ولقد قام جهابذة هذا الفن بكتابة الحديث الضعيف لأسباب غاية في الأهمية، وقد أجمل أهل العلم في مصنفاتهم هذه الأسباب، وذكروا لنا طريقتهم في ذلك.
وما أجمل ما ذكره ابن حبان البستي في المجروحين: ورأى أحمد بن حنبل يحيى بن معين في زاوية بصنعاء، وهو يكتب صحيفة معمر، عن أبان، عن أنس، فإذا اطلع عليه إنسان كتمه.
فقال أحمد بن حنبل له: تكتب صحيفة معمر، عن أبان، عن أنس، وتعلم أنها موضوعة؟!، فلو قال لك قائل: أنت تتكلم في " أبان"، ثم تكتب حديثه على الوجه؟!
_________________
(١) ابن عدي: الكامل في الضعفاء (ج٥/ص٣٠٢).
(٢) عبدالرحمن بن يحيى المعلمي اليماني (ت: ١٣٨٦هـ): التنكيل طبعة المكتب الإسلامي، بيروت (دت)، تحقيق: العلامة ناصر الدين الألباني ﵀، (ج٢/ص٣٦).
[ ٢٢٨ ]
قال: رحمك الله يا أبا عبدالله أكتب هذه الصحيفة عن عبدالرزاق، عن معمر، عن أبان عن أنس، وأحفظها كلها، وأعلم أنها موضوعة، حتى لا يجيء إنسان، فيجعل بدل: " أبان": " ثابتًا "، ويرويها عن معمر، عن ثابت، عن أنس، فأقول له: كذبت، إنَّما هي: " أبان " لا " ثابت" (١).
وقال ابن عبدالبر في جامع بيان العلم: " قال سفيان الثوري: إني أحب أن أكتب الحديث على ثلاثة أوجه، حديث أكتبه أريد أن أتخذه دينًا، وحديث رجل أكتبه فأوقفه لا أطرحه ولا أدين به، وحديث رجل ضعيف أحب أن أعرفه ولا أعبأ به. وقال الأوزاعي: تعلم ما لا يؤخذ به كما تتعلم ما يؤخذ به " (٢).
وقال النووي في شرح مسلم: " فقد يقال لِمَ حدث هؤلاء الأئمة عن هؤلاء مع علمهم بأنهم لا يحتج بهم؟!، ويجاب عنه بأجوبة:
أحدها: أنهم رووها؛ ليعرفوها، وليبينوا ضعفها لئلا يلتبس في وقت عليهم، أو على غيرهم أو يتشككوا في صحتها.
الثاني: أنَّ الضعيف يُكتب حديثه ليعتبر به، أو يستشهد به كما قدمناه في فصل المتابعات ولا يحتج به على انفراده.
الثالث: أنَّ روايات الراوي الضعيف يكون فيها: الصحيح والضعيف والباطل فيكتبونها، ثم يميز أهل الحديث والإتقان بعض ذلك من بعض وذلك سهل عليهم معروف عندهم وبهذا احتج سفيان الثوري ﵀ حين نهى عن الرواية عن الكلبي، فقيل له: أنت تروي عنه؟!، فقال: أنا أَعْلمُ صدقه من كذبه.
_________________
(١) ابن حبان: محمد بن حبان بن أحمد أبى حاتم البُستي (٣٥٤هـ)، المجروحين طبعة دار المعرفة، بيروت، تحقيق محمود ابراهيم زايد، (ج١/ص٣١ - ٣٢).
(٢) ابن عبدالبر: يوسف بن عبدالله بن عبد البر القرطبي (ت:٤٦٣هـ)، جامع بيان العلم وفضله طبعة دار الكتب العلمية، بيروت ٢٠٠٠م، تحقيق: مسعد عبدالحميد السعدني، (ص٧٦).
[ ٢٢٩ ]
الرابع: أنهم قد يروون عنهم أحاديث الترغيب والترهيب، وفضائل الأعمال والقصص، وأحاديث الزهد ومكارم الأخلاق، ونحو ذلك مما لا يتعلق بالحلال والحرام، وسائر الأحكام وهذا الضرب من الحديث يجوز عند أهل الحديث وغيرهم التساهل فيه، ورواية ما سوى الموضوع منه والعمل به.
لأنَّ أصول ذلك صحيحة مقررة في الشرع معروفة عند أهله، وعلى كل حال فإنَّ الأئمة لا يروون عن الضعفاء شيئًا يحتجون به على انفراده في الأحكام، فإنَّ هذا شيء لا يفعله إمام من أئمة المحدثين، ولا محقق من غيرهم من العلماء.
وأمَّا فعل كثيرين من الفقهاء أو أكثرهم ذلك، واعتمادهم عليه فليس بصواب بل قبيح جدًا وذلك لأنَّه إن كان يعرف ضعفه لم يحل له أن يحتج به، فإنهم متفقون على أنَّه لا يحتج بالضعيف في الأحكام، وإن كان لا يعرف ضعفه لم يحل له أن يحجم على الاحتجاج به من غير بحث عليه بالتفتيش عنه إن كان عارفًا، أو بسؤال أهل العلم به إن لم يكن عارفًا، والله أعلم " (١).
وليس الإمام الدارقطني إلا واحدًا من هؤلاء النقاد فنجده يروي عن الضعفاء في كتابه السنن والعلل وغيرها ويعتبر بها، وهذه قاعدة عامة عنده، وله أحكام خاصة ببعض الرواة الضعفاء لا يحتج بهم، وسوف نضرب بعض الأمثلة التي تبين منهجه في ذلك:
١ - مثل قوله في عمرو بن دينار: "وهو ضعيف الحديث لا يحتج به " (٢).
٢ - وقوله في سعيد بن عبدالملك بن واقد الحراني:"وسعيد هذا ضعيف لا يحتج به" (٣).
_________________
(١) النووي: شرح النووي على صحيح مسلم، طبعة دار إحياء التراث العربي، بيروت الطبعة الثانية سنة ١٩٩٢م، (ج١/ص١٢٦).
(٢) أبو الحسن الدارقطني: العلل (ج٢/ص٥٠) سؤال رقم (١٠١).
(٣) أبو الحسن الدارقطني: العلل (ج٢/ص٢٣٧) سؤال رقم (٢٤١).
[ ٢٣٠ ]
٣ - وكذلك قوله في: " أيوب بن جابر من أهل اليمامة ضعيف لا يحتج به " (١).
٤ - وكذلك قوله في حجاج بن أرطاة: " وحجاج لا يحتج به " (٢).
٥ - وكذلك قوله في عبدالله بن لهيعة: " وابن لهيعة لا يحتج به " (٣).
كما أنَّ له أحكامًا لبعض الرواة عن بعض أنها لا يثبت فيها شيء، نذكر منها:
١ - حكمه في ترجمة الحسن البصري: " الحسن عن أبي هريرة، قال: ليس فيها شيء ثابت " (٤).
٢ - حكمه في ترجمة عاصم بن أبي النجود عن عطية عن أبي سعيد: " ولا يصح لعاصم عن عطية شيء " (٥).
٣ - حكمه في ترجمة محمد بن المنكدر عن أبي برزة: " ولا يثبت لابن المنكدر سماع من أبي برزة " (٦).
٤ - حكمه في ترجمة أبو رافع عن ابن مسعود: " وأبو رافع (٧) لا يثبت سماعه من ابن مسعود " (٨).
_________________
(١) المصدر السابق: (ج٥/ص١٦٠) سؤال رقم (٧٩٢).
(٢) المصدر السابق: (ج٥/ص٣٤٧) سؤال رقم (٩٤٠).
(٣) المصدر السابق: أيضًا (ج٥/ص٣٤٧) سؤال رقم (٩٤٠).
(٤) المصدر السابق: (ج١١/ص٢٢٣) سؤال رقم (٢٢٤٣)، وقال الترمذي: في السنن (ج٥/ص٦١)، حديث رقم (٢٧٠٣): " قال أيوب السختياني ويونس بن عبيد وعلي بن زيد إن الحسن لم يسمع من أبي هريرة ".
(٥) المصدر السابق: (ج١١/ص٢٩٣) سؤال رقم (٢٢٩٠).
(٦) المصدر السابق: (ج٦/ص٣٠٨) سؤال رقم (١١٥٩).
(٧) وهو نفيع، أبي رافع الصائغ المدني، مولى ابنة عمر بن الخطاب مشهور بكنيته (ت:؟)، ثقة ثبت من الطبقة الثانية كبار التابعين، أخرج له الستة، تهذيب التهذيب (ج١٠/ص ٤٢٠).
(٨) أبو الحسن الدارقطني: العلل (ج٥/ص٣٤٦) سؤال رقم (٩٤٠).
[ ٢٣١ ]