مفهوم العلة من جهة الإسناد عند المحدثين المتقدمين يشمل كل ما يطرأ على الإسناد مما يقدح فيه من أسباب الوهم والخطأ، أومن ضعفٍ وجرحٍ في الراوي، مما يدل على عدم حفظ أو ضَبط الراوي لمرويَّاته، وسواء كانت هذه العلة من ثقةٍ معروفٍ بالإتقانِ، أو كانت من ضعيفٍ مجروح بالاتفاقِ، أو كانت هذه العلَّة ظاهرة واضحة جلية، أو كانت خفية غامضة دقيقة، كل ذلك يسمى عندهم علَّة، إلا أن الغالب مما يطلق عليه علَّة عندهم الأسباب الخفية الغامضة، ونرى في كتب أئمة العلل الشيء الكثير مما يدل على ذلك، وسيأتي بيانه إن شاء الله تعالى.
وقد أطلق بعض المحدثين والفقهاء المتأخرين بعض الألفاظ في مفهوم العلة، مما يوهم خلاف ما بيناه في تعريف مفهوم العلة عند المتقدمين فقالوا: " صحيحٌ معلولٌ " أو " علةٌ غير قادحة "، " وعلةٌ غير مؤثرة "، وما شابه ذلك.
فأما لفظة: " صحيحٌ معلولٌ "، فقد ذكر أبو يعلى الخليلي في بيان العلل: " أنَّ الأحاديث المروية عن رسُولِ الله ﷺ على أقسام كثيرة، صحيح متفق عليه، وصحيح معلول، وصحيح
[ ٩٧ ]
مختلف فيه، وشواذ وأفراد، وما أخطأ فيه إمام، وما أخطأ فيه سيء الحفظ يُضعَّف من أجله، وموضوع وضعه من لا دين له ، فأما الحديث الصحيح المعلول فالعلة تقع للأحاديث من أنحاء شتى لا يمكن حصرها، فمنها أن يروي الثقات حديثا مرسلًا وينفرد به ثقة مسندًا، فالمسند صحيح وحجة، ولا تضره علة الإرسال " (١)
قلتُ: ثم ضرب بعض الأمثلة التي تبين مقصده، والخلاصةُ في ذلك: أنًّ الحديث قد يُروى مرسلًا، ويروى موصولًا كذلك، لكنَّ الموصول أصح عند النَّظر في القرائن والأدلة، ولم يقصد ما ذهب إليه بعض المتأخرين من الفقهاء من إطلاق الحكم في أنَّ بعض العلل لا تقدح، بل الناظر في الأمثلة التي ضربها تدل على أن مذهبه مثل المتقدمين في أنَّ العلة كلها تقدح في الحديث بلا ريب، إذا ثبتت العلة، أولم يكن ثَمَّ ترجيح بين الرِّوَايات المختلفة.
وأما لفظة: " علةٌ غير قادحة "، فقصدهم فيها العلة التي تقدح في الإسناد، ولا تقدح في متن الحديث لثبوت المتن من رواية أخري صحيحة، كما مَثَّل لذلك السيوطي فقال: " وقد يقدح في الإسناد خاصة ويكون المتن صحيحًا، كحديث يعلى بن عبيد عن الثوري عن عمرو بن دينار حديث: «الْبَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ» (٢)، غلط يعلى إنما هو عبدالله ابن دينار هكذا رواه الأئمة من أصحاب سفيان كأبي نعيم الفضل بن دُكَين، ومحمد ابن يوسف الفريابي، ومخلد بن يزيد وغيرهم " (٣).
_________________
(١) أبو يعلى الخليلي: خليل بن عبدالله بن أحمد بن إبراهيم القزويني (ت: ٤٤٦ هـ)، الإرشاد في معرفة علماء الحديث، طبع مكتبة الرشد، الرياض الطبعة الأولى ١٤٠٩هـ، تحقيق: د. محمد سعيد عمر إدريس، (ج١/ ١٥٧ - ١٦٣).
(٢) أخرجه أحمد في المسند، من طريق سفيان عن عبد الله بن دينار (ج٢/ص٩)،برقم (٤٥٦٦).
(٣) السيوطي: عبدالرحمن بن أبي بكر الخضري (ت: ٩١٠ هـ)، تدريب الراوي في شرح تقريب النووي، مكتبة الرياض الحديثة، الرياض، تحقيق: عبدالوهاب عبداللطيف (ج١/ ص٢٥٤).
[ ٩٨ ]
فظهر أنَّ العلة قدحت في الإسناد، وإن كان الخطأ هو إبدال ثقة مكان ثقة آخر؛ لأنَّ هذا الخطأ يدل على وهم الراوي وعدم ضبطه لهذا الحديث.
وقال ابن الصلاح: " ثم قد تقع العلة في إسناد الحديث وهو الأكثر، وقد تقع في متنه ثم ما يقع في الإسناد قد يقدح في صحة الإسناد والمتن جميعًا، كما في التعليل بالإرسال والوقف، وقد يقدح في صحة الإسناد خاصة من غير قدح في صحة المتن " (١).
وقال الحافظ ابن حجر العسقلاني في النكت: " قوله - يعني ابن الصلاح -: " ثم قد تقع العلة في الإسناد وهو الأكثر وقد تقع في المتن " إلى آخره قلت: إذا وقعت العلة في الإسناد قد تقدح، وقد لا تقدح، وإذا قدحت فقد تخصصه وقد تستلزم القدح في السند، وكذا القول في المتن سواء، فعلى هذا يكون للعلة ستة أقسام:
١ - فمثال ما وقعت في الإسناد ولم تَقْدِح مطلقًا: ما يوجد مثلًا من حديث مدلّس بالعنعنة، فإن ذلك عِلَّةٌ تُوجِبُ التوقف عن قبوله، فإذا وجد من طريق أخرى قد صرح فيها بالسماع تبين أن العلة غير قادحة.
وكذا إذا اختلف في الإسناد على بعض رواته، فإنَّ ظاهر ذلك يوجب التوقف عنه، فإن أمكن الجمع بينها على طريق أهل الحديث بالقرائن التي تحفُّ الإسناد تبين أنَّ تلك العلة غير قادحة.
٢ - ومثال ما وقعت العلة فيه في الإسناد وتقدح فيه دون المتن: ما مثل به المصنف من إبدال راوٍ ثقة براوٍ ثقة وهو بقسم المقلوب أليق، فإن أبدل راوٍ ضعيف براوٍ ثقة وتبين الوهم فيه استلزم القدح في المتن أيضًا، إن لم يكن له طرق أُخرى صحيحة، كما روى يعلى بن عبيد الطَّنَافِسي، عن الثوري، عن عمرو بن دينار، عن ابن عمر، عن النَّبِي ﷺ: «الْبَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا»، فغلط يعلى في قوله: عمرو بن دينار إنمَّا هو عبد الله بن دينار، كما رواه الأئمة من أصحاب الثوري، يعني فلا يضر في صحة المتن؛ لأنَّ عبد الله وعَمْرًا كلاهما ثقة.
_________________
(١) العراقي، التقييد والإيضاح شرح مقدمة ابن الصلاح (ص ١١٧).
[ ٩٩ ]
٣ - تقع العلة في الإسناد وتقدح فيه وفي المتن، ومن أغمض ذلك أن يكون الضعيف موافقًا للثقة في نعته.
ومثال ذلك: ما وقع لأبي أسامة حماد بن أسامة الكوفي، أحد الثقات عن عبدالرحمن بن يزيد بن جابر، وهو من ثقات الشاميين قدم الكوفة، فكتب عنه أهلها، ولم يسمع منه أبو أسامة، ثم قدم بعد ذلك عبدالرحمن بن يزيد بن تميم، وهو من ضعفاء الشاميين، فسمع منه أبو أسامة، وسأله عن اسمه فقال: عبدالرحمن بن يزيد، فظن أبو أسامة أنَّه ابن جابر فصار يحدِّث عنه وينسبه من قبل نفسه، فيقول: حدثنا عبدالرحمن بن يزيد بن جابر فوقعت المناكير في رواية أبي أسامة عن ابن جابر، وهما ثقتان فلم يفطن لذلك إلا أهل النقد، فميزوا ذلك ونصوا عليه كالبخاري وأبي حاتم وغير واحد.
٤ - ومثال ما وقعت العلة في المتن دون الإسناد ولا تَقْدَح فيهما: ما وقع من اختلاف ألفاظ كثيرة من أحاديث الصحيحين، إذا أمكن ردُّ الجميع إلى معنى واحد، فإن القدح ينتفي عنها.
٥ - ومثال ما وقعت العلة في المتن دون الإسناد: ما يرويه راوٍ بالمعنى الذي ظنَّه يكون خطأ، والمراد بلفظ الحديث غير ذلك، فإنَّ ذلك يستلزم القدح في الراوي، فيعلل الإسناد.
٦ - ومثال ما وقعت العلة فيه في المتن واستلزمت القدح في الإسناد: ما ذكره المصنف من أحد الألفاظ الواردة في حديث أنس ﵁ وهي قوله: «لاَيَذْكُرُونَ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ فِي أَوَّلِ الْقِرَاءَةِ وَلاَ فِي آخِرِهَا» (١)،فإنَّ أصل الحديث في الصحيحين فلفظ البخاري: «فَكَانُوا يَسْتَفْتِحُونَ الْقِرَاءَةَ بِ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾» (٢).
_________________
(١) أخرجه الإمام أحمد في المسند: (ج٣/ ٢٢٣)، برقم (١٣٣٦١).
(٢) ابن حجر العسقلاني، النكت، طبعة دار الرَّاية، الرياض، (دت)، (ص٢٨٨).
[ ١٠٠ ]
وأما لفظة: " علةٌ غير مؤثرة "، فالمراد منها أنَّه ثبت أنَّ الراجح فيها صحة الرواية فلم تؤثر هذه العلة على الحديث حيث زالت شبهة أنه معلول، ومثاله قول الإمام الذهبي: " فإن كانت العلة غير مؤثرة، بأن يرويه الثبت على وجه، ويخالفه واه، فليس بمعلول، وقد ساق الدارقطني كثيرًا من هذا النمط في كتاب العلل، فلم يصب؛ لأنَّ الحكم للثبت فإن كان الثبت أرسله مثلًا، والواهي وصله، فلا عبرة بوصله لأمرين: لضعف راويه؛ ولأنَّه معلول بإرسال الثبت له.
ثم اعلم أنَّ أكثر المتكلم فيهم ما ضعفهم الحفاظ إلا لمخالفتهم للأثبات، وإن كان الحديث قد رواه الثبت بإسناد، أو أوقفه، أو أرسله، ورفقاؤه الأثبات يخالفونه، فالعبرة بما اجتمع عليه الثقات، فإنَّ الواحد قد يغلط، وهنا قد ترجح ظهور غلطه فلا تعليل، والعبرة بالجماعة، وإن تساوى العدد، وإن اختلف الحافظان، ولم يترجح الحكم لأحدهما على الآخر، فهذا الضرب يسوق البخاري ومسلم الوجهين منه في كتابيهما، وبالأولى سَوْقُهما لما اختَلَفا في لفظِهِ إذا أمكن.
ومن أمثلة اختلاف الحافظين: أن يسمي أحدهما في الإسناد ثقة، ويبدله الآخر بثقة آخر أو يقول أحدهما: عن رجل، ويقول الآخر عن فلان، فيسمي ذلك المبهم، فهذا لا يضر في الصحة، فأمَّا إذا اختلف جماعة فيه، وأتوا به على أقوال عدة، فهذا يوهن الحديث، ويدل على أنَّ راويه لم يتقنه، نعم لو حَدَّثَ به على ثلاثِة أوجهٍ تَرجعُ إلى وجهٍ واحد، فهذا ليس بمُعْتَلّ كأن يقول مالك، عن الزهري، عن ابن المسَّيب، عن أبي هريرة ويقول عقيل: عن الزهري، عن أبي سلمة، ويرويه ابن عيينة: عن الزهري، عن سعيد، وأبي سلمة معا " (١).
قلتُ: فأمَّا قولهُ ﵀: " وقد ساق الدارقطني كثيرًا من هذا النمط في كتاب العلل، فلم يصب "، فليس بصواب؛ لأنَّ ذكر رواية الضعيف من باب ذكر الأوجه التي وردت
_________________
(١) الذهبي: الموقظة طبعة دار البشائر الإسلامية، بيروت، طبعة سنة١٤٠٥هـ، (ص٥٢ - ٥٣).
[ ١٠١ ]
في الحديث لتكون قرائن الترجيح أوسع، فإنَّه مما لا شك فيه عند المحدثين أن الثقة قد يخطئ، كما أن الضعيف قد يصيب، غير أنَّ خطأ الضعيف أكثر من الثقة.
والمعيار الذي يُبنى عليه الحكم على خطأ الراوي في الرواية، هو مقارنة المرويَّات والقرائن المرجحة، ومعرفة المخالفة والتفرد، ونحن نرى الكثير من أئمة هذا الشأن يصنعون مثل ما صنع الدارقطني في العلل، وعلى رأسهم الإمام أحمد بن حنبل في كتابه العلل، وابن أبي حاتم في العلل وغيرهم من المحدثين المتقدمين، وهذا المسلك أدق، والله أعلم.
ولقد وصف الحافظ ابن رجب طريقتهم في الحكم على التفرد فقال: " وأمَّا أكثر الحفاظ المتقدمين فإنهم يقولون في الحديث إذا تفرد به واحد -وإن لم يرو الثقات خلافه-: إنَّه لا يتابع عليه، ويجعلون ذلك علة فيه، اللهم إلا أن يكون ممن كثر حفظه واشتهرت عدالته وحديثه كالزهري ونحوه، وربما يستنكرون بعض تفردات الثقات الكبار أيضًا، ولهم في كل حديث نقد خاص، وليس عندهم لذلك ضابط يضبطه ". (١)، وهذا مما يدل على دقة منهج المحدثين المتقدمين في مفهوم العلة وتعليلهم وتصحيحهم للأحاديث، وسوف أسوق بيان ذلك بالأمثلة والبراهين الدالة عليه:
١. الدليل على أنهم كانوا يعتبرون مخالفة الثقة لمن هو أوثق في إعْلال المرويَّات:
المثال الأول: قال البرقاني في العلل: " وسئل - الدارقطني - عن حديث عاصم بن عمر بن الخطاب، عن عمر - ﵃ - عن النَّبِيِّ - ﷺ - في فضل ما يقال عند الأذان.
فقال - الدارقطني -: هو حديث يرويه عمارة بن غزية، عن خبيب بن عبدالرحمن، واختلف عن عمارة، فرواه إسماعيل بن جعفر، عن عمارة، عن خُبَيب، عن حفص بن عاصم، عن أبيه، عن عمر - ﵃ -، فوصل إسناده ورفعه إلى النَّبِي - ﷺ -، حدث به عنه كذلك إسحاق بن محمد الفروي، ومحمد بن جهضم، ورواه إسماعيل بن عياش، عن عمارة بن غزية، عن خُبَيب بن
_________________
(١) ابن رجب: شرح علل الترمذي، طبعة دار الكلمة مصر، سنة ١٤١٨هـ (ص٢٧٢ - ٢٧٣).
[ ١٠٢ ]
عبدالرحمن مرسلًا، عن النَّبِي - ﷺ -. ووقفه يحيى بن أيوب عن عمارة بن غزية، عن خُبَيب، وحديث إسماعيل بن جعفر المتصل قد أخرجه البخاري ومسلم في الصحيح، وإسماعيل بن جعفر أحفظ من يحيى بن أيوب وإسماعيل بن عياش وقد زاد عليهما وزيادة الثقة مقبولة، والله أعلم " (١).
قلتُ: ووجه العلة التي أشار إليها الدارقطني أنَّ الحديث رواه بعض الثقات متصلًا، ورواه آخرون مرسلًا، والذين رووه متصلًا أوثق ممن أرسلوه.
وقد رجح الشيخان المتصل فأخرجاه، وأما قوله وزيادة الثقة مقبولة، فسوف يأتي الحديث عنها ضمن الفصل القادم إن شاء الله تعالى.
المثال الثاني: قال البرقاني في العلل: " وسئل - الدارقطني - عن حديث وهب بن ربيعة، عن ابن مسعود - ﵁ - قال: «إنّي لَمُسْتَتِرٌ بِأَسْتَارِ الْكَعْبَةِ، إِذْ جَاءَ ثَلاَثَةُ نَفَرٍ كَثِيرٌ شَحْمُ بُطُونِهِمْ قَلِيلٌ فِقْهُ قُلُوبِهِمْ » الحديث، وفيه فأنزل الله ﷿: ﴿وَمَا كُنتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلاَ أَبْصَارُكُمْ ﴾ (٢) الحديث.
_________________
(١) أبو الحسن الدارقطني: العلل، (ج٢/ ١٨٢ - ١٨٣) سؤال رقم (٢٠٥).
(٢) أخرجه البخاري على الوجه الصحيح في الجامع الصحيح (مع الفتح)، كتاب تفسير القرآن، باب وذلكم ظنكم الذي ظننتم بربكم الآية، (ج٨/ ص٦٥٩)، برقم (٤٨١٧)، ومسلم في الجامع الصحيح (بشرح النووي) كتاب صفات المنافقين وأحكامهم، (ج٩ / ص١٣٤ - ١٣٥)، برقم (٢٧٧٥)، والترمذي في السنن، تفسير القرآن، باب ومن سورة حم السجدة، (ج٥ / ص٣٧٥) برقم (٣٢٤٨)، ثلاثتهم من طريق سفيان، عن منصور، عن مجاهد، عن أبي معمر، عن ابن مسعود به، وأما الوجه المعلول فقد أخرجه كذلك الترمذي في السنن، كتاب تفسير القرآن باب ومن سورة حم السجدة، (ج٥ / ص٣٧٥)، برقم (٣٢٤٩)، من طريق أبي معاوية، عن الأعمش، عن عمارة بن عمير عن عبدالرحمن بن يزيد قال: قال عبدالله نحوه. قلتُ: وهو الإسناد المعلول الذي أشار إليه الدارقطني، والذي أُدخل فيه عبدالرحمن بن يزيد بدلًا من وهب بن ربيعة.
[ ١٠٣ ]
قال - الدارقطني -: يرويه الأعمش واختُلِف عنه، فرواه الثوري، عن الأعمش، عن عمارة بن عمير، عن وهب بن ربيعة، عن عبدالله، وتابعه عبدالله بن بشر الرَّقي، عن الأعمش، ورواه أبو معاوية الضرير، وقطبة بن عبد العزيز، عن الأعمش، عن عمارة عن عبدالرحمن بن يزيد، عن عبدالله. قال قطبة: قلتُ للأعمش أنَّ سفيان الثوري يقول هو وهب بن ربيعة، قال: فأطرق ثم همهم ساعة، ثم رفع رأسه فقال: صدق سفيان هو وهب بن ربيعة، وخالفهم أبو مريم عبدالغفار فرواه: عن الأعمش، عن عمارة، عن زيد ابن وهب الجهني، عن عبدالله. رواه الحسن بن عمارة والمسعودي، عن الأعمش، عن أبي وائل، عن عبدالله. ووهما فيه، ورواه شعبة، عن الأعمش، عن رجل، عن عبدالله والقول قول سفيان الثوري وعبدالله بن بشر، ورواه زيد بن أبي أنيسة، عن الأعمش، عن أبي الضُّحَى، عن مسروق، عن عبدالله.
حدثنا محمد بن إبراهيم بن نَيْرُوْزٍ، وأبو علي محمد ابن سليمان بن علي المالكي بالبصرة قالا: ثنا أبو موسى محمد بن المثنى، ثنا يحيى بن سعيد القطان، حدثنا سفيان الثوري، حدثني الأعمش، عن عمارة بن عمير عن وهب بن ربيعة، عن عبدالله بن مسعود - ﵁ - قال: «كُنْتُ مُسْتَتِرًا بِأَسْتَارِ الْكَعْبَةِ فَجَاءَ ثَلاثَةُ نَفَرٍ كَثِيرٌ شَحْمُ بُطُونِهِمْ قَلِيلٌ فِقْهُ قُلُوبِهِمْ قُرَشِيٌّ وَخَتَنَاهُ ثَقَفِيَّانِ أَوْ ثَقَفِيٌّ وَخَتَنَاهُ قُرَشِيَّانِ فَتَكَلَّمُوا بِكَلامٍ لَمْ أَفْهَمْهُ فَقَالَ أَحَدُهُمْ أَتَرَوْنَ أَنَّ اللَّهَ يَسْمَعُ كَلامَنَا هَذَا فَقَال الْآخَرُ إِنَّا إِذَا رَفَعْنَا أَصْوَاتَنَا سَمِعَهُ وَإِذَا لَمْ نَرْفَعْ أَصْوَاتَنَا لَمْ يَسْمَعْهُ فَقَالَ الْآخَرُ: إِنْ سَمِعَ مِنْهُ شَيْئًا سَمِعَهُ كُلَّهُ فَقَال عَبْدُاللَّهِ: فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَأَنْزَلِ اللَّهُ: ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلاَ أَبْصَارُكُمْ وَلاَ جُلُودُكُمْ﴾،حَتَى بَلَغَ ﴿فَمَا هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ﴾»] فصلت الآيات: (٢١ - ٢٣) [.
ولفظ ابن نَيْرُوْزٍ: حدثنا محمد بن سليمان المالكي، ومحمد بن إبراهيم بن نَيْرُوْز، قالا: أنبأ أبو موسى محمد بن المثنى، ثنا يحيى بن سعيد، عن سفيان، عن منصور، عن مجاهد، عن أبي معمر، عن عبدالله نحوه. تفرد به يحيى القطان، عن سفيان، عن منصور أخرجه البخاري عن عمرو بن علي، عن يحيى. وأخرجه مسلم عن أبي بكر بن خلاد عن يحيى، حدثنا أبو علي بن الصواف، عن عبدالله بن أحمد بن حنبل، قال: حدثني محمد بن عبدالله ابن نمير، ثنا قبيصة،
[ ١٠٤ ]
عن قطبة، قال: قال رجل للأعمش حين حَدَّثَ بحديث عبدالرحمن بن يزيد، عن عبدالله: «كُنْتُ مُسْتَتِرًا» إنِّ سفيان يحدث به عنك عن وهب بن ربيعة، قال: فهمهم الأعمش ساعة، ثم قال: هو كما قال سفيان " (١).
قلتُ: ووجه العلة التي أشار إليها الدارقطني أنَّ الحديث رواه سفيان الثوري، عن الأعمش، عن عمارة بن عمير، عن وهب بن ربيعة، عن عبدالله. أدخل فيه وهب بن ربيعة بين عمارة بن عمير وعبدالله بن مسعود. وخالفه أبو معاوية الضرير، فرواه: عن الأعمش، عن عمارة، عن عبدالرحمن بن يزيد، عن عبدالله، فأدخل عبدالرحمن بن يزيد بدلًا من وهب بن ربيعة، وخالفه كذلك غيره، وخلاصة الأمر أنَّ أصحاب الأعمش على سبعِ طبقات، وسفيان الثوري من الطبقة الأولى وهو على رأسهم، ثم يأتي أبو معاوية في الطبقة الثالثة، لذا كانت رواية سفيان مقدمة على كلِّ من روى هذا الحديث؛ لأنَّه أوثق الناس في الأعمش، قال الحافظ ابن رجب: " قال ابن أبي حاتم وسمعت أبي يقول: أحفظ أصحاب الأعمش الثوري ". وقال أيضًا: " قال ابن أبي خيثمة سمعت يحيى بن معين يقول: لم يكن أحد أعلم بحديث الأعمش من سفيان الثوري " (٢).
المثال الثالث: قال البرقاني في العلل: " وسُئل - الدارقطني - عن حديث أبي الأسود الديلي، عن عمر - ﵁ - عن النبَّي - ﷺ -: «أَيُّمَا رَجُلٍ شَهِدَ لَهُ أَرْبَعَةٌ منْ جِيرَانِهِ بِخَيْرٍ أَدْخَلَهُ اللَّهُ الْجَنَّةَ» (٣).
_________________
(١) أبو الحسن الدارقطني: العلل، (ج٥ /ص ٢٧٩ - ٢٨٠) سؤال رقم (٨٨١).
(٢) ابن رجب: شرح علل الترمذي، (ص ٣٧٥).
(٣) أخرجه على الوجه المحفوظ: البخاري في الجامع الصحيح (مع الفتح)، كتاب الجنائز، باب ثناء الناس على الميت، (ج٣/ص٢٦١)، برقم (١٣٦٨)، بلفظ " أَيُّمَا مسلم شهد له "، وكذا النسائي في السنن، كتاب الجنائز، باب الثناء، (ج٤/ص٣٥٢)، برقم (١٩٣٣)، كلاهما من طريق داود بن أبي الفرات، عن عبدالله بن بريدة، عن أبي الأسود، وأما لفظ " أَيُّمَا رجل" فلم أجده.
[ ١٠٥ ]
فقال - الدارقطني -: هو حديث رواه عبدالله بن بريدة واختلف عنه: فرواه داود بن أبي الفرات وهو ثقة عن ابن بريدة، واختُلِف عن داود فقال: يعقوب الحضرمي، عن ابن بريدة، عن يحيى بن يعمر، عن أبي الأسود، ووهم في ذكر يحيى بن يعمر في إسناده لكثرة من خالفه من الثقات الحفاظ عن داود منهم: عفان بن مسلم، وعبدالصمد بن عبدالوارث، وزيد بن الحباب، ويونس بن محمد المؤدب، وأبو عبدالرحمن المقري، وأبو الوليد الطَّيالسي، وشيبان بن فروخ وغيرهم، فإنَّهم رووه عن داود، عن ابن بريدة، عن أبي الأسود لم يذكروا بينهما أحدًا. وكذلك رواه سعيد بن رزين، عن عبدالله بن بريدة، عن أبي الأسود كرواية الجماعة عن داود. ورواه عمر بن الوليد، عن عبدالله بن بريدة مرسلًا، عن عمر لم يذكر بينهما أحدًا. والمحفوظ من ذلك ما رواه عفان ومن تابعه عن داود بن أبي الفرات، وقد أخرجه البخاري ومسلم في الصحيح مثل ما رواه عفان، عن داود، عن ابن بريدة، عن أبي الأسود، والله أعلم " (١).
قلتُ: ووجه العلة التي أشار إليها الدارقطني أنَّ يعقوب الحضرمي أدخل في الإسناد يحيى بن يعمر بين عَبْدِاللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ وأَبِي الأَسْوَدِ، وهو وهم؛ لأنَّه خالف رواية جماعة من الثقات منهم عفان بن مسلم وغيره، كما أخرجه البخاري فقال: حَدَّثَنَا عَفَّانُ بْنُ مُسْلِمٍ هُوَ الصَّفَّارُ حَدَّثَنَا دَاوُدُ بْنُ أَبِي الْفُرَاتِ، عَنْ عَبْدِاللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِي الأَسْوَدِ قَالَ: «قَدِمْتُ الْمَدِينَةَ وَقَدْ وَقَعَ بِهَا مَرَضٌ فَجَلَسْتُ إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ - ﵁ - فَمَرَّتْ بِهِمْ جَنَازَةٌ فَأُثْنِيَ عَلَى صَاحِبِهَا خَيْرًا، فَقَالَ عُمَرُ - ﵁ -: وَجَبَتْ. ثُمَّ مُرَّ بِأُخْرَى فَأُثْنِيَ عَلَى صَاحِبِهَا خَيْرًا، فَقَالَ عُمَرُ - ﵁ -: وَجَبَتْ. ثُمَّ مُرَّ بِالثَّالِثَةِ فَأُثْنِيَ عَلَى صَاحِبِهَا شَرًّا، فَقَالَ: وَجَبَتْ. فَقَالَ أَبُو الأَسْوَدِ: فَقُلْتُ وَمَا وَجَبَتْ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ؟ قَالَ: قُلْتُ كَمَا قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: أَيُّمَا مُسْلِمٍ شَهِدَ لَهُ أَرْبَعَةٌ بِخَيْرٍ أَدْخَلَهُ اللَّهُ الْجَنَّةَ. فَقُلْنَا وَثَلاثَةٌ قَالَ: وَثَلاثَةٌ، فَقُلْنَا وَاثْنَانِ قَالَ: وَاثْنَانِ ثُمَّ لَمْ نَسْأَلْهُ عَنِ الْوَاحِدِ».
_________________
(١) أبو الحسن الدارقطني: العلل (ج٢/ ص ٢٤٨ - ٢٤٩) سؤال رقم (٢٤٧).
[ ١٠٦ ]
وفيه ترجيح رواية الثقات على رواية الثقة إذا خالفهم في الإسناد، وأما قوله وأخرجه مسلم فوهم من الدارقطني ﵀، فإن مسلم لم يخرج الحديث، وإنَّما أخرجه البخاري في صحيحه، والنَّسائي في السنن كما ذكرنا آنفًا.
٢. الدليل على أنَّهم كانوا يعتبرون مخالفة الثقة للضعيف في إعْلال المرويَّات:
المثال الأول: قال الإمام البرقاني في العلل: " وسُئل - الدارقطني - عن حديث أبي سلمة، عن أبي هريرة - ﵁ - قالَ رسولُ الله - ﷺ -: «فَضَلُ العَالمِ عَلَىَ العَابِدِ سَبْعُونَ دَرَجَةً مَا بَيْنَ كُلِّ دَرَجَتَيْنِ مَسِيرَةُ حُضَر جُوادٍ مِائَةَ عَامٍ» " (١).
فقال - الدارقطني -: يرويه الزهري واختلف عنه فرواه: هشام بن سعد، عن الزهري مرسلًا عن النَّبِيِّ - ﷺ -. وقال مبشر بن إسماعيل، عن عبدالله بن محرر، عن الزهري عن أبي سلمة، عن أبي هريرة - ﵁ -، عن النَّبِيِّ ﷺ والمرسل أصح" (٢).
قلتُ: ووجه ذلك أنَّ الحديث مداره على الزهري، رواه عبدالله بن محرر، عن الزهري مرفوعًا، ورواه هشام بن سعد، عن الزهري مرسلًا. وقد رجَّح الدارقطني حديث هشام بن سعد المرسل على مرفوع عبدالله بن محرر وهو ضعيف، فقد قال ابن معين: ليس بثقة وضعفه (٣)، وقال ابن أبى حاتم: سألت أبا زُرعة عن عبدالله بن محرر؟، فقال ضعيف الحديث، وامتنع من قراءة حديثه، وضَرَبْنَا عليه، وقال أبو حاتم: متروك الحديث منكر الحديث، ضعيف الحديث ترك حديثه عبدالله بن المبارك (٤)، أما هشام بن سعد فمختلف فيه
_________________
(١) أخرجه ابن عدي: عبدالله بن عدي بن محمد أبو أحمد الجرجاني (ت: ٣٦٥هـ)، الكامل في ضعفاء الرِّجال دار الفكر بيروت، الطبعة الثالثة ١٤٠٩هـ، تحقيق: يحيى مختار غزاوي (ج٣/ص٦٠).
(٢) أبو الحسن الدارقطني: العلل (ج٩/ص٢٦٧)، برقم (١٧٤٩).
(٣) ابن عدي:، الكامل في ضعفاء الرِّجال، (ج٤ /ص١٣٢).
(٤) ابن أبي حاتم: عبدالرحمن بن أبي حاتم بن محمد بن إدريس، أبي محمد الرَّازي (ت: ٣٢٧هـ) الجرح والتعديل، دار الكتب العلمية، بيروت الطبعة الهندية الأولى سنة ١٣٧١هـ (ج٥/ ١٧٦).
[ ١٠٧ ]
والخلاصة أنه حسن الحديث، وأخرج له مسلم متابعات في الصحيح.
المثال الثاني: قال البرقاني في العلل: " وسئل - الدارقطني - عن حديث علقمة بن وقاص الليثي، عن عمر - ﵁ -، عن النَّبِيِّ - ﷺ -: «إنِّمَا الأَعْمَالُ بِالْنِّياتِ» الحديث فقال - الدارقطني -: هو حديث يرويه يحيى بن سعيد الأنصاري، عن محمد بن إبراهيم عن علقمة بن وقاص، عن عمر، وهو حديث صحيح عنه.
وحدث بهذا الحديث شيخ من أهل الجزيرة يقال له: سهل بن صقير، عن الدراوردي وابن عيينة وأنس بن عياض، عن محمد بن عمرو بن علقمة، عن محمد بن إبراهيم، عن علقمة بن وقاص، عن عمر، عن النَّبِيِّ ﷺ.
ووهم على هؤلاء الثلاثة فيه وإنَّما رواه هؤلاء الثلاثة وغيرهم، عن يحيى بن سعيد الأنصاري لا عن محمد بن عمرو، وإنِّمِا رواه عن محمد بن عمرو بن علقمة الربيع بن زياد الهمداني وحده، ولم يتابع عليه إلا من رواية سهل بن صقير عن هؤلاء الثلاثة، وقد وهم عليه فيه، والصحيح حديث يحيى بن سعيد، عن محمد بن إبراهيم، وروى عن حجاج بن أرطاة، عن محمد بن إبراهيم، عن علقمة بن وقاص، عن عمر. قال: ذلك زيد بن بكر بن خنيس، عن حجاج.
وروى هذا الحديث مالك بن أنس، واختلف عنه فرواه: عبدالمجيد بن عبدالعزيز بن أبي رواد، عن مالك، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري، ولم يتابع عليه، وأمَّا أصحاب مالك الحفاظ عنه فرووه: عن مالك، عن يحيى بن سعيد عن محمد بن إبراهيم، عن علقمة بن وقاص، عن عمر، وهو الصواب.
حَدَّثَنَا أبو وهيب يحيى بن موسى، حَدَّثَنَا محمد بن الوليد، قال: ثنا عبد الوهاب قال: سمعت يحيى بن سعيد، يقول: سمعت محمد بن إبراهيم، يقول: سمعت علقمة بن وقاص الليثي، يقول: سمعت عمر بن الخطاب - ﵁ -، يقول: سمعتُ رسول الله - ﷺ - يقول: «إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّةِ، وَإِنَّمَا لامْرِئٍ مَا نَوَى فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ فَهِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ
[ ١٠٨ ]
وَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى دُنْيَا يُصِيبُهَا أَوِ امْرَأَةٍ يَتَزَوَّجُهَا فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ» " (١).
قلتُ: انظر كيف ذكر وهم وخطأ سهل بن صقير، وهو أبو الحسن الخلاطي بصري الأصل ضعيف قال فيه الحافظ ابن حجر العسقلاني: " قال ابن عدي: حدثنا عنه القاسم ابن عبدالرحمن الفارقي بأحاديث فيها بعض الإنكار، وسهل ليس بالمشهور وأرجو أنَّه لا يتعمد الكذب، وإنَّما يغلط أو يشتبه عليه الشيء فيرويه، وقال أبو بكر الخطيب: يضع الحديث، وقال ابن ماكولا: فيه ضعف" (٢).
المثال الثالث: قال الإمام ابن أبي حاتم في العلل: " وَسَأَلْتُ أَبِي، وَأَبَا زُرْعَةَ عَنِ الحَدِيث رَوَاهُ سُفْيَان الثوري، وشريك، عَن الأعمش، عَن الحكم بْن عُتيبة، عَنْ عَبْدِالرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، عَن بلال، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، فِي المسح عَلَى الخفين. قَالا: وَرَوَاهُ أَيْضًا عِيسَى بْن يُونُسَ، وَأَبُو مُعَاوِيَةَ، وابن نُمير، عَن الأعمش، عَن الحكم عَنْ عَبْدِالرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجرة، عَن بلال، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ.
وَرَوَاهُ زائدة، عَن الأعمش، عَنْ عَبْدِالرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، عَن البراء، عَن بلال، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، قلت لَهما: فأيُّ هَذَا الصَّحِيحُ؟
قَالَ أَبِي: الصحيح من حَدِيث الأعمش، عَن الحكم، عَنِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى، عَن بلال، بلا كعب، قُلْتُ لأَبِي: فمن غير حَدِيث الأعمش قَالَ: الصحيح ما يَقُولُ شُعْبَة، وأبان ابْن تغلب، وزيد بْن أَبِي أنيسة أَيْضًا، عَن الحكم، عَنِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى، عَن بلال، بلا كعب، وَقَالَ أَبِي: الثوري، وشعبة أحفظهم.
قُلْتُ لأَبِي: فإن ليث بْن أَبِي سليم يُحدّث فيضطرب، يحدث عَنْهُ يَحْيَى بْن يعلى، عَن الحكم، عَنِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ، عَن بلال، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وعن أَبِي بَكْرٍ، وعمر
_________________
(١) أبو الحسن الدارقطني: العلل (ج٢/ص١٩١ - ١٩٣)، سؤال رقم (٢١٣).
(٢) ابن حجر العسقلاني: تهذيب التهذيب (ج٤ /ص٢٢٣).
[ ١٠٩ ]
فِي المسح. وَرَوَاهُ معتمر، عَنْ لَيْثٍ، عَن الحكم، وحبيب بْن أَبِي ثابت، عَن شريح بْن هانئ، عَن بلال، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ
وَقَالَ أَبُو زُرْعَةَ: الصحيح حَدِيث الأعمش، عَن الحكم، عَنْ عَبْدِالرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى عَنْ كَعْبٍ، عَن بلال، قَالَ أَبِي وأَبُو زُرْعَةَ: ليث لا يُشْتَغَل بِهِ فِي حَدِيث مثل ذي كثير هُوَ مضطرب الحديث.
قُلْتُ لأَبِي زُرْعَةَ: أليس شُعْبَة، وأبان بْن تَغْلِب، وزيد بْن أَبِي أنيسة، يَقُولُونَ عَن الحكم، عَنِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى، عَن بلال، بلا كعب؟
قَالَ أَبُو زُرْعَةَ: الأعمش حافظ، وَأَبُو مُعَاوِيَةَ، وعيسى بْن يُونُسَ، وابن نُمير، وهؤلاء قد حفظوا عَنْهُ، ومن غير حَدِيث الأعمش، والصحيح عَنِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى، عَن بلال، بلا كعب، وَرَوَاهُ منصور، وشعبة، وزيد بْن أبي أُنيسة، وغير واحد، إِنَّمَا قلت من حَدِيث الأعمش " (١).
قلتُ: والظاهر من كلام ابن أبي حاتم أن رواية ليث بْن أَبِي سليم، معلولة بالاضطراب، على الرغم من أنَّه ضعيف، فقد ذكر الحافظ ابن حجر كلام أهل الحديث فيه، فقال: " قال معاوية بن صالح عن ابن معين: "ضعيف"، إلا أنَّهُ يُكتب حديثه، وقال إبراهيم بن سعيد الجوهري، عن يحيى بن معين: كان يحيى بن سعيد لا يحدث عنه.
وكذا قال عمرو بن علي وابن المثنى وعلي بن المديني، وزاد عن يحيى بن معين: مجالد أحب إلي من ليث وحجاج بن أرطاة، وقال: أبو المعتمر القطيعي كان ابن عيينة يضعف ليث بن أبي سليم " (٢). ولم يُنظر لكون أنَّه ضعيف، لاحتمال إصابته في الرواية، كما يحتمل خطأ الثقة، ولم يكن أَبُو حَاتِم وأَبُو زُرْعَةَ ليدركا خطأه لمجرد أنَّه ضعيف، بل كان الحكم عليه بعد
_________________
(١) ابن أبي حاتم: العلل، طبعة الجريسي، الرياض، ١٤٢٧هـ، (ص١٩٣)، برقم (١١).
(٢) ليث بن أبي سليم بن زنيم القرشي مولاهم أبو بكر، ويقال أبو بكر الكوفي (ت:١٤٨)، أخرج له البخاري في التعاليق ومسلم والأربعة في السنن، كما قال الحافظ ابن حجر العسقلاني: تهذيب التهذيب (ج٨ /ص٤١٨).
[ ١١٠ ]
مقارنة مرويَّاته، بغيره ومعرفة الموافقة والمخالفة للثقات الأثبات، ولا يكون ذلك إلا بعد السبر الحثيث لمرويَّات الحديث.
المثال الرابع: قال الإمام مسلم في التمييز: " حدثنا زهير بن حرب، ثنا إسحاق بن عيسى، ثنا ابن لهيعة قال: كتب إلي موسى بن عقبة يقول: حدثني بسر بن سعيد عن زيد بن ثابت - ﵁ -: «أنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - احْتَجَمَ فِي الْمَسْجِدِ». قلت لابن لهيعة: مسجد في بيته؟ قال: مسجد الرَّسُول ﷺ.
قال مسلم: وهذه رواية فاسدة من كل جهة، فاحش خطؤها في المتن والإسناد جميعا وابن لهيعة الْمُصَحِّفُ في متنه الْمُغَفَّل في إسنادهِ. وإنَّما الحديث: «أنَّ النَّبِي - ﷺ - احْتَجَرَ فِي الْمَسْجِدِ بِخُوصَةٍ، أَوْ حَصِيرٍ يُصَلِّي فِيهَا» (١)، وسنذكر صحة الرواية في ذلك إن شاء الله " (٢).
ثم قال أيضًا: " الرواية الصحيحة في هذا الحديث ما ذكرنا عن وهيب وذكرنا عن عبدالله بن سعيد، عن أبي النضر، وابن لهيعة إنما وقع في الخطأ من هذه الرواية أنه أخذ الحديث من كتاب موسى بن عقبة إليه فيما ذكر، وهي الآفة التي نخشى على من أخذ الحديث من الكتب من غير سماع من المحدث، أو عرض عليه، فإذا كان أحد هذين - السماع أو العرض - فخليق أن لا يأتي صاحبه التصحيف القبيح، وما أشبه ذلك من الخطأ الفاحش إن شاء الله. وأما الخطأ في
_________________
(١) أخرجه على الوجه الصحيح: البخاري في الجامع الصحيح (مع الفتح)، كتاب الأدب، باب ما يجوز من الغضب والشدة لأمر الله تعالى، (ج١٠/ص٥٨٤)، برقم (٦١١٣)، ومسلم في الجامع الصحيح (بشرح النووي) كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب استحباب صلاة النافلة في بيته وجوازها في المسجد، (ج٣ / ص٣٢٥ - ٣٢٦)، برقم (٧٨١)، أبو داود في السنن، كتاب الصلاة، باب في فضل التطوع في البيت، (ج١ / ص٤٥٨)، برقم (١٤٤٧)، ثلاثتهم من طريق أبي النضر مولى عمر بن عبيدالله، عن بسر بن سعيد، عن زيد بن ثابت به، وغيرهم.
(٢) مسلم بن الحجاج: التمييز (مع منهج النقد عند المحدثين)، طبعة مكتبة الكوثر، الرياض، (ص ١٨٧)، حديث رقم (٥٥).
[ ١١١ ]
إسناد رواية ابن لهيعة فقوله: كتب إلي موسى ابن عقبة يقول: حدثني بسر بن سعيد وموسى، إنِّما سمع هذا الحديث من أبي النضر يرويه عن بسر بن سعيد" (١)
قلتُ: ومعلوم أن ابن لهيعة: وهو عبدالله بن لهيعة بن عقبة بن فرعان بن ربيعة بن ثوبان الحضرمي (ت: ١٧٣ - ١٧٤هـ)، مختلف في توثيقه وتجريحه (٢)، والراجح فيه أنَّه ضعيف مختلط، فمن حدث عنه قبل احتراق كتبه (٣)، فهو صحيح، ومن حدث عنه بعد ذلك فهو ضعيف، والذين حدثوا عنه قبل احتراق كتبه قليل وهم العبادلة عبدالله ابن المبارك، وعبدالله بن وهب، وعبدالله بن يزيد المقرئ، قال الحافظ ابن رجب في شرح علل الترمذي: " وقد سمع منه قبل احتراق كتبه ابن المبارك والمقرئ، كذا قال الفلاس وغيره، وقاله ابن معين في رواية عنه.
ومنهم من قال: "حديثه في عمره كله واحد، وهو ضعيف"، وهو المشهور عن يحيى ابن معين، وأنكر أن تكون كتبه احترقت وقال: " لا يحتج به ".
وقال أبو زُرعة: " سماع الأوائل والأواخر منه سواء، إلا أن ابن وهب وابن المبارك كانا يتبعان أصوله، وليس ممن يحتج به ".
وقال ابن مهدي: " ما أَعْتَدُ بشيءٍ سمعته من حديث ابن لهيعة، إلا سماع ابن المبارك ونحوه ".
وروى عن أحمد أنَّه قال: " سماع العبادلة من ابن لهيعة عندي صالح: عبدالله بن وهب
_________________
(١) مسلم بن الحجاج: التمييز (مع منهج النقد عند المحدثين)، (ص ١٨٨)، حديث رقم (٥٧).
(٢) ابن حجر العسقلاني: تهذيب التهذيب (ج٥ /ص٣٢٧).
(٣) قال الحافظ ابن حجر في تهذيب التهذيب (ج٥/ ص ٣٢٩): " احترقت كتب ابن لهيعة سنة تسع وستين ومات سنة ثلاث أو أربع وسبعين، وقال البخاري: عن يحيى بن بكير احترقت كتب ابن لهيعة سنة سبعين ومائة، وكذا قال يحيى بن عثمان بن صالح السهمي عن أبيه، ولكنه قال: لم تحترق بجميعها إنما احترق بعض ما كان يقرأ عليه، وما كتبت كتاب عمارة بن غزية إلا من أصله وقال أبو داود: قال ابن أبي مريم لم تحترق ".
[ ١١٢ ]
وعبدالله بن يزيد المقرئ، وعبدالله ابن المبارك ".
وقال ابن حبان: " سبرت أخباره فرأيته يدلس على أقوام ضعفاء على أقوام ثقات قد رآهم، ثم كان لا يبالي، ما دُفع إليه قرأه، سواء كان من حديثه أو لم يكن من حديثه! فوجب التنكيب عن رواية المتقدمين عنه قبل احتراق كتبه، لما فيها من الأخبار المدلسة عن المتروكين، ووجب ترك الاحتجاج برواية المتأخرين بعد احتراق كتبه، لما فيها مما ليس من حديثه " (١).
٣. الدليل على أنهم كانوا يعتبرون بعض أسباب الجرح الظاهرة في إعْلال المرويَّات:
المثال الأول: قال الإمام البرقاني في العلل: " وسئل - الدارقطني - عن حديث جابر عن أبي بكر - ﵁ -، عن النَّبِيِّ - ﷺ - قال: «اتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ» " (٢).
فقال - الدارقطني -: يرويه محمد بن إسماعيل الوساوسي، عن زيد بن الحباب عن عبد الرحمن بن سليمان بن الغسيل، عن شرحبيل، عن جابر، عن أبي بكر عن النَّبِيِّ ﷺ، ولم يتابع عليه الوساوسي هذا ضعيف. وغيره يرويه عن شرحبيل ابن سعد مرسلًا ولا يذكر فيه جابرًا ولا أبا بكر" (٣).
قلتُ: وهذا الحديث بعينه في كتاب البحر الزخار مسند البزار قال: " وروى عبدالرحمن بن الغسيل، عن شرحبيل بن سعد، عن جابر، عن أبي بكر - ﵁ -، عن النَّبِيِّ ﷺ قال: «اتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ»، وهذا الحديث إنَّما حدث به رجل كان بالبصرة، عن زيد بن الحباب وكان
_________________
(١) ابن رجب: شرح علل الترمذي، (ص١٤٠ - ١٤١).
(٢) أخرجه على الوجه الصحيح: البخاري في الجامع الصحيح (مع الفتح)، كتاب الزَّكاة، باب اتقوا النار ولو بشق تمرة والقليل من الصدقة، (ج٣ / ص٣٢٢)، برقم (١٤١٧)، ومسلم في الجامع الصحيح (مع شرح النووي)، كتاب الزَّكاة، باب الحث على الصدقة ولو بشق تمرة، (ج٤ / ص١٠٩)، برقم (١٠١٦)، من حديث عدي بن حاتم ﵁، وغيرهما.
(٣) أبو الحسن الدارقطني: كتاب العلل (ج١ / ص ٢٢١ - ٢٢٢)، سؤال رقم (٢٧).
[ ١١٣ ]
متهما فيه، يقال: أن ليس له أصل من هذا الوجه فأمسكنا عن ذكره " (١).
المثال الثاني: قال الإمام البرقاني في العلل: " وسئل - الدارقطني - عن حديث عمر عن أبي بكر - ﵃ - عن النَّبيِّ - ﷺ -: «وإنَّا لاَ نُورَثُ مَا تَرَكْنَا فَهُوَ صَدَقَةٌ» (٢) الحديث بطوله.
فقال - الدارقطني -: رواه مالك بن أنس وأبو أويس وزياد بن سعد، عن الزهري عن مالك بن أوس، عن عمر، عن أبي بكر حدث به عن مالك كذلك جماعة منهم: بشر بن عمر، وعمرو بن مرزوق، وإسحاق بن محمد الفروي، والهيثم بن حبيب غزوان فأسندوا هذه الألفاظ عن عمر، عن أبي بكر. وغيرهم يرويه عن مالك فيسندها عن عمر عن النَّبيِّ ﷺ.
وروى هذا الحديث: معمر، وابن أبي عتيق، وشعيب بن أبي حمزه، وأسامة بن زيد وغيرهم، فأسندوا هذه الألفاظ عن مالك بن أوس بن الحدثان، عن عمر، عن النَّبيِّ ﷺ، وذكروا في الحديث عن عمر، عن أبي بكر الصديق - ﵃ - أنَّه قال: «أَنَا وَلِيُّ رَسُولِ الله - ﷺ - أَعْمَلُ كَمَا عَمِلَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -»، ورواه عبدالملك بن عمير، عن الزهري فأسنده عن مالك بن أوس بن الحدثان عن أبي بكر أن النَّبيَّ ﷺ قال: «لاَ نُورَثُ مَا تَرَكْنَا فَهُوَ صَدَقَةٌ»، لم يذكر بينهما عمر بن الخطاب حدث به عن عبد الملك بن عمير كذلك تَلِيدُ بن سليمان وحده، ولم يكن بالقوي في الحديث - كان يشتم - عثمان بن عفان وأبا بكر الصديق رضي الله تعالى عنهما " (٣).
قلتُ: وتَلِيدُ بن سليمان هو المحاربى، أبو سليمان، ويقال أبو إدريس، الكوفى، وهذا رافضي خبيث يشتم الخلفاء الرَّاشدين رضوان الله عليهم، قال المزِّي: " قال أبو داود: رافضى
_________________
(١) أحمد بن عمرو بن عبد الخالق أبو بكر البزار (ت: ٢٩٢)، مسند البزار (حديث رقم ٦٤).
(٢) أخرجه على الوجه الصحيح: البخاري في الجامع الصحيح (مع الفتح) في مواضع، منها كتاب المغازي، باب حديث بني النّضير، (ج٧ / ص٣٧٨)، برقم (٤٠٣٤)، ومسلم في الجامع الصحيح (مع شرح النووي)، كتاب الجهاد والسير، باب قول النَّبي - ﷺ - لَا نُورَثُ مَا تَرَكْنَا فَهُوَ صَدَقَةٌ، منها (ج٦ / ص٣٢٠)، برقم (١٧٥٩)، وغيرهما.
(٣) أبو الحسن الدارقطني: كتاب العلل (ج١ / ص ١٦٨ - ١٧١)، سؤال رقم (٦).
[ ١١٤ ]
خبيث، رجل سوء، يشتم أبا بكر وعمر. قال النَّسائى: ضعيف. وقال يعقوب بن سفيان: رافضى خبيث، سمعت عبيد الله بن موسى يقول لابنه محمد: أليس قد قلت لك، لا تكتب حديث تَلِيد هذا. وقال صالح بن محمد الحافظ: كان سيىء الخلق، وكان أصحاب الحديث يسمونه: بَلِيدُ بن سليمان، لا يحتج بحديثه، وليس عنده كبير شىء. وقال إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني: سمعت أحمد بن حنبل يقول: حدثنا تَلِيدُ بن سليمان، وهو عندي كان يكذب " (١).
والحديث في البحر الزَّخار مسند البزار: " حدثنا محمد بن المثنى قال: نا أبو الوليد هشام بن عبد الملك قال: نا حماد يعني ابن سلمة، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن أبي بكر ﵁، عن النبي ﷺ أنه قال: " لاَ نُورَثُ مَا تَرَكْنَا صَدَقَةٌ ".
وحدثناه إبراهيم بن زياد قال: نا عبد الوهاب بن عطاء قال: نا محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن أبي بكر، وعمر رحمة الله عليهما نحوه. وهذا الحديث لا نعلم أحدًا، رواه فوصله إلا حماد بن سلمة وعبدالوهاب، وغيرهما يرويه عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة مرسلًا " (٢).
مما سبق يتضح:
أنَّ الدارقطني عند ذكره للمرويَّات الضعيفة كشاهد في الترجيح بين المرويَّات المختلفة، كان يتبع في ذلك منهج المتقدمين من المحدثين النقاد في التعليل وهو أوسع وأدق.
وأنَّ مذهب المتأخّرين في مفهوم العلة من جهة الإسناد يختلف عن المتقدمين في عدة أمور:
أولًا: أنَّ المتأخّرين لا يعتبرون مخالفة الضعيف علة، لاعتبارهم أنَّ العلة أو الشذوذ هو مخالفة الثقة لمن هو أوثق منه، أو مخالفة الثقة للثقات، دون اعتبار لروايَّات الضعفاء مما ضيق
_________________
(١) المزِّي: جمال الدين يوسف بن عبدالرحمن، أبو الحجاج (ت: ٧٤٢)، تهذيب الكمال، مؤسسة الرسالة الطبعة الرابعة ١٤٠٦هـ، تحقيق د. بشار عواد معروف (ج٤ / ص ٣٢٢ - ٣٢٣).
(٢) أحمد بن عمرو أبو بكر البزار: البحر الزَّخار مسند البزار (حديث رقم ١٨).
[ ١١٥ ]
واسعًا، وهو قول الحاكم وابن الصلاح والذهبي وغيرهم، بخلاف النقاد المتقدمين فأنهم يعتبرون في الترجيح بكل الرِّوايات الواردة في الحديث بما في ذلك الضعيفة.
ثانيًا: أنَّ النقاد المتأخّرين يشترطون في العلة أن تكون خفية غامضة، وهو قول ابن الصلاح، والعراقي، والذهبي وغيرهم، بخلاف النقاد المتقدمين فإنهم كانوا يعتبرون بالعلل كلها الغامضة والظاهرة على السواء.
نتائج هامة:
- أنَّ النّقاد المتقدمين كانوا يعتبرون بخطأ الضعيف في تعليل الرواية، لمعرفة الراجح من الاختلاف بين المرويّات، بخلاف المتأخرين فإنهم لا يعتبرون برواية الضعيف في التعليل.
- أنَّ طريقة المتقدمين أدق وأوسع من طريقة المتأخرين في الترجيح بين المرويَّات التي طرأت عليها العلة، سواء وقع فيها: الخلاف، أو الخطأ في الرواية أو التفرد.
- أنَّ منهجهم في معرفة الراجح في الخلاف، أو الاضطراب هو جمع جميع المرويَّات التي رويت في هذا الحديث سواء كانت صحيحة أو ضعيفة من جهة السند.
- أنَّ الدارقطني مثل غيره من النقاد المتقدمين، كان يعتبر الأسباب الغامضة والظاهرة في بيان العلة التي قد تطرأ على المرويَّات في الحديث.
- العلة في مفهومِ المتقدمين من جهة الإسناد أعم مِنْها عِنْدَ المتأخرين، وَهُوَ أقرب إلى معناها اللغوي والاصطلاحي عند المحدثين.
[ ١١٦ ]