الغرابة والاغتراب بمعنى البعد، والبعد أصله من الإشارة إلى الجهة البعيدة المغرب، ويقال على الذي سافر فأبعد السفر غريب، وجمعه غُربَاء، وقال ابن منظور في لسان العرب: " غَرْبةٌ نائِيَةٌ وأَغْرَبَ القومُ انْتَوَوْا وشَاوٌ مُغَرِّبٌ ومُغَرَّبٌ بفتح الراءِ بعيد، قال الكميت:
عَهْدَك من أُولَى الشَّبِيبةِ تَطْلُبُ على دُبُرٍ هيهاتَ شَاوٌ مُغَرِّب
ويقال اغْرُبْ عني أَي تباعَدْ، ومنه الحديث أَنه أَمَرَ بتَغْريبِ الزاني التغريبُ النفيُ عن البلد الذي وَقَعَتِ الجِنايةُ فيه، يقال أَغرَبْتُه وغَرَّبْتُه إِذا نَحَّيْتَه وأَبْعَدْتَه والتَّغَرُّبُ البُعْدُ. وفي الحديث: «أَن رَجُلًا قال له إِنَّ امرأَتي لا تَرُدُّ يَدَ لامِس، فقال: غرِّبْها»، أَي أَبْعِدْها يريدُ الطلاق وغَرَّبَت الكلابُ أَمْعَنَتْ في طلب الصيد وغَرَّبه وغَرَّبَ عليه تَرَكه بُعْدًا والغُرْبةُ والغُرْب النُّزوحُ عن الوَطَن والاغْتِرابُ قال المُتَلَمِّسُ:
أَلا أَبْلِغا أَفناءَ سَعدِ بن مالكٍ رِسالةَ مَن قد صار في الغُرْبِ جانِبُهْ
[ ٢٧٧ ]
والاغْتِرابُ والتغرُّب كذلك تقول منه تَغَرَّبَ واغْتَرَبَ، وقد غَرَّبه الدهرُ ورجل غُرُب بضم الغين والراء، وغريبٌ بعيد عن وَطَنِه الجمع غُرَباء والأُنثى غَريبة قال:
إِذا كَوْكَبُ الخَرْقاءِ لاحَ بسُحْرةٍ سُهَيْلٌ أَذاعَتْ غَزْلَها في الغَرائبِ
أَي فَرَّقَتْه بينهنّ وذلك أَن أَكثر من يَغْزِل بالأُجرة إِنَّما هي غريبةٌ، وفي الحديث أَنَّ النَّبي ﷺ: سُئِلَ عن الغُرباء، فقال: الذين يُحْيُونَ ما أَماتَ الناسُ من سُنَّتِي، وفي حديث آخر: «كَمَا بَدأَ فطوبَى للغُرباءِ»، أَي إِنَّه كان في أَوّلِ أَمْرِه كالغريبِ الوحيدِ الذي لا أَهل له عنده لقلة المسلمين يومئذ وسيعودُ غريبًا كما كان أَي يَقِلُّ المسلمون في آخر الزمان فيصيرون كالغُرباء فطُوبى للغُرَباء أَي الجنةُ لأُولئك المسلمين الذين كانوا في أَوّل الإِسلام ويكونون في آخره، وإِنَّما خَصَّهم بها لصبْرهم على أَذى الكفار أَوَّلًا وآخِرًا ولُزومهم دينَ الإِسلام.
وفي حديث آخر «أُمَّتِي كالمطر لا يُدْرَى أَوَّلُها خير أَو آخِرُها»، قال: وليس شيءٌ من هذه الأُحاديث مخالفًا للآخر، وإِنَّما أَراد أَن أَهلَ الإِسلام حين بَدأَ كانوا قليلًا وهم في آخر الزمان يَقِلُّون إِلاَّ أَنهم خيارٌ " (١).