الوديعة: هي أمانة تركت للحفظ، والمضاربة للاسترباح، فكانت أكثر وجودا من الوديعة، ولهذا أخره عنها.
والإيداع في اللغة: تسليط الغير على الحفظ، وركنها: الإيجاب والقبول، وشرطها: كون المال قابلا لإثبات اليد ليتمكن من حفظه، حتى لو أودعه الآبق أو المال الساقط في البحر لا يصح وكون المودع مكلفًا شرط لوجوب الحفظ عليه.
وفي النهاية قال: الوديعة أمانة في يد المودع، فإن قيل: الوديعة والأمانة كلاهما عبارتان عن معنى واحد، فكيف جوز بينهما المبتدأ والخبر، ولا يجوز إيقاع اللفظين المترادفين مبتدأ وخبرا إلا على طريق التفسير، كقولك: الليث أسد، والجيش منعة، ومراد المصنف رحمه الله تعالى هنا ليس تفسير الوديعة بالأمانة!
قلنا: جواز ذلك هاهنا بطريق العموم والخصوص، فإن الوديعة خاصة والأمانة عامة وحمل العام على الخاص صحيح دون العكس.
فالوديعة هي الاستحفاظ قصدًا، والأمانة هي الشيء الذي دفع في يده، سواء كان
[ ٩٢ ]
قصدًا أو من غير قصد، يقال: أودعت زيدًا مالًا، واستودعته إياه، إذا دفعته إليه ليكون عنده وديعة، فأنا مودع ومستودع بالكسر، وزيد مودِع ومستودَع بالفتح، والمال مودَع ومستودع أيضا أي: وديعة كذا في المغرب.
الأمانة: خلاف الخيانة، وهي مصدر أمن الرجل أمانة فهو أمين إذا صار كذلك، هذا أصلها، ثم سمي ما تأتمن عليه صاحبك أمانة.
ومنها قوله تعالى: ﴿وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ﴾ . [سورة الأنفال: آية ٢٧] والأمين من صفات الله تعالى، يقال أئتمنه على كذا: اتخذه أمينًا، ومنه الحديث: "المؤذن مؤتمن" ١ أي يأتمنه الناس على الأوقات التي يؤذن فيها فيعملون على أذانه ما أمروا به من صلاة وصوم وفطر.
وأما ما في الوديعة من قوله ﵇: "من اؤتمن أمانة" فالصواب "على أمانة" وهكذا في الفردوس، وإن صح هذا فعلى تضمين استحفظ. كذا في المغرب.
وقال ﵇: "الأمانة تجر الغنى والخيانة تجر الفقر" ٢ الحديث.
قيل: لما ابتليت زليخا بالفقر وابيضت عيناها من فراق يوسف ﵇، حتى جلست على قارعة الطريق في زي الفقراء فمر بها يوسف ﵇ فقامت ونادت: "أيها الملك اسمع كلامي، فوقف يوسف ﵇ فقالت: الأمانة أقامت المملوك مقام الملوك، والخيانة أقامت الملوك مقام المملوك". وقيل: فتزوجها ترحمًا.
من كتاب النهاية في شرح الهداية في أول باب الوديعة.
_________________
(١) ١ هذا الحديث رواه أحمد وأبو داود والترمذي وابن حبان من حديث الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة بلفظ: "الإمام ضامن والمؤمن مؤتمن". كما رواه ابن حبان من طريق عائشة وصححهما. ٢ لم أقف على ذكر له في كتب الحديث لا الصحيحة منها ولا الضعيفة فيما اطلعت عليه ولكنني وجدته في بعض كتب الفقه فقد ذكره الزيلعي في تبيين الحقائق في كتاب الوديعة ٥/٧٦ كما ذكره أيضًا في نفس الموضع الإمام قاضي زاده أفندي صاحب تكملة فتح القدير ٨/٤٨٤.
[ ٩٣ ]