وقد استعمل النُّقاد والإمام الدارقطني هذه اللفظة، كثيرًا في مصنفاتهم العلل نذكر منها على سبيل المثال:
المثال الأول: قال البرقاني في العلل: " وسئل - الدارقطني - عن حديث ربعي عن علي - ﵁ -، عن النَّبي ﷺ: «إِنَّ مِمَّا أَدْرَكَ النَّاسُ مِنْ كَلَامِ النُّبُوَّةِ الأُولَى إِذَا لَمْ تَسْتَحْيِ فَاصْنَعْ مَا شِئْتَ» (١).
فقال - الدارقطني -: حدث به عبدالرحمن بن أبي حماد المقري، واسم أبي حماد شكيل وهو من كبار أصحاب حمزة، وأبي بكر بن عياش في القراءة، عن شريك عن منصور، ووهم فيه، والصواب عن منصور، عن ربعي، عن أبي مسعود الأنصاري.
وقال: إبراهيم بن سعد، عن الثوري عن منصور، عن ربعي، عن حذيفة.
ووهم أيضا وقال: أبو مالك الأشجعي، عن ربعي، عن حذيفة، وحديث أبي مسعود هو الصواب " (٢).
قلتُ: والعلة التي أشار إليها الدارقطني هي: الوهم الذي وقع فيه كُلٌّ من عبدالرحمن ابن أبي حماد المقري، وإبراهيم بن سعد، وهو ابن أبي وقاص، الزهري القرشي (٣)، فأما الأول فأدخل في الإسناد شريك، وهو ابن عبدالله بن أبي شريك الكوفي، وأما الثاني فعجل الحديث
_________________
(١) أخرجه البخاري على الوجه الصحيح في الجامع الصحيح (مع الفتح)، كتاب الأدب، باب إِذَا لَمْ تَسْتَحْيِ فَاصْنَعْ مَا شِئْتَ، (ج١٠/ ص٥٨٩)، برقم (٦١٢٩).
(٢) أبو الحسن الدارقطني: العلل (ج١١/ص ج٣/ص١٩٨)، سؤال رقم (٣٥٨).
(٣) وهو إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف القرشي الزهري المدني، (ت: بعد المائة هـ)، ثقة، من الطبقة الثالثة، الوسطى من التابعين، أخرج له الشيخان، والنَّسائي، وابن ماجه، تقريب التهذيب (ج١/ص٥٦).
[ ٢٥٤ ]
من مسند حذيفة بن اليمان ﵁، وإنَّما هو من مسند أبي مسعود الأنصاري ﵁، ورجّح الدارقطني أنَّ الصواب ما رواه أبو مالك الأشجعي (١) لأنَّه أثبت من الاثنين، فظهر معنى الوهم عند الدارقطني أنَّه الخطأ، وعدم التثبت من الرواية.
المثال الثاني: قال البرقاني في العلل: " وسئل - الدارقطني - عن حديث أبي رافع، عن أبي هريرة - ﵁ -: «أَنَّ رَجُلَيْنِ ادَّعَيَا دَابَّةً وَلَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمَا بَيِّنَةٌ فَأَمَرَهُمَا النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يَسْتَهِمَا عَلَى الْيَمِينِ» (٢).
فقال - الدارقطني -: يرويه سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، واختلف عنه: فروي عن محمد بن عبدالله الرازي، عن خالد بن الحارث، عن شعبة، عن قتادة، عن خلاس عن أبي رافع، عن أبي هريرة.
وخالفهما علي بن المديني، فرواه عن خالد بن الحارث، عن سعيد عن قتادة، وهو الصواب. ورواه إسماعيل بن سعيد الكسائي، عن روح، عن شعبة، عن قتادة، عن خلاس، عن أبي هريرة، لم أر فيه أبا رافع. وهو وهم في موضعين في تركه أبا رافع وفي قوله: شعبة وإنَّما رواه روح، عن سعيد. وكذلك رواه يزيد بن زريع، وعمرو بن محمد بن أبي رزين، وإسحاق الأزرق، وعباد بن وهيب، عن سعيد، وهو الصحيح " (٣)
_________________
(١) وهو سعد بن طارق بن أشيم، أبو مالك الأشجعى الكوفى، (ت: ١٤٠ هـ تقريبا)، ثقة، من الطبقة الرابعة، الطبقة التي تلي الوسطي من التابعين، أخرج له الجماعة إلا البخاري تعليقًا، تقريب التهذيب (ج١/ص ٣٤٤).
(٢) أخرجه أبو داود على الوجه الصحيح: في السنن، كتاب الأقضية، باب الرجلين يَدَّعِيَانِ شيئًا وليست لهما بَيِّنَةٌ (ج٢/ص ٣٣٥)، برقم (٣٦١٨)، وابن ماجه: في السنن، كتاب الأحكام باب الرجلان يَدَّعِيَانِ (ج٢/ص ٧٨٠)، برقم (٢٣٢٩)، كلاهما من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن خلاس عن أبي رافع عن أبي هريرة نحوًا منه.
(٣) أبو الحسن الدارقطني: العلل (ح١١/ص٢٠٦ - ٢٠٧)، سؤال رقم (٢٢٢٥).
[ ٢٥٥ ]
وقد استعمل النُّقاد غير الدارقطني لفظة الوهم بكثرة في مصنفاتهم العلل، للدلالة على نفس المعنى الذي قصده الدارقطني وسوف نضرب بعض الأمثلة من مصنفات النُّقاد المحدثين في مصنفاتهم العلل لإثبات ذلك:
المثال الأول: قال عَبْدُالرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي حَاتِمٍ: " وَسَأَلْتُ أَبِي وَأَبَا زُرْعَةَ عَنْ حَدِيثٍ، رَوَاهُ عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، عَنْ شَرِيكٍ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي سُفْيَانَ، عَنْ جَابِرٍ ﵄، عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ، أَنَّهُ قَالَ: «إِذَا قَامَ أَحَدُكُمْ مِنَ اللَّيْلِ فَلْيَسْتَكْ» " (١)
فَقَالا - يعني أَبَا حَاتِمٍ وَأَبَا زُرْعَةَ -: هَذَا وَهْمٌ، إِنَّمَا هُوَ الأَعْمَشُ، عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَيْدَةَ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عَلِيٍّ مَوْقُوفٌ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ ، قُلْتُ لَهُمَا: فَالْوَهْمُ مِمَّنْ هُوَ؟ قَالا: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مِنْ أَحَدِهِمَا.
قُلْتُ - ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ -: يَعْنِيَانِ إِمَّا مِنْ عُثْمَانَ، وَإِمَّا مِنْ شَرِيك " (٢).
المثال الثاني: قال عبدالله - ابن أحمد بن حنبل -: " سألت أبي عن حديث عمَّار بن محمد بن أخت سفيان، عن سفيان، عن أبي إسحاق، عن البراء - ﵁ - في قوله ﷿: ﴿انظُرُوا إِلِى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ﴾ (٣)، قال نضجه حين ينضج.
قال أبي: ليس هذا من حديث أبي إسحاق، هذا يأكل! كأنَّه أنكره من حديث عمَّار أنَّه وهم، والحديث حدثنا به إبراهيم الهروي (٤).
المثال الثالث: قال عبدالله - ابن أحمد بن حنبل -: سألت أبي عن حديث حدثناه الفضل بن زياد، قال: حدثنا إسماعيل بن عياش، عن موسى بن عقبة، عن نافع، عن ابن عمر - ﵁ -
_________________
(١) أخرجه ابن أبي شيبة على الوجه الصحيح موقوفًا: في المصنف، (ج١/ص ١٩٦) برقم (١٨)، من طريق أبو معاوية، عن الأعمش، عن سعد بن عبيدة، عن أبي عبد الرحمن، عن علي به.
(٢) ابن أبي حاتم: كتاب العلل، (ص٢٠٨ - ٢٠٩)، مسألة رقم (٣٢).
(٣) سورة الأنعام، آية رقم (٩٩).
(٤) الإمام أحمد بن حنبل: العلل ومعرفة الرجال، (ج٣/ ص٣٨٧)، رقم (٥٧٠٤، ٥٧٠٥).
[ ٢٥٦ ]
قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لًا يَقْرَأُ الْجُنُبُ وَالْحَائِضُ شَيْئًا مِنَ الْقُرْآنِ» (١)
فقال أبي: هذا باطل أنكره على إسماعيل بن عياش، يعني أنَّه وهم من إسماعيل بن عياش (٢).
قلتُ: ووجه العلة التي ذكرها الإمام أحمد أنَّ إسماعيل بن عياش قد وهم في هذا الحديث أي أنَّه أخطأ فيه، وذلك بسبب أنَّ إسماعيل بن عياش ضعيف في غير الشاميين، وموسى ابن عقبة مدني، وبقية الإسناد: "نافع عن ابن عمر" مدني كذلك.