من المفردات الشائعة في الحياة العسكرية جمعاء: (العسكر)، والذي يعني: مجتمع الجيش، والجيش نفسه (٦)، والمجتمع الذي فيه السلاح
_________________
(١) اللسان (عسكر): ٤/٥٦٨، وشفاء الغليل: ٢١٢.
[ ٤٦٩ ]
والرجال والخيل (١) .
وهو فارسي معرَّب (لشْكَر) (٢)، أبدلت اللام فيه عينا (عشكر)، والشين سينا (عسكر) وإنما لم تبقَ العين مع وجود اللام في العربية؛ لأنّ اللام لا توجد هكذا في أمثلة الرباعي إلا في نحو (لَجْلَج) (٣)
وقد عرف العرب مادة (ع س ك ر)، واستعملوها في معان خاصة، مثل: الشِدَّة والجدْب، من ذلك قول طرفة:
ظلّ في عسكرة من ُحبِّها ونأتْ شحْطَ مزار المدَّكر
أي: ظلّ في ِشدة من حبِّها وحَيْرة (٤) . وعساكر القوم: ما ركب بعضه بعضا وتتابع، وعسْكُرالليلِ: ظلْمتُه، والعسكر الجمع، وعسكر مكرم: اسم بلد معروف، وعسكرٌ من مال: أي كثير (٥) .
أما اختصاص (العسكر) بالجيش، فقد عرفه العرب عن طريق اللغة الفارسية؛ إذ سمعوا الفرس يقولون: (لشكر) أي: الجيش المحارِب، فعرّبوها وقالوا: (عسكر) (٦) . والذي دعاهم لذلك: أنه لا يوجد في كلام العرب شين بعد لام، كما قال ابن سيدة (ت٤٥٨؟) في المحكم: «ليس في كلام العرب شين بعد لام في كلمة عربية محضة. الشينات كلها في كلام العرب قبل اللامات» (٧)؛ ولهذا قال أبو
_________________
(١) تصحيح الفصيح وشرحه، لابن درستويه: ٤٨٨، والصحاح: ٢/٦٤٠.
(٢) شرح الفصيح، للزمخشري: ٢/٦٧٢
(٣) التعريب في القديم والحديث: ٦٩، والمخصص: ١٤/٢٢٤.
(٤) ديوان طرفة: ٥٢.
(٥) اللسان (عسكر): ٤/٥٦٧، والعشرات في غريب اللغة: ١٠٥، ورسالة في الكلمات المعربة: ٨٠٣.
(٦) التعريب في القديم والحديث: ٨٢، والمزهر: ١/٢٨٠.
(٧) المزهر: ١/٢٧٥.
[ ٤٧٠ ]
منصور الجواليقي (ت٥٤٠ هـ): «اعلم أنهم كثيرا ما يجترئون على تغيير الأسماء الأعجمية إذا استعملوها، فيبدلون الحروف التي ليست من حروفهم إلى أقربها مخرجا. وربما أبدلوا ما بعُد مخرجه أيضا، والإبدال لازم؛ لئلا يدخلوا في كلامهم ما ليس من حروفهم. وربما غيروا البناء من الكلام الفارسي إلى أبنية العرب. وهذا التغيير يكون بإبدال حرف من حرف، أو زيادة حرف، أو نقصان حرف، أو إبدال حركة بحركة، أو إسكان متحرّك، أو تحريك ساكن. وربما تركوا الحرف على حاله لم يغيّروه» (١) .
وعلى هذا فإنّ الشين في (لشكر) الفارسية، قد أصبحت سينا في اللغة العربية عن طريق التعريب؛ ذلك لأن الشين والسين من الأصوات المتقاربة في الصفة، المتباعدة في المخرج (٢)؛ إذ إن مخرج السين من طرف اللسان وفُويق الثنايا، ومخرج الشين من وسط اللسان بينه وبين وسط الحنك الأعلى (٣) .
وكأني بالعرب قد تأثّروا بلهجاتهم في قلب الشين في (عشكر) سينا؛ جريا على عاداتهم النطقية في مثل: عطس فسمّته وشمّته (٤)، وحُمِس الرَّجل وحُمش: إذا اشتدّ غضبه (٥)، والدّست والدشت بمعنى الصحراء (٦)، وسعرتُ وشعرت (٧) .
_________________
(١) المعرب، للجواليقي: ٩٤، والمزهر: ١/٢٧٣.
(٢) الاشتقاق، لعبد الله أمين: ٢٥٢.
(٣) الكتاب: ٤/٤٣٣.
(٤) الإبدال، لابن السكيت: ٤١.
(٥) درة الغواص: ١١٠.
(٦) الإبدال، لأبي الطيب: ٢/١٦٣، والمزهر:١/٢٧٥.
(٧) الدراسات اللغوية عند العرب إلى نهاية القرن الثالث: ٤٧٠.
[ ٤٧١ ]