كتاب البيوع
لما فرغ من بيان العبادات شرع في المعاملات وقدم البيع لأنه أكثر وقوعًا.
وفي الإشراف: البيع في اللغة: أخذ شيء وإعطاء شيء آخر. وفي الشريعة: عبارة عن إيحاب وقبول.
ثم اختلفوا: هل يشترط ذلك القبول في الأشياء الخطيرة والتافهة؟! فقال مالك وأبو حنيفة في رواية: لا يشترط ذلك في الخطيرة ولا في التافهة وكلما رآه الناس بيع فهو بيع.
وقال الشافعي ﵀: يجب في الأشياء الخطيرة والتافهة. وقال أحمد ﵀ يجب في الخطيرة ولا يجب في التافهة.
واختلفوا هل ينعقد بالمعاطاة؟: فقال أبو حنيفة ﵀ في إحدى روايتيه والشافعي وأحمد في إحدى روايتيه: لا ينعقد، وقال مالك ﵀ ينعقد، وعن أبي حنيفة وأحمد مثله وهذا في كلها على الإطلاق.
واتفقوا على أن بيع العين الطاهرة صحيح، واختلفوا في العين النجسة في نفسها، فقال مالك والشافعي وأحمد رحمهم الله تعالى: لا يجوز بيعها، واستثنى مالك ﵀ جواز ما فيه المنفعة منها كالكلب والسرجين.
ومناسبة البيع للوقف من حيث أن كلا منهما يزيل الملك، ففي الوقف يزول عن ملك الواقف بعد حكم الحاكم من غير أن يدخل في ملك الموقوف عليه.
وفي البيع يزول عن ملك البايع ويدخل في ملك المشتري. وإنما قدم الوقف ولم يعكس لأنه كالمفرد، والبيع كالمركب من حيث إن الوقف فيه زوال بلا دخول والبيع فيه زوال ودخول والمفرد سابق على المركب كذا في غاية البيان.
[ ٧١ ]
والمبيعات: أصناف مختلفة وأجناس متفاوتة وجمع المصدر لاختلاف أنواعه. وهذا الكتاب لبيان أنواعه لا لحقيقته.
وفي المغرب: البيع من الأضداد، يقال: باع الشيء إذا شراه أو اشتراه ويتعدى إلى المفعول الثاني بنفسه وبحرف الجر وبهما تقول: باعه الشيء وباعه منه.
وفي الاختيار: البيع في اللغة: مطلق المبادلة وكذلك الشراء، سواء كانت في مال أو غيره قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾ . [سورة التوبة: آية ١١١] . وقال ﷿: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدَى وَالْعَذَابَ بِالْمَغْفِرَةِ﴾ . [سورة البقرة: آية ١٧٥] . وفي الشرع: "مبادلة المال المتقوم تمليكا وتملكًا" فإن وجد تمليك المال بالمنافع فهو إجارة ونكاح، وإن وجد مجانا فهو هبة.
ثم البيع عقد مشروع ثبتت شرعيته بالكتاب والسنة والمعقول
أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا﴾ . [سورة البقرة: آية ٢٧٥] وقال ﷿: ﴿إلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ . [سورة النساء: آية ٢٩] .
وأما السنة فلأنه ﵇ قد باع واشترى مباشرة وتوكيلًا.
وعلى شرعيته الإجماع والمعقول: وهو أن الحاجة ماسة إلى شرعيته فإن الناس يحتاجون إلى الأعواض والسلع والطعام والشراب الذي في أيدي بعضهم، ولا طريق لهم إلا بالبيع والشراء، فإن ما جبلت عليه الطباع من الشح والضنة وحب المال يمنعهم من إخراجه من غير عوض فاحتاجوا إلى المعاوضة، فوجب أن يشرع وفقا لهذه الحاجة. وركنه الإيجاب والقبول لأنهما يدلان على الرضاء.
وشرطه أهلية المتعاقدين. ومحله المال.
وحكمه ثبوت الملك للمشتري في المبيع، وللبايع في الثمن إذا كان باتًا وعند الإجارة إذا كان موقوفًا.
الشراء: يمد ويقصر، يقال: منه شريت الشيء أشريه شرى إذا بعته وإذا اشتريته أيضا وهو من الأضداد قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ﴾ . [سورة البقرة: آية ٢٠٧] . وقال تعالى: ﴿وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ﴾ . [سورة يوسف: آية ٢٠] . أي باعوه وقوله تعالى: ﴿اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدَى﴾ . [سورة البقرة: آية ١٦] .أصله اشتريوا ويجمع الشرى على أشرية.
[ ٧٢ ]
وفي النهاية: البيع ينعقد بالإيجاب والقبول.
والانعقاد: عبارة عن انضمام أحد كلام العاقدين إلى الآخر على وجه يظهر أثره في المحل شرعا.
والإيجاب: ما ذكر أولا من لفظ بعت واشتريت.
والقَبُول: ما ذكر ثانيا وهو المتعارف.
وقيل: الإيجاب فعل والفعل خروج الممكن من الإمكان إلى الوجوب أي: إلى التحقق والثبوت.
وفي الكفاية: قيل أنواع البيع ترتقي إلى عشرين نوعا أو أكثر والكل مذكور في النهاية.
النَّفيس: ما يكثر ثمنه كالعبيد والإماء.
والخَسِيس: ما يقل ثمنه كالبقل والرمان واللحم والخبز. والشرط في بيع التعاطي: الإعطاء من الجانبين عند شمس الأئمة الحلواني١. وقيل الإعطاء من أحد الجانبين يكفي.
والمجازفة: أخذ الشيء بلا كيل ولا وزن. والجزف أخذ الشيء مجازفة وجزافًا.
الصُّبرة: واحدة صبر الطعام تقول: اشتريت الشيء صبرة أي: بلا كيل ولا وزن.
والمحاقلة: بيع الطعام في سنبله، وقيل: اشتراء الزرع بالحنطة، وقيل: بيع الزرع قبل صلاحه من الحقل وهو الزرع، وقيل: المزارعة بالثلث والربع وغيرهما وقيل كراء الأرض بالحنطة كذا في المغرب.
_________________
(١) ١ هو "الإمام عبد العزيز بن أحمد بن نصر بن صالح شمس الأئمة الحلواني البخاري". والحلواني نسبة إلى عمل الحلوى. كان إمام أهل الرأي في وقته، من مصنفاته: المبسوط في الفقه وكتاب النوادر. توفي سنة ثمانٍ وأربعين وأربعمائة.
[ ٧٣ ]