وأما مفهوم العلة من جهة المتن عند المحدثين المتقدمين، وعلى رأسهم الدارقطني فتشمل كل ما يطرأ على متن أو نص الحديث مما يقدح فيه من أسباب الوهم والخطأ والقلب أو إدخال حديث في حديث، أو اضطراب، أو إدراج وغيره، وكل ذلك داخل في العلة.
ولا شك أنَّ النُّقاد المتقدمين كان لهم جهد عظيم في نقد المتن بجانب نقد الإسناد، إلا أنَّ نقد الإسناد كان الأكثر، فأشكل ذلك على المستشرقين ومن تبعهم من المستغربين، أنَّ أهل الحديث: " مجرد نَقَدَة أسانيد ولا اهتمام لهم بنقد المتون "، فلعل هذا المبحث يوضح مدى اهتمامهم البالغ بنقد المتون، وبذلهم الجهد الجهيد لتصفية أحاديث رسُول الله - ﷺ - مما شابها من الموضوع والباطل، ومما يُفَنِّد هذا القول وغيره في حق أهل الحديث.
منهج نقاد أهل الحديث في معرفة علة متن الحديث:
ومن الجدير بالذكر أن نسلط الضوء على طريقة أهل الحديث في معرفة علة متون الأحاديث، بخلاف طريقة أهل الأهواء في زماننا، والذين يضعفون متون الأحاديث لمجرد ظنهم أنها مخالفة للعقل كما زعموا، ولله در المُتَنَبّي (١) حين قال:
وَمَن يَكُ ذَا فَمٍ مُرٍّ مَريضٍ يَجِد مُرًّا بِهِ الماءَ الزُلالا
وقال أيضًا:
وَكَم مِن عائِبٍ قَولًا صَحيحًا وَآفَتُهُ مِنَ الفَهمِ السَقيمِ (٢)
_________________
(١) هو أحمد بن الحسين بن الحسن بن عبد الصمد الجعفي الكوفي الكندي، أبو الطيب (ت: ٣٥٤ هـ)، الشاعر الحكيم، وله الأمثال السائرة والحكم البالغة المبتكرة، وفيات الأعيان (ج١/ ١٢٠).
(٢) الواحدي: علي بن أحمد بن محمد بن علي، أبو الحسن (ت:٤٦٨)، شرح ديوان المتنبي، طبعة دار الرائد العربي، بيروت، تحقيق: ياسين الأيوبي (ص١١٣)، وهي من بحر الوافر.
[ ١١٧ ]
ولا يشك عاقل فضلًا عن مثقفٍ، أنَّ لكل أهل فن أساليبهم وشروطهم الخاصة، لمعرفة ما هو صحيح عندهم أو ضعيف، فمن أراد نقد الأحاديث فعليه بطريقة القوم لا يخرج عنها، ويجب أن يكون ذا تيقظ وفهم، مع الدين والتقوى والإنصاف، وإلا فلا قيمة لما يقول، ولا يُلْتفَت إليه البتة، وقد أتعب نفسه بلا غاية.
كما قال فيهم الإمام الذهبي ﵀ في تذكرة الحفاظ (١):
فَدَعْ عَنْكَ الكِتَابَةَ لَسْتَ مِنْها وَلَوْ سَوَّدْتَ وَجْهَكَ بِالْمِدَادِ
ولقد أوضح النُّقاد المحدّثون من أين لهم بذلك العلم، في القصة الطويلة التي فيها سؤال الرجل للإمام أبي حاتم: " من أين علمت هذا؟، أخبرك الراوي بأنَّه غلط أو كذب؟!، فقال أبو حاتم: "إنا لم نجازف، ولم نقله إلا بفهم" (٢). وقال أيضًا: "وإنما قلناه بعلم ومعرفة قد أوتينا" (٣).
وقال أبو عبدالله الحاكم: "والحجة عندنا الحفظ والفهم والمعرفة لا غير" (٤).
وقال الخطيب البغدادي: " السبيل إلى معرفة علة الحديث أن يجمع بين طرقه وينظر في اختلاف رواته، ويعتبر بمكانتهم من الحفظ، ومنزلتهم في الإتقان والضبط " (٥).
وقال ابن الصلاح ﵀: " ويستعان على إدراكها (أي العلة) بتفرد الراوي وبمخالفة غيره له، مع قرائن تنضم إلى ذلك، تنبه العارف بهذا الشأن على إرسال في الموصول أو وقف في المرفوع، أو دخول حديث في حديث، أو وهم واهم لغير ذلك، بحيث يغلب على ظنه
_________________
(١) الذهبي: تذكرة الحفاظ، (ج١/ص٤).
(٢) السخاوي: فتح المغيث شرح ألفية الحديث، طبعة دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى سنة ١٤٠٣ هـ، (ج١ / ص ٢٣٥).
(٣) ابن أبي حاتم: الجرح والتعديل، (ج١/ ص٣٥٠).
(٤) ابن الصلاح: معرفة علوم الحديث، (ص١٣).
(٥) العراقي: التقييد والإيضاح شرح مقدمة ابن الصلاح، (ص ١١٧).
[ ١١٨ ]
ذلك، فيحكم به أو يتردد فيتوقف فيه، وكل ذلك مانع من الحكم بصحة ما وجد ذلك فيه" (١).
قلتُ: ويتضح من النصوص سالفة الذكر مدى اهتمام النُّقاد ببيان الطرق التي أوصلتهم للحكم على الأحاديث بأنها معلولة، ولم يكن مجرد هاجس عقل أو هوى، وقد أفرد النقاد المتقدّمون مصنفات في نقد المتون، منها على سبيل المثال: عَقَدَ الإمامُ مسلم في كتابه التمييز أبوابًا لنقد المتون، وإصلاح غلط المحدثين للإمام الخطابي (ت:٣٨٨هـ) وللخطيب البغدادي (ت:٤٣٦هـ): الفصل للوصل المدرج في النقل وغيرهم، ويتجلى ذلك بضرب بعض الأمثلة في طريقة القوم ومناهجهم، وكيف كانوا يكتشفون الخطأ أو الوهم في الرواية؟، ويمكن تحديد المحاور التي كان يُدندن حولها النقاد كالآتي:
- معرفة مدى التفرد في الرواية، وترجيح الصحيح منها.
- معرفة المخالفة في الرواية، وترجيح الثابت منها.
- سبر المتابعات والشواهد والقرائن التي تؤيد ترجيح رواية على أخرى.