لما فرغ من بيان الفرائض شرع في بيان النوافل، وأخرها لأنها شرعت مكملات ومتممات لها.
وإنما جمع بينهما لأن الوتر يناسب النفل من حيث أنه زيادة على المفروض كالنفل.
ولأنه نفل عندهما وعند الشافعي رحمهم الله تعالى.
وقال الجوهري رحمه الله تعالى:
[ ٣٠ ]
الوتر بالكسر: الفرد. وفي الدرر: الوتر فرض عملي لا اعتقادي وهو المراد بما روي أنه واجب.
وفي الظهيرية: أنه فريضة عملًا لا علمًا، وواجب علما، وهو سنة مؤكدة عندهما فلا يكفر جاحده، تفريع على كونه غير اعتقادي ويقضى تفريع على كونه فرضًا إذ لو كان سنة لم يقض.
وفي شرح الطحاوي: قال الأعمش١ ﵀: الوتر أعلى درجة من السنة، حتى لو تركها ناسيا أو عامدا يجب عليه قضاؤها وإن طالت المدة وأنها لا تؤدى على الراحلة من غير عذر وأنها لا تجوز إلا بنية الوتر ولو كانت سنة لكفته نية الصلاة كما في التطوع أو السنة.
وأجمعوا على أنه أدون درجة من الفريضة حتى لو جحدها جاحد لا يكفر.
ولو كانت فريضة لكان جاحدها كافرا كجاحد إحدى الصلوات الخمس.
وأنه ليس لها أذان ولا إقامة، وأنه يجب القراءة في الركعة الثالثة، ولو كانت فرضا لما وجبت القراءة في الركعات كلها.
فأبو حنيفة ﵀: ألحق حكمها بالفرائض وهما رحمهما الله ألحقا حكمهما بالسنة.
وفي التتمة: الاقتداء بالوتر خارج رمضان يجوز، وكذا في النوازل، وفي الواقعات: أنه لا يجوز.
وفي الاختيارات: والمعنى من عدم الجواز: الكراهية لا عدم أصل الجواز، وبأن الروايتين تخالفان الإجماع لأن أداء الوتر بالجماعة يختص بشهر رمضان لانعقاد الإجماع عليه من زمن رسول الله ﷺ إلى يومنا هذا، وانعقاد الإجماع يكفي دليلا على عدم أصل الجواز.
_________________
(١) ١ أبو محمد سليمان بن مهران مولى بني كاهل من ولد أسد المعروف بالأعمش الكوفي الإمام المشهور. كان ثقة عالمًا فاضلًا، ولد سنة ستين للهجرة، وقيل: سنة إحدى وستين وتوفي سنة ثمان وأربعين ومائة. وقيل غير ذلك. انظر وفيات الأعيان ١/٢٦٧ وما بعدها وتذكرة الحفاظ للذهبي ١/١٥٤ ميزان الاعتدال ٢/٢٢٤ وشذرات الذهب ١/٢٢٠ وما بعدها.
[ ٣١ ]
الوجوب: اللزوم، يقال: أوجب البيع أي لزم وتقرر، وأوجب الرجل: إذا عمل ما يجب به الجنة أو النار، ويقال للحسنة: موجبة وللسيئة: موجبة. كذا في الصحاح والمغرب.
الواجب: ما ثبت بدليل فيه شبهة. وحكمه: حكم الفرض عملا لا اعتقادا حتى لا يكفر جاحده.
وفي التعريفات للشريف: "الواجب في العمل اسم لما لزم علينا بدليل فيه شبهة كخبر الواحد والعام المخصوص والآية المؤولة كصدقة الفطر والأضحية.
الحسنة: ما يتعلق المدح في العاجل والثواب في الآجل.
والسيئة: ما يتعلق الذم في العاجل والعقاب في الآجل.
والثواب: جزاء الطاعة.
والجزاء: العوض والمستحق.
والعوض: ما يعطى في مقابلة العمل.
والأجر: هو الثواب. والطاعة: الانقياد.
والمكروه: ما ثبت النهي فيه مع العارض، وحكمه: الثواب بتركه وخوف العقاب بالفعل، وعدم الكفر بالاستحلال.
فالأحكام سبعة:
الواجب: وهو ما يثاب على فعله ويعاقب على تركه.
والمندوب١: وهو ما يثاب على فعله ولا يعاقب على تركه.
والمباح: ما يستوي جانباه.
والمحظور: ما يعاقب على فعله.
_________________
(١) ١ الندب في اللغة: بمعنى الدعاء، ندبه إلى أمر أي: دعاه إليه، ومنه قول قريظ بن أنيف العنبري: لا يسألون أخاهم حين يندبهم في النائبات على ما قال برهانًا ويأتي بمعنى أثر الجرح إذا لم يرتفع عن الجلد، وبمعنى الندب على الميت أي: تعداد محاسنه، والجمع: ندب وأنداب وندوب.
[ ٣٢ ]
والمكروه: ما يثاب على تركه.
والصحيح: ما يتعلق به النفوذ ويعتد به.
والباطل: ما يتعلق به النفوذ ولا يعتد به.
النفل: في اللغة مطلق الزيادة: وفي الشرع الزيادة على الفرائض والواجبات، ومنه نافلة الصلاة بالإضافة، والنافلة أيضا بالقطع للتعريف.
وفي الصحاح: النفل والنافلة: عطية التطوع من حيث لا يجب.
والعطية: الشيء المعطى.
وفي التعريفات: النفل في الشرع: اسم لما شرع زيادة على الفرائض والواجبات وهو المسمى بالمندوب والمستحب والتطوع. والمستحب: ما يستحسن فعله في الشرع، والمستحسن: ما يعد به حسنا.
والتطوع بالشيء: التبرع به، والتبر: "دادن نه برسبيل وجوب"١.
والسنة: الطريقة المسلوكة في الدين تشمل قوله وفعله ﷺ، وهي في اللغة: عبارة عن مطلق الطريق خيرا كان، أو شرا وفي الشريعة عبارة عن الخضوع والخشوع والتذلل فيما أمر.
والأدب: ما فعله ﷺ مرة وتركها أخرى، وفي البزازية الأدب ما فعله الشارع ﵇ مرة وتركها أخرى.
والسنة: ما واظب عليه ﷺ ولم يترك إلا مرة أو مرتين.
وفي الغاية: السنة: ما في فعله ثواب وفي تركه ملامة وعتاب لا عقاب. وبكذا قال الإمام خواهر زاده٢.
والحديث: مختص بالقول.
_________________
(١) ١ كلمات فارسية. ٢ هو الإمام "محمد بن الحسين بن محمد بن الحسين البخاري" المعروف ببكر خواهر زاده، كان إمامًا فاضلًا، وهو صاحب كتاب المبسوط المعروف "بمبسوط خواهر زاده" توفي سنة ثلاث وثمانين وأربعمائة. راجع الجواهر المضية ١/٢٣٦ و٢/٤٩ والفوائد البهية ص ١٦٣، وكشف الظنون ٢/١٥٨٠.
[ ٣٣ ]
والبدعة: خمسة، واجبة: كنظم الدلائل لرد شبهة الملاحدة وغيرهم. ومندوبة: كتصنيف الكتب وبناء المدارس ونحوها. ومباحة: كالبسط في الألوان والأطعمة وغيرها. ومكروهة وحرام وهما ظاهران. كذا ذكر في شرح المشارق عن العلماء من السلف.
التراويح: جمع ترويحة وهي في الأصل مصدر لكن غلبت التسمية بالترويحة لاستراحة القوم بعد كل أربع ركعات. وفي شرح مختصر القدوري: الترويحة الجلسة أصلا ثم سمى الركعات التي أجزنا الترويحة بها
كما أطلقوا اسم الركوع على الوظيفة التي تقرأ في القيام لأنها متصلة بالركوع.
وفي المحيط: التراويح سنة لأن النبي ﷺ قد أقامها في بعض الليالي وبين العذر في ترك المواظبة عليها وهو خشية أن يكتب علينا، ثم واظب عليها الخلفاء الراشدون رضوان الله تعالى عليهم أجمعين وجموع المسلمين من زمن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه إلى يومنا هذا.
وقد قال ﵇: "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي" ١. وقال ﷺ: "أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم" ٢. وقال ﷺ: "ما رآه المؤمنون حسنا فهو عند الله حسن" ٣.
_________________
(١) ١ وهذا الحديث جزء من حديث العرباض بن سارية والذي أخرجه الترمذي في باب العلم ٧/٤٣٩ وقال عنه: حديث حسن صحيح، وأبو داود في كتاب السنة ١٢/٣٥٩ وابن ماجه ١/١٥ والدارمي ١/٤٤. ٢ هذا جزء من حديث عبد الله بن مسعود وأوله: "إن الله نظر في قلوب العباد فوجد قلب محمد ﷺ خير قلوب العباد فاصطفاه لنفسه فابتعثه برسالته، ثم نظر في قلوب العباد بعد قلب محمد ﷺ فوجد قلوب أصحابه خير قلوب العباد فجعلهم وزراء نبيه يقاتلون عن دينه". قال العجلوني فيه: إنّه موقوف حسن، وقد أخرجه البزار والطيالسي والطبراني وأبو نعيم والبيهقي. ونقل عن ابن الهادي أنه مرفوع عن أنس بإسناد ساقط والأصح وقفه على ابن مسعود. انتهى كلامه مع تصرف يسير. يرجع إلى مسند الإمام أحمد بن حنبل ١/٣٧٩ وكشف الخفا ٢/١٨٨. ٣ هذا الحديث رواه البيهقي وأسنده الديلمي عن ابن عباس على ما حكاه العجلوني، وروي بمعناه على ما أخرجه السجزي وابن عساكر والبيهقي وابن عدي كلهم عمن عمر بن الخطاب قال: ابن الجوزي عنه: هذا الحديث لا يصح، لأنّ في سنده نعيمًا وهو مجروحٌ، وعبد الرحيم قال عنه ابن معين كذاب. وفي الميزان هذا الحديث باطل اهـ. والكلام عليه كثيرٌ، وأكثر أهل العلم على تضعيفه. راجع كشف الخفا ١/١٣٢ وفيض القدير ٤/٧٦.
[ ٣٤ ]
قيل الحكمة في ركعات التراويح بعشرين توافقها الفرائض الاعتقادية والعملية، وقال مالك ﵀: وهي ستة وثلاثون ركعة كذا في التبيين. وفي شرح الطحاوي: عن الحسن١ عن أبي حنيفة رحمهم الله تعالى: التراويح سنة للرجال وللنساء جميعا توارثها الخلف عن السلف.
وقال قوم من الروافض: سنة الرجال دون النساء، وقال قوم: ليست بسنة أصلا أي: لا للرجال ولا للنساء وإنما أحدثها العمر ﵁.
وعند أهل السنة والجماعة هي سنة رسول الله ﷺ مطلقا لما مر من الذكر آنفا.
_________________
(١) ١ هو الحسن بن زياد اللؤلؤي الكوفي: صاحب أبي حنيفة، كان يقظًا فطنًا نبيهًا صحب أبا حنيفة وولي القضاء بالكوفة، ثم استعفى، وكان محبًا للسنة واتباعها وحافظًا للروايات عن أبي حنيفة. توفي سنة أربع ومائتين. راجع الجواهر المضية ١/١٩٣ والفوائد البهية ص ٦١ ومعجم المؤلفين ٣/٢٢٦.
[ ٣٥ ]