ذكر الحافظ الذهبي في السير: " قال أبو بكر البرقاني: كان الدارقطني يملي عليَّ العلل من حفظه. قلت: إن كان كتاب " العلل " الموجود، قد أملاه الدارقطني من حفظه، كما دلت عليه هذه الحكاية، فهذا أمر عظيم، يقضى به للدارقطني أنه أحفظ أهل الدنيا وإن كان قد أملى بعضه من حفظه فهذا ممكن، وقد جَمع قبله كتاب " العلل " علي بن المديني حافظ زمانه " (٨).
وذكر الحافظ البرقاني _عن طريقة إملاء الدارقطني للعلل - قوله: " فإذا أردتُ تعليق الدارقطني على الأحاديث نظر فيها أبو الحسن، ثم أملى عَلَيَّ الكلام من حفظه فيقول: حديث
_________________
(١) أبو الحسن الدارقطني، كتاب العلل (ج٥/ ص١٨٧).
(٢) المصدر السابق (ج٨/ ص٢٠٦).
(٣) المصدر السابق (ج١ / ص٢٠).
(٤) أبو الحسن الدارقطني، كتاب العلل (التكملة)، (ج١٢ /ص٩٩).
(٥) أبو الحسن الدارقطني، كتاب العلل (ج٤ /ص٢٩٥).
(٦) المصدر السابق (ج٧ /ص١٤٧).
(٧) المصدر السابق (ج١٠ /ص٣٧٠).
(٨) الذهبي، سير أعلام النبلاء (ج١٦ / ص ٤٥٥).
[ ٥٦ ]
الأعمش عن أبي وائل عن عبد الله بن مسعود الحديث الفلاني، اتفق فلان وفلان على روايته، وخالفهما فلان، ويذكر جميع ما في الحديث " (١).
وقيل للدارقطني: " حديث ابن مخلد عن أحمد بن منصور، عن النضر هل سمعته منه؟ قال: لا أحفظه الساعة وهو حديث باطل، ذهب عبدالرحمن بن مهدي وأبو داود إلي زياد بن ميمون فأنكر عليه هذا الحديث، فقال: اشهدوا علىّ أني رجعتُ عنه " (٢).
قلتُ: ويتضح لنا من النصوص السالفة الذكر أن مصادر الدارقطني في التعليل كالآتي:
أولًا: أنَّ الدارقطني كان يعتمد على حفظه الأحاديث المعلولة عن مشايخه، وعلى استحضار الطرق في الحديث، فقد كانوا يتعلمون المعلول من الحديث كما يتعلمون الصحيح السالم من العلل، وهذا معلوم ومشاهد بالاستقراء وبالتواتر.
ثانيًا: أنَّ الدارقطني اعتمد على بعض مصنفات أئمة الحديث والتي صرح بها كما سبق، واعتمد على مصادر لم يذكرها ربما استفاد منها، ومثال ذلك: كتاب العلل للإمام ابن أبي حاتم الرازي، وكتاب علل الإمام أحمد بن حنبل، وكتاب الإمام الترمذي وغيرهم ممن كانت لهم كتبٌ مشهورة صنفت في العلل قبل الدارقطني، قفد ذكر ابن أبي شيبة اهتمام السلف بكتب أئمة الفن قبلهم فقال:" سمعت عليًا - ابن المديني - يقول أبو عوانة باع كتابه، سمعت عليًا يقول: كنت إذا قدمت الى بغداد منذ أربعين سنه كان الذي يذاكر أحمد بن حنبل فربما اختلفنا في الشيء فنسأل أبا زكريا يحيى بن معين فيقوم فيُخرِّجه" (٣).
وقال الدكتور محفوظ الرحمن في مقدمة العلل: " والحقيقة أن الدارقطني استفاد كثيرًا من مشايخه تلقيًا ومشافهة ومن مصنفاتهم منهم: محمد بن مخلد، ويحيى بن صاعد، والمحاملي
_________________
(١) الخطيب البغدادي، تاريخ بغداد (ج١٢ / ص ٣٧).
(٢) أبو الحسن الدارقطني، كتاب العلل، (التكملة)، (ج١٥/ ص٩).
(٣) ابن أبي شيبة: محمد بن عثمان، أبو جعفر الكوفي (ت: ٢٣٩ هـ)، سؤالات ابن أبي شيبة لعلي بن المديني رواية جعفر بن محمد بن الخواص عنه، دار البشائر، بيروت (ص٨١).
[ ٥٧ ]
وابن أبي داود، وأبو بكر الشافعي وغيرهم، كما أنه استفاد من مؤلفات المتقدمين - وإن لم يصرح بها - مثل مؤلفات سفيان الثوري وسفيان بن عيينة وحماد بن سلمة وابن المبارك ووكيع، وأبي داود الطيالسي، وعبد الرزاق، والحميدي، ويحيى بن معين وأحمد بن حنبل، وأحمد بن منصور الرمادي، وعمر بن شبَّة، ويعقوب بن شيبة، والترمذي والبزار وغيرهم - ممن يصعب إحصاؤهم - الذين يذكر أسماءهم في الأسانيد التي ساقها في هذا الكتاب، ولا نستطيع أن نحدد، لأنَّه كان يملي العلل من حفظه، فيجوز أن تكون استفادته من مؤلفاتهم، أو مما تلقاه من مشايخه الأفذاذ، والله أعلم " (١).
قلتُ: والتحقيق أنَّ الدارقطني صرح بأنَّهُ استفاد من كتب حماد بن سلمة، وكذلك من مسند البزار، فأما حماد بن سلمة فقد قال الدارقطني: " ولا يثبت هذا الحديث لأنه ليس في كتب حماد بن سلمة المصنفات " (٢)، وأما البزار فقد قال الدارقطني: " رواه عن ابن أبي ذئب عن سعيد المقبري عن أبي هريرة، وهو الصواب، وحدث به أحمد بن عمرو بن عبد الخالق البزار في المسند في حديث مالك عن المقبري " (٣)، وعلى كل حال يمكن حصر احتمالات المصادر التي استفاد منها الدارقطني من كتب الأولين ولم يصرح بها في ثلاثة احتمالات:
١ - احتمال أن الدارقطني كان يحفظ الطرق، وعلة الحديث من مشايخه بالاستيعاب الذي ليس فيه شك فيستحضر الطرق والعلة من الذاكرة والحافظة، ولا ينظر إلى مرجع.
٢ - واحتمال أنَّه كان يحفظ لكنه غير مستوعب للطرق في الحديث فينظر في المصادر التي عنده فيستحضر بقية الطرق في الحديث ثم يملي الطرق والعلة بعد ذلك.
٣ - واحتمال أنَّه لم يكن يستحضر الطرق والعلة في الحديث، فينظر في المصادر.
_________________
(١) محفوظ الرحمن زين الله السلفي، مقدمة تحقيق العلل (ج١ / ص ١٠٠ - ١٠١).
(٢) أبو الحسن الدارقطني، العلل (ج٥ / ص ٣٤٦).
(٣) المصدر السابق (ج١٠ / ص ٣٧٠).
[ ٥٨ ]
ويدل على ذلك على سبيل المثال لا للحصر عدة قرائن، وإلا فهي كثيرة نذكر منها:
القرينة الأولى:
أنَّ الدارقطني ذكر حديث " أبي صالح عن أبي هريرة عن النَّبي ﷺ: «مَنْ جَلَسَ فِي مَجْلِسٍ كَثُرَ فِيهِ لَغَطُهُ فَقَالَ قَبْلَ أَنْ يَقُومَ سُبْحَانَكَ رَبَّنَا وَبِحَمْدِكَ» (١)، فقال الدارقطني: وقال أحمد بن حنبل حدث به ابن جريج عن موسى بن عقبة وفيه وهم والصحيح قول وهيب، وقال وأخشى أن يكون ابن جريج دلسه عن موسى بن عقبة أخذه من بعض الضعفاء عنه، والقول كما قال أحمد " (٢).
قلتُ: والمعلوم أن الدارقطني لم يدرك الإمام أحمد، فإنَّ الإمام أحمد توفي سنة ٢٤١ هجرية، وكان مولد الدارقطني سنة ٣٠٦ هجرية فبينهما رجلين على أقل تقدير، وكون أنَّهما من بغداد، فلا شك أنه استفاد من بعض كتبه، فقد نقل الإمام الدارقطني في العلل ما يقارب ثلاثة وعشرين قولًا للإمام أحمد بن حنبل.
والقرينة الثانية: قال الإمام البرقاني: " قلت له فإنَّ البخاري فيما ذكره أبو عيسى عنه حكم بحديث الحسن بن عُبيد الله على حديث الأعمش قال الشيخ - يعني الإمام الدارقطني -: وقول الحسن بن عبيدالله عن قرثع غير مضبوطٍ، لأن الحسن بن عبيدالله ليس بالقوي ولا يقاس بالأعمش وروى هذا الحديث أبو بكر بن عياش عن الأعمش عن إبراهيم عن علقمة عن عبدالله بن مسعود عن أبي بكر وعمر" (٣).
_________________
(١) أخرجه الترمذي في السنن، كتاب الدعوات، باب ما يقول إذا قام من المجلس، (ج٥/ص ٤٩٤)، رقم (٣٤٣٣)، ووجه العلة التي أشار إليها الدارقطني عنعنة ابن جريج وهو مدلس.
(٢) أبو الحسن الدارقطني، كتاب العلل (ج٨ / ص ٢٠٤).
(٣) أبو الحسن الدارقطني، كتاب العلل (ج٢ / ص ٢٠٤).
[ ٥٩ ]
قلتُ: وهذا الحديث بعينه في كتاب العلل الكبير للترمذي فقد قال: «مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَقْرَأَ الْقُرْآنَ غَضًّا كَمَا أُنْزِلَ فَلْيَقْرَاهُ مِنِ ابْنِ أُمِّ عَبْدٍ» (١)، سألت محمدًا - يعني البخاري - عن هذا الحديث فقال: هذا حديث عبدالواحد، عن الحسن بن عبيدالله، قال محمد - يعني البخاري -: والأعمش يروي هذا عن إبراهيم، عن علقمة، عن عمر، ولا يذكر فيه قرثعا، وعبد الواحد بن زياد يذكر عن الحسن بن عبيد الله هذا الحديث ويزيد فيه: عن قرثع. قال محمد -يعني البخاري-:وحديث عبدالواحد عندي محفوظ " (٢).
والقرينة الثالثة: قال الإمام البرقاني: "وسئل عن حديث محارب بن دثار عن ابن عمر قال رسول الله ﷺ: «أَبْغَضُ الْحَلاَلِ إِلى اللهِ الطَّلاَقُ» (٣).
فقال - الدارقطني -: يرويه عبيد بن الوليد الوصَّافي، عن محارب كذلك، ورواه مُعَرَّف ابن واصل، واختلف عنه: فرواه محمد بن خالد الوهبيّ، عن مُعَرَّف، عن محارب، عن ابن عمر، عن النَّبي ﷺ، ورواه أبو نعيم، عن معرف عن محارب مرسلًا، عن النَّبي ﷺ " (٤).
قلتُ: الحديث ضعيف مُعلٌّ بالإرسال، لكون المرسل أصح، وهو بعينه في علل الإمام ابن أبي حاتم قال: " وسألت أبي عن حديث رواه محمد بن خالد الوهبيّ، عن الوصافي عن محارب بن دثار، عن عبدالله بن عمر، عن النَّبي ﷺ قال: «أَبْغَضُ الْحَلاَلِ عِندَ اللهِ الطَّلاَقُ»، ورواه أيضًا محمد بن خالد الوهبيّ عن معرف بن واصل عن محارب بن دثار عن عبد الله بن عمر عن النَّبي ﷺ مثله، قال أبي إنَّما هو محارب عن النَّبي ﷺ مرسلًا (٥).
_________________
(١) أخرجه أحمد بن حنبل: المسند، طبعة دار البشير، عمان، تحقيق الشيخ شعيب الأرناؤوط، مسند العشرة المبشرين بالجنة، (ج١/ ص٧)، حديث رقم (٣٥)، وهو حديث عبدالواحد المحفوظ.
(٢) الترمذي: محمد بن عيسى الترمذي، أبو عيسى، كتاب العلل الكبير (حديث رقم ٤٢٧).
(٣) أبو داود: سليمان بن الأشعث السجستاني (ت: ٢٧٥هـ)، السنن، طبعة دار الفكر، تحقيق محيي الدين عبد الحميد، كتاب الطلاق، باب كراهية الطلاق، (ج١/ ص٦٦١) (برقم ٢١٧٨).
(٤) أبو الحسن الدارقطني، كتاب العلل، (التكملة) (ج١٣ / ص٢٢٥) سؤال رقم (٣١٢٣).
(٥) ابن أبي حاتم: عبد الرحمن بن أبي حاتم محمد بن ادريس الحنظلي الرازي (ت: ٣٢٧ هـ)، كتاب العلل الطبعة الأولى، مطابع الجريسي الرياض سنة ١٤٢٦ هـ (رقم المسألة ١٢٩٧).
[ ٦٠ ]
والقرينة الرابعة: قال الإمام البرقاني في العلل: " سئل عن حديث يروى عن مكحول عن أبي أيوب قال رسول الله ﷺ: «مَنْ مَسَّ فَرْجَهُ فَلْيَتَوضَأ» (١)، فقال - الدارقطني -: يُروى عن ابن لهيعة، عن إسحاق بن أبي فروة، عن مكحول هكذا، ورواه سعيد بن عبد العزيز والنعمان، عن مكحول، عن عنبسة بن أبي سفيان، عن أم حبيبة وهو المحفوظ " (٢).
قلتُ: والحديث بعينه عند الترمذي في العلل الكبير قال: " حدثنا محمد بن سهل بن عسكر البغدادي، حدثنا أبو مسهر، حدثني الهيثم بن حميد، حدثنا العلاء بن الحارث، عن مكحول، عن عنبسة بن أبي سفيان، عن أم حبيبة، أنها سمعت النبي ﷺ يقول: «مَنْ مَسَّ فَرْجَهُ فَلْيَتَوضَأ». وسألتُ محمدًا عن هذا الحديث فقال: مكحول لم يسمع من عنبسة، روى عن رجل، عن عنبسة، عن أم حبيبة: «مَنْ صَلى فِي يَوْمٍ وَلَيلةَ ثِنْتي عَشَرةَ رَكْعَةَ». وسألت أبا زُرعة عن حديث أم حبيبة فاستحسنه، ورأيته كأنه يعده محفوظا " (٣).
مما سبق يتضح لنا عدة نتائج هامة:
١ - أنَّ الدارقطني كان واسع الاطلاع والمعرفة، اعتمد على كثير من مصنفات الأولين.
٢ - أنَّهُ كان يضم إلى حفظه من مشايخه الخلاف والمتون، حفظ مصنفات أهل الحديث.
٣ - أنَّهُ كان دقيق العبارة، مُلمًّا بطرق الحديث، متوسّعًا في التخريج ومعرفة العلل.
_________________
(١) أبو داود: سليمان بن الأشعث السجستاني، السنن، كتاب الطهارة، باب باب الوضوء من مس الذكر (ج١/ص٩٥)، برقم (١٨١)، والحديث فيه خلاف مشهور، والراجح فيه ثبوته.
(٢) أبو الحسن الدارقطني، كتاب العلل (ج٦ / ص ١٢٤)، سؤال رقم (١٠٢٣).
(٣) الترمذي: محمد بن عيسى الترمذي، أبو عيسى، كتاب العلل الكبير، حديث رقم (٣٧).
[ ٦١ ]