الجنس الأول: أن يَكُون السَّند ظاهر الصِّحة، وفيه من لا يُعرف بالسَّماع ممَّن روى عنه، وقد أعلَّ الإمام الدارقطني بهذه العلة أحاديث كثيرة نذكر منها على سبيل المثال:
المثال الأول: قال الإمام البرقاني: " وسئل - الدارقطني - عن حديث روي عن مكحول، عن أبي هريرة - ﵁ -، عن النَّبي ﷺ: «الْقَدَرِيَّةُ مَجُوسُ هَذِهِ الأُمَّة » (٢).
فقال - الدارقطني -: يرويه سليمان التيمي واختلف عنه فرواه: معاذ بن معاذ، عن سليمان التيمي، عن مكحول، عن أبي هريرة. وقيل عنه، عن سليمان التيمي، عن رجل، عن أبي هريرة، ومكحول (٣) لم يسمع من أبي هريرة " (٤).
قلتُ: والعلة التي أشار إليها الدارقطني على الرغم من أنَّ السند ظاهره الصحة هي: عدم سماع مكحول من أبي هريرة - ﵁ -، وحجة الإمام الدارقطني في ذلك أنَّ مكحول وهو الشامي لم يثبت سماعه من أبي هريرة ﵁ على الصحيح الراجح، وقد صرح بذلك الأئمة النقاد ومنهم الترمذي، حيث قال: " ومكحول قد سمع من واثلة بن الأسقع وأنس بن مالك وأبي هند الداري، ويقال إنه لم يسمع من أحد من أصحاب النَّبي ﷺ إلا من هؤلاء الثلاثة. ومكحول شامي يكنى أبا عبدالله وكان عبدًا فأُعتق ". (٥)، ولقد أعلَّ النُّقاد المحدثون هذا
_________________
(١) أبو عبدالله الحاكم النيسابوري: معرفة علوم الحديث، (ص ١١٣ - ١١٩).
(٢) أخرجه أبو داود: في السنن، كتاب السنة، باب في القدر، (ج٢/ص ٦٣٤)، بإسناد ضعيف.
(٣) وهو مكحول الشامي أبو عبد الله، ويقال أبو أيوب، ويقال أبو مسلم (ت:١٠٠وبضع عشرة هـ)، ثقة فقيه، كثير الإرسال، أخرج له الستة إلا البخاري، تهذيب التهذيب (ج١٠/ص ٢٥٨).
(٤) أبو الحسن الدارقطني: العلل (ج٨/ص٢٨٩)، سؤال رقم (١٥٧٦).
(٥) الترمذي: في السنن (ج٤/ص٦٦٢)، بعد حديث رقم (٢٥٠٦).
[ ١٣٠ ]
الحديث بنفس العلة.
المثال الثاني: قال الإمام البرقاني: " وسئل - الدارقطني - عن حديث طاووس، عن معاذ - ﵁ -: «أنَّه أُتِيَ وَهُو بِالْيَمَنِ بِأَوْقَاصِ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ، فَقَالَ: لَمْ يَامُرْنِي رَسُولُ اللهِ - ﷺ - فِيهِمَا بِشَيْءٍ» (١).
فقال - الدارقطني -: يرويه عمرو بن دينار وإبراهيم بن ميسرة. فرواه: ابن عيينة والحسن بن أبي جعفر، عن عمرو بن دينار، عن طاووس، عن معاذ. وكذلك رواه ابن عيينة، عن إبراهيم بن ميسرة. واختلف عن الثوري فرواه: ابن وهب، عن الثوري، عن إبراهيم بن ميسرة، عن طاووس، عن معاذ بن جبل. ورواه وكيع، عن الثوري، عن إبراهيم بن ميسرة، عن طاووس أنَّ معاذًا لَمَّا أَتَى اليمن قال: لم أُومَرْ فيها بشئ فأرسله، ومن قال عن معاذ فهو أيضا مرسل؛ لأنَّ طاووسًا لم يسمع من معاذ " (٢).
قلتُ: ووجه العلة في الحديث التي أشار إليها الدارقطني على الرغم من صحة السند في الظاهر هي: عدم سماع طاووس (٣) من معاذ. وحجة الدارقطني في ذلك التاريخ، فبين معاذ وطاووس مفاوز تنقطع بها أعناق الإبل، حيث إنَّ طاووس بن كيسان مات ﵀ سنة ست ومائة هجرية (١٠٦هـ) (٤)، ومات معاذ بن جبل ﵁ على الراجح سنة ثمان عشر من الهجرة (١٨هـ) (٥)، وهو ابن ثلاث أو أربع وثلاثين سنة، فظهر أن طاووس لم يدرك معاذ بن
_________________
(١) أخرجه على الوجه المعلول: الإمام أحمد في المسند، (ج٥ / ص٢٣٠)، برقم (٢٢٠٦٣)، من طريق حماد بن زيد، ثنا عمرو بن دينار، عن طاووس، عن معاذ بن جبل، بلفظ: " قال لم يأمرني رسول الله ﷺ في أوقاص البقر شيئا "، والأوقاص هي ما دون الثلاثين منها.
(٢) أبو الحسن الدارقطني: العلل (ج٦ / ص٦٦)، سؤال رقم (٩٨٤).
(٣) هو طاووس بن كيسان الفارسي، الفقيه، القدوة، عالم اليمن، أبو عبد الرحمن الفارسي، ثم اليمني، الجندي، الحافظ، كان من أبناء الفُرس الذين جهزهم كسرى لأخذ اليمن له، فقيل: هو مولى بحير بن ريسان الحميري، وقيل: بل ولاؤه لهمدان (ت: ١٠٥ أو ١٠٦هـ) بمكة المكرمة ﵀، أنظر الذهبي: سير أعلام النبلاء، (ج٩ / ص٣٨).
(٤) الذهبي: سير أعلام النبلاء (ج٩/ص٤٥ - ٤٦)، ترجمة رقم (١٣).
(٥) المصدر السابق: (ج١ / ص٤٠٩)، ترجمة رقم (٨٦).
[ ١٣١ ]
جبل، أنظر لدقة الحكم، وسعة العلم.
المثال الثالث: قال الإمام البرقاني: " وسئل - الدارقطني - عن حديث سَعِيدِ بْنِ أَبِي هِنْدٍ، عَنْ أَبِي مُوسَى - ﵁ -: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ: أُحِلَّ الذَّهَبُ وَالْحَرِيرُ لإِنَاثِ أُمَّتِي وَحُرِّمَ عَلَى ذُكُورِهَا» الحديث (١).
فقال - الدارقطني -: يرويه عبدالله بن سعيد بن أبي هند واختلف عن نافع فرواه: أيوب السختياني وعبيد الله بن عمر، عن نافع، عن سعيد بن أبي هند، عن أبي موسى. ورواه سويد بن عبدالعزيز، عن عبيدالله، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبي موسى ووهم فيه في موضعين: في قوله سعيد المقبري، وإنَّما هو سعيد بن أبي هند، وفي تركه نافعًا في الإسناد. ورواه عبدالله بن عمر العُمري، عن نافع، عن سعيد بن أبي هند عن رجل، عن أبي موسى وهو أشبه بالصواب؛ لأنَّ سعيد بن أبي هند لم يسمع من أبي موسى شيئًا، وقال أسامة ابن زيد، عن سعيد بن أبي هند، عن أبي مرة مولى عقيل، عن أبي موسى في حديث النَّهي عن اللعب بالنرد، وهو الصحيح. وهذا يقوي قول العُمري، عن نافع، عن سعيد بن أبي هند، عن رجل والله أعلم " (٢).
قلتُ: ووجه العلة التي أشار إليها الإمام الدارقطني على الرغم من صحة السند في الظاهر هي: عدم سماع سعيد بن أبي هند (٣) من أبي موسى، وحجة الإمام الدارقطني التاريخ
_________________
(١) أخرجه على الوجه الصحيح: الإمام أحمد في المسند، (ج٤ / ص٣٩٢)، برقم (١٩٥٢١)، من طريق سَعِيدِ بْنِ أَبِي هِنْدٍ، عَنْ رَجُلٍ، عَنْ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ، وبهذا يكون الإسناد ضعيف للجهالة، ولكن الحديث ثابت من أوجه أخري وله شواهد، وأخرجه النَّسائي على الوجه المعلول في السنن، كتاب الزينة، باب تحريم الذهب على الرجال، (ج٨ / ص٥٤٠)، برقم (٥١٦٣)، من طريق نَافِعٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي هِنْدٍ، عَنْ أَبِي مُوسَى ﵁.
(٢) أبو الحسن الدارقطني: العلل (ج٧ / ص٢٤١ - ٢٤٢)، سؤال رقم (١٣٢٠).
(٣) هو سعيد بن أبى هند الفزاري مولاهم، مولى سمرة بن جندب (ت:١١٦ هـ)، (وهو والد عبدالله بن سعيد بن أبى هند)، ثقة مشهور بالعلم، أخرج له الستة، وروى البخاري عن رجل عنه وهي من عوالي البخاري، أنظر سير أعلام النبلاء للذهبي (ج٩/ ص٧)، ترجمة رقم (٦).
[ ١٣٢ ]
حيث أنَّ سعيد بن أبي هند مات ﵀ سنة ستة عشر ومائة (١١٦هـ)، أو ما بعدها، وأبو موسى الأشعري وهو عبدالله بن قيس مات ﵁ على الراجح من الأقوال سَنَةَ أَرْبَعٍ وَأَرْبَعِيْنَ عَلَى الصَّحِيْح (١)، فكيف سمع سعيد بن أبي هندٍ منه وبينهما هذه المفاوز؟، فظهر أنَّ الأئمة لم يكن قولهم مجرد قول، بل كان معهم براهين ساطعة.
الجنس الثاني: أن يَكُونَ الحديث مُرْسلًا من وجه، رواه الثِّقات الحُفَّاظ، ويُسْند من وجهٍ ظاهره الصِّحة.
وقد أعل الإمام الدارقطني بهذه العلة جملة من الأحاديث نذكر منها على سبيل المثال:
المثال الأول: قال الإمام البرقاني: " وسئل - الدارقطني - عن حديث أبي هريرة عن عمر - ﵃ -، عن النَّبيِّ - ﷺ -: «أنَّهُ سَأَلَهُ أَنَعْمَلُ فِي شِئٍ نَاتَنِفُهُ أَمْ فِي شَئٍ قَدْ فُرِغَ مِنْهُ، قَالَ بَلْ فِي شَئٍ فُرِغَ مِنْهُ» (٢).
فقال - الدارقطني -: يرويه أبو ضمرة بن عياض، عن الأوزاعي، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، عن عمر، وخالفه يحيى القطان رواه عن الأوزاعي عن الزهري، عن سعيد بن المسيب أنَّ عمر، لم يذكر أبا هريرة. وكذلك يونس بن يزيد، عن الزهري، ورواه الزبيدي، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن عمر. وخالفهم صالح بن أبي الأخضر، رواه عن الزهري، عن سالم، عن أبيه، عن عمر. ورواه عقيل، عن الزهري مرسلًا عن عمر. والمرسل أصح " (٣).
_________________
(١) الذهبي: سير أعلام النبلاء، (ج٣ /ص٣٥٠).
(٢) أخرجه: الإمام أحمد في المسند، (ج٢ / ص٥٢)، برقم (٥١٤٠) (ج٢ / ص٧٧)، برقم (٥٤٨١)، الترمذي في السنن، كتاب القدر، باب ما جاء في الشقاء والسعادة، (ج٤ / ص٤٤٥) كلاهما من طريق عَاصِمِ بْنِ عُبَيْدِاللَّهِ قَالَ سَمِعْتُ سَالِمَ بْنَ عَبْدِاللَّهِ يُحَدِّثُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ عُمَرُ به، ولكن إسناده ضعيف لضعف عَاصِمِ بْنِ عُبَيْدِاللَّهِ، تهذيب التهذيب (ج٥ / ص٤٢).
(٣) أبو الحسن الدارقطني: العلل (ج٢ / ص٩١)، سؤال رقم (١٣٤).
[ ١٣٣ ]
قلتُ: وهذا النوع من أنواع العلة يعتمد على مخالفة الثقة الذي أسند الحديث (أي رفعه) جمع من الثقات، أو من هو أوثق منه، وفي هذا المثال نجد أنَّ الدارقطني قد أعل الحديث؛ لأنَّ أبو ضمرة بن عياض وهو من الثقات (١)، رواه فأسند الحديث فقال: " عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة "، فأخطأ، وذلك لمخالفته الثقات الذين رووه مرسلًا، منهم يحيى بن سعيد القطان وهو من الحفاظ الأثبات (٢)، وكذلك خالف يونس بن يزيد وهو الأيلي (٣)، عن الزهري، وهو من أثبت الناس في الزهري، فأصبح المرسل أصح من المرفوع، وبهذا صار الحديث معلولًا بالإرسال.
المثال الثاني: قال الإمام البرقاني: " وسئل - الدارقطني -: عن حديث عمر بن علي ابن أبي طالب عن علي بن أبي طالب - ﵁ -، عن النَّبي - ﷺ -: «الشَّاهِدُ يَرَى مَا لًا يَرَى الْغَائِبُ» (٤).
فقال - الدارقطني -: هو حديث يرويه الثوري، عن محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب، فأرسله يحيى القطان، عن الثوري، عن محمد بن عمر، عن جده علي. وأسنده أبو نعيم، عن الثوري، فقال عن محمد بن عمر بن علي، عن أبيه عن علي. واختلف عن أبي نعيم، والمرسل أصح " (٥).
_________________
(١) وهو الإمام، المحدث، الصدوق المعمر، بقية المشايخ، أبو ضمرة أنس بن عياض الليثي، المدني (ت: ٢٠٠هـ)، أخرج له الستة، أنظر سير أعلام النبلاء للذهبي، (ج١٧/ ص٨٧).
(٢) وهو الإمام الكبير، أمير المؤمنين في الحديث، أبو سعيد التميمي مولاهم، البصري، الأحول، القطان، الحافظ (ت: ١٩٨هـ)، وهو من كبار نُقاد الحديث وكان لا يحدث إلا عن ثقة، أنظر سير أعلام النبلاء للذهبي، (ج١٧ / ص١٨٥).
(٣) وهو الإمام، الثقة، المحدث، أبو يزيد الأيلي، مولى معاوية بن أبي سفيان الأموي، وهو أخو أبي علي، وعم عنبسة بن خالد (ت:١٥٩هـ)، سير أعلام النبلاء للذهبي (ج١١/ص ١٢٦).
(٤) أخرجه على الوجه الصحيح المرسل: الإمام أحمد في المسند، (ج١ / ص٨٣)، برقم (٦٢٨)، من طريق حدثنا يحيى بن سعيد عن سفيان حدثنا محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب عن علي ﵁.
(٥) أبو الحسن الدارقطني: العلل (ج٤ / ص٥٨)، سؤال رقم (٤٢٩).
[ ١٣٤ ]
قلتُ: والعلة التي أشار إليها الإمام الدارقطني هي كالمثال السابق علة الإرسال، حيث أنَّ الحديث أسنده أبو نعيم وهو الفضل بن دكين (١) - وهو من الثقات الأثبات - عن الثوري فأخطأ، فرجح الدارقطني المرسل على المسند، وحجته في ذلك أنَّ محمد بن عمر وهو ابن علي بن أبي طالب لم يدرك جده (٢)، وقد عُلم ذلك بالتصريح وبالتاريخ (٣) ويضاف إلى ذلك مخالفة أبو نعيم ليحي بن سعيد القطان فرواه مرسلًا كذلك، وهو أثبت الناس في سفيان (٤)، فأصبح الحديثُ مُعَلًاّ بالإرسالِ.
المثال الثالث: قال الإمام البرقاني: " وسئل - الدارقطني - عن حديث محمد بن عبدالرحمن بن ثوبان، عن أبي هريرة - ﵁ -: «أُتِيَ النَّبي - ﷺ - بسارق قد سرق شملة فقالوا: يا رسُول الله إن هذا سرق، فقال: " اذْهَبُوا بِهِ فَاقْطَعُوهُ ثُمَّ احْسِمُوهُ ثُمَّ اتوُنِي بِهِ " فَقَالَ لَهُ: " تُبْ إِلى اللهِ ﷿ "، قَالَ: تُبْتُ، قَالَ: " تَابَ اللهُ عَلَيْكَ "» (٥).
_________________
(١) وهو أبو نعيم الفضل بن دكين التيمي الطلحي الحافظ الكبير، شيخ الإسلام، الفضل بن عمرو ابن حماد بن زهير بن درهم، التيمي، الطلحي، القرشي مولاهم، الكوفي (ت:٢١٩هـ)،من الثقات الأثبات وأخرج له الستة، وحدث عنه: البخاري كثيرا، وهو من كبار مشيخته، ويعد ممن أوصل البخاري لأتباع التابعين، بالسند العالي الثلاثي، سير أعلام النبلاء للذهبي (ج١٩/ ص١٢٢).
(٢) وهو محمد بن عمر بن على بن أبى طالب القرشي الهاشمى، أبو عبد الله المدني (وأمه أم عبدالله أسماء بنت عقيل بن أبى طالب) (ت: ١٣٠هـ)، هو ثقة روى له أصحاب السنن، تهذيب التهذيب (ج٩ / ص٣٢١).
(٣) المصدر السابق (ج٩ / ص ٣٢٢).
(٤) ابن رجب: شرح علل الترمذي، (ص٣٨١).
(٥) أخرجه الحاكم في المستدرك على الوجه المعلول موصولًا (ج٤ / ص٤٢٢)، برقم (٨١٥٠)، من طريق عبدالعزيز بن محمد، أخبرني يزيد بن خصيفة، عن محمد بن عبدالرحمن بن ثوبان، عن أبي هريرة ﵁ به، وقال صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه، وسكت عنه الذهبي في التلخيص، قلتُ: لم يخرج مسلم ﵀ بهذه الترجمة شيء في صحيحه، بل قد أخرج لعبدالعزيز ابن محمد وهو الدراوردي، عن غير يزيد بن خصيفة في الصحيح، فلم يكن على النسق، فانتفى أن يكون على شرط مسلم، ويضاف إلى ذلك إعلال أهل العلم له بالإرسال.
[ ١٣٥ ]
فقال - الدارقطني -: يرويه يزيد بن خصيفة، عن ابن ثوبان، عن أبي هريرة، واختلف عن الدراوردي فرواه: عبدالله بن عبدالوهاب الحجبي ويعقوب الدورقي، عن الدراوردي متصلًا، وخالفهما سريج بن يونس وسعيد بن منصور، فروياه عن الدراوردي مرسلًا، لم يذكرا فيه أبا هريرة.
وكذلك رواه ابن عيينة والثوري، وابن جريج وإسماعيل بن جعفر، عن يزيد بن خصيفة مرسلًا، ورواه سيف بن محمد، عن الثوري متصلًا، والمرسل أصح (١).
قلتُ: والعلة التي أشار إليها الإمام الدارقطني هي كالمثال السابق علة الإرسال، فهذا على الرغم من أنَّ الإسناد ظاهره الصحة، إلا أنَّ الدارقطني رجح أنَّه معلول بالإرسال، وحجته في ذلك أنَّ الذين رووه مرسلًا أوثق ممن رواه متصلًا.
الجنس الثالث: أن يَكُون الحديث محفُوظًا عن صحابي، ويروى عن غيره، لاختلاف بلاد رُواته، كرواية المَدنيين عن الكُوفيين.
وأصل سبب هذه العلة الخطأ في رواية قومٍ ضُعِّفُوا في رواية قومٍ ليسوا من أهل بلادهم أو لقرائن أو أسباب تقتضي ضعف رواياتهم، مثل رواية إسماعيل بن عياش (٢)، وهو شامي، فإذا روى عن المدنيين أخطأ، وروايته عن أهل بلده صحيحة، وذلك لأسباب وقرائن ذكرها النُّقاد، وقد يكون العكس مثل رواية أهل البصرة عن معمر بن راشد (٣) وهو بصري الأصل ضعيفة، فإنَّهُ كان يخطأ بالبصرة، ولكن رواية أهل اليمن عنه صحيحة، وعلى هذا قد يروون
_________________
(١) أبو الحسن الدارقطني: العلل (ج١٠ / ص٦٥ - ٦٦)، سؤال رقم (١٨٧١).
(٢) إسماعيل بن عياش بن سليم العنسي، أبو عتبة الحمصي (ت: ١٨١هـ)، أخرج له البخاري والأربعة، ثقة في الشاميين، ضعيف فيما عداهم، تهذيب التهذيب (ج١ / ص٢٨٠ - ٢٨٤).
(٣) وهو معمر بن راشد الأزدي الحداني مولاهم، أبو عروة بن أبي عمرو البصري، سكن اليمن شهد جنازة الحسن البصري (ت:١٥٤هـ)، وأخرج له الستة، ثقة ثبت فاضل، إلا أنَّ في روايته عن ثابت والأعمش وهشام بن عروة شيئًا، وكذا فيما حدث به بالبصرة، تهذيب التهذيب (ج١٠ / ص٢١٨ - ٢٢٠).
[ ١٣٦ ]
حديثًا محفوظًا عن صحابي، فينسبونه لغيره، وقد أعل الإمام الدارقطني بهذه العلة جملة من الأحاديث، نذكر منها على سبيل المثال:
المثال الأول: قال الإمام البرقاني: " وسئل - الدارقطني - عن حديث نافع، عن بن عمر، عن عمر - ﵃ - أنَّهُ: «خَرَجَ مَعَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - فَرَأَى حُلَّةٌ سِيَرَاءَ تُبَاعُ » (١).
فقال - الدارقطني -: رواه القاسم بن يحيى المقدمي، وعلى بن مسهر، وابن نمير وسعيد بن بشير، عن عبيدالله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، عن عمر. وغيرهم يرويه عن عبيدالله، عن نافع، عن ابن عمر: أنَّ عُمر خرج إلى السوق، فيصير من مسند ابن عمر، وكذلك رواه مالك بن أنس، وابن أبي ذئب، وأصحاب نافع، عن ابن عمر أنَّ عُمر. وكذلك رواه سالم، وعبدالله بن دينار، عن ابن عمر أنَّ عُمر. وهو الصواب. وروى عن ابن سيرين واختلف عنه، فرواه هشام بن حسان وأيوب، عن ابن سيرين، عن ابن عمر أنَّ عمر، واختلف عن أيوب فأرسله حماد بن زيد، عن أيوب، عن محمد أنَّ عُمر، لم يذكر ابن عمر. ورواه أبو جميع سالم بن راشد (٢)، عن ابن سيرين عن أبي هريرة أنَّ عمر ووهم في ذكر أبي هريرة، وحديث هشام وأيوب أصح" (٣)
_________________
(١) أخرجه على الوجه الصحيح البخاري: في الجامع الصحيح (مع الفتح)، كتاب اللباس، باب الحرير للنِّساء (ج١٠ / ص٣٣٦)، برقم (٥٨٤١)، من طريق موسى بن إسماعيل قال: حدثني جويرية عن نافع عن عبدالله: أنَّ عُمر ﵃ به، وغيره، وحلةٌ سِيَرَاء: نوع من البرود يخالطه حرير كالسُّيُور، قاله قال ابن منظور في اللسانِ نقلًا عن ابن الأثير "، (ج٤/ص٣٨٩).
(٢) وهو سالم بن دينار، ويقال: ابن راشد، التميمي، ويقال الهجيمي، أبو جميع القزاز البصري مولى الحارث بن سليم، (ت:؟) من الطبقة الوسطى من أتباع التابعين، وثقه ابن معين، ولينه أبو زرعة، وخلاصة القول فيه مقبول، كما في تهذيب التهذيب (ج٣ / ص ٣٧٦).
(٣) أبو الحسن الدارقطني: العلل (ج٢ / ص١١ - ١٢)، سؤال رقم (٨٥).
[ ١٣٧ ]
قلتُ: والعلة التي أشار إليها الإمام الدارقطني هنا هي: أنَّ الحديث محفوظ عن ابن عمر، عن عمر بن الخطاب ﵄، ثم أتى أبو جميع سالم بن راشد فرواه عن أبي هريرة وليس هو من مسند أبي هريرة، فكانت هذه الرواية معلولة، وقد رجَّح الدارقطني رواية هشام، وأيوب، عن ابن سيرين، عن ابن عمر أنَّ عُمر به.
المثال الثاني: قال الإمام البرقاني: " وسئل - الدارقطني - عن حديث أنس بن مالك عن أبي طلحة - ﵁ -: «أَنَّهُ كَانَ عِنْدَهُ أَيْتَامٍ وَرِثُوا خَمْرًَا فَسَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ أَجْعَلُهَا خَلاَّ؟ قَالَ: لاَ» (١).
فقال - الدارقطني -: يرويه الثوري وإسرائيل، عن السُّدي، عن أبي هُبَيرة، عن أنس، عن النَّبي ﷺ، وخالفهما قيس فرواه عن السُّدي، عن أبي هبيرة عن أنس، عن أبي طلحة جعله من مسند أبي طلحة، عن النَّبي ﷺ.
وكذلك رواه ليث بن أبي سليم، عن أبي هبيرة يحيى بن عباد، عن أنس عن أبي طلحة والصحيح قول الثوري وإسرائيل (٢).
قلتُ: والعلة التي أشار إليها الإمام الدارقطني هنا هي أنَّ الحديث محفوظ عن أنس بن مالك ﵁، وخالفهما قيس وهو ابن ربيع (٣):
فرواه عن السُّدي، عن أبي هبيرة عن أنس، عن أبي طلحة جعله من مسند أبي طلحة، فأخطأ، ولذا رجَّح الدارقطني من رواه من مسند أنس وهو الصحيح.
_________________
(١) أخرجه على الوجه الصحيح أبو داود: في السنن، كتاب الأشربة، باب ما جاب في الخمر تُخَلَّل، (ج٢ / ص٣٥١)، برقم (٣٦٧٥).
(٢) أبو الحسن الدارقطني: العلل (ج٦ / ص١٢ - ١٣)، سؤال رقم (٩٤٦).
(٣) قيس بن الربيع الأسدي أبو محمد الكوفي من ولد قيس بن الحارث ويقال الحارث بن قيس الأسدي من الطبقة السابعة، من كبار أتباع التابعين (ت: ١٦٥ أو١٦٦هـ)، أخرج له أبو داود والترمذي وابن ماجه، خلاصة القول فيه: أنه صدوق تغير لما كبر، وأدخل عليه ابنه ما ليس من حديثه فحدث به، تهذيب التهذيب (ج٨ / ص٣٥٠ - ٣٥٣).
[ ١٣٨ ]
الجنس الرَّابع: أن يَكُون محفُوظًا عن صحابي، فيُروى عن تابعي، يقع الوهم بالتصريح بما يقتضي صحبتهُ.
وقد أعل الإمام الدارقطني بهذه العلة قليلًا من الأحاديث، نذكر منها على سبيل المثال:
المثال الأول: قال الإمام البرقاني: " وسئل - الدارقطني - عن حديث جابر بن عبدالله عن أبي قتادة - ﵃ -: «أَنَّهُ رَأَى النَّبِيَّ - ﷺ - يَبُولُ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ» (١).
فقال - الدارقطني -: كذلك رواه ابن لهيعة، عن أبي الزبير، عن جابر، عن أبي قتادة وليس بمحفوظ. والحديث مشهور عن جابر بن عبد الله، عن النبي - ﷺ - يرويه محمد بن إسحاق، عن أبان بن صالح، عن مجاهد عن جابر - ﵃ -: «نَهَى رسُول اللهِ - ﷺ - أَنْ نَسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ بِبَوْلٍ، فَرَأَيْتُهُ قَبْلَ أَنْ يُقْبَضَ بِعَامٍ يَسْتَقْبِلَهَا» " (٢).
قلتُ: وواضحٌ من كلام الدارقطني أن الحديث لم يثبت عن أبي قتادة، وإنِّما هو محفوظ من حديث جابر بن عبدالله، وأعله الترمذي كذلك بنفس العلة كما ذكرنا.
المثال الثاني:: قال الإمام البرقاني: " وسئل - الدارقطني - عن حديث أبي الطفيل عامر بن واثلة عن النَّبي ﷺ في حديث طويل فيه فضل من اقتصر على أداء الفرائض دون النوافل.
فقال - الدارقطني -: هو حديث اختلف فيه على الزهري، فرواه إبراهيم بن سعد عن الزهري، عن أبي الطفيل. وخالفه إبراهيم بن زياد القرشي من أهل الجزيرة، فرواه: عن الزهري، عن أنس بن مالك. وخالفهما معمر وغيره، فرووه: عن الزهري مرسلًا وهو
_________________
(١) أخرجه على الوجه المعلول الترمذي: في السنن، كتاب الطهارة، باب ما جاء من الرخصة في ذلك، (ج١ / ص١٥)، برقم (١٠). فقال الترمذي: " وقد روى هذا الحديث ابن لهيعة، عن أبي الزبير، عن جابر، عن أبي قتادة، أنه رأى النبي صلى اللهم عليه وسلم يبول مستقبل القبلة حدثنا بذلك قتيبة، حدثنا ابن لهيعة، وحديث جابر عن النَّبي ﷺ أصح من حديث ابن لهيعة وابن لهيعة ضعيف عند أهل الحديث ضعفه يحيى بن سعيد القطان وغيره من قبل حفظه ".
(٢) أبو الحسن الدارقطني: العلل (ج٦ / ص١٦٦)، سؤال رقم (١٠٤٧).
[ ١٣٩ ]
المحفوظ. قال - الدارقطني -: أبي الطفيل (١) رأي النَّبي ﷺ وصحبه، فأما السَّماع فالله أعلم " (٢).
قلتُ: والعلة التي أشار إليها الدارقطني هنا هي عدم ثبوت سماع أبو الطفيل عامر بن واثلة هذا الحديث من النَّبي ﷺ رغم أنه رآه، والحجة في ذلك أنَّ أبا الطفيل ليس له تحديث عن النَّبي ﷺ من غير واسطة إلا أحاديث تعد، وبعد سبر أحاديثه في دواوين السنة المشهورة، لم أجد منها إلا ستة أحاديث صحيحة ولا تزيد على ذلك، والله أعلم.
وأما الحديث الذي ذكره الإمام الدارقطني فقد أخرجه الإمام أحمد في المسند فقال: "حَدَّثَنَا أَبُو كَامِلٍ مُظَفَّرُ بْنُ مُدْرِكٍ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ: «أَنَّ رَجُلًا مَرَّ عَلَى قَوْمٍ فَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ، فَرَدُّوا عَلَيْهِ السَّلاَمَ فَلَمَّا جَاوَزَهُمْ، قَالَ رَجُلٌ مِنْهُمْ وَاللَّهِ إِنِّي لأُبْغِضُ هَذَا فِي اللَّهِ، فَقَالَ: أَهْلُ الْمَجْلِسِ بِئْسَ وَاللَّهِ مَا قُلْتَ أَمَا وَاللَّهِ لَنُنَبِّئَنَّهُ، قُمْ يَا فُلانُ رَجُلًا مِنْهُمْ فَأَخْبِرْهُ، قَالَ: فَأَدْرَكَهُ رَسُولُهُمْ فَأَخْبَرَهُ بِمَا قَالَ، فَانْصَرَفَ الرَّجُلُ حَتَّى أَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَرَرْتُ بِمَجْلِسٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فِيهِمْ فُلانٌ فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِمْ فَرَدُّوا السَّلاَمَ فَلَمَّا جَاوَزْتُهُمْ، أَدْرَكَنِي رَجُلٌ مِنْهُمْ فَأَخْبَرَنِي أَنَّ فُلانًا قَالَ وَاللَّهِ إِنِّي لأُبْغِضُ هَذَا الرَّجُلَ فِي اللَّهِ فَادْعُهُ فَسَلْهُ عَلَى مَا يُبْغِضُنِي، فَدَعَاهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: فَسَأَلَهُ عَمَّا أَخْبَرَهُ الرَّجُلُ فَاعْتَرَفَ بِذَلِكَ وَقَالَ: قَدْ قُلْتُ لَهُ ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ: رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَلِمَ تُبْغِضُهُ؟، قَالَ: أَنَا جَارُهُ وَأَنَا بِهِ خَابِرٌ وَاللَّهِ مَا رَأَيْتُهُ يُصَلِّي صَلاَةً قَطُّ إِلاَّ هَذِهِ الصَّلاَةَ الْمَكْتُوبَةَ الَّتِي يُصَلِّيهَا الْبَرُّ وَالْفَاجِرُ، قَالَ: الرَّجُلُ سَلْهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلْ رَآنِي قَطُّ أَخَّرْتُهَا عَنْ وَقْتِهَا؟، أَوْ أَسَاتُ الْوُضُوءَ لَهَا؟، أَوْ أَسَاتُ الرُّكُوعَ
وَالسُّجُودَ فِيهَا؟، فَسَأَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ: لاَ » " الحديث بطوله (٣).
_________________
(١) هو عَامِرُ بنُ وَاثِلَةَ اللَّيْثِيُّ الكِنَانِيُّ خَاتَمُ مَنْ رَأَى رَسُوْلَ اللهِ ﷺ فِي الدُّنْيَا، أخرج له الستة، (ت: ١١٠هـ)، رأى النَّبي ﷺ، وهو في حجة الوداع وهو يستلم الركن بمحجنه، ثم يقبل المحجن، روي عن أبي الطفيل، قال: أدركت من حياة رسول الله ﷺ ثمان سنين، سير أعلاء النبلاء (ج٥ / ص ٤٦٦ - ٤٦٧).
(٢) أبو الحسن الدارقطني: العلل (ج٧ / ص٤١ - ٤٢)، سؤال رقم (١١٩٧).
(٣) الإمام أحمد: المسند، (ج٥ / ص٥٠٦)، برقم (٢٣٨٥٤).
[ ١٤٠ ]
وقد أشار الدارقطني أنَّه معلول بعلة عدم سماع أبي الطفيل من النَّبي ﷺ هذا الحديث، ولم يتفرد الدارقطني بهذا الحكم، بل سبقه إليه عبدالله بن الإمام أحمد فقال: " بلغني أنَّ إبراهيم بن سعد حدث بهذا الحديث من حفظه وقال: عن أبي الطفيل حدث به ابنه يعقوب عن أبيه، فلم يذكر أبا الطفيل فأحسبه وهم، والصحيح رواية يعقوب، والله أعلم " (١).
الجنس الخامس: أن يكُون رُوِي بالعنعنة، وسقط منه رجل دلَّ عليه طريق أخرى محفوظة.
وقد أعل الإمام الدارقطني بهذه العلة جملة من الأحاديث، نذكر منها على سبيل المثال:
المثال الأول: قال الإمام البرقاني: " وسئل - الدارقطني -: عن حديث ابن عباس عن عمر - ﵃ -، عن النَّبي - ﷺ - «فِي التَّغْليِظِ فِي الْبُكَاءِ عَلَى الْمَيْتِ» (٢).
فقال - الدارقطني -: هو حديث رواه عمرو بن دينار واختلف عنه، فرواه محمد بن مسلم الطائفي وورقاء بن عمر، عن عمرو بن دينار، عن ابن عباس، عن عمر قصرًا بإسنادهِ؛ لأنَّ عمرو بن دينار لم يسمعه من ابن عباس، وإِنَّما سمعه من ابن أبي مليكة عنه، كذلك رواه سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن ابن أبي مليكة، عن ابن عباس، عن عمر، وكذلك رواه أيوب السختياني، وعبد الملك بن جريج، ونافع بن عمر أبو عامر الخزاز، ورباح بن أبي معروف، وعبد الجبار بن الورد، عن ابن أبي مليكة عن ابن عباس، عن عمر، وهو حديث صحيح من رواية عمرو بن دينار، وأيوب وابن جريج، ونافع بن عمر، عن ابن أبي مليكة.
_________________
(١) المصدر السابق، (ج٥ / ص٥٠٦).
(٢) أخرجاه على الوجه الصحيح: البخاري في الجامع الصحيح (مع الفتح)، كتاب الجنائز، باب قول النَّبي - ﷺ - يُعذب الميت ببعض بكاء أهله، (ج٣ / ص١٨٢)، برقم (١٢٨٦)، ومسلم، في الجامع الصحيح (مع شرح النووي)، كتاب الجنائز، باب الميت يعذب ببكاء أهله عليه، (ج٣/ ص٥٠١)، برقم (٩٢٨) كلاهما من طريق ابن أبي مليكة، عن ابن عباس، عن عمر ﵃.
[ ١٤١ ]
حدثنا أبو بكر يعقوب بن إبراهيم البزاز حدثنا الحسن بن عرفة، ثنا سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن عبدالله بن أبي مليكة، قال: كنَّا في جنازة أم أبان بنت عثمان فبكى النساء، فقال: ابن عمر لا تبكين فإنَّ بكاء الحي على الميت عذاب للميت فقال: ابن عباس سرنا مع أمير المؤمنين عمر بن الخطاب فلمَّا كنَّا بالبيداء إذا نحن نزول، فقال: عمر أذهب فانظر من هؤلاء الركب؟ قال جئت فإذا صهيب مولى ابن جدعان، فقال: مُرْهُ فليلحق بنا، فلمَّا قدمنا المدينة طُعِنَ عمر، فقال: صهيب وأخاه واصاحباه! فقال: عمر مه يا صهيب! إنَّ بكاء الحي على الميت عذاب عليه، فأتيت عائشة فذكرت ذلك لها، فَقَالتْ: رحم الله عمر إنَّما قالَ رسُولُ اللهِ - ﷺ -: «إنَّ الْكَافِرَ يُعَذَّبُ بِبَعْضِ بُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ لَقَدْ قَضَى اللهُ ﷿ أن لاَّ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى» " (١)
قلتُ: ووجه العلة التي أشار إليها الدارقطني واضحة في عدم ثبوت سماع عمرو بن دينار هذا الحديث من ابن عباس، بل ثبت العكس من وجه صحيح، أنَّه سمعه بواسطة ابن أبي مليكة، فصار معلولًا بهذا الجنس الذي ذكره أبو عبدالله الحاكم، وحجة الدارقطني في ذلك، الرواية التي أوردها عن سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن ابن أبي مليكة به.
المثال الثاني: قال الإمام البرقاني: " وسئل - الدارقطني - عن حديث عبدالرحمن بن يعقوب، عن أبي سعيد - ﵁ - قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: «إِنَّ لِبُيُوتِكُمْ عُمَّارًا فَحَرِّجُوا عَلَيْهِنَّ ثَلاَثًا فَإِنْ بَدَا لَكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْهُنَّ شَيْءٌ فَاقْتُلُوهُنَّ» (٢).
_________________
(١) أبو الحسن الدارقطني: العلل، (ج٢/ص٧٧ - ٧٨)، رقم السؤال (١٢٢).
(٢) أخرجه على الوجه المعلول الترمذي: في السنن، كتاب الصيد، باب ما جاء في قتل الحيَّات، (ج٤ / ص٧٧)، برقم (١٤٨٤). ثم قال الإمام الترمذي: " هكذا روى عبيد الله بن عمر هذا الحديث عن صيفي، عن أبي سعيد الخدري وروى مالك بن أنس هذا، عن صيفي، عن أبي السائب مولى هشام بن زهرة، عن أبي سعيد، عن النبي ﷺ وفي الحديث قصة، حدثنا بذلك الأنصاري، حدثنا معن، حدثنا مالك وهذا أصح عن حديث عبيد الله بن عمر. وروى محمد ابن عجلان، عن صيفي نحو رواية مالك "، فأيد بذلك حكم الدارقطني على الحديث.
[ ١٤٢ ]
فقال - الدارقطني -: حدث به عبيد الله بن عمر، واختلف عنه، فرواه: عبدة بن سليمان، عن عبيدالله بن عمر، عن العلاء، عن أبيه، عن أبي سعيد، حدث به الحسن بن سهل الحناط، عن عبدة هكذا.
وخالفه عبدالله بن نمير، فرواه: عن عبيدالله بن عمر، عن صيفي (١)، عن أبي سعيد الخدري، وصيفي لم يسمعه من أبي سعيد.
ورواه ابن عيينة عن ابن عجلان فقال: عن صيفي مولى أبي السائب، عن أبي سعيد، وهو وهم، والصواب ما رواه يحيى بن سعيد القطان، والليث بن سعد، عن ابن عجلان عن صيفي، عن أبي السائب، عن أبي سعيد، وكذلك رواه مالك بن أنس، عن صيفي عن أبي السائب، عن أبي سعيد، وهو الصواب " (٢).
قلتُ: والعلة التي أشار إليها الدارقطني هو الوهم والخطأ الذي وقع فيه عبيدالله بن عمر والحمل فيه عليه كما نبه غير واحد، أنَّه قال: " عن صيفي، عن أبي سعيد "، والصحيح أنَّه رواه بواسطة أبي السائب، عن أبي سعيد، وحجة الدارقطني الرواية التي أوردها عن مالك بن أنس، عن صيفي، عن أبي السائب، عن أبي سعيد، وهي أصح من رواية عبيدالله بن عمر.
المثال الثالث: قال الإمام البرقاني: " وسئل - الدارقطني - عن حديث كميل بن زياد عن أبي هريرة - ﵁ - قَالَ: «كُنْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -، فَقَالَ: يَا أَبَا هُرَيْرَةَ هَلَكَ الْمُكْثِرُونَ إِلاَّ مَنْ قَالَ هَكَذَا وَهَكَذَا وَهَكَذَا ثَلاثَ مَرَّاتٍ حَثَا بِكَفِّهِ عَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ يَسَارِهِ وَبَيْنَ يَدَيْهِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ ثُمَّ مَشَى سَاعَةً فَقَالَ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ أَلا أَدُلُّكَ عَلَى كَنْزٍ مِنْ كُنُوزِ الْجَنَّةِ »، فذكر الحديث، وفيه
_________________
(١) وهو صيفى بن زياد الأنصارى مولاهم، أبو زياد، ويقال أبو سعيد المدنى (ت:؟)، ثقة من الطبقة الرابعة، التي تلى الوسطى من التابعين، أخرج له (مسلم - أبو داود - الترمذي - النسائي) كما في تهذيب التهذيب (ج٤ / ص٣٨٧).
(٢) أبو الحسن الدارقطني: العلل، (ج١١/ ص٢٧٧ - ٢٧٩)، رقم السؤال (٢٢٨٣).
[ ١٤٣ ]
أَتَدْرِي مَا حَقُ اللهِ عَلَى العَبْدِ "الحديث (١)
فقال - الدارقطني -: يرويه أبو إسحاق السبيعي واختلف عنه فرواه إسرائيل، وأبو الأحوص، وعمار بن رزيق، وأبو بكر بن عياش، وأبو أيوب الأفريقي، عن أبي إسحاق، عن كميل، عن أبي هريرة والأول أصح. وروى هذا الحديث عبدالرحمن بن عابس سمعه من كميل بن زياد (٢)، عن أبي هريرة ويشبه أن يكون أبو إسحاق لم يسمعه من كميل، وإنَّما أخذه عن عبدالرحمن بن عابس عنه " (٣).
قلتُ: والعلة التي أشار إليها الدارقطني وهي عدم ثبوت سماع أبي إسحاق وهو السبيعي هذا الحديث من كميل بن زياد مباشرةً، بل أخذه عن عبدالرحمن بن عابس عنه وحجة الدارقطني أنَّ الحديث ثبت من طريق أخرى محفوظة عن عبدالرحمن بن عابس عن كميل بن زياد، وبهذا أعلَّ الحديث.
وقد أعلَّ الإمام الدارقطني بهذه العلة عدة أحاديث أخرى، فمن أراد الرجوع إليها فليرجع من باب الفائدة (٤).
الجنس السَّادس: أن يختلف على رجل بالإسْنَاد وغيره، ويكُون المحفوظ عنه ما قابل الإسناد.
كذا قال أبو عبدالله الحاكم، وهذا كلامٌ غامضٌ إلا أنَّ المثال الذي ضربه أوضح ما قصده في هذه العلة: أنَّ الحديث قد يُروى مرةً بإسنادٍ يُوهِم الاتصال، والصحيح المحفوظ أنَّهُ
_________________
(١) أخرجه على الوجه المعلول الإمام أحمد: في المسند، (ج٢ / ص٤٣٥)، برقم (٨٠٧١)، من طريق أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ كُمَيْلِ بْنِ زِيَادٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ به.
(٢) وهو كُمَيْلِ بْنِ زِيَادٍ بن نهيك بن الهيثم بن سعد بن مالك بن الحارث بن صهبان بن سعد بن مالك بن النخع، (ت: ٨٢هـ)، ثقة أخرج له النَّسائي، تهذيب التهذيب (ج٨ / ص٤٠٢).
(٣) أبو الحسن الدارقطني: العلل، (ج٨/ص٢٨٢ - ٢٨٣)، برقم السؤال (١٥٦٩).
(٤) أبو الحسن الدارقطني: في العلل، أرقام السؤالات:﴾ (١٥٥)، (٢٧٩)، (٣٤٧)، (٤٠٤) (٤٠٧)، (٤٥٦)، (٦٦٢)، (٧٦٦)، (٩٥٨)، (١٠١٢)، (١١٠٥)، (١١١٥)، (١٣٧٣)، (١٩٩٦) ﴿.
[ ١٤٤ ]
منقطعٌ أو معضلٌ أو مرسلٌ، وهو معنى قوله: " ويكُونُ المحفوظ عنه ما قابل الإسناد " أي أنَّ الصحيح المحفوظ عند الثقات غير المسند.
وقد أعل الإمام الدارقطني بهذه العلة بعض الأحاديث، نذكر منها على سبيل المثال:
المثال الأول: قال الإمام البرقاني: " وسئل - الدارقطني - عن حديث أبي بكر بن حزم، عن أبي سعيد - ﵁ -: «سَأَلُوا رسُول اللهِ - ﷺ - فَقَالُوا: إنَّا لَنَجِدُ فِي أَنْفُسِنَا شَيْئًَا لأَنْ يَهْوي أَحَدَنَا مِنَ الرُّبَا أَحَبُ إِلَيهِ أَنْ يَتَكَلَّم بِهِ، فَقَالَ: رسُول اللهِ ﷺ: وَذَلِكَ مَحْضُ الإِيمَانِ» (١).
فقال - الدارقطني -: يرويه الزهري، واختلف عنه، فرواه إبراهيم بن سعد عن الزهري، عن يحيى بن عمارة المازني أنَّه بلغه عن النبي ﷺ، ورواه عنه جماعة من أصحابه.
ورواه أبو داود الطيالسي، عن إبراهيم بن سعد، فزاد فيه رجلا وجعله مسندًا، فقال عن الزهري، عن يحيى بن عمارة بن أبي حسن، عن عمه، عن النَّبي ﷺ وعمه عمرو بن أبي حسن وله صحبة " (٢).
قلتُ: والعلة التي أشار إليها الدارقطني أنَّ الحديث اختلف فيه عن الزهري، فرواه عنه إبراهيم بن سعد، عن الزهري، عن يحيى بن عمارة المازني أنَّه بلغه عن النَّبي ﷺ، أي أنَّه غير متصل، وتابعه على هذا الوجه جماعة من أصحاب الزهري، ثم رواه أبو داود الطيالسي عن إبراهيم بن سعد فزاد فيه رجلًا وجعله مسندًا، والمحفوظ خلاف ذلك، وهذا ما رجَّحه الدارقطني لهذا السبب.
_________________
(١) أخرجه من وجه آخر مجمل مسلم: في الجامع الصحيح (مع شرح النووي)،كتاب الإيمان، باب بيان الوسوسة في الإيمان، (ج١/ص٤٣٠)، برقم (١٣٣)، من حديث ابن مسعود ﵁.
(٢) أبو الحسن الدارقطني: العلل، (ج١١/ ص٣٥٢ - ٣٥٣)، برقم السؤال (٢٣٣٥).
[ ١٤٥ ]
المثال الثاني: قال الإمام البرقاني: " وسئل - الدارقطني - عن حديث زيد بن أسلم عن أبيه، عن عمر - ﵁ - «أَنَّ النَّبِي - ﷺ - كَنَّى الْمُغِيرَةَ أَبَا عِيسَى» (١).
فقال - الدارقطني -: يرويه خالد بن الحارث عن حبيب بن الشهيد عن زيد بن أسلم عن أبيه عن عمر مسندًا، وخالفه حماد بن سلمة وغيره فرووه عن زيد بن أسلم مرسلًا عن عمر والأشبه قول من أرسله (٢).
قلتُ: والعلة التي أشار إليها الدارقطني أنَّ الحديث اختلف فيه عن زيد بن أسلم فرواه حبيب بن الشهيد مسندًا، وخالفه حماد بن سلمة فرواه مرسلًا، وتابعه جماعة على المرسل، فرجَّح الدارقطني أنَّ المحفوظ هو المرسل (أي غير المسند).
المثال الثالث: قال الإمام البرقاني: " وسئل - الدارقطني - عن حديث عبيدة عن علي - ﵁ - قال: كنت عند النَّبيِّ - ﷺ - إذ جيء بهذا الغلام يعني ابن الزبير إلى أبيه وهو عند النَّبيِّ - ﷺ - وفيه: عن النَّبيِّ صَلَّى - ﷺ -: «مَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ المِسْلِمِينَ يَمُوتُ بَيْنَهُمَا ثَلاثَةٌ مِنَ الوَلَدِ لَمْ يَبْلُغُوا الْحِنْثَ » الحديث (٣).
_________________
(١) أخرجه على الوجه المعلول ابن أبي عاصم: عمرو بن أبي عاصم الضحاك بن مخلد الشيباني، (ت: ٢٨٧هـ)، في الآحاد والمثاني، طبعة دار الكتب العلمية، بيروت، تحقيق: يحيى مراد، سنة ٢٠٠٣م (ج٢ / ص٣٣٨)، برقم (٦٩٨)، من طريق حبيب بن الشهيد، عن زيد بن أسلم، عن أبيه قال: دعا عمر ﵁، نحوه.
(٢) أبو الحسن الدارقطني: العلل، (ج٢/ص١٤٤)، برقم السؤال (١٦٩).
(٣) أخرجاه على الوجه الصحيح: البخاري في الجامع الصحيح (مع الفتح)، كتاب الجنائز، باب فضل من مات له ولد فاحتسب، (ج٣ / ص١٣٨)، برقم (١٢٤٨)، ومسلم، في الجامع الصحيح (مع شرح النووي)، كتاب البر والصلة والآداب، باب فضل من يموت له ولد فيحتسبه، (ج٨ / ص٤٣٠)، برقم (٢٦٣٥)، بألفاظ مختلفة، ليس فيها قصة ابن الزبير.
[ ١٤٦ ]
فقال - الدارقطني -: رواه هشام بن حسان، عن ابن سيرين، عن عبيدة، عن علي تفرد به إسحاق بن الضيف (١)، عن أبي عاصم، عن هشام متصلًا مسندًا، وأرسله غيره عن هشام، ورواه يونس بن عبيد من رواية عبدالحكيم بن منصور عنه، عن ابن سيرين، عن عبيدة، عن ابن الزبير، عن النَّبي - ﷺ -، والمرسل هو الصحيح " (٢).
قلتُ: والعلة التي أشار إليها الدارقطني أنَّ الحديث اختلف فيه عن هشام بن حسان، أسنده إسحاق بن الضيف فأخطأ، والصحيح أنّهُ مرسل.
والفرق بين هذا الجنس وبين الجنس الثاني هو أنَّه أخص منهُ، فإنَّك ترى الجنس الثاني خاص بالمرسل الصحيح، والجنس السادس أعم، فيخص كل انقطاع في الإسناد، سواء كان بالإعضال أو مجرد انقطاع أو إرسال أو بلاغ أو غير ذلك.
الجنس السَّابع: الاختلاف على رجل في تسمية شيخه، أو تجهيله.
وهذا النوع عبارة عن قسمين:
القسم الأول: الاختلاف على رجل في تسمية شيخه: وهذه العلة تنشأ عن خطأ الراوي في تسمية شيخه، وهي كثيرة في كتب العلل، ولا سيما في كتاب العلل للدارقطني، والأمثلة الآتية نصوص من الإجابات سوف توضح نوع هذا القسم:
المثال الأول: قال الإمام الدارقطني: " قال ابن بكير: ابن أبي أويس، قال أبو بكر: أخطأ أبو صالح في قوله: ابن أبي أنس، وإنَّما هو ابن أبي أويس، واسمه نافع، عم مالك ابن أنس " (٣).
_________________
(١) وهو إسحاق بن الضيف، ويقال إسحاق بن إبراهيم بن الضيف الباهلي، أبو يعقوب العسكري، البصري (نزيل مصر) (ت:؟)، صدوق من الطبقة: الحادية عشر، من أوساط الآخذين عن تبع الأتباع روى له: أبو داود، تهذيب التهذيب (ج١/ص ٢٠٨).
(٢) أبو الحسن الدارقطني: العلل، (ج٤ /ص٣٤ - ٣٥)، برقم السؤال (٤٢٠).
(٣) أبو الحسن الدارقطني: العلل، (ج١٠ /ص٧٩)، برقم السؤال (٣٥٢).
[ ١٤٧ ]
المثال الثاني: قال الإمام الدارقطني: " وقال معمر: عن الزهري، عن عطاء بن يزيد عن أبي سعيد الخدري، وقال ابن عيينة، عن الزهري، عن عبيدالله بن عبدالله، عن أبي سعيد، عن النبي ﷺ.
وقيل لسفيان: إنَّ معمرًا يقوله عن عطاء بن يزيد، فقال: أخطأ معمر، قال: ذلك الحميدي عن ابن عيينة.
ورواه عباس البحراني، عن ابن عيينة، عن الزهري، عن عطاء بن يزيد، عن أبي سعيد، وهذا خطأ من عباس " (١).
المثال الثالث: قال الإمام الدارقطني: " واختلف عن هشام فقيل عنه، عن أبي معاوية عن زكريا بن أبي زائدة، عن الشعبي، عن مسروق، عن أبي بكر، وذكر الشعبي وهم، وإنمَّا هو أبو إسحاق السبيعي، وأما رواية أبي أسامة، عن زكريا ورواية أشعث بن عبدالله عن زكريا فإنهما اتفقا على زكريا، عن أبي إسحاق، عن مسروق بن الأجدع، عن أبي بكر قال ذلك إبراهيم بن سعيد الجوهري، عن أبي أسامة، عن زكريا " (٢).
المثال الرابع: قال الإمام الدارقطني: " وخالفه سفيان بن عيينة فرواه عن محمد بن المنكدر، عن سعيد بن عبدالرحمن بن يربوع، عن جبير بن الحويرث، عن أبي بكر. وقول ابن عيينة أصح على أنَّه قد وهم في قوله سعيد بن عبدالرحمن بن يربوع، وإنما هو عبدالرحمن بن سعيد بن يربوع (٣) " (٤).
_________________
(١) المصدر السابق، (ج١١ /ص٢٨٤ - ٢٨٥)، برقم السؤال (٢٢٨٦).
(٢) أبو الحسن الدارقطني: العلل، (ج١ /ص١٩٨)، برقم السؤال (١٧).
(٣) وهو عبدالرحمن بن سعيد بن يربوع بن عنكثة القرشي المخزومي، أبو محمد المدني (أبوه من مسلمة الفتح)، (ت:؟)، ثقة من الطبقة الثالثة، من الوسطى من التابعين، أخرج له أبو داود، تهذيب التهذيب (ج١٢/ ص٢٧٠).
(٤) أبو الحسن الدارقطني: العلل، (ج١ /ص٢٧٣)، برقم السؤال (٦٤).
[ ١٤٨ ]
المثال الخامس: قال الإمام البرقاني: " وسئل - الدارقطني - عن حديث ابن عباس عن عمر في المتظاهرين، فقال - الدارقطني -: حدَّث به مرزوق بن أبي الهذيل، عن الزهري فقال: عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، عن ابن عباس، عن عمر، ووهم في نسبه، وإنما هو عبيدالله بن عبدالله بن أبي ثور، كذلك رواه الحفاظ عن الزهري ولهذا الحديث طرق كثيرة عن ابن عباس، عن عمر صحاح " (١).
قلتُ: وهذا القسم عِلَّته واضحة، وقد وقع في هذه الأخطاء أجِلَّةٌ كبارٌ من الحفاظ والأئمة، ولا ضير فإنَّ جميع البشر بحكم بشريتهم يقع منهم الوهم والخطأ والنسيان، ولكن متى نُضَعِّفُ الضعيف، ونُثْبِت ثقة الثقة؟، لا يكون ذلك إلا بالقرائن والأدلة، ومدى كثرة وقلة المخالفة أو الخطأ أو الوهم أو التفرد عند الراوي، وهذا هو المعيار الذي يدل على ضعف الراوي وعدم حفظه من ثباته وحفظه.
القسم الثاني: الاختلاف على رجل في تجهيله:
الاختلاف على رجل في تجهيله: وهذه العلة تنشأ عن رواية الحديث من طريق ثابت وفيه رجل مبهم لم يُسَمَّ، ثم يُروى من طريق أخرى فيسمَّى الرجل، وقد أعلَّ الإمام الدارقطني بهذه العلة جملة من الأحاديث نذكر بعضها:
المثال الأول: قال الإمام البرقاني: " وسئل - الدارقطني - عن حديث حذيفة بن اليمان، عن أبي بكر - ﵁ -، عن النَّبي - ﷺ - قال: «الشِّرْكُ فِيكُمْ أَخْفَى مِنْ دَبِيبِ النَّمْلِ » الحديث (٢).
فقال - الدارقطني -: هو حديث يرويه ليث بن أبي سليم، واختلف عنه فيه، فرواه ابن جريح، عن ليث بن أبي سليم، عن أبي محمد شيخ له، عن حذيفة بن اليمان، عن أبي بكر
_________________
(١) المصدر السابق، (ج٢ /ص٨٣)، برقم السؤال (١٢٦).
(٢) أخرجه الإمام أحمد: في المسند، (ج٤ / ص٤٠٣)، برقم (١٩٦٢٢)، من طريق عبدالله بن نمير، ثنا عبدالملك يعنى ابن أبي سليمان العزرمي، عن أبي علي رجل من بنى كاهل، قال خطبنا أبو موسى الأشعري، وهو حديث ضعيف، فيه أبو علي الكاهلي مجهول.
[ ١٤٩ ]
الصديق، خالفه عبد العزيز بن مسلم القسملي، فرواه عن ليث بن أبي سليم، عن أبي محمد، عن معقل بن يسار، عن أبي بكر. وقال عبدالرحمن بن سليمان بن أبي الجون، عن ليث بن أبي سليم، عن عثمان بن رفيع، عن معقل بن يسار، عن أبي بكر. وقال أبو إسحاق الفزاري وأبو جعفر الرازي، عن ليث، عن رجل غير مسمَّى، عن معقل، عن أبي بكر. وقال جرير بن عبدالحميد، عن ليث، عن من حدثه، عن معقل ابن يسار عن أبي بكر. وقيل عنه عن ليث، عن شيخ من غنزة، عن معقل، عن أبي بكر. وقال عبدالوارث بن سعيد، عن ليث، قال: حدثني صاحب لي عن معقل، عن أبي بكر وروى هذا الحديث شيبان بن فروخ، عن يحيى بن كثير أبي النضر، عن سفيان الثوري، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس، عن أبي بكر الصديق - ﵁ -، عن النَّبي - ﷺ - ولا يصح عن إسماعيل ولا عن الثوري، ويحيى بن كثير هذا متروك الحديث " (١).
المثال الثاني: قال الإمام البرقاني: " وسئل - الدارقطني - عن حديث قبيصة بن ذؤيب، عن أبي بكر الصديق - ﵁ - قوله للجدة: «مَا لَكِ فِي كِتَابِ اللَّهِ شَيْءٌ، وَسَأَسْألُ النَّاسَ فَقَامَ الْمُغِيرَةُ، وَمُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ » الحديث (٢).
فقال - الدارقطني -: يرويه الزهري واختلف عنه في إسناده: فقال مالك بن أنس عن الزهري، عن عثمان بن إسحاق بن خرشة (٣)، عن قبيصة بن ذؤيب وتابعه أبو أويس عن
_________________
(١) أبو الحسن الدارقطني: العلل، (ج١ /ص٢٧٣)، برقم السؤال (١٥).
(٢) أخرجه الترمذي: في السنن، كتاب الفرائض، باب ماجاء من ميراث الجدة، (ج٤ / ص٤٢٠)، برقم (٢١٠١)، وأبو داود: في السنن، كتاب الفرائض، باب في الجدة، (ج٢ / ص١٣٦)، برقم (٢٨٩٤)، وابن ماجة: في السنن، كتاب الفرائض، باب ميراث الجدة، (ج٢ / ص٩٠٩)، برقم (٢٧٢٤)، ثلاثتهم من طريق مالك بن أنس، عن ابن شهاب، عن عثمان بن إسحاق بن خرشة، عن قبيصة بن ذؤيب به، وهو ضعيف معلول بهذه العلة.
(٣) وهو عثمان بن إسحاق بن خرشة القرشي العامري المدني، وقيل عثمان بن إسحاق بن عبدالله ابن أبى خرشة، (ت:؟)، وثقه ابن معين وابن حبان، من الطبقة الخامسة من صغار التابعين، أخرج له الأربعة في السنن هذا الحديث فقط، تهذيب التهذيب (ج٧ /ص٩٧).
[ ١٥٠ ]
الزهري، وقال ابن عيينة عن الزهري عن رجل لم يسمِّه، عن قبيصة بن ذؤيب، فقوي هذا القول مالك وأبو أويس، ورواه يونس بن زيد وعقيل بن خالد، ومعمر والأوزاعي وأسامة بن زيد الأشعث، وإبراهيم بن إسماعيل بن مجمع، وشعيب بن أبي حمزة، وصالح بن كيسان، ويزيد بن أبي حبيب، عن الزهري، عن قبيصة بن ذؤيب، لم يذكروا بينهما أحدًا، ويشبه أن يكون الصواب ما قاله مالك وأبو أويس، وأنَّ الزهري لم يسمعه من قبيصة وإنَّما أخذه عن عثمان بن إسحاق بن خرشة عنه " (١).
قلتُ: والعلة التي أشار إليها الدارقطني هنا هي: اضطراب ابن شهاب الزهري في الحديث، فإنّه مرةً يسمي عثمان بن إسحاق بن خرشة، ومرة يرويه عن رجل، ومرة يرويه عن قبيصة بن ذؤيب، ثم رجح الدارقطني رواية مالك وأبي أويس، وأنَّ الزهري لم يسمعه من قبيصة وإنَّما أخذه عن عثمان بن إسحاق بن خرشة عنه، والله أعلم.
المثال الثالث: قال الإمام البرقاني: " وسئل - الدارقطني - عن حديث رُوِيَ عن ابن عثمان، عن عثمان - ﵁ -، عن النَّبي - ﷺ - أنَّه قَالَ: «مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَخْرُجُ مِنْ بَيْتِهِ يُرِيدُ سَفَرًا أَوْ غَيْرَهُ، فَقَالَ حِينَ يَخْرُجُ بِسْمِ اللَّهِ آمَنْتُ بِاللَّهِ اعْتَصَمْتُ بِاللَّهِ تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ لاَ حَوْلَ وَلاَ قُوَّةَ إِلاَّ بِاللَّهِ إِلاَّ رُزِقَ خَيْرَ ذَلِكَ الْمَخْرَجِ وَصُرِفَ عَنْهُ شَرَّ ذَلِكَ الْمَخْرَجِ» (٢).
فقال - الدارقطني -: يرويه أبو جعفر الرازي، عن عبدالعزيز بن عمر، عن صالح بن كيسان، عن بن عثمان، عن عثمان، قاله بقية، عن أبي جعفر، وخالفه أبو النضر هاشم ابن القاسم، فرواه عن أبي جعفر، عن عبدالعزيز بن عمر، عن صالح بن كيسان عن رجل، عن عثمان، وتابعه على ذلك خلف بن الوليد، عن أبي جعفر الرازي، ويشبه أن يكون هذا أصح " (٣).
_________________
(١) أبو الحسن الدارقطني: العلل، (ج١ /ص٢٤٩)، برقم السؤال (٤٦).
(٢) أخرجه الإمام أحمد: في المسند، (ج١ / ص٦٥)، برقم (٤٧١)، من طريق أبو جعفر الرازي عن عبدالعزيز بن عمر، عن صالح بن كيسان، عن رجل، عن عثمان بن عفان به، وهو ضعيف معلول
(٣) أبو الحسن الدارقطني: العلل، (ج٣/ص٦٥ - ٦٦)، برقم السؤال (٢٨٨).
[ ١٥١ ]
قلتُ: والعلة التي أشار إليها الإمام الدارقطني هنا أنَّ الحديث رُوِيَ من طريق عن صالح ابن كيسان، عن ابن عثمان، عن عثمان بن عفان، ثم ثبت من طريق أخرى عن صالح ابن كيسان، عن رجل، عن عثمان، وتابعه على ذلك خلف بن الوليد، عن أبي جعفر الرازي، ثم رجح الدارقطني الطريق الثاني، وقد أعلَّ الدارقطني بهذه العلة أحاديث أخرى كثيرة، أحببت أن أشير إلى أرقام سؤالاتها لزيادة النفع بها (١).
الجنس الثَّامن: أن يكُون الرَّاوي عن شخص أدركهُ وسَمعَ منهُ، لكنَّه لم يسمع منهُ أحاديث مُعينة، فإذا رواها عنه بلا واسطة فعِلَّتها أنَّه لم يسمعها منه.
وهذه العلة تدخل في معنى التدليس إلا أنها أدق منه، وقد سمّاها الحافظ ابن حجر بالمرسل الخفي، وهي رواية معاصر لم يلق، أو أنها نوع خفي من أنواع التدليس، ولقد حصر الدارقطني جملة من أحاديث قوم لم يسمعوها من شيوخهم، ولقد أعلَّ الإمام الدارقطني بهذه العلة أحاديث قليلة، وسوف نضرب هنا بعض الأمثلة منها:
المثال الأول: قال الإمام الدارقطني: " وحدثنا النيسابوري، ثنا أبو الأزهر، قال: ثنا يعقوب بن إبراهيم، ثنا أبي، وثنا أحمد بن عيسى بن السكين، ثنا عبدالله بن سعد قال: ثنا عمر، ثنا أبي، عن محمد بن إسحاق (٢)، قال: ذكر محمد بن مسلم بن شهاب، قال: حدثني ابن
_________________
(١) المصدر السابق، أرقام السؤالات﴾ (٢٤٧)، (٢٤٨)، (٢٥١)، (٢٧٥)، (٢٩٥)، (٣١٣) (٣٢١)، (٣٤٧)، (٣٥٧)، (٣٨٦)، (٣٩٤)، (٤٠١)، (٤٢٥)، (٤٣٠)، (٤٤٢) (٥١٦)، (٥٢١)، (٥٢٢)، (٥٨١)، (٥٩١)، (٦٦١)، (٦٦٢)، (٧١٧)، (٧٢٦)، (٧٥٨)، (٨٠٢)، (٨١٣)، (٨٧٦)، (٨٨١)، (٨٩٧)، (٩٣٠)، (٩٤٨)، (٩٥٨)، (١٠٠٢)، (١٠٠٤)، (١٠١٤)، (١٠٢٤)، (١٠٢٧)، (١٠٣٣)، (١٠٨٠)، (١٠٨١)، (١٠٩٨)، (١١٠٠)، (١١٠٣)، (١١١٣)، (١١١٧)، (١١٢٤)، (١١٦٠)، (١٢٠٥) ﴿.
(٢) هو محمد بن إسحاق بن يسار المدني، أبو بكر ويقال أبو عبدالله، القرشي المطلبي مولاهم (نزيل العراق، إمام المغازي)، (ت: ١٥٠هـ)، صدوق يُدلس من الطبقة الخامسة، من صغار التابعين، أخرج له الستة، ما عدا البخاري فقد أخرج له تعليقًا، تهذيب التهذيب (ج٩/ص٣٤)
[ ١٥٢ ]
أبي أنس، أنَّه سمع أبا هريرة - ﵁ - يقول: قال رسول الله - ﷺ -: «إِذَا دَخَلَ رَمَضَانُ فُتِّحَتْ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ جَهَنَّمَ وَسُلْسِلَتِ الشَّيَاطِينُ» (١).
وفي حديث حجاج عن ابن أبي أنس، قال النيسابوري: أصحاب الحديث يقولون: ابن إسحاق لم يسمع هذا الحديث من الزهري " (٢).
قلتُ: ومحمد بن إسحاق وهو ابن يسار صاحب السير، سمع من شيخه الزهري أحاديث كثيرة، ولكن لم يسمع هذا الحديث من الزهري، وحجة الدارقطني في ذلك النقل عن أصحاب الحديث كما تقدم، وكون أنَّ ابن إسحاق مدلس، ولم يصرح بالسماع من ابن شهاب الزهري، والله أعلم.
المثال الثاني: قال الإمام الدارقطني: " أخبرنا علي بن الفضل، أخبرنا أبو يحيى البلخي عبدالصمد بن الفضل، أن شداد بن حكيم حدثهم عن زفر بن الهذيل، عن يحيى بن سعيد، عن الزهري، عن عبد الله والحسن ابني محمد بن علي، عن أبيهما محمد بن علي عن علي - ﵁ -، قال: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - عَنْ مُتْعَةِ النِّسَاءِ يَوْمَ خَيْبَرَ» (٣). قال الشيخ - الدارقطني -: كذا قال
_________________
(١) أخرجه البخاري من وجه آخر صحيح: في الجامع الصحيح (مع الفتح)، كتاب بدء الخلق، باب صفة إبليس وجنوده (ج٦/ ص٣٧٨)، برقم (٣٢٧٧)، ومسلم، في الجامع الصحيح (مع شرح النووي)، كتاب الصيام، باب فضل شهر رمضان، (ج٤ / ص٢٠٠)، برقم (١٠٧٩)، من طريق عُقَيْل بن خالد الأيلي عند البخاري، ويُونُس بن يزيد الأيلي عند مسلم، كلاهما عن ابن شهاب عن ابن أبي أنس أن أباه حدثه أنه سمع أبا هريرة ﵃ به.
(٢) أبو الحسن الدارقطني: العلل، (ج١٠/ ص٨٢)، برقم السؤال (١٨٨١).
(٣) أخرجاه من وجه آخر صحيح: البخاري في الجامع الصحيح (مع الفتح)، كتاب المغازي، باب غزوة خيبر، (ج٩ / ص٧٤٦)، برقم (٥٥٢٣)، ومسلم، في الجامع الصحيح (مع شرح النووي)، كتاب النكاح، باب نكاح المتعة، (ج٥ / ص١٩٨)، برقم (١٤٠٧)، من طريق يَحْيَى ابْنُ قَزَعَةَ عند البخاري، ويَحْيَى بْنُ يَحْيَى التميمي الحنظلي عند مسلم، كلاهما عن ابن شهاب، عن عبدالله والحسن ابني محمد بن علي، عن أبيهما، عن علي بن أبي طالب به.
[ ١٥٣ ]
عن يحيى بن سعيد عن الزهري، ويحيى لم يسمع هذا من الزهري، إنَّما سمعه من مالك بن أنس، عن الزهري، قال ذلك عبدالوهاب الثقفي، وإسماعيل بن عياش، وحماد بن زيد " (١).
قلتُ: ويحيى بن سعيد وهو ابن قيس الأنصاري (٢)، سمع من شيخه الزهري، إلا أنَّه لم يسمع هذا الحديث بعينه من الزهري، ورجح الدارقطني ذلك لقول جمع من أهل
الحديث، وذلك لثبوت سماعه هذا الحديث من مالك بن أنس عن الزهري، كما أخرجه الإمام النَّسائي في السنن فقال: " أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى قَالُوا أَنْبَأَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ قَالَ سَمِعْتُ يَحْيَى بْنَ سَعِيدٍ يَقُولُ أَخْبَرَنِي مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ أَنَّ ابْنَ شِهَابٍ أَخْبَرَهُ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ وَالْحَسَنَ ابْنَيْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ أَخْبَرَاهُ أَنَّ أَبَاهُمَا مُحَمَّدَ ابْنَ عَلِيٍّ أَخْبَرَهُمَا أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ - ﵁ - قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - يَوْمَ خَيْبَرَ عَنْ مُتْعَةِ النِّسَاءِ»، قَالَ ابْنُ الْمُثَنَّى يَوْمَ حُنَيْنٍ وَقَالَ هَكَذَا حَدَّثَنَا عَبْدُالْوَهَّابِ مِنْ كِتَابِهِ " (٣) وهذا دليلٌ على أنَّ كلام أهل الحديث لا يكون بمجرد التخرص بل بالأدلة الثابتة التي لهم فيها عند الله برهان.
الجنس التاسع: أن يُروى الحديث بطريقة معروفة مشهورة، ثم يَروي أحد رجالها حديثًا من غير تلك الطريق، فيقع من رواه في الوهم ظنًا منه أنَّها الطريقة المشهورة.
وأصل هذه العلة: أن يكون هناك إسناد معروف مشهور، لا يختلف الرواة الثقات في هذا الإسناد، ثم يأتي راوٍ فيروي حديثًا ما بالإسناد المشهور وهمًا منه أنّه هو الإسناد لهذا الحديث، وليس كذلك بل يكون لهذا الحديث إسناد خاص به مخالف للمشهور أو طريق
_________________
(١) أبو الحسن الدارقطني: العلل، (ج٤/ص١١٧)، برقم السؤال (٤٥٨).
(٢) هو يحيى بن سعيد بن قيس بن عمرو بن سهل بن ثعلبة بن الحارث بن زيد بن ثعلبة بن غنم بن مالك بن النجار، ويقال يحيى بن سعيد بن قيس بن فَهد ولا يصح، أبو سعيد المدني القاضي الأنصاري النجاري (ت: ١٤٤هـ)، ثقة ثبت أخرج له الستة، من الطبقة الخامسة من صغار التابعين تهذيب التهذيب (ج١١/ص١٩٤).
(٣) النَّسائي: السنن، كتاب النكاح، باب تحريم المتعة، (ج٦/ص٤٣٦)، برقم (٣٣٦٧).
[ ١٥٤ ]
الجادة أو طريق المجرة، كما يطلق أهل الحديث على الطرق المشهورة للأحاديث، وهو معنى قول الحاكم: " فيقع من رواه من تلك الطريق بناءً على الجادة في الوهم"، ولقد أعلَّ الإمام الدارقطني بهذه العلة بعض الأحاديث نذكر منها على سبيل المثال:
المثال الأول: لما سُئل الإمام الدارقطني عن حديث سعيد المقبري عن أبي هريرة عن رسُول الله - ﷺ -: «لاَ تُسَافِرْ الْمَرْأَةُ إِلاَّ مَعَ ذِي مَحْرَمٍ» (١).
فقال - الدارقطني -: "وأما مالك فرواه أصحاب الموطأ عنه عن سعيد المقبري عن أبي هريرة منهم: القعنبي، وابن وهب، وأبو مصعب، والشافعي، ومعن وابن المبارك.
وخالفهم عبدالله بن نافع الصائغ، وبشر بن عمر الزهراني، وإسحاق الفزاري رووه عن مالك، عن سعيد المقبري، عن أبيه، عن أبي هريرة
ورواه سُهيل بن أبي صالح (٢)، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة - ﵁ -، قال فيه: «لاَ تُسَافِرْ الْمَرْأَةُ بَرِيدًا»، ورواه سُهيل بإسناد آخر أيضًا، عن أبيه، عن أبي هريرة - ﵁ -: «لاَ تُسَافِرْ الْمَرْأَةُ بَرِيدًا»، فقد وهم على سُهيل؛ لأنَّ المحفوظ عن أبي صالح عن أبي هريرة - ﵁ -: «لاَ تُسَافِرْ الْمَرْأَةُ ثَلاَثًَا» " (٣).
قلتُ: والعلة التي أشار إليها الإمام الدارقطني هنا، ما وقع فيه سُهيل بن أبي صالح من الوهم في إتخاذ الطريق المشهورة (الجادة) على أنها إسناد الحديث، وليس كذلك بل الصحيح
_________________
(١) أخرجاه على الوجه الصحيح: البخاري في الجامع الصحيح (مع الفتح)، كتاب الجمعة، باب في كم يقصر الصلاة، (ج٢/ص٦٥٠)، برقم (١٠٨٦)، ومسلم، في الجامع الصحيح (مع شرح النووي)، كتاب الحج باب سفر المرأة مع محرم إلى حج وغيره، (ج٥/ ص١١٢)، برقم (١٣٣٨).
(٢) سُهيل بن أبى صالح: ذكوان السمان، أبو يزيد المدنى، مولى جويرية بنت الأحمس، (ت: فى خلافة المنصور)، صدوق تغير حفظه بآخرة، من الطبقة السادسة: من الذين عاصروا صغار التابعين، أخرج له الستة، تهذيب التهذيب (ج٤ / ص٢٣١).
(٣) أبو الحسن الدارقطني: العلل، (ج١٠ /ص ٣٣٤ - ٣٣٧)، برقم السؤال (٢٠٤٢).
[ ١٥٥ ]
عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة، وحجة الدارقطني في ذلك أنَّ الحديث رواه الثقات من أصحاب الإمام مالك وغيرهم: عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة، ثم ذكر الدارقطني أنَّ سبب وقوع سُهيل في هذا أنَّ المعروف من الإسناد المحفوظ عنده عن أبي صالح، عن أبي هريرة، فأوهم أنه إسناد الحديث، والله الهادي إلى سواء السبيل.
المثال الثاني: ولما سُئل الإمام الدارقطني عن حديث عكرمة، عن أبي هريرة - ﵁ -، عن النَّبي - ﷺ -: «أَنَّهُ قَالَ لِعَمَّارٍ: تَقْتُلُكَ الْفِئَةُ الْبَاغِيَةُ» (١).
فقال - الدارقطني -:"وهم فيه بعض الرواة، والصحيح عن شعبة، وعن غيره، عن خالد الحذاء، عن عكرمة، عن أبي سعيد الخدري، وهو المحفوظ عن غندر، وعن غيره (٢).
قلتُ: والعلة التى أشار إليها الإمام الدارقطني هنا هي: وهم بعض الرواة في جعل إسناد الحديث الطريق المشهورة (الجادة) عكرمة عن أبي هريرة، بدلًا من الإسناد الصحيح: خالد الحذاء، عن عكرمة، عن أبي سعيد الخدري، وحجة الدارقطني في ذلك أنَّ عكرمة وهو مولى ابن عباس (٣)، يروي كثيرًا عن أبي هريرة بخلاف روايته عن أبي سعيد الخدري - واسمه سعد بن مالك بن سنان - فإنها تعد قليلة، فوقع الوهم من بعض الرواة بسبب معرفتهم كثرة رواية عكرمة عن أبي هريرة الطريق المشهورة.
_________________
(١) أخرجاه على الوجه الصحيح: البخاري في الجامع الصحيح (مع الفتح)، كتاب الصلاة، بَاب التَّعَاوُنِ فِي بِنَاءِ الْمَسْجِدِ، (ج١/ص٦٣٣)، برقم (٤٤٧)، ومسلم، في الجامع الصحيح (مع شرح النووي)، كتاب الفتن وأشراط الساعة، بَاب لا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَمُرَّ الرَّجُلُ بِقَبْرِ الرَّجُلِ فَيَتَمَنَّى أَنْ يَكُونَ مَكَانَ الْمَيِّتِ مِنَ الْبَلاءِ، (ج٩/ ص٢٦٦)، برقم (٢٩١٦)، وغيرهما.
(٢) أبو الحسن الدارقطني: العلل، (ج١١/ص١٢٧)، برقم السؤال (٢١٦٧).
(٣) عكرمة القرشي الهاشمي، أبو عبد الله المدني، مولى عبدالله بن عباس (أصله من البربر من أهل المغرب)، (ت: ١٠٤هـ)، ثقة ثبت عالم بالتفسير، من الطبقة الثالثة، الوسطى من التابعين، أخرج له البخاري والأربعة في السنن، وغيرهم، تهذيب التهذيب (ج٧/ص٢٣٤).
[ ١٥٦ ]
الجنس العاشر: أن يُروى الحديث مرفوعًا من وجه، وموقوفًا من وجه.
وأصل هذه العلة أن: يَروي راوٍ الحديث مسندًا موصولًا، ثم يخالفه غيره فيرويه موقوفًا على الصحابي ويكون هو الراجح بين المرويَّات لهذا الحديث، ويسمى عند أهل الحديث مُعلٌّ بالوقف، وقد أعلَّ الإمام الدارقطني بهذه العلة أحاديث كثيرة منها:
المثال الأول: قال الإمام البرقاني: " وسئل - الدارقطني- عن حديث سلمان الأغر عن أبي سعيد، وأبي هريرة - ﵁ -، عن النبي - ﷺ -: «إِذَا قَالَ الْعَبْدُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَاللَّهُ أَكْبَرُ قَالَ يَقُولُ اللَّهُ ﷿ صَدَقَ عَبْدِي، لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنَا وَأَنَا أَكْبَرُ، وَإِذَا قَالَ الْعَبْدُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَحْدَهُ قَالَ صَدَقَ عَبْدِي » (١) الحديث.
فقال - الدارقطني -: يرويه أبو إسحاق السبيعي، واختلف عنه، فرواه زيد بن أبي أنيسة، عن أبي إسحاق، عن الأغر مسندًا، وكذلك قال أبو قتيبة والنضر بن شميل: عن شعبة، عن أبي إسحاق مرفوعًا، وروى سعد بن شعبة، عن أبيه بعض هذا الحديث مرفوعًا لم يذكره بتمامه.
ورواه معاذ بن معاذ (٢) عن شعبة موقوفًا، وهو المحفوظ. ورواه عبد الجبار بن العباس وإسحاق بن عبد الله المخولي عن أبي إسحاق مرفوعًا، والموقوف هو الأشبه " (٣).
_________________
(١) أخرجه على الوجه المعلول ابن ماجة: في السنن، كتاب الأدب، باب فضل لا إله إلا الله، (ج٢ / ص١٢٤٦)، برقم (٣٧٩٤)، من طريق أبي إسحاق، عن الأغر أبي مسلم أنه شهد على أبي هريرة وأبي سعيد به، مسندًا موصولًا.
(٢) معاذ بن معاذ بن نصر بن حسان التميمي العنبري، أبو المثنى البصري القاضي (ت: ١٩٦هـ)، ثقة متقن من الطبقة التاسعة، من صغار أتباع التابعين، أخرج له الستة، قال يحي بن سعيد القطان: " كان شعبة يحلف لا يحدث فيستثنيهما، وقال أيضًا سمعت يحيى يقول: ما بالبصرة ولا بالكوفة ولا بالحجاز أثبت من معاذ بن معاذ "، تهذيب التهذيب (ج١٠ / ص١٧٥ - ١٧٦).
(٣) أبو الحسن الدارقطني: العلل، (ج١١/ص٣٠٢ - ٣٠٣)، برقم السؤال (٢٢٩٨).
[ ١٥٧ ]
قلتُ: والعلة التي أشار إليها الدارقطني هنا، أنَّ الحديث قد رُوي مرفوعًا عن جماعة من طريق شعبة عن أبي إسحاق، ثم رواه معاذ بن معاذ وهو العنبري عن شعبة عن أبي إسحاق، فرجح الدارقطني رواية معاذ بن معاذ على رواية الجماعة بقوله " وهو المحفوظ "
وحجته في ذلك أنَّ معاذ بن معاذ العنبري هو أوثق من هؤلاء الجمع في الإمام شعبة بن الحجاج بن الورد، فقد قال ابن عدي: " أصحاب شعبة: معاذ بن معاذ، وخالد بن الحارث، ويحيى القطان، وغُندر، وأبو داود خامسهم " (١)، انظر كيف رجَّح رواية رجلٍ واحدٍ على رواية جماعة خالفوه!، وذلك للأدلة والقرائن سالفة الذكر، فدل ذلك على أنَّ العبرة ليست بعدد من رَوى الحديث ولو كانوا كثرة في جميع الأحوال، بل بقرائن أخرى لها تأثير أقوى في ترجيح المرويَّات، وهي في هذا المثل مدى تَثَبُّتْ ودقة الراوي في شيخه، وهذا المعيار من أدق معايير نقاد الحديث، وبهذا الحكم يكون الحديث قد أُعلَّ بالوقف، لصحة الرواية الموقوفة على المسندة، والله أعلم.
المثال الثاني: قال الإمام البرقاني: " وسئل - الدارقطني -: عن حديث أبي حازم، عن أبي هريرة - ﵁ -، عن النَّبي - ﷺ - قال: «إنَّ العَبْدَ الْفَاجِرَ إِذَا وُضِعَ عَلَى سَرِيرِهِ، قَالَ: يَا وَيْلِه أَيْنَ تَذْهَبُونَ بِي» (٢).
_________________
(١) ابن رجب الحنبلي: في شرح علل الترمذي، (ص ٣٦٨).
(٢) أخرجه بتمامه النَّسائي: في السنن، كتاب الجنائز، باب السرعة بالجنازة، (ج٤/ص ٣٤١)، برقم (١٩٠٧)، من طريق عبدالله بن المبارك، عن ابن أبي ذئب، عن سعيد المقبري، عن عبدالرحمن بن مهران، أنَّ أبا هريرة - ﵁ - قال: «سمعتُ رسول الله - ﷺ - يقول إذا وضع الرجل الصالح على سريره قال: قدموني، قدموني وإذا وضع الرجل يعني السوء على سريره، قال: يا ويلي أين تذهبون بي» وهو حديث حسن، رواته ثقات إلا عبدالرحمن بن مهران فإنَّه صدوق.
[ ١٥٨ ]
فقال - الدارقطني -: يرويه طلحة بن مصرف، عن أبي حازم حدث به ابن عيينة، واختلف عنه، فرفعه أبو يعلى التوزي محمد بن الصلت (١)، عن ابن عيينة، عن مالك ابن مغول، عن طلحة، ووقفه غيره، والموقوف هو المحفوظ.
ورواه محمد بن جحادة، وليث بن أبي سليم عن طلحة موقوفًا " (٢).
قلتُ: والعلة التي أشار إليها الإمام الدارقطني هنا، أنَّ الحديث رواه أبو يعلى التوزي محمد بن الصلت مرفوعًا، ورواه آخرون موقوفًا، ثم رجَّح الدارقطني الموقوف، وحجته في ذلك متابعة محمد بن جحادة وليث بن أبي سليم عن طلحة موقوفًا، ثم أشار إلى أنَّ الوهم في رفعه من أبي يعلى التوزي محمد بن الصلت، لمخالفتة أصحاب طلحة بن مصرف الذين رووه موقوفًا، ولهذا السبب حُكم على هذا الإسناد من هذا المخرج أنَّهُ معلول بالوقف، والله تعالى أعلم.
المثال الثالث: قال الإمام البرقاني: " وسئل - الدارقطني -: عن حديث عبدالله بن باباه، عن أبي هريرة - ﵁ - عن النَّبي - ﷺ - قال: «مَنْ قَالَ حِينَ يَاوِي إِلَى فِرَاشِهِ: لاَ إِلِهَ إِلاَ اللهَ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَئٍ قَدِيرٍ » (٣).
_________________
(١) محمد بن الصلت البصرى، أبو يعلى التوزي، أصله من توز، ويقال: توج أيضًا، وهي بلدة من بلاد فارس (ت: ٢٢٨هـ) على الصحيح قاله البخاري في التاريخ، وهو صدوق يهم من الطبقة العاشرة، أخرج له البخاري في الصحيح، والنَّسائي في السنن، قال أبو حاتم: صدوق كان يملي علينا من حفظه التفسير وغيره وربما وهم، تهذيب التهذيب (ج٩/ ٢٠٧).
(٢) أبو الحسن الدارقطني: العلل، (ج١١/ص١٧٧)، برقم السؤال (٢٢٠٣).
(٣) أخرجه ابن أبي شيبة على الوجه الصحيح موقوفًا: في المصنف (ج٧ /ص٤٦)، برقم (١٤)، بلفظ: "حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن حبيب عن عبد الله بن باباه عن أبي هريرة قال: من قال حين يأوي إلى فراشه " لا إله إلا الله وحده لا شريك له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير سبحان الله وبحمده، الحمد الله، لا إله إلا الله والله أكبر " غفر له ذنوبه وإن كانت مثل زبد البحر".
[ ١٥٩ ]
فقال - الدارقطني -: يرويه حبيب بن أبي ثابت، واختلف عنه، فرواه مسعر عن حبيب، واختلف عن مسعر، فرواه إسماعيل بن محمد بن إسماعيل الفارسي، عن مسعر عن حبيب بن أبي ثابت، عن عبدالله بن باباه (١)، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ، وخالفه خلاد بن يحيى وأبو معاوية الضرير ومصعب بن المقدام، رووه عن مسعر موقوفا، وكذلك رواه الثوري والأعمش عن حبيب، وهو المحفوظ موقوف " (٢).
قلتُ: ووجه العلة التي أشار إليها الإمام الدارقطني، أنَّ الحديث رواه إسماعيل بن محمد ابن إسماعيل الفارسي (٣)، عن مسعر بن كدام مرفوعًا، وخالفه جمع من الأثبات منهم:
خلاد بن يحيى، وأبو معاوية الضرير، ومصعب بن المقدام، فرووه موقوفًا، وكذلك تابع مسعر بن كدام الثوري والأعمش عن حبيب بن أبي ثابت على روايته موقوفًا، فلذلك رجَّح الإمام الدارقطني الموقوف على المرفوع، وقد أعل الدارقطني بهذه العلة أحاديث
كثيرة في كتابه العلل أشير إلى بعض سؤالاتها في العلل لزيادة النفع بها (٤).
_________________
(١) عبدالله بن باباه، ويقال: بابيه، ويقال: بابي، المكي، مولى آل حجير بن أبى إهاب، (ويقال مولى يعلى بن أمية) (ت:؟)، ثقة من الطبقة الثالثة، الوسطى من التابعين، أخرج له الستة إلا البخاري، تهذيب التهذيب (ج٥/ص١٣٣).
(٢) أبو الحسن الدارقطني: العلل، (ج١١/ ص٤٣)، برقم السؤال (٢١١٥).
(٣) إسماعيل بن محمد بن إسماعيل بن محمد بن يحيى القرشي الكوفي (ت:؟)، من الطبقة العاشرة كبار الآخذين عن تبع الأتباع، صدوق يهم أخرج ابن ماجة، تهذيب التهذيب (ج١/ص٢٨٦).
(٤) أبو الحسن الدارقطني: العلل، أرقام السؤالات﴾ (١٩٨)، (٤٧٣)، (٤٩٠)، (٥٨٦)، (٦٤١)، (٦٤٢) (٦٩١)، (٧٠٠)، (٨٥٢)، (٨٥٣)، (٩٢٠)، (١٠٨٥)، (١١٢٣)، (١٥١١)، (١٥١٨)، (١٥٢٥)، (١٨٢٧)، (١٨٩٥)، (٢٠١٩)، (٢٠٣٧)، (٢١١٥)، (٢١٨٩)، (٢١٩٩)، (٢٢٠٣)، (٢٢٨٤)، (٢٢٩٨) ﴿.
[ ١٦٠ ]