لم يسلك الدارقطني في الإجابة على المسائل طريقة واحدة بل سلك طُرقًا عدة كثيرة التنوع، وسوف أذكر بعضها على سبيل المثال لا الحصر:
١ - أحيانًا إذا كان الحديث عن أكثر من راوٍ يذكرهم، ثم يذكر الاختلاف عنهم، ومثال ذلك قوله لما سئل عن حديث: " عبدالله بن زرير الغافقي، عن علي قال: «أَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ذَهَبًا بِيَمِينِهِ وَحَرِيرًا بِشِمَالِهِ فَقَالَ هَذَا حَرَامٌ عَلَى ذُكُورِ أُمَّتِي» (١)، فقال - الدارقطني -: يرويه يزيد بن أبي حبيب واختلف عنه رواه الليث ابن سعد، وعبد الحميد بن جعفر، ومحمد بن إسحاق، عن يزيد بن أبي حبيب، عن عبدالعزيز بن أبي الصعبة، عن أبي أفلح الهمداني عن ابن زرير عن علي، واختلف عن ابن إسحاق فقال: ابن لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب، عن أبي أفلح ولم يذكر بينهما عبدالعزيز ابن أبي الصعبة، ورواه زيد بن أبي أنيسة عن يزيد بن أبي حبيب، عن عبد الله بن زرير أسقط من الإسناد رجلين بين ابن أبي الصعبة وأبا أفلح، وقال ابن عيينة عن ابن إسحاق عن يزيد بن أبي حبيب عن رجل عن آخر لم يسمهما عن علي، ورواه عمر بن حبيب عن ابن إسحاق بإسناد آخر عن سعيد بن أبي هند، عن عبدالله بن شداد عن عبد الله بن مرة عن علي، ووهم في هذا الإسناد عمر بن حبيب وكان سيء الحفظ والصحيح عن ابن إسحاق قول يزيد بن هارون وجرير عنه لمتابعة عبدالحميد بن جعفر والليث إياهما " (٢)
٢ - وأحيانًا يقول: حدث به فلان عن فلان ووهم والصواب كذا وكذا، ومثال ذلك ما قاله لما سئل عن حديث: " عطاء بن يسار عن أبي سعيد قال رسول الله ﷺ: «إِذَا سَمِعْتُمُ النِّدَاءَ
_________________
(١) أخرجه النَّسائي في السنن، كتاب الزينة، باب تحريم الذهب على الرجال (ج٨/ ص٥٣٩)، برقم (٥١٥٩)، والحديث صحيح من الوجه الذي أخرجه النَّسائي، فإنه من طريق يزيد بن هارون عن محمد بن إسحاق، وهو ترجيح الدارقطني كما في إجابة السؤال رقم (٣٩٤) التالي.
(٢) أبو الحسن الدارقطني، كتاب العلل (ج٣ /ص٢٦٠ - ٢٦٢)، سؤال رقم (٣٩٤).
[ ٦٨ ]
فَقُولُوا مِثْلَ مَا يَقُولُ الْمُؤَذِّنُ» (١).
فقال - الدارقطني -: حدث به إسحاق بن إبراهيم الحنيني، عن مالك، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد، ووهم فيه على مالك، والصحيح عن مالك عن الزهري، عن عطاء بن يزيد الليثي، عن أبي سعيد، وكذلك رواه أصحاب الموطأ والحفاظ عن مالك، عن الزهري، وكذلك رواه يونس ومعمر، عن الزهري، عن عطاء ابن يزيد عن أبي سعيد، وخالفهم عبد الرحمن بن إسحاق وهو عبَّاد، فرواه عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة ولا يصح فيه سعيد، والصحيح ما ذكرنا " (٢).
٣ - وأحيانًا يتكلم في الراوي جرحًا وتعديلًا، ومثال ذلك: " حديث عطاء بن يزيد عن أبي أيوب ﵁، عن النَّبي ﷺ أنَّه قال: «يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ مَنْ جَاءَ مِنْكُمُ الْجُمُعَةَ فَلْيَغْتَسِلْ، وَإِنْ وَجَدَ طِيبًا فَلا عَلَيْهِ أَنْ يَمَسَّ مِنْهُ، وَعَلَيْكُمْ بِهَذَا السِّوَاكِ» (٣).
فقال - الدارقطني -: يرويه معاوية بن يحيى الصدفي، عن الزهري، عن عطاء بن يزيد عن أبي أيوب قاله إسحاق بن سليمان الرازي عنه، وهو وهم وإنما رواه الزهري عن عبيد ابن السباق مرسلًا عن النَّبي ﷺ، قال ذلك مالك بن أنس وغيره، ومعاوية الصدفي ضعيف
_________________
(١) أخرجه على الوجه الصحيح من طريق الزهري عن عطاء بن يزيد عن أبي سعيد الخدرى: البخاري في الجامع الصحيح (مع الفتح)، كتاب الأذان، باب ما يقول إذا سمع المنادي (ج٢/ ص١٠٧)، برقم (٦١١)، وكذلك أخرجه مسلم في الجامع الصحيح (مع شرح النووي)، كتاب الصلاة، باب استحاب القول مثل قول المؤذن (ج٢/ ص٣٢٠)، برقم (٣٨٣)، وأما الوجه الخطأ فأخرجه ابن ماجة في السنن، كتاب الأذان، باب ما يقال إذا أذن المؤذن (ج١/ ص٢٣٨)، برقم (٧١٨)، وأشار الترمذي إليه وقال:"ورواية مالك أصح" - السنن (ج١/ ص٤٠٧)،برقم (٢٠٨).
(٢) أبو الحسن الدارقطني، كتاب العلل (ج١١/ ٢٦٣ - ٢٦٥)، سؤال رقم (٢٢٧٥).
(٣) أخرجه الطبراني: المعجم الكبير (ج٤/ص١٤٩)، برقم (٣٩٧١)، والحديث ضعيف من هذا الوجه لضعف معاوية بن يحيى الصدفي، ذكره الحافظ في التهذيب (ج١٠ / ص١٨٩)، وخلاصة ذلك: أنَّه ضعيف وما حدث بالشام أحسن مما حدث بالرى، والحديث مُعَلٌّ بالإرسال كذلك.
[ ٦٩ ]
حدثهم بالرَّي بأحاديث من حفظه وهم فيها على الزهري وأما روايته عن الزُّهري فهي من غير طريق إسحاق مستقيمة يشبه أن يكون من كتابه " (١).
قلتُ: والحديث فيه إعلالٌ بعلةٍ ظاهرة وهي ضعف معاوية الصدفي، وفيه علة خفية كذلك وهي علة الإرسال، وهذا دليل على أنَّ الدارقطني كان يُعِلُّ الحديث ببعض العلل الظاهرة ليشير إلى علة خفية كما كان يفعل المتقدمين من أهل الحديث، وسوف نبين ذلك بالتفصيل.
٤ - وأحيانا يذكر أن فلانًا لقى فلانًا، ولم يسمع منه شيئًا ومثال ذلك ما قاله لما سئل عن حديث: " الحسن عن أبي هريرة عن النَّبي ﷺ: «أن الله تعالى يقول انظروا إلى عبدي نام ساجدا وروحه عندي» (٢).
فقال - الدارقطني -: يرويه عباد بن راشد، عن الحسن عن أبي هريرة، عن النَّبي ﷺ
_________________
(١) أبو الحسن الدارقطني، كتاب العلل (ج٦ /ص٩٥)، سؤال رقم (١٠٠٣).
(٢) أخرجه ابن شاهين: عمر بن أحمد بن عثمان، أبو حفص (ت: ٢٩٧هـ)، في ناسخ الحديث ومنسوخه، طبع مكتبة المنار الزرقاء، ١٤٠٨هـ، فقال: "حدثنا محمد بن جعفر بن يزيد المطيري قال: حدثنا حماد بن الحسن، قال: حدثنا حجاج بن نصير، قال: حدثنا المبارك بن فضالة، عن الحسن، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: «إذا نام العبد وهو ساجد يقول الله ﷿: انظروا إلى عبدي روحه عندي وبدنه ساجدًا لي"، (ج١/ص٢٦٥) برقم (٢٠١)، كما ذكره الدارقطني هنا، والحديث رُوي عن أنس كذلك وهو ضعيف، أما قوله: " الحسن لم يسمع من أبي هريرة "، قلتُ: فليس هذا على الإطلاق، والخلاف مشهور بين أهل الحديث، والراجح أنه سمع منه قليل، فإن البخاري قد أخرج في صحيحه من حديث الحسن عن أبي هريرة، ومعلوم شرط البخاري في إثبات السماع، وقد أخرج النَّسائي في السنن، كتاب الطلاق، باب ما جاء في الخلع (ج٦/ ٤٨٠)، برقم (٣٤٦١)، وفيه تصريح أن الحسن سمع من أبي هريرة، فقال النَّسائي: " أخبرنا إسحاق بن إبراهيم قال أنبأنا المخزومي وهو المغيرة بن سلمة قال حدثنا وهيب عن أيوب عن الحسن عن أبي هريرة عن النبي صلى اللهم عليه وسلم أنه قال: المنتزعات والمختلعات هُنَّ المنافقات قال الحسن: لم أسمعه من غير أبي هريرة ". والحديث ضعيف.
[ ٧٠ ]
وقال: حزم بن أبي حزم عن الحسن بلغنا أن رسول الله ﷺ، ولا يثبت سماع الحسن من أبي هريرة، وقيل للشيخ أبي الحسن - الدارقطني - فقد قال موسى بن هارون إنَّه سمع منه، فقال: شعبة أعلم قال ولم يسمع الحسن من أبي هريرة، وحكي لنا عن محمد بن يحيى الذهلي أنه قال: لم يسمع منه " (١).
٥ - وأحيانًا يذكر اسم الراوي أو كنيته وإذا كان فيه خلاف فيبين وجه الصواب، ومثال ذلك ما قاله لما سئل عن حديث: " عبدالرحمن عن أبي هريرة: «سَجَدَ رَسُوْلُ اللهِ ﷺ في إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ» (٢).
فقال - الدارقطني -: يرويه الزهري وصفوان بن سليم، فرواه يزيد بن أبي حبيب وعمر بن صبح، عن صفوان بن سليم، عن عبدالرحمن الأعرج، عن أبي هريرة، وبيَّن نسبه قرة بن عبدالرحمن رواه عن الزهري وصفوان بن سليم، عن عبدالرحمن بن سعد، عن أبي هريرة، ويكنى أبا حميد وليس بعبدالرحمن الأعرج صاحب أبي الزناد؛ لأن ذلك هو عبدالرحمن بن هرمز يكنى أبا داود وهما أعرجان وجميعًا يرويان عن أبي هريرة، وأما عبدالرحمن بن هرمز فإنما يروي هذا الحديث عن أبي هريرة - ﵁ -: «أَنَّ عُمَرَ سَجَدَ فِي إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ»، روى ذلك عنه مالك ومعمر ويونس وغيرهم، عن الزهري حدث به عمر بن شبة، عن أبي عاصم، عن مالك عن الزهري، عن الأعرج، عن أبي هريرة: «أنَّ النَّبي اللهِ ﷺ سَجَدَ فِي إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ»، ووهم فيه عمر بن شبة وهمًا قبيحًا، والصواب عن مالك ما رواه الثقات عنه عن الزهري، عن الأعرج عن أبي هريرة أن عمر سجد " (٣).
_________________
(١) أبو الحسن الدارقطني، كتاب العلل (ج٨/ ص ٢٤٨ - ٢٤٩)، سؤال رقم (١٥٥٢).
(٢) أخرجه على الوجه الصحيح مسلم، الجامع الصحيح (مع شرح النووي)، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب سجود التلاوة (ج٣/ص٨١)، برقم (١٠٩).
(٣) أبو الحسن الدارقطني، كتاب العلل (ج٨/ ص ٢٢٤ - ٢٢٦)، سؤال رقم (١٥٣٤).
[ ٧١ ]