعيلَ الواسِطيُّ، حدَّثنا محمدُ بن الحسنِ، عن عَوفٍ الأعرابيَّ، قال: قال رجلٌ للحسنِ: عِنْدي بعضُ حَديثكَ، أرْويهِ عنكَ؟ قال: نعم.
قال أبو عيسى: ومحمدُ بن الحسنِ إنَّما يُعْرفُ بِمَحْبُوبِ بن الحسنِ، وقد حَدَّثَ عنه غيرُ واحدٍ من الأئمَّةِ.
حدَّثنا الجارُودُ بن مُعاذٍ، حدَّثنا أنسُ بن عِياضٍ، عن عُبَيد اللهِ بن عمرَ، قال: أتَيْتُ الزُّهْريَّ بكتابٍ، فقلتُ له: هذا من حديثكَ، أرْويهِ؟ قال: نعم.
حدَّثنا أبو بكرٍ، عن عليَّ بن عبد اللهِ، عن يحيى بن سعيدٍ، قال: جاءَ ابن جُرَيجٍ إلى هشامِ بن عُرْوةَ بكتابٍ، فقال: هذا حَديثُكَ، أرْويهِ عنك؟ فقال: نعم. قال يحيى: فقلتُ في نَفْسي: لا أدْري أيُّهُما أعْجبُ أمرًا (^١).
_________________
(١) رجاله ثقات. أبو بكر: هو عبد القدوس بن محمد العطار البصري. قال ابن رجب ١/ ٢٦٢ - ٢٦٣: ومن أنواع المناولة أن يأتي الطالب إلى العالم بجزء من حديثه قد كتبه من أصل صحيح، فيدفعه إلى العالم، ويستجيزه إياه، فيجيز له، ويرده إليه، إلا أنهم اشترطوا أن ينظر فيه العالم ويصححه إن كان يحفظ ما فيه، وأن يقابل به أصله إن كان لا يحفظه، وقد فعل ذلك مالك وأحمد ومحمد بن يحيى الذهلي، واشترطه أحمد بن صالح المصري. وقال أحمد في رواية حنبل: المناولة لا أدري ما هي، حتى يعرف المحدث حديثه، وما يُدريه ما في الكتاب؟ قال: وأهل مصر يذهبون إلى هذا، وأنا لا يعجبني. =
[ ٦ / ٤٧١ ]
وقال عليٌّ: سَألْتُ يحيى بن سعيدٍ عن حديثِ ابن جُرَيجٍ، عن عطاءٍ الخُراسانيِّ، فقال: ضعيفٌ. فقلتُ: إنَّهُ يقولُ: أخْبرني. فقال: لا شيءَ، إنَّما هو كتابٌ دَفَعه إليه.
قال أبو عيسى: والحديثُ إذا كان مُرْسَلًا، فإنَّهُ لا يَصحُّ عند أكثرِ أهلِ الحديثِ، قد ضَعَّفَهُ غيرُ واحدٍ منهُم (^١).
_________________
(١) = قال أبو بكر الخطيب: أراه أراد أن أهل مصر يذهبون إلى المناولة من غير أن يعلم الراوي هل ما في الجزء حديثه أم لا، والله أعلم. وهذا الذي ذكر الخطيب صحيح، وقد اعتمد أحمد في ذلك على حكاية حكاها له ابن معين عن ابن وهب: أنه طلب من سفيان بن عيينة أنه يجيز له رواية جزء أتاه به في يده، فأنكر ذلك ابن معين، وقال لابن وهب: هذا والريح بمنزلة، ادفع إليه الجزء حتى ينظر في حديثه. وقد روي عن ابن شهاب جواز ذلك أيضًا، إلا أن الخطيب تأوله على أنه كان سبق علمه بما فيه، وفيه بُعد. وظاهر ما أسند الترمذي عن ابن جريج وهشام بن عروة يدل على جواز ذلك أيضًا. وروي عن مالك ما يدل عليه.
(٢) الحديث المرسل: هو أن يقول التابعي: عن رسول الله ﷺ، سواء كان من كبار التابعين أو من صغارهم، وهو المشهور عند كثير من أهل الحديث، وهو اختيار الحاكم وغيره، فقد قال في "علوم الحديث" ص ٢٥: فإن مشايخ الحديث لم يختلفوا في أن الحديث المرسل هو الذي يرويه المحدث بأسانيد متصلة إلى التابعين، فيقول التابعي: قال رسول الله ﷺ. اهـ. ومذاهب علماء الحديث والفقهاء في شأن المرسل ثلاثة: الأول: كما قال المصنف، ضعيف يُرد ولا يجب العملُ به، وقد ذكر الإمام النووي في "التقريب" أن ذلك رأي قول أكثر الأئمة من حفاظ الحديث ونقاد الأثر، ونقله الإمام مسلم في مقدمة "صحيحه" ١/ ٣٠ عن قول أهل العلم بالأخبار. =
[ ٦ / ٤٧٢ ]
حدَّثنا عليُّ بن حُجْرٍ، أخبرنا بَقيَّةُ بن الوليدِ، عن عُتبةَ بن أبي حَكيمٍ، قال: سَمعَ الزُّهْريُّ إسحاقَ بن عبد اللهِ بن أبي فَرْوةَ يقولُ: قال رسولُ اللهِ ﷺ. فقال الزُّهْريُّ: قاتلكَ اللهُ يا ابن أبي فَرْوةَ، تَجِيئُنا بأحاديثَ ليس لها خُطُمٌ وَلا أزِمَّةٌ (^١).
_________________
(١) = المذهب الثاني: قبولُه مطلقًا، وهو مذهب مالك وأبي حنيفة وأحمد، ونقل الغزالي أنه مذهب الجماهير، لكنهم شرطوا في المُرْسِلِ أن يكون ثقةً، وأن يتحرَّز في روايته عن غير الثقات، وأن يصح السند إليه. المذهب الثالث: مذهب الشافعي، وهو مذهب وسط بين الرد والقبول، فهو يأخذ بالمرسل الذي ينتهي إلى كبار التابعين إذا أُسند مرسلُ ذلك التابعي، أو قوي بمرسل مقبول، أو قول صحابي، أو فتوى لجماعات من العلماء بمثل ما نص عليه. وقد صرح ابن القيم في "إعلام الموقعين" ١/ ٣١ بأن الإمام يأخذ بالحديث المرسل إذا لم يكن في الباب شيء يدفعه ويرجحه على القياس. وانظر لزامًا البحث الموسع عن الحديث المرسل في مقدمة "مراسيل أبي داود" بتحقيقي ١٧ - ٤٨.
(٢) بقية بن الوليد صرح بالتحديث عند الحاكم، وهو عند الخطيب في "الكفاية" ٣٩١، والحاكم في "معرفة علوم الحديث" ص ٦، وإسحاق بن عبد الله بن أبي فروة متروك الحديث ضعَّفه ابن معين وابن عمار، وقال عمرو بن علي الفلاس وأبو زرعة وأبو حاتم والنسائي والدارقطني والبرقاني: متروك الحديث، وقال علي بن المديني: منكر الحديث، وكذبه ابن خراش. والخُطُم: جمع خِطام: وهو الحبل الذي يقاد به البعير، والأزمَّة: جمع واحده الزمام: وهو الحبل الذي يجعل في البُرَة أو في الخِشاش، ثم يشد إلى =
[ ٦ / ٤٧٣ ]
حدَّثنا أبو بكرٍ، عن عليَّ بن عبد اللهِ، قال: قال يحيى بن سعيدٍ: مُرْسلاتُ مُجاهدٍ أحبُّ إليَّ من مُرْسلاتِ عطاءِ بن أبي رباحٍ بكثيرٍ، كان عطاءٌ يَأْخُذُ عن كُلَّ ضَرْبٍ (^١).
_________________
(١) = طرف المقود. والبرة: حَلْقة من نحاس تجعل في أحد جانبي أنف البعير للتذليل، والخِشاش: هو العود الذي يُجعل في أنف البعير يُشد به الزمام. قال ابن رجب: يريد لا أسانيد لها، وهذا ذم لمن يرسل الحديث ولا يُسنده.
(٢) رجاله ثقات. قال ابن رجب: عطاء كان يأخذ عن الضعفاء، ولا ينتقي الرجال، وهذه العلة مطردة في أبي إسحاق السبيعي والأعمش والتيمي ويحيى بن أبي كثير والثوري وابن عيينة، فإنه عُرِفَ عنهم الرواية عن الضعفاء أيضًا، وأما مجاهد وطاووس وسعيد بن المسيب ومالك، فأكثر تحريًا في رواياتهم وانتقادًا لمن يروون عنه مع أن يحيى بن سعيد صرح بأن الكل ضعيف. وقال الإمام الذهبي في "الموقظة" ص ٣٨ - ٤٠: فمن صحاح المراسيل مرسل سعيد بن المسيب ومرسل مسروق، ومرسل الصنابحي، ومرسل قيس بن أبي حازم ونحو ذلك، فإن المرسل إذا صح إلى تابعي كبير، فهو حجة عند خلق من الفقهاء، فإن كان في الرواة ضعيف إلى مثل ابن المسيب ضعف الحديث من قبل ذلك الرجل، وإن كان متروكًا أو ساقطًا وَهَنَ الحديث وطُرِحَ، ويوجد في المراسيل موضوعات. نعم، وإن صح الإسناد إلى تابعي متوسط الطبقة كمراسيل مجاهد وإبراهيم والشعبي فهو مرسل جيد لا بأس به يقبله قوم ويرده آخرون. وأوهى من ذلك مراسيل الزهري وقتادة وحميد الطويل من صغار التابعين، وغالب المحققين يَعُدُّون مراسيل هؤلاء معضلات ومنقطعات، فإن غالب رواية هؤلاء عن تابعي كبير عن صحابي، فالظن بمرسله أنه أسقط من إسناده اثنين.
[ ٦ / ٤٧٤ ]
قال عليٌّ: قال يحيى: مُرْسلاتُ سعيدٍ بن جُبَيْرٍ أحبُّ إليَّ من مُرْسلاتِ عطاءٍ.
قلتُ ليحيى: مُرْسلاتُ مُجاهدٍ أحبُّ إليكَ أمْ مُرْسلاتُ طاووسٍ؟ قال: ما أقْرَبَهُما.
قال عَليٌّ: وسَمِعتُ يحيى بنَ سعيدٍ القطان يقولُ: مُرْسلاتُ أبي إسحاقَ عِنْدي شِبْهُ لا شيءَ، وَالأعمَشِ والتَّيْميَّ ويحيى بن أبي كثيرٍ، ومُرْسلاتُ ابن عُيينةَ شبْهُ الرَّيحِ. ثمَّ قال: إي وَاللهِ، وَسفيانَ بن سعيدٍ. قلتُ ليحيى: فمُرْسلاتُ مَالكٍ؟ قال: هي أحبُّ إليَّ. ثمَّ قال يحيى: ليس في القَوْمِ أحدٌ أصحَّ حديثًا من مالكٍ.
حدَّثنا سَوَّارُ بن عبد اللهِ العَنْبريُّ، قال: سَمِعتُ يحيى بن سعيدٍ القطَّانَ يقولُ: ما قال الحسنُ في حديثهِ: "قال رسولُ اللهِ ﷺ" إلَّا وَجَدْنا لهُ أصلًا إلا حديثًا أو حديثينِ.
قال أبو عيسى: ومن ضَعَّفَ المُرْسلَ فإنَّهُ ضَعَّفهُ من قِبلِ أنَّ هؤلاءِ الأئمةَ قد حَدَّثُوا عن الثَّقاتِ وغيرِ الثَّقاتِ، فإذا رَوَى أحَدُهُم حديثًا وأرسلَهُ، لَعلَّه أخَذَه عن غيرِ ثقةٍ؛ قد تَكلّمَ الحسنُ البصريُّ في مَعْبدٍ الجُهَنيَّ، ثمَّ رَوَى عنه.
حدَّثنا بِشْرُ بن مُعاذٍ البصريُّ، حدَّثَنَا مَرْحُومُ بن عبد العزيزِ العطَّارُ، حدَّثني أبي وعمَّي، قالا: سَمِعنا الحسنَ يقولُ: إيَّاكُم ومَعْبدًا الجُهنيَّ، فإنَّهُ ضالٌّ مُضلٌّ.
[ ٦ / ٤٧٥ ]
قال أبو عيسى: ويُرْوى عن الشّعْبيَّ، قَال: حدَّثنا الحارثُ الأعوَرُ وكان كَذَّابًا. [وقد حَدّثَ عنه، وأكثرُ الفَرائضِ التي يَرويها عن عليًّ وغيرِه هي عنه، وقد قال الشّعْبيُّ: الحارث الأعورُ عَلَّمني الفَرَائضَ، وكان من أفْرضِ النَّاسِ] (^١).
وسَمِعتُ محمدَ بن بَشَّارٍ يقولُ: سَمِعتُ عَبد الرحمنِ بن مَهْديًّ يقولُ: ألا تَعْجبُونَ من سفيانَ بن عُيينةَ، لقد تَركْتُ لجابرٍ الجُعفيَّ بِقَوْلهِ لما حَكى عنه أكثرَ من ألفِ حديثٍ، ثمَّ هو يُحدَّثُ عنه. قال محمدُ بن بَشَّارٍ: وتَركَ عبد الرحمنِ بن مَهْديًّ حديثَ جابرٍ الجُعفيِّ.
وقد احتجَّ بعضُ أهلِ العلمِ بِالمُرْسَلِ أيضًا.
حدَّثنا أبو عُبَيْدةَ بن أبي السَّفرِ الكوفيُّ، حدَّثنا سعيدُ بن عامرٍ، عن شُعبةَ، عن سليمانَ الأعمشِ، قال: قلتُ لإبراهيمَ النَّخَعيَّ: أسْنِدْ لي عن عبد اللهِ بن مسعودٍ. فقال إبراهيمُ: إذا حَدّثتكُمْ عن رجلٍ، عن عبد اللهِ، فهو الّذِي سمعت، وإذا قلتُ: قال عبد اللهِ، فهو عن غيرِ واحدٍ عن عَبد اللهِ (^٢).
_________________
(١) ما بين معقوفين لم يرد في أصولنا الخطية، وأثبتناه من النسخة التي اعتمدها الحافظ ابن رجب في "شرحه" ١/ ٢٧٦.
(٢) قال ابن رجب: وهذا يقتضي ترجيح المرسل على المسند، لكن عن النخعي خاصةً فيما أرسله عن ابن مسعود خاصة.
[ ٦ / ٤٧٦ ]
قال أبو عيسى: وقد اخْتلفَ الأئمَّةُ من أهْلِ العلمِ في تَضعيفِ الرِّجالِ كما اخْتلفُوا فيما سِوَى ذلكَ من العلمِ (^١)، ذُكِرَ عن شُعبةَ أنَّهُ ضعَّفَ أبا الزُّبَيْرِ المَكَّيَّ وَعبد الملكِ بن أبي سُليمانَ وحَكيمَ بن جُبَيْرٍ، وَتَرَكَ الرَّوايةَ عَنهُم، ثمَّ حَدَّثَ شُعبةُ عَمَّنْ هو دونَ هؤلاءِ في الحِفْظِ والعدالةِ؛ حَدَّثَ عن جابرٍ الجُعفيِّ وَإبراهيمَ بن مسلمٍ الهَجَريَّ ومحمدِ بن عُبَيد اللهِ العَرْزميِّ، وغَيرِ واحدٍ مِمَّن يُضَعَّفُونَ في الحديثِ.
حدَّثنا محمدُ بن عمرِو بن نَبْهانَ بن صَفْوانَ البصريُّ، حدَّثَنا أُمَيَّة بن خَالدٍ، قال: قلتُ لِشُعبةَ: تَدعُ عبد الملكِ بن أبي سليمانَ وتُحدِّثُ عن محمدِ بن عُبَيْد اللهِ العَرْزميَّ؟ قال: نعمْ.
قال أبو عيسى: وقد كان شعبةُ حَدَّثَ عن عبد الملكِ بن أبي سليمانَ، ثمَّ تَركَه، ويقالُ: إنّما تَركَه لَمَّا تَفرَّدَ بالحديثِ الذي رَوَى عن عطاءِ بن أبي رباحٍ، عن جابرِ بن عبد اللهِ، عن النَّبيَّ ﷺ قال:
_________________
(١) قال الإمام المنذري في "أجوبته" عن أسئلة في الجرح والتعديل ص ٨٣: واختلاف هؤلاء المحدثين في الجرح والتعديل كاختلاف الفقهاء، كل ذلك يقتضيه الاجتهاد، فإن الحاكم إذا شُهِدَ عنده بجرح شخص اجتهد في أن ذلك القدر مؤثر أم لا، وكذلك المحدث إذا أراد الاحتجاج بحديث شخص، ونُقِلَ إليه فيه جرح اجتهد فيه هل هو مؤثر أم لا؟ ويجري الكلام عنده فيما يكون جرحًا في تفسير الجرح وعدمه، وفي اشتراط العدد في ذلك كما يجري عند الفقيه، ولا فرق بين أن يكون الجارح مخبرًا بذلك للمحدث مشافهة أو ناقلًا له عن غيره بطريقه، والله ﷿ أعلم.
[ ٦ / ٤٧٧ ]
"الرَّجلُ أحقُّ بِشُفْعتهِ، يُنْتظرُ به وإنْ كان غائبًا، إذا كان طريقُهما واحدًا" (^١).
_________________
(١) أخرجه أبو داود (٣٥١٨) والترمذي (١٤٢١) وابن ماجه (٢٤٩٤) وسنده قوي، وقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب لا نعلم أحدًا روى هذا الحديث غير عبد الملك بن أبي سليمان عن عطاء عن جابر، وقد تكلم شعبة في عبد الملك بن أبي سليمان من أجل هذا الحديث، وعبد الملك هو ثقة مأمون عند أهل الحديث، لا نعلم أحدًا تكلم فيه غير شعبة من أجل هذا الحديث. قال ابن عبد الهادي في "التنقيح" ٣/ ٥٨: اعلم أن حديث عبد الملك حديث صحيح ولا منافاة بينه وبين رواية جابر المشهورة، فإن في حديث عبد الملك: إذا كان طريقهما واحدًا، وحديث جابر المشهور لم ينفِ فيه استحقاق الشفعة إلا بشرط تصرف الطرق، قاله الحنابلة. فنقول: إذا اشترك الجاران في المنافع، كالبئر أو السطح أو الطريق، فالجار أحق بسقب جاره، كحديث عبد الملك، وإذا لم يشتركا في شيء من المنافع فلا شفعة لحديث جابر المشهور، وهو أحد الأوجه الثلاثة في مذهب أحمد وغيره. وطعنُ شعبة في عبد الملك بسبب هذا الحديث لا يقدح في عبد الملك فإن عبد الملك ثقة مأمون، وشعبة لم يكن من الحذاق في الفقه ليجمع بين الأحاديث إذا ظهر تعارضها، وإنما كان إمامًا في الحفظ، وطعنُ من طعن فيه إنما هو اتباعًا لشعبة. وقد احتج مسلم في "صحيحه" بعبد الملك، وخرج له أحاديث، واستشهد به البخاري، وكان سفيان يقول: حدثني الميزان عبد الملك بن أبي سليمان، وقد وثقه الإمام أحمد ويحيى بن معين والنسائي وغيرهم. وقد قيل لشعبة: ما لكَ لا تحدث عن عبد الملك بن أبي سليمان، وتحدث عن العرزمي محمد بن عبد الله وتدع الحديث عن عبد الملك وقد كان حسن الحديث؟ قال: من حسنها فررتُ. =
[ ٦ / ٤٧٨ ]
وقد ثَبَّتَ غيرُ واحدٍ من الأئمةِ وحَدَّثُوا عن أبي الزُّبَيْرِ وعبد الملكِ بن أبي سُليمَانَ وحَكيمِ بن جُبَيْرٍ.
حدَّثنا أحمدُ بن مَنِيعٍ، حدَّثنا هُشيمٌ، حدَّثنا حَجَّاجٌ وابن أبي ليلى، عن عطاءِ بن أبي رباحٍ، قال: كُنَّا إذا خَرجْنا من عندِ جابرِ بن عبد اللهِ تَذاكَرْنا حديثَه، وكان أبو الزُّبَيْرِ أحْفظَنا للحديثِ.
حدَّثنا محمدُ بن يحيى بن أبي عمرَ المَكَّيُّ، حدَّثنا سفيانُ بن عُيينةَ، قال: قال أبو الزُّبَيْرِ: كَانَ عَطاءٌ يُقدَّمُني إلى جابرِ بن عبد اللهِ أحْفظُ لهم الحديثَ.
حدَّثنا ابن أبي عُمرَ، حدَّثنا سفيانُ، قال: سمِعتُ أيُّوبَ السَّختيانيَّ يقولُ: حدَّثني أبو الزُّبَيْرِ، وأبو الزُّبَيْرِ؛ قال سفيانُ بِيدِه يَقْبضُها. قال أبو عيسى: إنّما يعني به الإتقانَ والحِفْظَ.
ويُرْوى عن عبد اللهِ بن المُبَاركِ، قال: كان سفيانُ الثَّوريُّ يقولُ: كان عبد الملكِ بن أبي سليمانَ مِيزانًا في العلمِ.
حدَّثنا أبو بكرٍ، عن عليَّ بن عبد اللهِ، قال: سَألْتُ يحيى بن سعيدٍ، عن حَكيمِ بن جُبَيْرٍ، قال: تَركَه شُعبةُ من أجلِ هذا الحديثِ الذي رَوَى في الصَّدقَةِ. يعني حديثَ عبد اللهِ بن مسعودٍ، عن النبيَّ ﷺ قال: "من سَألَ النَّاسَ وله ما يُغْنيهِ، كانَ يومَ القيامةِ خُمُوشًا في
_________________
(١) = قال الخطيب: قد أساء شعبة اختيار حديث محمد بن عبد الله العرزمي، وترك الحديث عن عبد الملك، لأن محمدًا لم يختلف الأئمة في ذهاب حديثه وسقوط روايته، وأما عبد الملك فثناؤهم عليه مستفيض، وحسن ذكرهم له مشهور.
[ ٦ / ٤٧٩ ]
وجْههِ". قِيلَ: يا رسولَ اللهِ وما يُغْنيهِ؟ قال: "خمسونَ دِرْهمًا، أوْ قِيمتُها من الذَّهَبِ" (^١).
قال عليٌّ: قال يحيى: وقد حَدَّثَ عن حَكيم بن جُبَيْرٍ سُفيانُ الثَّوْريُّ وزائدةُ. قال عَليٌّ: ولم يَرَ يحيى بحديثهِ بأْسًا.
حدَّثَنا محمودُ بن غَيلانَ، حدَّثنا يحيى بن آدَمَ، عن سُفيانَ الثَّوريِّ، عن حَكيمِ بن جُبَيْرٍ بحديثِ الصّدقةِ. قال يحيى بن آدمَ: فقال عبد اللهِ بن عثمانَ صاحبُ شُعبةَ لِسُفيانَ الثَّوريَّ: لو غيرُ حَكيمٍ حَدَّثَ بهذا. فقال له سفيانُ: وما لِحكيمٍ؟ لا يُحدَّثُ عنه شُعبةُ؟ قال: نعم. فقال سُفيانُ الثَّوريُّ: سَمِعتُ زُبيدًا يُحدِّثُ بهذا عن محمدِ بن عبد الرحمنِ بن يَزِيدَ.
_________________
(١) ذكره المؤلف في "الجامع" برقم (٦٥٦) عن قتيبة وعلي بن حجر، عن شريك، عن حكيم بن جبير، عن محمد بن عبد الرحمن بن يزيد، عن أبيه، عن عبد الله بن مسعود رفعه وهذا مسند ضعيف لضعف حكيم بن جبير، وحسنه الترمذي لشواهده عن أبي سعيد الخدري عند أحمد (١١٠٤٤) وأبي داود (١٦٢٨) وصححه ابن حبان (٣٣٩٠). وعن سهل ابن الحنظلية عند أحمد (١٧٦٤٢) وإسناده صحيح. وعن سمرة بن جندب عند أحمد (٢٠٣١٩) وإسناده صحيح. وعن أبي هريرة عند مسلم (١٠٤١) وهو في "المسند" (٧١٦٣). وعن جابر بن عبد الله عند ابن حبان (٣٣٩٢). والخموش: هي الخُدوش، يقال: خمشت المرأة وجهها: إذا خدشته بظفر أو حديدة أو نحوها.
[ ٦ / ٤٨٠ ]
قال أبو عيسى: وما ذَكرنا في هذا الكتابِ "حديثٌ حسنٌ" فإنَّما أَرَدْنا به حُسْنَ إسنادِهِ عِنْدنا، كُلُّ حديثٍ يُرْوى لا يكونُ في إسنادِه من يُتَّهمُ بالكذبِ، ولا يكونُ الحديثُ شَاذًّا، ويُرْوى من غيرِ وَجْهٍ نَحو ذلكَ، فهو عِنْدنا حديثٌ حسنٌ (^١).
وما ذكرْنا في هذا الكتابِ "حديثٌ غريبٌ" فإنَّ أهلَ الحديثِ يَسْتغْربُونَ الحديثَ لِمَعانٍ:
رُبَّ حديثٍ يكونُ غريبًا لا يُرْوى إلا من وجهٍ واحدٍ، مِثلُ ما حَدّثَ حمَّادُ بن سَلمةَ، عن أبي العُشَراءِ، عن أبيهِ، قال: قلتُ: يا رسولَ اللهِ، أما تكونُ الذّكاةُ إلّا في الحَلْقِ واللَّبَّةِ؟ فقال: "لو طَعنْتَ في فَخِذها، أجْزأ عنكَ" (^٢). فهذا حديثٌ تَفرَّدَ بهِ حمَّادُ بن سَلمةَ عن
_________________
(١) قال الحافظ ابن رجب: قد بيَّن الترمذي مراده بالحسن، وهو ما كان حسن الإسناد وفسر حسن الإسناد بأن لا يكون في إسناده متهم بالكذب، ولا يكون شاذًا ويروى من غير وجه نحوه، فكل حديث كان كذلك، فهو عنده حديث حسن. فالحديث الذي يرويه الثقة العدل ومن كثر غلطه، ومن يغلب على حديثه الوهم، إذا لم يكن أحد منهم متهمًا كله حسن. بشرط أن لا يكون شاذًا مخالفًا للأحاديث الصحيحة. وبشرط أن يكون معناه قد روي من وجوه متعددة.
(٢) حديث أبي العُشراء سلف برقم (١٥٥١) وقلنا فيه هناك: إسناده ضعيف لجهالة أبي العُشراء وأبيه، قال أحمد: هو عندي غلط ولا يعجبني ولا أذهب إليه إلا في مواضع الضرورة. وأخرجه أبو داود (٢٨٢٥) وابن ماجه (٣١٨٤) والنسائي ٧/ ٢٢٨، وهو في "المسند" (١٨٩٤٧).
[ ٦ / ٤٨١ ]
أبي العُشَراءِ، ولا يُعْرفُ لأبي العُشراءِ عن أبيه إلا هذا الحديثُ، وإنْ كان هذا الحديثُ مشهورًا عند أهْلِ العلمِ، وَإنّما اشْتَهرَ من حديثِ حمَّادِ بن سَلمةَ، لا نعرفُه إلا من حديثهِ.
يعني: وربَّ رجلٍ من الأئمةِ يُحدثُ بالحديث لا يُعْرفُ إلا مِن حديثهِ، فَيشْتهرُ الحديثُ لِكَثْرةِ من رَوَى عنه، مِثْلُ ما رَوَى عبدُ اللهِ بنُ دِينارٍ، عن ابن عمرَ: أنَّ النبي ﷺ نهى عن بَيْعِ الولاءِ وعن هِبتهِ. لا يُعْرفُ إلا من حديث عبد اللهِ بن دينارٍ، رواهُ عنه عُبَيد اللهِ بن عمرَ وشُعبةُ وسفيانُ الثَّوْريُّ ومالكُ بن أنسٍ وغيرُ واحدٍ من الأئمَّةِ (^١).
ورَوَى يحيى بن سُليْمٍ هذا الحديثَ عن عُبَيد اللهِ بن عمرَ، عن نافعٍ، عن ابن عمرَ، فَوهمَ فيهِ يحيى بن سُليْمٍ. والصَّحيحُ هو: عن عُبَيد اللهِ بن عمرَ، عن عبد اللهِ بن دِينارٍ، عن ابن عمرَ، هكذا رَوَى عبد الوهّابِ الثَّقفيُّ وعبد اللهِ بن نُمَيْرٍ، عن عُبَيد اللهِ بن عمرَ، عن عبد اللهِ بن دِينارٍ، عن ابن عمرَ (^٢).
_________________
(١) حديث ابن عمر: نهى عن بيع الولاء وهبته، حديث صحيح. أخرجه مالك في "الموطأ" ٢/ ٧٨٢ وعبد الرزاق (١٦١٣٨) والبخاري (٦٧٥٦) ومسلم (١٥٠٦) والترمذي (١٢٣٦) والنسائي ٧/ ٣٠٦ وابن ماجه (٢٧٤٧) وابن حبان (٤٩٤٩) من طرق عن عبد الله بن دينار بهذا الإسناد، وهو في "المسند" (٤٥٦٠) وانظر تمام الكلام عليه فيه.
(٢) وقد ذكره الترمذي في "الجامع" بإثر حديث ابن عمر بنحوه (١٢٨٠)، وقال في آخره: وهذا أصح من حديث يحيى بن سُليم.
[ ٦ / ٤٨٢ ]
ورَوَى الْمُؤمَّلُ هذا الحديثَ عن شُعبةَ، فقال شُعبةُ: لَودِدْتُ أنَّ عبد اللهِ بن دِينارٍ أذِنَ لي حتَّى كنتُ أقومُ إليهِ، فأَقبَّلَ رَأْسَهُ (^١).
_________________
(١) قال الحافظ ابن رجب في "شرح العلل" ١/ ٤١٣: ذكر الترمذي ﵀ أن الغريب عند أهل الحديث يُطلق بمعان: أحدها: أن يكون الحديث لا يُروى إلا من وجه واحد (وهو عندهم الغريب سندًا ومتنًا) ثم مثله بمثالين، وهما في الحقيقة نوعان: أحدهما: أن يكون ذلك الإسناد لا يروى به إلا ذلك الحديث أيضًا، وهذا مثل حديث حماد بن سلمة، عن أبي العُشراء الدارمي، عن أبيه، عن النبي ﷺ في الزكاة. فهذا حديث غريب لا يُعرف إلا من حديث حماد بن سلمة، عن أبي العشراء، ثم اشتهر عن حماد ورواه عنه خلق، فهو في أصل إسناده غريب، ثم صار مشهورًا عن حماد. قال الترمذي: ولا يُعرف لأبي العشراء عن أبيه غير هذا الحديث. وقد خرج الترمذي في كتاب الصيد والذبائح هذا الحديث، وقال: غريب لا نعرفه إلا من حديث حماد بن سلمة، ولا يُعرف لأبي العشراء عن أبيه غيره. ولم يقل: إنه حسن، لما ذكر ها هنا أن شرطه في الحسن أن يُروى نحوه من غير وجه، وهذا ليس كذلك، فإنه لم يروَ في الذكاة في غير الحلق واللَّبَّة إلا في حال الضرورة غيره. النوع الثاني: أن يكون الإسناد مشهورًا يروى به أحاديث كثيرة، لكن هذا المتن لم تصح روايته إلا بهذا الإسناد، ومثَّله الترمذي بحديث عبد الله بن دينار عن ابن عمر عن النبي ﷺ في النهي عن بيع الولاء وهبته، فإنه لا يصح عن النبي ﷺ إلا من هذا الوجه، ومن رواه من غيره فقد وهم وغلط، وقد خرجه الترمذي في كتاب البيوع، وهو معدود من غرائب الصحيح فإن الشيخين خرجاه، ومع هذا فتكلم فيه الإمام أحمد وقال: لم يُتابع عبد الله بن دينار عليه، وأشار إلى أن الصحيح ما روى نافع عن ابن عمر أن النبي ﷺ قال: "الولاء لمن أعتق" لم يذكر النهي عن بيع الولاء وهبته. =
[ ٦ / ٤٨٣ ]
قال أبو عيسى: ورُبَّ حديثٍ إنّما يُسْتغْربُ لِزيادةٍ تكونُ في الحديثِ، وإنّما تَصِحُّ إذا كانتِ الزَّيادةُ ممن يُعْتمدُ على حِفْظهِ، مِثْل ما رَوَى مالكُ بن أنسٍ، عن نافعٍ، عن ابن عمرَ، قال: فَرضَ رسولُ اللهِ ﷺ زكاةَ الفِطرِ من رمضانَ على كلَّ حُرًّ أو عبدٍ، ذَكرٍ أو أنْثى من المسلمينَ، صاعًا من تَمْرٍ، أو صاعًا من شَعِيرٍ. قال: وزاد مالكٌ في هذا الحديثِ: من المسلمينَ (^١).
ورَوَى أيُّوبُ السَّخْتيانيُّ وعُبَيد اللهِ بن عمرَ وغيرُ واحدٍ من الأئمَّةِ هذا الحديثَ عن نافعٍ، عن ابن عمرَ ولم يَذْكُروا فيهِ: من المسلمينَ. وقد رَوَى بَعضُهم عن نافعٍ مِثْلَ روايةِ مالكٍ ممن لَا يُعْتمدُ على حِفْظِهِ.
وقد أخَذَ غيرُ واحدٍ من الأئمةِ بحديثِ مالكٍ، واحتَجُّوا به،
_________________
(١) = قلت (القائل ابن رجب): وروى نافع عن ابن عمر من قوله النهي عن بيع الولاء وعن هبته، غير مرفوع، وهذا مما يعلل به حديث عبد الله بن دينار. والله أعلم. ومن غرائب الصحيح أيضًا حديث عمر عن النبي ﷺ: "إنما الأعمال بالنيات" الحديث، وقد خرجه الترمذي (١٧٤٢) فإنه لم يصح إلا من حديث يحيى بن سعيد، عن محمد بن إبراهيم التيمي، عن علقمة بن وقاص، عن عمر. ومنها أيضًا حديث أنس: دخل النبي ﷺ مكة وعلى رأسه المغفر، فإنه لم يصح إلا من حديث مالك، عن ابن شهاب عن أنس …
(٢) هو في "الموطأ" ١/ ٢٨٤، ومن طريقه أخرجه أحمد (٥٣٠٢) والبخاري (١٥٠٤) ومسلم (٩٨٤) (١٢) وابن حبان (٣٣٠١) والبغوي في "شرح السنة" (١٥٩٣)، ولم ينفرد مالك بهذه الزيادة، فقد تابعه عليها عمر بن نافع عند البخاري (١٥٠٣) والنسائي في "الكبرى" (٢٢٩٥) والضحاك بن عثمان عند مسلم (٩٨٤) (١٦).
[ ٦ / ٤٨٤ ]
مِنْهُمُ الشَّافِعيُّ، وأحمدُ بن حنبلٍ، قالا: إذا كان لِلرَّجُلِ عَبيدٌ غيرُ مسلمينَ لم يُؤَدَّ عَنهُم صَدقةَ الفِطْرِ، واحْتَجَّا بحديثِ مالكٍ. فإذا زادَ حافظٌ ممن يُعْتمَدُ على حِفْظِه، قُبلَ ذلكَ منه (^١).
ورُبَّ حديثٍ يُرْوى من أوجُهٍ كَثيرةٍ، وإنّما يُسْتغْربُ لِحَالِ الإسنادِ.
حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ وأبو هشامٍ الرَّفاعيُّ وأبو السَّائبِ والحسينُ بن الأسودِ، قالوا: حدَّثنا أبو أُسامةَ، عن بُريدِ بن عبد اللهِ بن أبي بُرْدةَ، عن جَدَّه أبي بُرْدةَ، عن أبي موسى، عن النّبيَّ ﷺ، قال: "الكافرُ يأْكُلُ في سَبْعةِ أمْعاءٍ، والمؤمنُ يَأْكُلُ في مِعىً واحدٍ" (^٢). قال أبو عيسى: هذا حديثٌ غريبٌ من هذا الوجهِ من قِبَلِ إسنادِه، وقد رُوِي من غيرِ وجهٍ عن النّبيِّ ﷺ، وإنّما يُسْتغْربُ من حديثِ أبي موسى، سَألتُ محمودَ بن غَيلانَ عن هذا الحديثِ، فقال: هذا حديثُ أبي كُرَيْبٍ عن أبي أُسامةَ.
_________________
(١) قد توسعت في بيان رأي الإمام الترمذي في زيادة الثقة في المقدمة ص ٩٣ - ٩٧، فارجع إليه.
(٢) قال ابن رجب: هذا نوع آخر من الغريب، وهو أن يكون الحديث يُروى عن النبي ﷺ من طرق معروفة، ويُروى عن بعض الصحابة من وجه يُستغربُ عنه بحيث لا يعرف حديثه إلا من ذلك الوجه … وهذا المتن معروف عن النبي ﷺ من وجوه متعددة، وقد خرجاه في "الصحيحين" البخاري (٥٣٩٦) ومسلم (٢٠٦٣) من حديث أبي هريرة ومن حديث ابن عمر عن النبي ﷺ (٢٠٦٠). وأما حديث أبي موسى هذا، فأخرجه مسلم (٢٠٦٢) عن أبي كريب، وقد استغربه غير واحد من هذا الوجه، وذكروا أن أبا كريب تفرد به، منهم البخاري وأبو زرعة وأحمد.
[ ٦ / ٤٨٥ ]
وسَألْتُ محمدَ بن إسماعيلَ عن هذا الحديثِ، فقال: هذا حديثُ أبي كُرَيْبٍ عن أبي أُسامةَ، لم نَعْرفهُ إلا من حديثِ أبي كُرَيْبٍ، فقلتُ لهُ: حدَّثَنا غيرُ واحدٍ عن أبي أُسامةَ بهذا، فجعلَ يَتعجَّبُ، وقال: ما عَلمْتُ أنَّ أحدًا حدَّثَ بهذا غيرَ أبي كُرَيْبٍ.
قال محمود: كُنَّا نُرَى أنَّ أبا كُرَيْبٍ أخَذَ هذا الحديثَ عن أبي أُسامةَ في الْمُذَاكرةِ.
حدَّثنا عبد اللهِ بن أبي زِيادٍ وغيرُ واحدٍ، قالوا: حدَّثنا شَبابةُ بن سَوَّارٍ، حدَّثنا شُعبةُ، عن بُكَيْرِ بن عطاءٍ، عن عبد الرحمنِ بن يَعْمَر: أنَّ النَّبيَّ ﷺ نَهى عن الدُّبَّاءِ والمُزَفَّتِ (^١).
قال أبو عيسى: هذا حديثٌ غريبٌ من قِبَلِ إسنادِه، لا نَعْلمُ أحدًا حَدَّثَ به عن شُعبةَ غيرَ شَبابةَ، وقد رُوِي عن النّبيِّ ﷺ من أوجُهٍ كثيرةٍ: أنَّهُ نهى أنْ يُنْتبذَ في الدُّبَّاءِ والمُزَفَّتِ، وحديثُ شَبابةَ إنّما يُستغْربُ لأنَّهُ تَفرَّدَ بهِ عن شُعبةَ.
_________________
(١) قال ابن رجب: إن نهي النبي ﷺ عن الانتباذ في الدباء والمزفت صحيح ثابت عنه رواه عنه جماعة كثيرون من أصحابه. وأما رواية عبد الرحمن بن يعمر عنه فغريبة جدًا، ولا يعرف إلا بهذا الإسناد تفرد بها شبابة عن شعبة، عن بكير بن عطاء، عنه. وقد أنكره على شبابة طوائف من الأئمة منهم أحمد والبخاري وأبو حاتم وابن عدي، وأما علي بن المديني، فإنه سئل عنه، فقال: لا ينكر لمن سمع من شعبة - يعني حديثًا كثيرًا - أن ينفرد بحديث غريب.
[ ٦ / ٤٨٦ ]
وقد رَوَى شُعبةُ وسفيانُ الثَّوريُّ بهذا الإسنادِ عن بُكَيْر بن عطاءٍ، عن عبد الرحمنِ بن يَعْمَر، عن النّبيَّ ﷺ أنَّهُ قال: "الحجُّ عَرَفةُ" (^١)، فهذا الحديثُ المعرُوفُ عند أهلِ الحديثِ بهذا الإسنادِ.
حدَّثنا محمدُ بن بَشَّارٍ، حدَّثنا مُعاذُ بن هِشامٍ، حدَّثني أبي، عن يحيى بن أبي كَثيرٍ، حدَّثَني أبو مُزَاحمٍ، أنَّهُ سَمعَ أبا هُريرةَ يقولُ: قال رسولُ اللهِ ﷺ: "من تَبعَ جَنازةً، فَصلّى عليها، فله قِيراطٌ، ومن تَبِعها حتَّى يُقْضى قَضاؤُها، فله قِيراطَانِ". قالوا: يا رَسولَ اللهِ، ما القِيراطانِ؟ قال: "أصغرُهُما مِثْلُ أُحدٍ".
قال: حدَّثنا عبد اللهِ بن عبد الرحمنِ، أخبرنا مَرْوانُ بن محمدٍ، عن مُعاويةَ بن سَلّامِ، حدَّثني يحيى بن أبي كثيرٍ، حدَّثنا أبو مُزاحمٍ، سَمعَ أبا هُريرةَ، عن النّبيَّ ﷺ، قال: "من تَبعَ جَنازةً، فَلهُ قِيراطٌ"، فذكرَ نَحوهُ بمعناه.
قال عبد اللهِ: وأخبرنا مروانُ، عن مُعاويةَ بن سَلّامٍ قال: قال يحيى: وحدَّثني أبو سعيدٍ مولى المَهْرِيَّ، عن حمزةَ بن سَفِينةَ، عن السَّائبِ، سَمعَ عائشةَ، عن النّبيَّ ﷺ نحوه.
قلتُ لأبي محمدٍ عبد اللهِ بن عبد الرحمنِ: ما الّذي اسْتَغْربُوا من حديثكَ بالعراقِ؟ فقال: حديثُ السَّائب، عن عائشةَ، عن النّبيَّ ﷺ، فَذكرَ هذا الحديثَ.
_________________
(١) حديث صحيح، وهو عند المصنف برقم (٩٠٤)، وهو في "المسند" (١٨٧٧٣) و(١٨٧٧٤) و(١٨٧٧٥) وانظر تمام تخريجه فيه.
[ ٦ / ٤٨٧ ]
وسَمِعتُ محمدَ بن إسماعيلَ يُحدَّثُ بهذا الحديثِ عن عبد اللهِ بن عبد الرحمنِ.
قال أبو عيسى: وهذا حديثٌ قد رُوِي من غَيرِ وَجْهٍ عن عائشةَ، عن النّبيَّ ﷺ، وإنَّما يُسْتغْربُ هذا الحديثُ لِحالِ إسنادهِ لِروايةِ السَّائبِ، عن عائشةَ، عن النّبيَّ ﷺ.
حدَّثنا أبو حَفْصٍ عمرُو بن عليًّ، حدَّثنا يحيى بن سعيدٍ القطَّانُ، حدَّثنا المُغيرةُ بن أبي قُرَّةَ السَّدُوسيُّ، قال: سَمِعتُ أنسَ بن مالكٍ يقولُ: قال رجلٌ: يا رسولَ اللهِ، أعْقِلُها وأتَوكّلُ، أوْ أُطْلِقُها وأتَوكّلُ؟ قال: "اعْقِلْها وتَوكّلْ". قال عمرُو بن عليًّ: قال يحيى بن سَعيدٍ: هذا عِنْدي حديثٌ مُنكَرٌ.
قال أبو عيسى: هذا حديثٌ غريبٌ من هذا الوَجهِ، لا نعرفُه من حديثِ أنسِ بن مالكٍ إلا من هذا الوَجهِ، وقد رُوِي عن عمرِو بن أُمَيَّةَ الضَّمْريَّ، عن النّبيَّ ﷺ نَحو هذا.
وقد وضعنا هذا الكتابَ على الاختصارِ لِمَا رَجَونا فيهِ من المَنفعةِ، نسألُ اللهَ تعالى النفعَ بِما فيه، وأنْ لا يَجْعله علينا وبالًا برحمته.
آخرُ العلل
والحمدُ للهِ وحده على أفضالِه، وصلاتُه وسلامُه على سيَّد المرسَلين محمدٍ النبيَّ الأميَّ، وآله وصحبه، وسلم تسليمًا كثيرًا إلى يوم الدين، وحسبنا الله ونعم الوكيل
[ ٦ / ٤٨٨ ]