سنتعرض في هذا المبحث لأجناس العلل الخفية في المتون عند الإمام الدارقطني في كتابه العلل، وكان كل ما سبق ذكره من قبيل أجناس العلل التي تخص الإسناد دون المتن، وأما في هذا المبحث فسوف نقوم إن شاء الله بدراسة مجموعة من أجناس العلل الخاصة بالمتون ثم نضرب لها أمثلة تُبيّنها وتظهر المقصود من العلة، ومنهج الدارقطني فيها.
الجنس الأول: التصحيف والتحريف في متن الحديث.
المثال الأول: قال الإمام البرقاني: " وسئل - الدارقطني - عن حديث همام بن منبه عن أبي هريرة - ﵁ - قال: رسول الله ﷺ: «النَّارُ جُبَارٌ» (١).
فقال - الدارقطني -: يرويه عبدالرزاق عن معمر عن همام عن أبي هريرة، قال إسحاق بن إبراهيم بن هاني: عن أحمد بن حنبل إنما هو البئر جبار، وأهل صنعاء يكتبون النار بالباء على الإمالة للفظهم، فصحفوا على عبدالرزاق البئر بالنار، والصحيح الْبِئْرُ.
قال الشيخ: إسحاق هذا له عن أحمد مسائل وكان ألزم لأحمد من أبيه " (٢).
قلتُ: والعلة التي أشار إليها الدارقطني هي: التصحيف في متن الحديث حيث صحَّفه أهل صنعاء من البئر إلى النار، والرِّوايات كلها تخالف هذا اللفظ، واستدل الدارقطني بقول الإمام أحمد بن حنبل: على أنَّ الصحيح في هذه اللفظة " الْبِئْرُ ".
_________________
(١) وهو جزء من حديث متفق عليه على الوجه الصحيح بتمامه: البخاري في الجامع الصحيح (مع الفتح)،كتاب الزكاة، باب في الركائز الخمس، (ج٣/ص٤١٤)، برقم (١٤٩٩)، ومسلم في الجامع الصحيح (مع شرح النووي)، كتاب الحدود، باب جرح العجماء والمعدن والبئر جبار، (ج٦/ ص٢٤١)، برقم (١٧١٠)،كلاهما من طريق ابن شهاب عن سعيد بن المسيب وعن أبي سلمة بن عبدالرحمن عن أبي هريرة مثله.
(٢) أبو الحسن الدارقطني: العلل (ج١١/ص١٦٤ - ١٦٥)، سؤال رقم (٢١٩٧).
[ ١٨٩ ]
الجنس الثاني: ما كان علته أنَّه لا يشبه كلام النَّبي ﷺ.
وهذه العلة من أغمض العلل وأصعبها، ولا يطلع على حقيقتها إلا أهل الحذق والمعرفة الدقيقة بهذا العلم الشريف، وقد تكلم عليها ابن القيم في المنار المنيف فقال: " ومنها أن يكون كلامه لا يشبه كلام الأنبياء فضلا عن كلام رسول الله الذي هو وحي يوحى كما قال الله تعالى: ﴿وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى، إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى﴾ (١)، أي وما نطقه إلا وحي يوحى، فيكون الحديث مما لا يشبه الوحي، بل لا يشبه كلام الصحابة " (٢) وسوف نضرب بعض الأمثلة لتوضيح هذه العلة.
المثال الأول: قال الإمام البرقاني: "وسئل - الدارقطني - عن حديث أبي سلمة عن أبي هريرة - ﵁ -، عن النبي - ﷺ -: «المعِدَةُ حَوْضُ البَدَنِ وَالْعُرُوقُ إِليهَا وَارِدَةٌ» (٣)
فقال - الدارقطني - يرويه يحيى بن عبدالله بن الضحاك البابلتي الحراني، عن إبراهيم بن جريج الرهاوي، عن زيد بن أبي أنيسة، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة.
واختلف عنه فرواه أبو فروة الرهاوي عنه، فقال: عن الزهري، عن عروة عن عائشة. وكلاهما وهم لا يصح ولا يعرف هذا من كلام النبي ﷺ إنما هو من كلام عبدالملك بن سعيد بن أبجر، قيل لأبي الحسن الدارقطني هل سمع زيد بن أبي أنيسة من الزهري فقال: نعم ولم يرو هذا مسندا غير إبراهيم بن جريج، وكان طبيبا فجعل له إسنادا ولم يُسْنِد غير هذا الحديث " (٤).
المثال الثاني: قال الإمام البرقاني: " وسئل - الدارقطني -: " عن حديث ابن المسيّب عن أبي هريرة - ﵁ -، قال رسُول اللهِ ﷺ: «الإحْصَانُ إِحْصَانَانِ إِحْصَانُ عَفَافٍ، وَإحْصَانُ نِكَاحٍ»، فقال
_________________
(١) سورة النَّجم: الآيات (٣، ٤).
(٢) ابن القيم: محمد بن أبي بكر بن أيوب الزرعي (ت: ٧٥١هـ)، المنار المنيف في الصحيح والضعيف، طبع مكتبة المطبوعات الإسلامية، بيروت، تحقيق عبد الفتاح أبو غدة، (ص ٦١ - ٦٢).
(٣) أخرجه الطبراني: في المعجم الأوسط (ج١٠/ص٤٨)، برقم (٤٤٩٤)، وفيه عبدالله بن الضحاك البابلتي (ت: ٢١٨هـ)، ضعيف أخرج له النسائي، تهذيب التهذيب (ج١٢/ص ٢٨٦).
(٤) أبو الحسن الدارقطني: العلل (ج٨/ص٤٢ - ٤٣)، سؤال رقم (١٤٠١).
[ ١٩٠ ]
- الدارقطني -: يرويه مبشر بن عبيد، عن الزهري، عن سعيد، عن أبي هريرة مرفوعا، ومبشر متروك الحديث يشبه أن يكون من كلام الزهري، بل هو محفوظ عن عقيل، ومعمر، عن الزهري قوله ورأيه " (١).
قلتُ: وواضح من العلة التي أشار إليها الدارقطني في المثالين السابقين أنّ المتن في كليهما لا يشبه كلام رسول الله ﷺ وليس عليه نور الوحي، وحجته في الأول أنَّ هذا الكلام ثابت من كلام عبدالملك بن سعيد بن أبجر، وفي حجته في الثاني أنَّه محفوظ من كلام الزهري كما رواه عنه عقيل، ومعمر أنَّه مجرد رأيه وقوله، والله الهادي.
الجنس الثالث: ما كان فيه كلام مدرج، ليس من كلام النَّبي ﷺ:
المثال الأول: قال الإمام البرقاني: "وسئل - الدارقطني -: عن حديث جابر بن عبدالله عن عمر ﵁ عن النَّبي ﷺ: «إِنْ عِشْتُ لأُخْرِجَنَّ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ» (٢).
فقال -الدارقطني-: يرويه أبو الزبير ووهب بن منبه عن جابر واختلف عن الزهري فرواه إسماعيل بن إبراهيم بن عقبة، عن موسى بن عقبة عن الزهري قال: حدثني ابن تدرس وهو أبو الزبير عن جابر عن عمر. وخالفه محمد بن فليح رواه عن موسى بن عقبة عن الزهري قال: قال جابر عن عمر مرسلًا، ورواه أبو أحمد الزبيري عن الثوري عن أبي الزبير عن جابر عن عمر هذا الحديث وألحق به كلاما آخر أدرجه فيه عن النبي ﷺ لأنهين أن يسمى رباحًا ونجيحًا، ووهم في إدراجه هذا الكلام عن عمر" (٣).
قلتُ: والعلة التي أشار إليها الدارقطني في هذا المتن هي إدراج لفظة: " لأنهين أن يسمى رباحًا ونجيحًا " في آخر الحديث، ولم تثبت من كلام النَّبي ﷺ، ورجح الدارقطني أنها من قول عمر ﵁، وحجته في ذلك أنَّ الثقات رووه بغير هذه اللفظة، وإنما ثبتت من قول عمر ﵁، والله أعلم.
_________________
(١) أبو الحسن الدارقطني: العلل (ج٩/ص١٣٣)، سؤال رقم (١٦٧٧).
(٢) أخرجه أحمد على الوجه الصحيح على شرط مسلم: في المسند، (ج١/ص٢٩)، برقم (٢٠١).
(٣) أبو الحسن الدارقطني: العلل (ج٢/ص٩٥ - ٩٦)، سؤال رقم (١٣٧).
[ ١٩١ ]
المثال الثاني: قال الإمام البرقاني: "وسئل - الدارقطني -: عن حديث أبي عبدالرحمن السلمي عن عثمان - ﵁ - عن النبي - ﷺ -: «خَيْرُكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ الْقُرْآنَ وَعَلَّمَهُ» (١).
فقال - الدارقطني -: هو حديث يرويه علقمة بن مرثد وسعد بن عبيدة، وعبد الملك ابن عمير وسلمة بن كهيل، وعاصم بن بهدلة، والحسن بن عبيدالله، وعبدالكريم وعطاء ابن السائب، واختلف عنه عن أبي عبد الرحمن السلمي، واختلف عن علقمة بن مرثد: فرواه موسى بن قيس الفراء من رواية أبي نعيم عنه، وعمرو بن قيس الملائي
ورواه الجراح بن الضحاك الكندي، عن علقمة بن مرثد، عن أبي عبدالرحمن، عن عثمان، وقد اختلف عن إسحاق بن سليمان (٢) فيه: فقال يعلى بن المنهال، عن إسحاق بن سليمان عن الجراح: " وفضل كلام الله على سائر خلقه "، أدرجه في كلام النَّبي ﷺ، وإنَّما هُو من كلام أبي عبدالرحمن السُلَمِي، وبين ذلك إسحاق بن راهويه وغيره في روايتهم عن إسحاق بن سليمان " (٣).
قلتُ: ورجح الدارقطني هنا أنّ لفظة " وفضل كلام الله على سائر خلقه "، مدرجة على كلام النّبي ﷺ، وإنَّما هي ثابتة من قول أبي عبدالرحمن السُّلَمِي، وحجته ما رواه إسحاق بن راهويه وغيره في روايتهم عن إسحاق بن سليمان، من عدم إدارج هذه اللفظة في الحديث.
الجنس الرابع: ما كانت علته من تغير بزيادة على المتن المحفوظ.
وتنشأ هذه العلة عند الوهم أو الخطأ في متن الحديث بزيادة تدخل عليه، ليست من أصل الرواية، بخلاف المحفوظ من مرويَّات الثقات، ولا شك أنَّ هذا النوع مختلف عن
_________________
(١) أخرجه على الوجه الصحيح: البخاري في الجامع الصحيح (مع الفتح)،كتاب فضائل القرآن، باب خيركم من تعلم القرآن وعلمه، (ج٩/ص٨٥)، برقم (٥٠٢٧)، بغير اللفظة المدرجة.
(٢) هو إسحاق بن سليمان الرازى، أبو يحيى العبدى الكوفي، (ت: ٢٠٠ هـ وقيل قبلها)، ثقة فاضل، من الطبقة التاسعة صغار أتباع التابعين، أخرج له الستة، تهذيب التهذيب (ج١٢/ص ٢٨٦).
(٣) أبو الحسن الدارقطني: العلل (ج٣/ص٥٣ - ٥٧)، سؤال رقم (٢٨٣).
[ ١٩٢ ]
النوع الذي قبله وهو المدرج، فإنَّ المدرج قد يكون من أصل الرواية، ولكنه ليس من كلام النَّبي ﷺ، وإنَّما يكون من قول بعض الرواة، وقد أعلَّ الدارقطني بهذه العلة بعض الأحاديث نذكر منها على سبيل المثال:
المثال الأول: قال الإمام البرقاني: "وسئل - الدارقطني -: عن حديث حُصَيْنٍ الْمُزَنِيِّ قَالَ: قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ﵁ عَلَى الْمِنْبَرِ أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ «لاَ يَقْطَعُ الصَّلاَةَ إِلاَّ الْحَدَثُ لاَ أَسْتَحْيِيكُمْ مِمَّا لاَ يَسْتَحْيِي مِنْهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَالَ: وَالْحَدَثُ أَنْ يَفْسُوَ أَوْ يَضْرِطَ» (١).
فقال - الدارقطني -: هو حديث يرويه أبو سنان ضرار بن مرة (٢)، واختلف عنه فرواه حبان ومندل ابنا علي، عن أبي سنان، عن حصين المزني، عن علي.
وخالفهما أبو بكر بن عياش فرواه: عن أبي سنان، عن الحكم بن عتيبة، عن شريح بن هانئ، عن علي وفي متن الحديث زيادة: إذا توضأ الرجل فهو في صلاة ما لم يحدث ويشبه أن يكون الصحيح قول مندل وحبان والله أعلم، وقال أبو مسعود أحمد بن الفرات في هذا الحديث عن شيخ له عن أبي بكر بن عياش عن أبي سنان عن الحكم عن القاسم بن مخيمرة عن شريح عن علي ولم يتابع عليه " (٣).
قلتُ: والعلة التي أشار إليها الدارقطني هي: أنّ أبو بكر بن عياش وهم فزاد في المتن لفظة " إذا توضأ الرجل فهو في صلاة ما لم يحدث "، وهي زيادة ليست من أصل الحديث ولا
_________________
(١) أخرجه أحمد: في المسند، (ج١/ص١٣٨)، برقم (١١٦٤) بسندٍ ضعيفٍ لضعف حبان بن علي لكنَّه حسن لغيره لما له من شواهد صحيحة، حديث أبي هريرة، وحديث أبي سعيد الخدري غيرهما.
(٢) هو ضرار بن مرة الكوفى، أبو سنان الشيبانى الأكبر (ت: ١٣٢ هـ)، ثقة ثبت من العباد الثقات، من الطبقة السادسة من الذين عاصروا صغار التابعين، أخرج له مسلم والترمذي والنسائي تهذيب التهذيب (ج٤/ص ٤٠٠ - ٤٠١).
(٣) أبو الحسن الدارقطني: العلل (ج٣/ص١٨٩ - ١٩٠)، سؤال رقم (٣٥٢).
[ ١٩٣ ]
الرِّواية، وإنَّما هي مجرد خطأ وقع من الرَّاوي، وقد رجح الدارقطني أن هذه الزيادة معلولة، وحجة الدارقطني في ذلك مقارنة المرويَّات الأخرى من نفس مخرج الحديث وهو أبو سنان ضرار بن مرة، ثم إنَّ أبا بكر بن عياش لم يُتابع على هذه الزيادة، وهو ثقة فيه كلامٌ يسير (١).
المثال الثاني: قال الإمام البرقاني: "وسئل - الدارقطني -: عن حديث مسروق، عن علي - ﵁ -: «وَمَا نُبْعِدُ أَنَّ السَّكِينَةَ تَنْطِقُ عَلَى لِسَانِ عُمَرَ ﵁» (٢).
فقال - الدارقطني -: يرويه الشعبي واختلف عنه: فرواه يوسف بن أسباط، عن سفيان الثوري، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن الشعبي، عن مسروق، عن علي. وخالفه عبدالرحمن بن مهدي وغيره ورووه، عن الثوري، عن إسماعيل، عن الشعبي، عن علي لم يذكروا بينهما أحدا، وكذلك رواه أبو شهاب الحناط وعبيدالله الأشجعي، وعبدالله ابن إدريس وابن عيينة وداود بن الزبرقان، عن إسماعيل، عن الشعبي، عن علي. ورواه هُريم بن سفيان، عن إسماعيل، عن الشعبي، عن علي وزاد فيه ألفاظ لم يأت بها غيره،
عن علي - ﵁ - قال: «إنْ كُنَّا لَنَرَى أَنَّ السَّكِينَةَ تَنْطِقُ عَلى لِسَانِ عُمَر، وإِنْ كُنَّا لَنَرَى أَنَّ شَيطَانَهُ يَخَافُه أَنْ يَجُرَهُ إِلَى مَعْصِيةِ اللهِ تَعَالَى» " (٣).
قلتُ: والعلة التي أشار إليها الدارقطني هي: أنَّ هُريم بن سفيان (٤) روي الأثر من طريق إسماعيل، عن الشعبي، عن علي ﵁، وزاد زيادة ليست من أصل الرواية ولا تصح عن
_________________
(١) قال الحافظ ابن حجر العسقلاني: " ثقة عابد إلا أنه لما كبر ساء حفظه وكتابه صحيح "، تقريب التهذيب، طبعة دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الثانية سنة ١٤١٥هـ، تحقيق مصطفى عبد القادر عطا، (ج٢/ص ٣٦٦).
(٢) أخرجه أحمد على الوجه الصحيح: في المسند، (ج١/ص١٠٦)، برقم (٨٣٤)، من طريق يحيى بن أيوب الْبَجَلِيُّ عَنِ الشَّعْبِيِّ عَنْ وَهْبٍ السُّوَائِيِّ قَالَ خَطَبَنَا عَلِيٌّ ﵁، نحوًا منه وبسند صحيح بدون الزيادة المعلولة التي أشار إليها الدارقطني.
(٣) أبو الحسن الدارقطني: العلل (ج٤/ص١٣٦ - ١٣٩)، سؤال رقم (٤٧١).
(٤) هو هُريم بن سفيان البجلي، أبو محمد الكوفى (ت:؟)، من الطبقة التاسعة من صغار أتباع التابعين، صدوق ثقة، أخرج له الستة، تهذيب التهذيب (ج١١/ص ٢٩).
[ ١٩٤ ]
الشعبي، ورجح الدارقطني أنها زيادة معلولة وحجته في ذلك أنَّ هُريم بن سفيان خالف جماعة من الأثبات الثقات بهذه الزيادة، والله سبحانه الموفق.
الجنس الخامس: ما كانت علَّته دخول متن حديث على متنِ حديثٍ آخر:
وهذه العلة تقع عند دخول متن حديث على متن حديث آخر بإسناد معروف عند الثقات ويكون المرجوح في الخلاف هو الحديث المعلول، وهذه علة مشهورة في كتب العلل، وقد أعل الدارقطني أحاديث بهذه العلة نذكر منها مثالًا:
المثال: قال الإمام البرقاني: "وسئل - الدارقطني - عن حديث عامر الشعبي عن أبي هريرة - ﵁ -: أقبل أبو بكر وعمر - ﵃ - «فقَالَ: رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ هَذَانِ سَيِّدَا كُهُولِ أَهْلِ الْجَنَّةِ» (١). الحديث
قال - الدارقطني -: يرويه يونس بن أبي إسحاق، عن الشعبي حدث به عنه أبو قتيبة واختلف عنه في متنه: فرواه إبراهيم بن عبدالله بن بشار الواسطي، عن أبي قتيبة بهذا الإسناد، وهذه الألفاظ.
وخالفه غير واحد ممن رواه عن أبي قتيبة بهذا الإسناد أنَّ النبي ﷺ قال: «إِنَّ أَهْلَ الدَّرَجَاتِ الْعُلَى» (٢). وكذلك رواه إسرائيل بن يونس عن أبيه يونس عن الشعبي عن أبي هريرة، وهو أصح من الأول " (٣).
_________________
(١) أخرجه أحمد على الوجه الصحيح: في المسند، (ج١/ص٨٠)، برقم (٦٠٢)، من طريق عبدالله بن عمر اليمامي عن الحسن بن زيد بن حسن حدثني أبي عن أبيه عن على ﵁.
(٢) أخرجه أحمد: في المسند، في مواضع من حديث أبي سعيد الخدري ﵁، كلها ضعيفة لا تخلو من مقال، (ج٣/ص٢٦،٢٧،٧٢،٩٣،٩٨)، بأرقام: (١١٢٢٢)، (١١٢٢٩)، (١١٧٠٨)، (١١٩٠٠)، (١١٩٥٨) من طرق عن الأعمش عن عطية بن سعد عن أبي سعيد الخدري بلفظ: «قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِنَّ أَهْلَ الدَّرَجَاتِ الْعُلَى يَرَاهُمْ مَنْ أَسْفَلَ مِنْهُمْ كَمَا يُرَى الْكَوْكَبُ الطَّالِعُ فِي الْأُفُقِ مِنْ آفَاقِ السَّمَاءِ وَإِنَّ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ مِنْهُمْ وَأَنْعَمَا».
(٣) أبو الحسن الدارقطني: العلل (ج١١/ص١١٣ - ١١٤)، سؤال رقم (٢١٥٦).
[ ١٩٥ ]
قلتُ: والعلة التي أشار إليها الدارقطني هي: أنَّ لفظ الحديث: «إِنَّ أَهْلَ الدَّرَجَاتِ الْعُلَى» جاء بإسناد معروف عند الثقات وهو: " عن الشعبي حدث به عنه أبو قتيبة "، فأدخل إبراهيم بن عبدالله بن بشار الواسطي متنًا آخر على نفس الإسناد فقال: «هَذَانِ سَيِّدَا كُهُولِ أَهْلِ الْجَنَّةِ»، فأوهم، وقد رجح الدارقطني أنَّ هذا الإسناد متنه هو: «إِنَّ أَهْلَ الدَّرَجَاتِ الْعُلَى»، واستدل الدارقطني بمتابعة إسرائيل بن يونس عن أبيه يونس عن الشعبي عن أبي هريرة: فذكر نفس المتن، والله أعلم.
الجنس السادس: ما كان علته أنّه لم يثبت في متنه شيء صحيح مرفوع.
وهذه العلة يحكم بها النقاد عند عدم ثبوت صحة متن وإن كثرت رواياته، مثل قولهم: " أصح شيء في هذا الباب "، يعني أنَّ كل ما شابه هذا المتن ضعيف لا يثبت منه شيء، أو قولهم: " لا يثبت فيه شيء "، وقد أعل الدارقطني بعض الأحاديث نذكر منها أمثلة:
المثال الأول: قال الإمام البرقاني: "وسئل - الدارقطني - عن حديث مصعب بن سعد عن سعد - ﵁ -، عن النَّبي ﷺ: «أَفْطَرَ الْحَاجِمُ وَالْمَحْجُومُ» (١).
فقال - الدارقطني - يرويه محمد بن جحادة واختلف عنه فرواه: إسماعيل بن عبدالله ابن زرارة، عن داود بن الزبرقان، عن ابن جحادة، عن يونس بن أبي الحصيب، عن مصعب بن سعد، عن سعد، وخالفه الحسن بن عمر بن شقيق رواه، عن داود بن الزبرقان، عن محمد بن جحاد، عن عبدالأعلى، عن مصعب بن سعد، عن سعد، وجميعًا لا يصح " (٢).
_________________
(١) أخرجه الترمذي: في السنن، كتاب الصيام، باب ما جاء في كراهية الحجامة للصائم (ح٣/ص ١٤٤)، برقم (٧٧٤)، وقال أبو عيسى الترمذي: " قال الشافعي: قد روي عن النبي ﷺ أنَّه احتجم وهو صائم وروي عن النبي ﷺ أنَّه قال: أفطر الحاجم والمحجوم، ولا أعلم واحدًا من هذين الحديثين ثابتا، ولو تَوَقَّى رَجُلٌ الْحِجَامَةَ وهو صائم كان أحب إِلَيَّ ولو احتجم صائم لم أَرَ أن ذلك يفطره ".
(٢) أبو الحسن الدارقطني: العلل (ج٤ /ص٣٢٤)، سؤال رقم (٥٩٥).
[ ١٩٦ ]
قلتُ: والعلة التي أشار إليها الدارقطني أنَّ هذا المتن لا يصح فيه شيء، وقد ذكر ذلك جمع من أئمة النقاد، منهم الإمام أحمد، قال الترمذي: " وذكر عن أحمد بن حنبل أنَّه قال: أصح شيء في هذا الباب حديث رافع بن خديج، وذكر عن علي بن عبدالله - ابن المديني- أنَّه قال: أصح شيء في هذا الباب حديث ثوبان وشداد بن أوس" (١).
المثال الثاني: قال الإمام البرقاني: "وسئل - الدارقطني - عن حديث أبي صالح، عن أبي هريرة - ﵁ -، عن النَّبي ﷺ قال: «فَضْلُ الْعِلْمِ خَيْرٌ مِنْ فَضْلِ الْعِبَادَةِ، وَخَيْرُ دِينِكُمْ الْوَرَعُ» (٢).
فقال - الدارقطني -: يرويه الأعمش، واختلف عنه، فرواه مالك بن وابض عن أبي مطيع البلخي، عن الأعمش، عن أبي صالح عن أبي هريرة، وخالفه عبدالله بن عبدالقدوس، ورواه عن الأعمش عن مطرف بن عبدالله بن الشخير عن حذيفة.
وخالفه حمزة الزيات، واختلف عنه:
فرواه سعيد بن زكريا المدائني، عن حمزة، عن الأعمش، عن مصعب بن سعد، وقال غيره، عن حمزة، عن الأعمش، عن رجل، عن مصعب بن سعد، عن سعد، وقال المسيب بن شريك، عن الأعمش عن سالم بن [أبي] الجعد عن ثوبان، ولا يصح منها شئ.
ثنا عبدالباقي بن قانع قال: ثنا أبو نعيم عبدالرحمن بن قريش ثنا مالك بن وابض ثنا أبو مطيع عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة - ﵁ -، عن النَّبيِّ ﷺ: «فَضْلُ الْعِلْمِ خَيْرٌ مِنْ فَضْلِ الْعِبَادَةِ، وَخَيْرُ دِينِكُمْ الْوَرَعُ»، والصحيح أنَّه من قول مطرف بن عبدالله بن الشخير " (٣).
_________________
(١) الترمذي: في السنن، (ح٣/ص ١٤٤)، بعد حديث رقم (٧٧٤).
(٢) أخرجه الطبراني: في المعجم الأوسط (ج٩/ص١٦٠)، برقم (٤١٠٧)، وقال الطبراني: " لم يرو هذا الحديث عن الأعمش إلا عبدالله بن عبدالقدوس"، قلتُ: بل قد رواه جمعٌ كما ذكر الدارقطني.
(٣) أبو الحسن الدارقطني: العلل (ج١٠/ص١٤٥ - ١٤٦)، سؤال رقم (١٩٣٥).
[ ١٩٧ ]
قلتُ: والعلة التي أشار إليها الدارقطني هي: أنَّ هذا الحديث لا يثبت متنه ولا يصح مرفوع، بل ثبت أنَّهُ من قول مطرف بن عبدالله بن الشخير ﵁، وحُجَة الدارقطني في ذلك ضعف كل رواية مرفوعة في هذا المتن، وثبوتها موقوفة.
الجنس السابع: ما كان علته تغير بنقص في المتن بخلاف المحفوظ.
وتنشأ هذه العلة عندما يقع النقص في الرواية من الراوي بسبب الخطأ أو الوهم، وهي من أدق العلل، ولا يمكن أن يكتشف ذلك النقص إلا بمقارنة المرويَّات المختلفة في الحديث من طرق كثيرة حتى يتمكن الناظر فيها من إدراك النقص الذي حدث في هذه الرواية من عدمه والراجح فيه، وهي علة مشهورة في كتب العلل لا يكاد يخلو منها كتاب، وقد أعل الدارقطني بهذه العلة بعض الأحاديث نذكر بعضها على سبيل المثال:
المثال الأول: قال الإمام البرقاني: "وسئل - الدارقطني - عن حديث حميد عن أبي هريرة - ﵁ -: «أَنَّ رَجُلًا أَفْطَرَ فِي رَمَضَانَ بِجِمَاعٍ، وَقَالَ: هَلَكْتُ » (١). الحديث
فقال - الدارقطني -: يرويه الزهري، واختلف عنه، فرواه مالك بن أنس، واختلف عنه في متنه:
فرواه القعنبي، ومعن، وأصحاب الموطأ عن مالك، وقالوا فيه: أنَّ رجلًا أفطر في رمضان مبهمًا. رواه حماد بن مسعدة، والوليد بن مسلم عن مالك فقالا فيه: أفطر بجماع، وكذلك رواه إبراهيم بن طهمان عن مالك، ورواه يحيى بن سعيد الأنصاري، وابن جريج وأبو أويس، وفليح بن سليمان، وعمر بن عثمان المخزومي، وعبدالله بن أبي بكر ويزيد بن عياض، وشبل بن عباد بهذا الإسناد.
_________________
(١) أخرجه الإمام أحمد على الوجه الناقص: في المسند، (ج٢/ص٢٧٣)، برقم (٧٦٧٨)، من طريق عبدالرزاق أنا بن جريج وبن بكر قال أنا بن جريج حدثني بن شهاب عن حميد بن عبدالرحمن أن أبا هريرة حدثه: «أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ رَجُلًا أَفْطَرَ فِي رَمَضَانَ أَنْ يُعْتِقَ رَقَبَةً أَوْ يَصُومَ شَهْرَيْنِ أَوْ يُطْعِمَ سِتِّينَ مِسْكِينًا»، وهو حديث صحيح على شرط الشيحين.
[ ١٩٨ ]
وقالوا فيه: أن رجلا أفطر في رمضان، كما قال أصحاب الموطأ عن مالك، وكذلك قال عمار بن مطر عن إبراهيم بن سعد، وكذلك قال أشهب بن عبد العزيز: عن الليث ابن سعد، ومالك عن الزهري، وقالوا كلهم في أحاديثهم: إنَّ النبي ﷺ خيره بين العتق، أو الصيام، أو الإطعام ورواه نعيم بن حماد عن ابن عيينة، فتابعهم على أن فطره كان مبهما وخالفهم في التخيير.
ورواه عن الزهري أكثر منهم عددا بهذا الإسناد، وقالوا فيه: أن فطره كان بجماع، وأنَّ النبي ﷺ أمره أن يعتق، فإن لم يجد صام، فإن لم يستطع أطعم " (١)
قلتُ: والعلة التي أشار إليها الدارقطني هي: أنَّ جماعة من الرواة رووا هذا الحديث بلفظ: " أنَّ رجلًا أفطر في رمضان "، بدون بيان سبب الفطر، وهم من الثقات الأثبات
ورواه آخرون بلفظ: " أنَّ رجلًا أفطر في رمضان بجماع "، بزيادة سبب الفطر، ثم رجح الدارقطني الرواية التي فيها ذكر سبب الفطر، وحُجَّته في ذلك أنَّ الذين رووا الزيادة أكثر ممن رووا النقص، وهذه العلة لا تؤثر على الحديث الذي حدث به النَّقص، وإنِّما يكون هناك زيادة لم تذكر به، وقد يُرجح النقص على الزيادة وذلك تبعًا للقرائن والأدلة على صحة الزيادة أو النقص، والله أعلم.
المثال الثاني: قال الإمام البرقاني: " وسئل - الدارقطني -: عن حديث أبي سلمة عن أبي هريرة - ﵁ -، قال رسول الله ﷺ: «إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ فَلاَ يَدْرِي أَصَلّى أَرْبَعًَا أَمْ ثَلاَثًا فَلْيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ وَهُوَ جَالِسٌ ثُمَّ يُسَلِّمَ» (٢).
_________________
(١) أبو الحسن الدارقطني: العلل (ج١٠/ص٢٢٣ - ٢٢٥)، سؤال رقم (١٩٨٨).
(٢) أخرجه الإمام أحمد على الوجه الناقص: في المسند، (ج٢/ص ٢٤١)، برقم (٧٢٨٤)، من طريق سفيان عن الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة يبلغ به النبي ﷺ: «يَاتِي أَحَدَكُمُ الشَّيْطَانُ فَيَلْبِسُ عَلَيْهِ فِي صَلَاتِهِ فَلاَ يَدْرِي أَزَادَ أَمْ نَقَصَ فَإِذَا وَجَدَ أَحَدُكُمْ ذَلِكَ فَلْيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ وَهُوَ جَالِسٌ»، وهو حديث صحيح على شرط الشيحين.
[ ١٩٩ ]
فقال - الدارقطني -: يرويه يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة واختلف في متنه:
فرواه عمر بن يونس، عن عكرمة بن عمار، عن يحيى، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة وقال فيه: " وَيَسْجُدُ سَجْدَتَيْنِ ثُمَّ يُسَلِّمَ ".
ورواه شيبان وعلي بن المبارك وهشام والأوزاعي وغيرهم عن يحيى، ولم يذكروا فيه التسليم قبل ولا بعد، وكذلك قال الزهري، عن أبي سلمة، ورواه محمد بن إسحاق عن سلمة بن صفوان، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، وقال فيه: " ثُمَّ يُسَلّمَ " كما قال عكرمة بن عمار، عن يحيى.
وهما ثقتان وزيادة الثقة مقبولة، ورواه فليح بن سليمان عن سلمة بن صفوان، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، وقال فيه: " وَلِيُسَلِّمَ ثُمَّ لِيَسْجُدَ سَجْدَتَيْنِ وَهُوَ جَالِسٌ " وهذا خلاف ما رواه ابن إسحاق " (١).
الجنس الثامن: ما كان علته تغير في بعض ألفاظه مع بقاء السياق:
وتنشأ هذه العلة عند تغير في بعض ألفاظ الرواية مع بقاء سياق الحديث كما هو، وقد لا تؤثر هذه العلة على الحكم بصحة الحديث، وإنّما يُبَيّن النقاد اللفظة الراجحة من الغير راجحة، فتكون الراجحة لها الحكم بالصحة على غيرها، وهذه العلة تدل على مدى دقة علماء الحديث واهتمامهم بمتون الحديث إلى هذه الدرجة من الإتقان والدقة، ولقد أعل الدارقطني بعض الأحاديث نذكر منها على سبيل المثال:
المثال الأول: قال الإمام البرقاني: "وسئل - الدارقطني -: عن حديث الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة - ﵁ -، قال رسُول اللهِ ﷺ: «مَا أَذِنَ اللَّهُ لِشَيْءٍ مَا أَذِنَ لِلنَّبِيِّ أَنْ يَتَغَنَّى بِالْقُرْآنِ يَجْهَرُ بِهِ» (٢).
_________________
(١) أبو الحسن الدارقطني: العلل (ج٩/ص٢٧٩ - ٢٨١)، سؤال رقم (١٧٦١).
(٢) متفق عليه على الوجه الصحيح: البخاري في الجامع الصحيح (مع الفتح)،كتاب فضائل القرآن باب من لم يتغن بالقرآن، (ج٩/ص٧٩)، برقم (٥٠٢٣)، ومسلم في الجامع الصحيح (مع شرح النووي)، كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب استحباب تحسين الصوت بالقرآن، (ج٣/ ص٣٣٦)، برقم (٧٩٢)،كلاهما من طريق ابن شهاب أخبرني أبو سلمة بن عبدالرحمن عن أبي هريرة نحوًا منه.
[ ٢٠٠ ]
فقال - الدارقطني -: يرويه يحيى بن أبي كثير، والزهري، وعمرو بن دينار، ومحمد ابن إبراهيم، ومحمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة.
فرواه الأوزاعي واختلف عنه: فقال: هقل بن زياد، والوليد بن مزيد، وأيوب بن خالد ومحمد بن يوسف الفريابي، ومحمد بن شعيب، وابن أبي العشرين، وبشر بن بكر، عن الأوزاعي، عن يحيى، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة.
وقال: رواه عن الأوزاعي، عن الزهري، وقال ابن أبي العشرين، والوليد بن مسلم، عن الأوزاعي، عن الزهري، ويحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن أبي هريرة
واختلف عن ابن جريج: فرواه أبو أمية الطرسوسي، عن أبي عاصم، عن ابن جريج عن الزهري، عن سعيد وأبي سلمة، عن أبي هريرة: «أَنَّ النَّبي ﷺ قَالَ: لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يَتَغَنَّ بِالْقُرْآنِ»، ووقع في إسناده وهم من ابن أمية، وهو قوله سعيد بن المسيب مع أبي سلمة، وفي متنه وهم يقال إنه من أبي عاصم لكثير من رواه عنه كذلك والمحفوظ عن الزهري بهذا الإسناد ما أذن الله لشيء " (١).
قلتُ: والعلة التي أشار إليها الدارقطني هي: أنَّ الحديث رواه جماعة من الرواة بلفظ: " مَا أَذِنَ الله لِلنَّبِيِّ يَتَغَنَّى بِالْقُرْآنِ "، ثم رواه أبي عاصم وهو الضحاك ابن مخلد الشيباني النبيل وهو من الثقات الأثبات (٢)، فأخطأ فيه فقال في أول الحديث: " لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يَتَغَنَّ بِالْقُرْآنِ " بدلًا من المحفوظ " مَا أَذِنَ لِلنَّبِيِّ "، وليس هذا من حديث الزهري، وحجة الدارقطني في ذلك مقارنة مرويَّات الزهري من طرق أخرى للحديث، ومخالفة الثقات له.
_________________
(١) أبو الحسن الدارقطني: العلل (ج٩/ص٢٣٨ - ٢٤٤)، سؤال رقم (١٧٣٤).
(٢) ابن حجر العسقلاني: تهذيب التهذيب (ج١٢/ص ١٢٨).
[ ٢٠١ ]
المثال الثاني: قال الإمام البرقاني: "وسئل - الدارقطني - عن حديث زرارة بن أوفى عن أبي هريرة - ﵁ -، عن النَّبي ﷺ قال: «لاَ تَصْحَبُ الْمَلاَئِكَةُ رُفْقَةً فِيهَا كَلْبٌ وَلاَ جَرَسٌ» (١).
فقال- الدارقطني -: يرويه قتادة، واختلف عنه، فرواه عمران القطان، عن قتادة، عن زرارة عن أبي هريرة موقوفا.
وخالفه سعيد بن بشير فرواه، عن قتادة، عن زرارة، عن سعد بن هشام، عن عائشة عن النَّبي ﷺ.
واختلف عن سعيد بن بشير في متنه: فقيل عنه: «لاَ تَصْحَبُ الْمَلَائِكَةُ رُفْقَةً [فِيهَا] جِلْدُ نَمِرٍ» قاله الوليد بن المسلم (٢)، ولا يصح القولان " (٣).
قلتُ: والعلة التي أشار إليها الدارقطني هي: أنَّ الحديث رواه جماعة من الرواة بلفظ: " لاَ تَصْحَبُ الْمَلَائِكَةُ رُفْقَةً فِيهَا كَلْبٌ وَلَا جَرَسٌ "، وهم أثبات ثقات، ثم رواه الوليد ابن المسلم فانقلب عليه اللفظ فقال: " لاَ تَصْحَبُ الْمَلَائِكَةُ رُفْقَةً فِيهَا جِلْدُ نَمِرٍ"، فأخطأ واستدل على خطأه بمخالفة الثقات له، وأنَّ الرواية المحفوظة هي الأولى.
الجنس التاسع: ما كان في متنه قلب في لفظة مما يغير المعنى.
وهذه العلة تنشأ بسبب قلب أحد الرواة كلمة في الحديث فتغير المعنى، ولا تكون هذه اللفظة محفوظةً عند الثقات، وهي من أدق الأسباب التي تؤدي إلى وجود العلة، وقد أعلّ الدارقطني قليلًا من هذا النوع نذكر مثالًا عليه:
_________________
(١) أخرجه مسلم على الوجه الصحيح في الجامع الصحيح (مع شرح النووي)، كتاب اللباس والزينة، باب كراهة الكلب والجرس في السفر، (ج٧/ ص٣٤٦)، برقم (٢١١٣) من طريق بشر يعني ابن مُفَضَّلٍ حدثنا سهيل عن أبيه عن أبي هريرة به.
(٢) هو الوليد بن مسلم القرشي مولاهم أبو العباس الدمشقي (ت: ١٩٤ أو ١٩٥ هـ)، ثقة لكنَّه كثير التدليس، من الطبقة الثامنة، الوسطى من أتباع التابعين، أخرج له الستة، تهذيب التهذيب (ج١١/ص ١٣٣).
(٣) أبو الحسن الدارقطني: العلل (ج١٠/ص٣٢٨ - ٣٢٩)، سؤال رقم (٢٠٣٩).
[ ٢٠٢ ]
المثال: قال الإمام البرقاني: "وسئل - الدارقطني-: عن حديث أبي سلمة وأبي بكر بن عبدالرحمن بن الحارث بن هشام، عن أبي هريرة: «أَنَّهُ كَانَ يُكَبِّرُ فِي كُلِّ صَلاَةٍ، فَيُكَبِّرُ حِينَ يَقُومُ ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَرْكَعُ ثُمَّ يَقُولُ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ ثُمَّ يَقُولُ رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ قَبْلَ أَنْ يَسْجُدَ ثُمَّ يَقُولُ اللَّهُ أَكْبَرُ حِينَ يَهْوِي سَاجِدًا. الحديث، ثُمَّ يَقُولُ حِينَ يَنْصَرِفُ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنِّي لأَقْرَبُكُمْ شَبَهًا بِصَلاَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ» (١).
فقال - الدارقطني -: يرويه الزهري واختلف عنه: فرواه محمد بن أبي عتيق، وشعيب وعبيد الله بن أبي زياد، وإسحاق بن راشد والنعمان بن راشد، والموقري، عن الزهري عن أبي بكر وأبي سلمة، عن أبي هريرة واختلف عن معمر: فرواه عبدالأعلى، عن معمر عن الزهري، عنهما عن أبي هريرة
ورواه مالك في الموطأ، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة. وقال محمد بن مصعب القرقساني (٢)، عن مالك، عن الزهري، عن أبى سلمة، عن أبي هريرة - ﵁ -: «أَنَّ النَّبي ﷺ كَانَ يَرْفَعُ يَدَهُ إِذَا افْتَتَحَ الْصَلاةَ»، ووهم في هذا القول وإنَّما أراد أنَّ النَّبي ﷺ كان يكبر" (٣).
قلتُ: والعلة المشار إليها أنَّ محمد بن مصعب القرقساني أخطأ فانقلب عليه اللفظ، فقال: " كَانَ يَرْفَعُ يَدَهُ "، بدلًا من لفظة " يُكَبر "، واستدل على خطئه بمخالفة الثقات له في لفظ الحديث، وأنَّ حديث أبي هريرة ليس محفوظ عنهم بهذه اللفظة، والله أعلم.
الجنس العاشر: ما كانت علته الشك في ثبوت المتن عن النبي - ﷺ - أو الاضطراب فيه.
وتقع هذه العلة عند شك الراوي في متن الحديث سواء كان في كل المتن، أو في جزء من
_________________
(١) أخرجه على الوجه الصحيح: البخاري في الجامع الصحيح (مع الفتح)،كتاب الأذان، باب باب يهوي بالتكبير حين يسجد، (ج٢/ص٣٣٦)، برقم (٨٠٣) من نفس الطريق المذكورة.
(٢) هو محمد بن مصعب بن صدقة القرقساني، أبو عبدالله (ت: ٢٠٨ هـ)، صدوق من الطبقة التاسعة من صغار أتباع التابعين، أخرج له الترمذي وابن ماجه، تهذيب التهذيب (ج٩/ص ٤٠٥).
(٣) أبو الحسن الدارقطني: العلل (ج٩/ص٢٥٧ - ٢٥٩)، سؤال رقم (١٧٤٥).
[ ٢٠٣ ]
المتن، مما يدل على عدم تثبت الراوي من الحديث، ونضرب هنا بعض الأمثلة:
المثال الأول: قال الإمام البرقاني: "وسئل - الدارقطني -: عن حديث محمد بن المنكدر عن أبي هريرة - ﵁ -، عن النَّبي ﷺ: «إِذَا اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ مِنَ اللَّيلِ فَلْيُوقِظِ امْرَأَتَهُ فِإنَّ لمَ تَسْتَيْقِظْ فَلْيَنْضَّحْ فِي وَجْهِهَا الْمَاءَ» (١).
فقال - الدارقطني -: يرويه الثوري واختلف عنه: فرواه أبو عامر العقدي، عن الثوري، عن ابن المنكدر، عن أبي هريرة، وخالفه عبدالرحمن بن مهدي، رواه عن ابن المنكدر، عمَّن سمع أبا هريرة، وكذلك قال وكيع، وعبد الله بن الوليد العدني، وإبراهيم بن خالد الصنعاني، عن الثوري، وكلهم قال عن الثوري إنَّهُ في شك في رفعه بغير شك، حدثنا أحمد بن عيسى بن السكين، قال ثنا إسحاق بن زريق، قال ثنا إبراهيم بن خالد، قال ثنا الثوري، عن محمد بن المنكدر، قال حدثني من سمع أبا هريرة يقول ولا أراه إلا رفعه يقول: «إِذَا قَامَ أَحَدُكُم مِنَ اللَّيلِ فَلْيُوقِظْ أَهْلَهُ فِإنَّ لَمْ تَسْتَيْقِظْ فَلْيَنْضَّحْ وَجْهَهَا بِالْمَاءِ» (٢).
قلتُ: والعلة التي أشار إليها الدارقطني هي الشك في متن الحديث، هل هو مرفوع إلى رسول الله ﷺ، أم أنَّهُ ليس كذلك، وهذه العلة تدل على عدم تثبت الراوي أحيانًا من الحديث، ولم يُخَرج أحدٌ من الكتب الستة، ولا التسعة هذا الحديث، وهذه العلَّة بخلاف علَّة اختلاف المرويَّات في الوقف والرفع والترجيح بينهما كما ذكرنا في المبحث السابق، وإنَّما تَخْتَص بالشك في كون المتن مرفوعًا أم لا؟، والله أعلم.
_________________
(١) أخرجه عبدالرزاق بن همام بن نافع، أبو بكر الصنعاني (ت: ٢١١هـ): في المصنف طبعة إحياء التراث العربي، بيروت، تحقيق حبيب الرحمن الأعظمي، (ج٣/ص٤٨)، برقم (٤٧٣٩)
(٢) أبو الحسن الدارقطني: العلل (ج٩/ص١٣ - ١٤)، سؤال رقم (١٦١٥).
[ ٢٠٤ ]
المثال الثاني: قال الإمام البرقاني: " وسئل - الدارقطني -: عن حديث عاصم بن ضمرة، عن علي - ﵁ -، عن النَّبي ﷺ: «فِي صَدَقَةِ الْغَنَمِ وَالإِبِلِ وَالْبَقَرِ وَالْرِّقِ » (١)، حديث طويل.
فقال - الدارقطني -: يرويه أبو إسحاق واختلف عنه: فرفعه أبو أحمد الزبيري عن الثوري، عن أبي إسحاق علي شك منه في رفعه، ووقفه غيره عن الثوري، ورواه عبدالمجيد عن معمر عن أبي إسحاق مرفوعًا، ورواه زهير بن معاوية عن أبي إسحاق عن عاصم والحارث، عن علي، وشك زهير في رفعه كذلك، قال الحسن بن موسى الأشيب، عن زهير، ورواه أبو بدر شجاع بن الوليد، عن أبي إسحاق، عن عاصم والحارث، عن علي فرفعه بغير شك إلا أنَّهُ لم يذكر في حديثه إلا زكاة البقر فقط" (٢)
قلتُ: والعلة المشار إليها هنا هي الشك في متن الحديث، هل هو مرفوع كله أو جزء منه؟، كما رواه زهير وهو ابن معاوية بن حديج الجعفي من الثقات الأثبات (٣)، فمرة شك في رفع كل المتن، ثم رواه بغير شك في رفعه ولكنَّه لم يذكر فيه إلا جزء زكاة البقر فقط، وتعرف هذه العلة بالتصريح بالشك غالبًا كقول الراوي أحسبه عن النَّبي - ﷺ - أو لفظة تدل على الشك أو الاضطراب في ثبوت الحديث مرفوعًا.
ويتضح مما سبق:
- أنَّ الدارقطني كان غالبًا ما يذكر الإسناد الراجح عنده، أو الأقرب للصواب في بداية إجابته للسؤال، ثم يذكر بعد ذلك من خالف في هذا الإسناد، ثم يُبّين الصحيح الراجح عنده من المرويّات في الحديث، ويلتزم هذا الترتيب غالبًا.
_________________
(١) أخرجه أبو داود: في السنن، كتاب الزكاة، باب في زكاة السائمة، (ج١/ص ٤٩٢) برقم (١٥٧٢)، من طريق زهير حدثنا أبو إسحق عن عاصم بن ضمرة وعن الحارث الأعور عن علي ﵁، وفيه شك زهير المذكور هنا في العلل بقوله: " قال زهير أحسبه عن النبي - ﷺ - ".
(٢) أبو الحسن الدارقطني: العلل (ج٤/ص٧٣ - ٧٤)، سؤال رقم (٤٣٨).
(٣) ابن حجر العسقلاني: تهذيب التهذيب (ج٣/ص ٣٠٣).
[ ٢٠٥ ]
- أنَّ الدارقطني كان يجزم في بعض الأحيان بعلة الحديث، ثم يرجح الصحيح المحفوظ من المرويَّات، وأحيانًا يأتي بالبرهان والحجة، وأحيانًا أخرى لا يذكره.
- أنَّ الدارقطني كان أحيانًا يذكر الخلاف في الحديث المعلول، ثم يذكر احتمال أن تكون أحد المرويَّات أقرب للصواب بقولهِ أنَّ هذا الطريق: " هو الأشبه ".
- أنَّه كان أحيانًا يصرح ويحدد مصدر الوهم أو الخطأ، أو من كان سببًا في الوهم ويذكر القرينة على ذلك الوهم أو الخطأ، وترجيح الرواية الصحيحة.
- أنَّه كان أحيانًا يذكر بعض ما حضر له من الشواهد والمتابعات، كبراهين لما ذهب إليه من الترجيح بين المرويَّات المختلف فيها، ويثبت الصحيح منها.
- أنَّه كان يذكر علة المتن مع علة الإسناد إن وجد، وأحيانًا يذكر علة المتون بدون التعليق على الأسانيد وهو قليل.
- أنّه كان أحيانًا يبرهن على صحة ما ذهب إليه من المرويَّات عن طريق سوق ما سمعه من شيوخه بإسناده إلى مصنف الكتاب، أو إسناد الحديث عن شيوخه.
- أنَّه كان يهتم بالعلل التي قد تطرأ على متون الأحاديث، ويرجح الصحيح منها.
[ ٢٠٦ ]