والعلة في اللغة المرض قال الجوهري "لا أعلَّكَ الله " (١)، أي لا أصابك الله بعلة أو مرض، ويقول أهل الحديث: " أعلَّه فلان " وقياسه "مُعلٌّ" وهو المشهور، وقال بعضهم معلولٌ، وقد اختلف أهل اللغة فيما هو القياس في تسمية الحديث المعلَّ بعلة: هل هو مُعلٌّ، أم معلول، أم معلَّل؟ فذهب جمعٌ من أئمة اللغة إلى أن القياس أن يقال: "مُعَلُّ" لأنه اسم المفعول من الفعل " أَعَلَّ " (٢).
وأما لفظة " معلول ": فقد اختلف أهل اللغة في جوازه ومنعه فذهب قوم إلى أن أصلها " عَلَّهُ، يَعُلُّهُ، ويَعِلُّهُ " أي يسقيه المرة بعد المرة، ويقال عَلَّت الإبل تَعِلُّ وتعُلُّ إذا شربت الشَّربَةَ الثانية، وقال ابن الصلاح: " ويسميه أهل الحديث المعلول، وذلك منهم ومن الفقهاء في قولهم في باب القياس العلة والمعلول مرذولٌ عند أهل العربية واللغة " (٣). وقال النووي: " ويسمونه
_________________
(١) الجوهري: إسماعيل بن حماد، أبو نصر، أصله من فاراب وأقام في نيسابور ومات بها (ت: ٣٩٣ هـ)، الصَّحاح، دار الكتب العلمية، بيروت، ١٩٩٩م (ج٣/ ص ٤٩٣)، مادة علل.
(٢) ابن منظور: محمد بن مكرم بن منظور الأفريقي المصري، أبو الفضل (ت: ٧١١ هـ)، لسان العرب، دار صادر، بيروت، (ج١١/ ص ٤٦٧) مادة علل، والفيروزآبادي: محمد بن يعقوب بن محمد بن إبراهيم، أبو طاهر، الشيرازي (ت: ٨١٧ هـ)، القاموس المحيط، طبعة دار الجيل بيروت، (ج٤/ ص ٢١).
(٣) ابن الصلاح: عثمان بن عبدالرحمن بن عثمان الشهرزوري، أبو عمرو بن الصلاح (ت: ٦٤٣ هـ)، علوم الحديث المشهور بمقدمة ابن الصلاح، طبعة دار الفكر، بيروت سنة ١٩٦٩ م (ص ١١٥).
[ ١٥ ]
المعلول وهو لحنٌ " (١) ونظم الحافظ العراقي (٢) كلام ابن الصلاح في ألفيته فقال:
وَسَمِّ ما بعلَّةٍ مَشْمولُ مُعَلّلًا ولا تقل مَعْلُولُ.
وأما لفظة معلَّل: بمعنى علَّله بالشيء، إذا ألهاه وشغَله به، ومنه تعليل الصبي بالطعام، قال السخاوي: أن استعمال لفظ معلَّل على سبيل الاستعارة (٣).
قلتُ: والراجح أن كل هذه الألفاظ صحيحة لأن لها أصولًا ثابتة في العربية فقد ذكر ابن فارس إن لكلمة علَّ أصولًا ثلاثة صحيحة: الأول: الضعف، والثاني: التكرار، والثالث: العائق (٤). (٤)
فأما الأول: فبمعنى المرض والضعف، كما يقال علًّ المريض يَعُلُّ علَّةً، وأعلَّهُ الله تعالى فهو مُعَلٌّ، وأما الثاني: فهو " العَلَلُ " والمراد به التكرار، من سقاه الشربة الثانية، وأما الثالث: " معلَّل " بلامين فبمعنى العائق من قولك أعاقه وشغله، أي علله بالشيء ألهاه وشغله به، فصحت جميع الألفاظ من جهة اللغة.
وقال ابن سِيدَه في المحكم والمحيط مؤيدًا قول المحدثين: " ذهب إليه سيبويه، من قولهم مجنون ومسلول، من أَنَّهُ جاء على جَنَنتُه وسَللْته، وإن لم يستعملا في الكلام، استغنى عنهما بأفْعلْت، قال: " ولذا قالوا: جُنَّ وسُلَّ، فإنما يقولون: جُعل فيه الجنون والسُّلَّ، كما قالوا:
_________________
(١) النووي: يحيي بن شَرف، أبو زكريا محيي الدين الشافعي (ت: ٦٧٦ هـ)، التقريب والتيسير لمعرفة سنن البشير النذير، دار الجنان بيروت الطبعة الأولى سنة ١٤٠٦ هـ، تحقيق: عبدالله عمر البارودي (ص ٣٦).
(٢) العراقي: عبد الرحيم بن الحسين بن عبد الرحمن، أبو الفضل، زين الدين، (ت: ٨٠٦ هـ)، انظر الزركلي: خير الدين الزركلي، الأعلام، طبعة دار العلم للملايين، بيروت (ج٣ / ص ٣٤٤).
(٣) السخاوي: محمد بن عبد الرحمن بن محمد المصري، شمس الدين أبو الخير (ت: ٩٠٢ هـ) فتح المغيث، طبعة دار الكتب العلمية، بيروت، سنة ١٤٠٣هـ، تحقيق: صلاح محمد عويضة (ج ١/ ص ٢٢٥).
(٤) ابن فارس: أحمد بن فارس بن زكرياء القزويني الرًّازي، أبو الحسين (ت: ٣٩٥ هـ)، معجم مقاييس اللغة، طبعة اتحاد الكُتًّاب العرب، ١٤٢٣هـ / ٢٠٠٢م، تحقيق عبدالسَّلام محمد هَارُون (ج٤ / ص ٨ - ٩).
[ ١٦ ]
حُزِنَ وفُسِل " (١).
وقد ورد لفظ " معلول " على ألسنة كثير من المحدثين المتقدمين كالبخاري والترمذي والحاكم والدراقطني وابن عدي وابن عبد البر والبيهقي وغيرهم (٢)، واستعمله المتأخرون كذلك مثل الحافظ ابن حجر وسمى كتابًا له: "الزهر المطلول في الخبر المعلول" وهو من الكتب المفقودة كما ذكره العلامة أحمد شاكر (٣)، واستعمله السخاوي أيضًا وغيرهم (٤).
قلتُ: فخلاصة الأمر أن لفظة " معلول " صحيحة في اللغة ولاسيما أنَّ لها أصل، ولا شك أن المحدثين كانوا أيضًا مُتَمرِّسين في اللغة، فهم أولى الناس باستعمال الصحيح من اللغة، واستعمالهم هذه اللفظة في الحكم على الحديث الذي طرأت عليه العلة دليل صحة هذا اللفظ عندهم والله أعلم.