من أدوات الحرب القديمة (المنجنيق) بفتح الميم وكسرها، وهو: آلة حربية من آلات الحصار، كانت تُرمى بها الحجارة وغيرها من القذائف (٣) . وكانت بداياته الأولى عبارة عن قاعدة خشبيّة سميكة مستطيلة الشكل، يرتفع في وسطها عمود خشبي يَُّركّب في أعلاه ذراع المنجنيق؛ لقذف القذائف المختلفة، بواسطة حبال وأوتار سميكة؛ لتوليد طاقة كافية لعملية القذف، بواسطة رافعة للمنجنيق (٤) .
و(المَِنْجَنيق) لفظ فارسي معرَّب من (جَهْ نِيْك) أي: أنا ما أجودني (٥)، أو أنا شيء جيّد؛ لأنه لا تُجمع الجيم والقاف في كلمة عربية، غير اسم صوت بكسر الميم (٦) . وقيل: إنه معرّب (منْك جَنْك نِيْك)، ومعناه: أسلوب جيّد للحرب (٧)، أو
_________________
(١) معجم المصطلحات العسكرية: ١٤١، ومعجم المذكر والمؤنث: ١٨٤، والإعداد المعنوي والمادي للمعركة: ٣٢٥.
(٢) التسليح الشخصي والعام في صدر الإسلام: ٢٨.
(٣) القاموس المحيط: ١١٢٦.
(٤) معجم الألفاظ والتراكيب المولدة في شفاء الغليل: ٤٨٢- ٤٨٣.
(٥) الألفاظ الأعجمية في روايات غريب الحديث والأثر: ١٧٦، وشفاء الغليل: ٢٧٥.
[ ٤٧٨ ]
(منْجَك نيك)، ومعناها: الارتفاع إلى فوق (١) .
وقد رجّح (أدّي شير) فارسية اللفظ من (منْك جَنْك نِيْك) (٢) . إلا إن المراجع الحديثة تؤكّد يونانية اللفظة (منكنيكون - Magganik،on)، وأن اليونانيين قد نقلوها عن الفينيقيين قديما، ثم انتشرت في أنحاء المعمورة، فدخلت الآرامية (منجنيقا)، ومنها إلى العربية (منجنيق) (٣) .
و(المنجنيق) أنثى، وبعض العرب يسمّيها منْجَنُوق، قال الفراء (ت ٢٠٧هـ): «حُكيت لي ولم أسمعها عن العرب» (٤) .
وفي (المنجنيق) لغتان: (المنجَنُوق، والمنجليق) . والجمع: (مجَانِق ومجانيق ومنْجَنيقات) (٥) .
وقد حدث خلاف بين أئمة النحو في نون (منجنيق) الواقعة بعد الميم، أهي أصلية أم زائدة؟ فقال قوم: النون أصلية، ومن ثَمّ وزنها (منْفَعيل)، وهذا الوزن غير موجود في الكلام (٦) . وقال بعضهم: ودالّ أيضا على أن النون زائدة، وعلى هذا فوزنه (فنعليل)؛ لأن النون لو كانت
_________________
(١) المفصل في الألفاظ الفارسية: ١٤٩، ومعجم المصطلحات العسكرية: ١٤١.
(٢) الألفاظ الأعجمية في روايات غربي الحديث والأثر:١٧٦.
(٣) التسليح الشخصي والعام في صدر الإسلام: ٢٦، والتعريب في القديم والحديث:٥٢، والمعرب:٥٧٢
(٤) المذكر والمؤنث للفرّاء: ٩٠، والمذكر والمؤنث، للسجستاني: ١٧٨
(٥) المعرب: ٥٧١، والألفاظ الأعجمية في روايات غريب الحديث والأثر: ١٧٥، والمذكر والمؤنث، للفرّاء:٩٠، ومعجم المؤنثات السماعية: ١٨٠، ومعجم المذكر والمؤنث: ١٨٤، والمذكر والمؤنث، للأنباري:١/٥١٢، والقاموس المحيط: ١١٢٦
(٦) المنصف:١٥٤
[ ٤٧٩ ]
أصلية لثبتت (١)، كما إن فيه زيادة حرفين في أول اسم غير جار على فعله مثل: منْطَلِق، وهو نادر (٢) . والذي يظهر: أن النون الأولى الواقعة بعد الميم في (منجنيق) نون زائدة؛ إذ لو أردنا البحث في الأصل الثلاثي لهذه اللفظة، لوجدناها تتكون من) ج ن ق)، بإثبات النون الثانية، إذ لوكانت النون الأولى أصلية لكان جذر الكلمة (ن ج ق)، كما إن النون الأولى تُحذف مع جمع التكسير: (مجانيق، مجانق) (٣)، مما يبرهن زيادتها.
كما حدث خلاف في ميم (منجنيق) أهي أصلية أم زائدة؟، والراجح أن الميم أصلية، والدليل على ذلك: استقرار زيادة النون الأولى بدليل قولهم: (مجانيق) بحذفها. ولو كانت أصلية لقلت: (مناجيق)، فإذا أثبت زيادة النون الأولى ثبتت بذلك أصالة الميم؛ إذ لو كانت زائدة والنون بعدها زائدة، لأدّى ذلك إلى اجتماع زيادتين في أول كلمة، وذلك لا يوجد إلا في الأفعال، نحو: (انطلق، ومنطَلق) . و(منجنيق) ليس باسم جار على الفعل. فإذا ثبتت أصالة الميم وزيادة النون الأولى، وجب أن يُقضى على النون الثانية بالأصالة؛ لأنك لو جعلتها زائدة، لكان وزن الكلمة (فنعليلا)، وذلك بناء غير موجود (٤) .كما يرى ابن جني (ت٣٩٣هـ) أن الميم أصلية، وفي ذلك يقول: «والقول فيه عندي أنه مشتق من (المنجنيق) إلا إن فيه ضربا من التخليط، وكان قياسه (مجْنقُوهم،
_________________
(١) المصدر نفسه: ١٥٣ –١٥٤
(٢) شرح الشافية: ٢/٣٥٠، والكتاب:٤/٣٠٩
(٣) الكتاب: ٤/٣٠٩، والبيان والتبيين: ٣/٤٠٠، والقاموس المحيط:١١٢٦
(٤) الممتع في التصريف: ١/٢٥٣، واللباب في علل البناء والإعراب: ٢/٢٥٤ –٢٥٥، والنهاية في غريب الحديث والأثر:١٦٩
[ ٤٨٠ ]
وتمجْنق)، ولكنهم إذا اشتقوا من الأعجمي خلّطوا فيه؛ لأنه ليس من كلامهم فاجترءوا عليه فغيروه، وذلك أن الميم وإن كانت هنا أصلا فإنها قد تكون في غير هذه الكلمة زائدة، فشبّهت بالزائد فحذفت عند اشتقاقهم الفعل» (١) . والسبب في ذلك: أن الكلمة أعجمية، والعرب قد تخلّط في اشتقاقها من الأعجمية؛ لأنها ليست من كلامهم (٢) .
_________________
(١) المنصف:١٥٣
(٢) الممتع في التصريف: ١/٢٥٣، واللباب: ٢/٢٥٤ –٢٥٥
[ ٤٨١ ]