المثال الأول: قال الإمام البرقاني: " وسئل - الدارقطني - عن حديث أبي سلمة بن عبدالرحمن، عن أبي هريرة - ﵁ -، عن النَّبيِّ - ﷺ -: «مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الصَّلاَةِ فَقَدْ أَدْرَكَ الصَّلاَةَ» (٢).
_________________
(١) العراقي: التقييد والإيضاح شرح مقدمة ابن الصلاح، (ص١١٦).
(٢) أخرجه على الوجه الصحيح: البخاري في الجامع الصحيح (مع الفتح)، كتاب مواقيت الصلاة، باب من أدرك من الصلاة ركعة، (ج٢ / ص٦٨)، برقم (٥٨٠)، ومسلم في الجامع الصحيح (مع شرح النووي)، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الصَّلَاةِ فَقَدْ أَدْرَكَ الصَّلاةَ، (ج٣ / ص١١٢)، برقم (٦٠٧)، كلاهما من طريق مَالِك، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِالرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ. وأخرجه غيرهما من هذا الوجه، وأخرجه على الوجه المعلول النَّسائي في السنن، كتاب الجمعة، باب من أدرك ركعة من صلاة الجمعة (ج٣ / ص١٢٥) برقم (١٤٢٤)، من طريق سفيان، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة - ﵁ -، أي أنَّه نفس مخرج الحديث، وبهذا ظهر تقدم الشيخين على غيرهما من أهل الحديث.
[ ١١٩ ]
فقال - الدارقطني - اختلف فيه على الزهري، فرواه يحيى بن سعيد الأنصاري، وعبيد الله بن عمر ومالك بن أنس، واختلف عنه: فقال خالد بن خداش عن مالك، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة - ﵁ -، عن النَّبيِّ - ﷺ -: «مَنْ أَدْرَكَ مِنَ العَصْرِ رَكْعَةً فَقَدْ أَدْرَكَ».
وفي هذا الحديث وهم في المتن والإسناد، فأما الإسناد فإنمَّا رواه خالد بن خداش، عن
حماد بن زيد، عن مالك بموافقة أصحاب الموطأ، وكذلك رواه ابن عيينة، وابن جُرَيج والوليد بن كثير، وشعيب بن أبي حمزة، وسعيد بن عبد العزيز، وإبراهيم بن أبي عبلة، وثابت بن ثوبان، وأيوب بن عتبة.
واختلف عن الأوزاعي: فرواه الحفاظ عنه، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة - ﵁ -، عن النَّبي - ﷺ -: «مَنْ أَدْرَكَ مِنْ الصَلاَةِ رَكْعَةً»، وقال محمد بن عبدالله بن ميمون الأسكندراني، عن الوليد عنه: «مَنْ أَدْرَكَ مِنْ صَلاَةِ الْجُمُعَةِ رَكْعَةً» ووهم في هذا القول، وقال أبو المغيرة، عن الأوزاعي، عن الزهري، عن سعيد، عن أبي هريرة، ووهم في ذكر سعيد.
واختلف عن يونس، فرواه ابن المبارك (١)، وعبدلله بن رجاء، وابن وهب، والليث ابن سعد، وعثمان بن عمر، عن يونس، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة على الصواب. وخالفهم عمر بن حبيب، فقال عن يونس بهذا الاسناد: «مَنْ أَدْرَكَ الْجُمُعَةَ»، فقال ذلك محمد بن ميمون الخياط عنه، ووهم في ذلك والصواب، «مَنْ أَدْرَكَ مِنْ صَلاةِ ».
ورواه بقية بن الوليد، عن يونس، فوهم في إسناده ومتنه، فقال عن الزهري، عن سالم، عن أبيه: «مَنْ أَدْرَكَ مِنْ صَلاَةِ الْجُمُعَةِ رَكْعَةً»، والصحيح قول ابن المبارك ومن تابعه.
_________________
(١) هو عبدالله بن المبارك بن واضح الحنظلي التميمي مولاهم أبو عبد الرحمن المروزي، (ت:١٨١ هـ) أحد الأئمة الأثبات، قال ابن عيينة: نظرت في أمر الصحابة فما رأيت لهم فضلا على ابن المبارك إلا بصحبتهم النبي ﷺ، وغزوهم معه، وقال أبو حاتم: عن إسحاق بن محمد بن ابراهيم المروزي نعى ابن المبارك إلى سفيان بن عيينة، فقال:" لقد كان فقيها عالمًا عابدًا زاهدًا شيخًا شجاعًا شاعرًا "، قلتُ: أخرج له أصحاب الكتب الستة، وغيرهم، تهذيب التهذيب (ج٥ / ص٣٤٤ - ٣٣٨).
[ ١٢٠ ]
واختلف عن معمر فرواه ابن المبارك عن جماعة فيهم معمر، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة: «مَنْ أَدْرَكَ مِنْ صَلاَةِ ».
وتابعه عبد الرزاق، عن معمر، وخالفهما وهيب بن خالد في الإسناد دون المتن، فقال عن معمر، عن الزهري، واختلف عن يزيد بن الهاد في إسناده. فرواه: حيوة بن شريح، عن ابن الهاد، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة - ﵁ -، عن النَّبي - ﷺ -: «مَنْ أَدْرَكَ مِنْ صَلاَةِ ».
وتابعه الليث، عن ابن الهاد من رواية يونس المؤدب عنه، وقال ابن بكير، عن الليث عن ابن الهاد، عن الزهري، عن سعيد وأبي سلمة، عن أبي هريرة - ﵁ -، ورواه قرة بن عبدالرحمن، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة - ﵁ - وزاد فيه: «قَبْلَ أَنْ يُقِيمَ الإمَامُ صُلْبَهُ».
ورواه ياسين بن معاذ الزيات، واختلف عنه فقيل عن وكيع، عن ياسين، عن الزهري، عن سعيد، وأبي سلمة، عن أبي هريرة - ﵁ -، عن النبي - ﷺ -: «مَنْ أَدْرَكَ مِنَ الْجُمُعَةِ رَكْعَةً»، وقيل عن وكيع أيضًا، عن سعيد أو أبي سلمة بالشك.
وكذلك رواه أسيد بن عاصم، عن بكر بن بكار، وقال الزعفراني، عن بكر، عن ياسين، عن الزهري، عن سعيد وحده بلا شك. وكذلك قال يوسف بن أسباط، عن ياسين وقال الأبيض بن الأغر، عن ياسين، عن الزهري، عن أبي سلمة وحده.
ولم يختلف عن ياسين أنه قال من أدرك من الجمعة، وروي عن الزبيدي، وأسامة بن زيد، وصالح بن أبي الأخضر، وعمر بن قيس عن الزهري، عن أبي سلمة وحده، عن أبي هريرة - ﵁ -، عن النَّبي - ﷺ -: «مَنْ أَدْرَكَ مِنَ الْجُمُعَةِ رَكْعَةً ».
وخالفهم الحجاج بن أرطاة في الإسناد دون المتن، وعبدالرزاق بن عمر، ويحيى بن أبي أنيسة، وسليمان بن أبي داود، فقالوا عن الزهري، عن سعيد وحده، عن أبي هريرة - ﵁ - عن النَّبي - ﷺ -: «مَنْ أَدْرَكَ مِنْ الْجُمُعَةِ ».
[ ١٢١ ]
وكذلك قال نوح بن أبي مريم، عن الزهري، عن سعيد، عن أبي هريرة، إلا إنَّه أتى بلفظ آخر، فقال: «مَنْ أَدْرَكَ الإمَامَ جَالِسًَا قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَ فَقَدْ أَدْرَكَ أَي الصَّلاةَ وَفَضْلَهَا»، ونوح متروك، ورواه عمر بن حبيب، عن الزهري، عن سعيد " الجمعة ".
والصحيح قول عبيدالله بن عمر، ويحيى الأنصاري، ومالك ومن تابعهم على الإسناد والمتن، وحدث معمر بهذا الحديث أيضا، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة - ﵁ - أن النبي - ﷺ - قال: «مَنْ أَدْرَكَ مِنَ الفَجْرِ رَكْعَةً قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ وَمِنَ العَصْرِ رَكْعَةً قَبْلَ أَنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ فَقَدْ أَدْرَكَهَا» " (١).
قلتُ: والعلة التي في هذا المثال هي: الوهم في السند والمتن معًا، فأما العلة التي في المتن فهي الاضطراب في لفظ الحديث، فقد رواه جماعة بلفظ: " مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الصَّلَاةِ فَقَدْ أَدْرَكَ الصَّلاَةَ "، وآخرون بلفظ " مَنْ أَدْرَكَ مِنَ الْجُمُعَةِ رَكْعَةً "، وآخرون بلفظ " مَنْ أَدْرَكَ الإمَامَ جَالِسًَا قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَ فَقَدْ أَدْرَكَ "، وقد تعذر الجمع بين الألفاظ.
وقد رجح الإمام الدارقطني اللفظ الصحيح المحفوظ من طريق ابن المبارك، وعبدالله بن رجاء، وابن وهب، والليث بن سعد، وعثمان بن عمر، عن يونس، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة - ﵁ - مرفوعًا: " «مَنْ أَدْرَكَ مِنْ صَلاَةِ رَكْعَةً »، على الألفاظ الأخرى، وذلك لعدة أدلة وقرائن منها:
الأول: أنَّ مدار الحديث على الزهري فرواه عبدالله بن المبارك على الوجه المحفوظ، وتابعه جمع من طريق معمر بن راشد عن الزهري، وتابع معمر الإمام مالك بن أنس، وهما من أثبت الناس في الزهري (٢)، كما أخرج الشيخان الحديث من طريق مالك عن الزهري، ثم إنَّ الذين خالفهم، قد اشتهر عنهم الخطأ والوهم في الرواية.
_________________
(١) أبو الحسن الدارقطني: كتاب العلل (ج٩ / ص ٢١٣ - ٢٢٢)، سؤال رقم (١٧٣٠).
(٢) ابن رجب: شرح علل الترمذي، (ص ٣٤٦).
[ ١٢٢ ]
الثاني: أنَّ عدد من تابع ابن المبارك من طريق معمر، ومالك، عن الزهري، أكثر ممن خَالَفُهم، فظهر بذلك مدى دقة نقد الدارقطني، وهو يشير إلى علة متن الحديث، ويذكر الأدلة والقرائن بالأسانيد على ما ذهب إليه من الترجيح.
المثال الثاني: قال الإمام البرقاني: " وسئل - الدارقطني - عن حديث أبي صالح عن أبي هريرة - ﵁ - قال رسول الله - ﷺ -: «كَانَ آخِرَ مَا تَكَلَّمَ بِهِ إبْرَاهِيمُ حِينَ أُلْقِيَ فِي النَّارِ: حَسْبِيَ اللهُ وَنِعْمَ الوَكِيلُ».
فقال - الدارقطني -: يرويه أبو حصين واختلف عنه فرواه: سلام بن سليمان، عن
إسرائيل، عن أبي حصين، عن أبي صالح، عن أبي هريرة. وخالفه أبو بكر بن عياش فرواه: عن أبي حصين، عن أبي الضحى، عن ابن عباس وهو الصحيح.
وقال أبو حاتم الرازي: عن أبي غسان، عن إسرائيل، عن أبي حصين، عن أبي الضحى، عن ابن عباس. ورواه أبو جعفر الرازي: عن عاصم، عن أبي صالح، عن أبي هريرة - ﵁ - بلفظ آخر، وهو: قال رسول الله - ﷺ -: «لَمَا أُلْقِيَ إِبْرَاهِيمَ فِي النَّارِ قَالَ: اللَّهُمَّ إِنِّكَ فِي السَّمَاءِ وَاحِدٌ، وَأَنَا فِي الأَرْضِ وَاحِدٌ أَعْبُدكَ»، والصحيح حديث أبي الضحى، عن ابن عباس (١).
قلتُ: والذي أشار إليه الإمام الدارقطني في نقد هذا المتن أنَّ الصحيح ما رواه أبي حصين، عن أبي الضحى، عن ابن عباس موقوفًا، بلفظ " «﴿حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ قَالَهَا إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلاَم حِينَ أُلْقِيَ فِي النَّارِ، وَقَالَهَا مُحَمَّدٌ - ﷺ - حِينَ قَالُوا: ﴿إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾» (٢)، والألفاظ الأخرى مرفوعة، ولكنها معلولة كما هو واضح من النَّص ونرى أن ما ذهب إليه الدارقطني لم يتفرد به، بل
_________________
(١) أبو الحسن الدارقطني: كتاب العلل (ج١٠ / ص ٩٨ - ١٠٠)، سؤال رقم (١٨٩٣).
(٢) أخرجه على الوجه الصحيح: البخاري في الجامع الصحيح (مع الفتح)، كتاب التفسير القرآن باب ﴿الذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ﴾ الآية (ج٨ / ص٢٦٤)، برقم (٤٥٦٣).
[ ١٢٣ ]
سبقه إليه البخاري حيث لم يخرج إلا الموقوف وترك المرفوع، على الرغم أن أصل كتابه في المرفوع، والله أعلم.
المثال الثالث: قال الإمام البرقاني: " وسئل - الدارقطني - عن حديث بشير بن نهيك عن أبي هريرة - ﵁ - قال: رسول الله - ﷺ -: " «مَنْ أَعْتَقَ شَقِيصًَا لَهُ مِنْ عَبْدٍ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ اسْتَسْعَى الْعَبْدُ فِي ثَمَنٍ غَيْرَ مَشْقُوقٍ عَلَيْهِ» (١).
فقال - الدارقطني -: يرويه قتادة، واختلف عنه في إسناده ومتنه.
فأما الخلاف في إسناده فإنَّ سعيد بن أبي عَرُوبة، وحجاج بن حجاج، وجرير بن حازم وأبان العطار وهماما، وشعبة رووه: عن قتادة عن النضر بن أنس، عن بشير بن نهيك، عن أبي هريرة - ﵁ -.
وخالفهم الحجاج بن أرطاة، رواه عن قتادة، عن موسى بن أنس مكان النضر بن أنس
ووهم، وأما هشام الدستوائي فرواه: عن قتادة، عن بشير بن نهيك، عن أبي هريرة، ولم يذكر بينهما أحدا، وأما الخلاف في متنه: فإنَّ سعيد بن أبي عروبة وحجاج بن حجاج وأبان العطار، وجرير بن حازم، وحجاج بن أرطاة اتفقوا في متنه، وجعلوا الاستسعاء مدرجًا في حديث النبي ﷺ، وأما شعبة وهشام فلم يذكرا فيه الاستسعاء بوجه.
وأما همام فتابع شعبة وهشاما على متنه، وجعل الاستسعاء من قول قتادة، وفصل بين كلام النبي ﷺ.
ويشبه أن يكون همام قد حفظه قال ذلك أبو عبدالرحمن المقرئ، وهو من الثقات عن همام.
ورواه محمد بن كثير وعمرو بن عاصم عن همام فتابعه شعبة على إسناده ومتنه، ولم يذكر فيه الاستسعاء بوجه. " (٢).
_________________
(١) أخرجه على الوجه الصحيح: مسلم بن الحجاج، صحيح مسلم (مع شرح النووي)، كتاب الأيمان باب من أعتق شركًا له في عبد حديث رقم (١٥٠٤) (ج٦/ ص ١٥٣).
(٢) أبو الحسن الدارقطني: كتاب العلل (ج١٠/ ص٣١٣ - ٣١٧)، سؤال رقم (٢٠٣١).
[ ١٢٤ ]
قلتُ: والعلة التي أشار إليها الدارقطني هي: أن لفظة " الاستسعاء " مدرجةٌ في الحديث، وليست من لفظ رسول الله ﷺ، وقد فصلت الكلام فيها وبينت العلة في الحديث والراجح في الخلاف، وذلك في المبحث السادس من الباب الأول (ص٨٢) من الدراسة فارجع إليها إن شئت.