(١) بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (١):
١ - قال أبو عبيد (٢) في حديث النّبي - ﷺ -: "إنَّ رجُلًا أتاه وعليه مُقَطَّعاتٌ له".
ذكر أبو عبيد: أنَّ (٣) المقطّعات: الثّياب القصار، ولذلك قيل لأبيات الرجز مُقَطَّعات لقِصَرها. هذا قولُ أبي عبيد.
قال أبو محمد: والذي رأيْتُ عليه أهل اللُّغة في المُقطَّعات من الثّياب، أنَّها المقطوعة (٤) سابِغةً كانت أو قِصارًا. وكان القوم يلبسون المآزر (٥) والأردية والمروط والأكسية، فمن لم يلبس ذلك وقطّع ثيابه، فقد لبس المقطّعات. ويدلّ على هذا حديثٌ يَرويه نَقَلةُ الأخبار (٦)،
_________________
(١) ما بين الرقمين سقطت من: ظ.
(٢) غريب الحديث ١/ ١٦١، والحديث في: النهاية ٤/ ٨١، والفائق ٣/ ٢٠٨، وفي: مسندي الحميدي (.. فأتاه رجل وعليه مقطعة). ج ٢/ ٣٤٧. وينظر: البخاري ٣/ ٢٥٢، ومسلم ١/ ٣٧٣.
(٣) زيادة من الأصل.
(٤) ظ: المقطوعات.
(٥) النهاية ٤/ ٨١.
(٦) لم أجده في المصادر المتوفرة لدي.
[ ٤٩ ]
قالوا: مرَّ هِشام (١) بن عبد الملك بسويد بن قيس الفهرى، وهو والي البَلْقاء (٢)، وعلى هشام مقطّعات له يسحبُها، وهشام حديثُ السِّنّ. يريد بعض المغازى، فقال له سويد: "يا أبا الوليد، أبها رأيت (٣) أمير المؤمنين عبد الملك؟ قال: أدركْتُه وأنا حديث [٢٥/ ٢] السّن. قال. أما إنَّك لو رأيْتَه، لرأيْتَ أَحْوَزيًّا (٤) مُشَمِّرًا، بعيد المَشابِه والشّمائل منك غير جَرّار لثيابه.
فقال له هشام: إنّي كما أردْتُ تقصير ثيابي، ذكرتُ قول الشاعر لأبيك:
قصيرُ الثّياب فاحِشٌ عند بابه لشر قريش فى قريش مركّبا
وحديث يرويه سفيان عن عمرو بن دينار عن عطاء عن صفوان بن يعلى عن أبيه، قال: "كنْتُ مع النَّبي - ﷺ - الجِعْرانة (٥)،
_________________
(١) ينظر: مرآة الجنان ١/ ٢٦١، تاريخ الخلفاء ٢٦٩، فوات الوفيات ٤/ ٢٣٨، تاريخ الاسلام ٥/ ١٧٠، خلاصة الذهب: ٢٦، كامل ابن الاثير ٥/ ٢٦١، تاريخ الطبري ٧/ ٢٠٠، سير أعلام النبلاء ٥/ ٣٥١.
(٢) البلقاء: هي الآن لواء (محافظة) في الأردن، وتعرف أيضًا بالسلط. ينظر عن تاريخها البلداني، معجم البلدان ١/ ٤٨٩.
(٣) ظ: أرأيت.
(٤) الأحوزي: السريع، والشجاع والذكي. ينظر: تاج العروس ١٥/ ١٢٢ - ١٢٤.
(٥) الجعرانة، موضع قرب مكة، يبعد عنها بتسعة وعشرين كيلو مترًا تقريبًا، إلى شمالها. وتلفظ: الجعرانة، بكسر الجيم وتخفيف الراء، وأهل الحديث يكسرون العين ويشددون الراء، ويخطئون أهل اللغة، الذين يسكنون العين ويخففون الراء. ويكسرون الجيم. وهو من مواقيت الإِحرام. ينظر: المناسك للحربي: ٣٤٦، التاج (ج/ ع/ ر) واللسان (ج/ ع/ ر) ٤/ ١٤١، النهاية ١/ ٢٧٦، المصباح: ١٦٠، جامع الأصول ١/ ٣٤٥، اصلاح خطأ المحدثين/ ١٨، معجم معالم الحجاز ٢/ ١٤٨ - ١٥١، وغريب ابن قتيبة ٢/ ٣٩٧، والقرى للطبري ص ٦١٦ ولتقي الدين ابن فهد المكي محمد بن محمد، رسالة بعنوان: "الإِبانة بما ورد في الجعرانة".
[ ٥٠ ]
فأتاهُ رَجُلٌ عليه (١) مقطّعة، يعني: جبَّة، وهو متضمّخ بالخَلوق." (٢).
فجاء الحرفُ مفسّرًا في الحديث. وقال ابن عبّاس (٣): "نَخَلُ الجَنَّة: جذوعُها من زُمَرّد أخضر، وكرَبُها من (٤) ذَهَب أحمر، وسَعَفُها كِسْوةٌ لأهل الجنَّة. منها مُقَطّعاتهم وحُلَلُهم".
فالحُلَّة ثَوْبان، مِئزْر ورداء. والمقطَّعاتُ: ما قطِّع من الثّياب. ومنه مقطّعات النيران. وقولُ الله عزَّ (٥) وجلَّ: "قُطِّعَتْ لَهم ثِيابٌ من نار" (٦)
* * *
٢ - وقال في حديث النّبي - ﷺ - في صَدَقة (٧) النَّخْل: "ما سُقِيَ منه بَعْلًا ففيه العُشْر.".
قال: حدَّثنيه أحمد بن سعيد عن أبي عبيد عن أبي النضر عن اللّيث بن سعد عن بُكيْر بن عبد الله بن الأشج عن بُسر بن سعيد.
_________________
(١) في: ظ (عليه).
(٢) رواه البخاري بلفظ آخر، ينظر: صحيح البخاري (ج ٣/ ٦١٤، و٦٣، و٨/ ٤٧، ٩/ ٩، و٣/ ٣٩٣).
(٣) الحديث في: تأويل مشكل القرآن: ٧٠، واللسان ١٠/ ١٥٥ والنهاية ٤/ ٨١، والفائق ٣/ ٢٠٨.
(٤) زيادة من: ظ. وينظر الفائق ٢/ ٣٥٨، ومسند ابن حنبل ٤/ ٩٢ - ٩٣، ٩٨، ٩٩، وفتح الباري ٦/ ٣١٨.
(٥) ظ: ﵎.
(٦) سورة الحج، الآية / ١٩، وينظر: اللسان ١٠/ ١٥٥، والتكملة ٤/ ٣٣٢ - ٣٣٣، وتفسير الآية: خيطت وسُوّيت وجُعِلت لَبوسًا لهم.
(٧) غريب الحديث ١/ ٦٦، والحديث في كتب الحديث: أبواب الزكاة. وينظر: مسند ابن حنبل ١/ ١٤٥، ٣/ ٣٤١، ٣٥٣، ٥/ ٢٣٣، الفائق ١/ ١١٨، والنهاية ١/ ١٤١ - ١٤٢، وسنن أبي داود ٢/ ١٠٨، والترمذي ٢/ ٧٥، والأموال ص: ٦٤٤ - ٦٤٦.
[ ٥١ ]
هكذا حدّثنا به في كتاب (١): "غريب الحديث"، وحدّثنا به في كتاب "الأموال" (٢) بهذا الإِسْناد فقال (٣): "فرَضَ رسول الله - ﷺ - الزَّكاة فيما سَقَت السَّماء، وفي البَعْل، وفيما سَقَت العُيون: العُشْرَ، وفيما سَقَت السَّواني (٤) نِصْفَ العُشْر" (٥) وقال أبو عبيد عن الأصمعي (٦): البَعْلُ: ما شرب بعروقه من الأرض من غير سقْي السَّماء ولا غيرها. فإذا سقَتْه السَّماء فهو عِذْيٌ.
ومن البَعْل، قول النّابغة (٧) في صِفَة النَّخل:
من الواردات الماء بالقاع تسْتَقي بأذنابها قبل اسْتِقاء الحَنَاجر (٨)
قال: (٩) فأخبر أنَّها تشرب بعروقها، وهي الأذناب. هذا قول أبي عبيد (١٠).
قال أبو محمد: وقد تدبَّرْتُ هذا التفسير وناظَرْتُ فيه الحجازيّين وغيرهم، فلم أرَ له وجْهًا. لأنَّ الحديث الأول: "ما سقي منه بَعْلا". وذكر هو أنَّ البَعْل لا تسقيه السَّماء ولا غيرها. وهذا نقض لذلك. ولأنَّ
_________________
(١) غريب الحديث لأبي عبيد.
(٢) كتاب الأموال لأبي عبيد، والنص في الصحيفة: ٦٤٤.
(٣) سقطت من: ظ.
(٤) السواني: الإبل التي يستقى عليها من الآبار، وهي النواضح أيضًا، وهي ما يعرف الآن بـ "السواقي" ..
(٥) ينظر: غريب الحديث ١/ ٧٠، وسنن أبي داود ٢/ ١٠٨.
(٦) غريب الحديث ١/ ٦٧، واللسان (ع/ ذ / ١٩١/ ٢٧١)، والنهاية ١/ ١٤١.
(٧) ديوان النابغة الذبياني ص ٩٩، واللسان (ح/ ن/ ج/ ر).
(٨) في الديوان: بأعجازها قبل
(٩) سقطت من: ظ.
(١٠) غريب الحديث ١/ ٦٧.
[ ٥٢ ]
البعل من النَّخْل، وغير البعل وجميع الشَّجر يَشْرَبُ (١) بعروقه لا بأعاليه. ولأنَّ العِذْي (٢) والمَسْقيّ جميعًا تسقيها السماء. فأين هذا النخل الذي لا تسقيه السماء ولا غيرها. أَفي (٣) أرض لم تُمطَر قطّ، أم في كِنّ (٤). هذا ما لا يعرف. ولم أرهم يختلفون في البَعْل، إنَّه العِذْي بعينه. يدلّك على ذلك قول عبد الله بن (٥) رواحة لناقته حين خرج غازيًا:
إذا أبلَغْتِني وحملْتِ رَحْلي مسيرةَ أربعٍ بعد الحِنساء
فزادك أنعم وخلاك ذم ولا أرجع إلى أهلي ورائي
وآب المسلمون وغادروني بأرض الروم محتبس الثّواء
هنالك لا أبالي نخل بَعْل ولا سقْي إنْ عَظُم الإِتاء (٦)
ويروى (٧): سَقْىٌ وسِقْىٌ يقول: إذا اسْتُشْهدتُ لم أبالِ من عذي النخل وسَقْيه.
والعِذْي، نوعان:
أحدهما، العثريّ (٨)، وهو الذي يؤتى لماء المَطَر إليه حتى يسقيه.
_________________
(١) في المطبوعة: فشرب.
(٢) ينظر: التقفية: ٦٨٨ وفيه: والسقي: ما جرى إليها.
(٣) ظ: في الأنهار.
(٤) الكن: بكسر الكاف، وقاء كل شيء وستره.
(٥) ينظر: لسان العرب: المواد (أتى، بعل، سقى)، والواقدي: ٧٥٩، وشرح أبي ذر: وديوانه (ص/ ١٥١ طبعة د. وليد قصاب) وفيه اختلاف في الرواية. ينظر ديوان عبد الله بن رواحة ص/ ١٥١.
(٦) الأتاء: بنقطتين من فوق، حمل النخل، والغلة، وعلى هذه الرواية، يكون في البيت اقواء.
(٧) ظ: روي. وينظر: إصلاح المنطق: ١٤.
(٨) اللسان (ع/ ث/ ر). والنهاية ٣/ ١٨٢.
[ ٥٣ ]
وإنّما سُمّي عثريًا، لأنَّهم يجعلون في مجرى السَّيْل عاثورًا (١)، فإذا صدمه الماء ترادّ فدخل في تلك المجاري وجوى حتى يبلغ النخل ويسقيه. ولا يكون عَثَريًّا إلّا هكذا. ويدلّك على ذلك قول عمر (٢): "ما كان عَثَريًّا تسقيه السّماء والأَنْهار، وما كان يُسْقَى من بَعْل ففيه العُشْر".
وأراد عمر بالأنهار، ما يُفْتَح إليه منها عن مجرى السَّيْل. [و] (٣) يدلّك على ذلك قولُ ابن عمر: "ما كان بَغلًا أو سُقي بالعين، أو كان عَثَريًّا يسْقَى بالمَطَر ففيه العُشْر"، وليس يختلف الناس في العَثريّ أنَّه العَذْي.
والنوعُ الآخر من العذْي:
البَعْلُ، فمن البعل ما يُفْتَح إليه الماء عن مجاري السّيل (٤) بغير عواثير. وفيه ما لا يبلغه الماء. فالسماء تسقيه بالمطر (٥).
وأمّا فرض رسول الله - ﷺ - فيما سَقَت السَّماء العُشْر، فإنَّه أراد العَثريّ، وما بلَغَه ماءُ السَّيْل من البَعْل. وكذلك فرض في البَعْل الذي لا يبلُغه ماء السَّيْل أيضًا.
وقولُ عُمَر (٦): "وما كان يُسْقَى من بَغل، ففيه العُشْر، يدلّك على أنَّه يسقى بماء السَّيْل. وفي بيت النَّابغة أيضًا، إنْ كان أراد البَعْل، كما ذكر ما دلَّ لأنَّه يقول:
_________________
(١) العاثور: أشبه بالسدود الصغيرة، ينظر: التكملة ٤/ ١٠٣، والفائق ٢/ ٣٩٤.
(٢) النهاية ٣/ ١٨٢، واللسان، وينظر: الفائق ٢/ ٣٩٤.
(٣) زيادة من: ظ.
(٤) ظ: السيول.
(٥) ظ: المطر.
(٦) ينظر أول الحديث.
[ ٥٤ ]
من الواردات الماء بالقاع
فأخْبر أنَّها ترِدُ الماء. والذي عندي: إنَّ النابغة لم يُرد صِنْفًا من النَّخْل دون صنْف. وإنَّما أراد أنَّ كلّ وارد يرد الماء يشرب بفيه (١). وأنَّ النَّخْل يشرب بأذنابه، يمتص بعووقه فيصير الماء فيها قبل أنْ يصير فى رؤوسه. وكأنَّه ألْغَز في هذا.
* * *
٣ - وقال أبو عبيد في حديث النبي - ﷺ -، إنَّه قال (٢): "كلُّ مَوْلود يُولَدُ على الفِطْرة، حتى يكون أبَواه يُهَوِّدانِه أو يُنْصِّرانِه".
حدّثنيه أحمد بن سعيد عن أبي عبيد عن إسماعيل بن جعفر عن العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة قال: وقال أبو عبيد: سألْتُ محمد بن الحسن عن تفسير هذا الحديث فقال: كان هذا في أوّل الاسلام قبل أنْ تنزل الفرائض، وقبل أنْ يُؤمر المسلمون بالجهاد (٣).
_________________
(١) ينظر: ديوان النابغة (رواية الأصمعي ص: ٩٩).
(٢) غريب الحديث ٢/ ٢١، والفائق ٣/ ١٢٧، ومسند ابن حنبل ٢/ ٣١٥، ٤٣٧، ٤٨١، النهاية ٣/ ٤٥٧، و٤/ ١٢، تفسير الغريب: ١٥١، تأويل المختلف: ١٢٨، أمالي المرتضى ٢/ ٨٢، ٨٦، جامع الأصول ١/ ٢٦٨، زاد المسير ٦/ ٣٠٠، غريب ابن قتيبة ٢/ ٣٤٩ - ٣٥١، تفسير غريب القرآن: ١٥١، وسنن أبى داود ٢/ ٥٣١، والحميدي (١١١٣).
(٣) فرض الجهاد في السنة السابعة للهجرة، بقوله تعالى في كتابه الكريم من سورة البقرة، الآية ١٩٠، ٢١٦، وسورة الحج، الآية/٣٩، ينظر عنه: كتاب الجهاد، لعبد الله بن المبارك، والامتاع ١/ ٥١، وكتب الصحاح والمسانيد: "كتاب الجهاد". والفصول في اختصار سيرة الرسول (- ﷺ -) لابن كثير ص: ١٠٧، وأحكام القرآن لابن عربي ٢/ ١٠١، والقرطبي ٢/ ٣٢٦، وزاد المسير ١/ ٩٧، والرازي ٥/ ١٤٠، ومجمع البيان ٢/ ٢٨٤، والطبري ٨/ ٥٤٩، وآيات الجهاد في القرآن الكريم، د. كامل سلامة الدقس، الكويت، ١٩٧٢ م.
[ ٥٥ ]
قال أبو عبيد (١): كأنَّه يذهب إلى أنَّه لو كان يولد على الفِطْرة ثم مات قبل أنْ يُهَوِّده (٢) أبَواه أو يُنَصِّرانه ما ورثهما ولا ورثاه. لأنَّه مُسْلم وهما كافران. وكذلك ما كان يجوز أنْ يُسْبى. فلمّا نزلَت الفرائض وجَرت السُّنن بخلاف ذلك عُلِمَ أنَّه يُولَد على دينهما. قال: وأمّا عبد الله بن المبارك، فإنَّه بلَغَني أنَّه سُئِلَ عن تأْويل هذا الحديث فقال: تأويلُه، الحديثُ الآخر، أنَّ النَّبي - ﷺ -: "سُئِل عن أطْفال المشركين فقال (٣): الله أعلم بما (٤) كانوا عاملين (٥)."
قال أبو عبيد (٥): يذهب إلى أنَّهم يولدون على ما يصيرون إليه من إسلام أو كُفْر. فمن كان في عِلْم الله أنَّه يصير مُسْلمًا فإنَّه يولد على الفِطْرة (٦). ومن كان في عِلْمه أنَّه يموت كافرًا وُلدَ على ذلك.
قال: وممّا يُشْبِه هذا الحديث، حديثُه الآخر: أنَّه قال: يقول الله ﷿ (٧): ﴿إني خلقْتُ عبادي جميعًا حُنَفاء، فاجْتالَتْهم الشياطين عن دِينهم. وجعلَت نحْلتهم من رِزْق، فهو لهم حلال، فحرَّم عليهم الشياطين ما أحلَلْتُ لهم".
_________________
(١) ينظر: غريب الحديث ٢/ ٢١.
(٢) ظ: يهوداه أبواه.
(٣) الحديث في: مسند ابن حنبل ٢/ ٢٥٩، ٢٦٨، ٣٩٣، ٤٧١.
(٤) ظ: ما.
(٥) غريب الحديث ٢/ ٢٢.
(٦) ينظر عن (الفطرة)، بحث للدكتور أحمد حسن فرحات، مجلة حضارة الاسلام، (ع/٥، ٦ ص/١٦ ص ٥١، الفطرة) ..
(٧) وهو من الحديث القدسي ينظر: تأويل مختلف الحديث: ٧، والنهاية ١/ ٣١٧.
[ ٥٦ ]
قال: يريد (١) البحائر والسيّب. هذا قول أبي عبيد (٢). قال أبو محمد: ولم أرَ ما حكاه أبو عبيد عن عبد الله بن مبارك، ومحمد بن الحسن مُقْنِعًا (٣) لمن أراد أنْ يعرف معنى الحديث. لأنَّهما لم يَزيدا على أنْ ردَّا على مَنْ قال به من أهل القَدَر (٤).
والحديثُ صحيحُ لا يُدْفَع، ولايجوز أنْ يكون منسوخًا. لأنَّه خَبرٌ والنسخُ إنّما يَقَعُ في الأمر والنَّهْي. ولا يجوز أنْ يُراد به بعض المولودين دون بعض، لأنَّ مَخْرجه مخرج العموم. ولا أرىَ معنى الحديث إلّا ما ذَهَب إليه حمّاد بن سَلَمة، فإِنَّه قال فيه: هذا عندنا حيث أخذ العهد عليهم في أصلاب آبائهم (٥).
ذكره الحجّاج (٦) عنه، يريد حين مَسَح الله ظهر آدم عليه (٧) السلام فأخرج من ذُريّته إلى يوم القيامة، أمثال (٨) الذرّ. "وأشْهَدَهُم على أنْفُسِهم، ألَستُ بربّكم؟ قالوا بلَى" (٩). فلست واجدًا أحدًا إلّا وهو مُقرّ
_________________
(١) كأنَّه أراد قوله تعالى في الآية /١٠٣ من سورة المائدة: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ﴾.
(٢) ينظر: غريب الحديث ٢/ ٢٢.
(٣) في المطبوعة: مَقنعًا.
(٤) غريب ابن قتيبة ٢/ ٣٥٠، وتأويل مختلف الحديث ١٢٨.
(٥) ينظر: تفسير القرطبي ٧/ ٣١٤، وزاد المسير ٣/ ٢٨٤.
(٦) هو: الحجاج بن محمد المصيصي الأعور المتوفى سنة/٢٠٦ هـ، من رواة الحديث، وهو كثيرًا ما يروي عن ابن جريج، ويروي عنه المؤلف وأبو عبيد يُنظَر: (تهذيب التهذيب ٢/ ٢٠٥، والمعرفة والتاريخ ٣/ ٤٩١) الفهرس)، وتاريخ ابن معين رقم (١٤٩٩)، والتقريب ١/ ١٥٤).
(٧) سقطت من: ظ.
(٨) غريب ابن قتيبة ٢/ ٣٥٠، وتأويل مختلف الحديث: ٥٩، ١٤٥.
(٩) سورة الأعراف، الآية/ ١٧٢.
[ ٥٧ ]
بأنَّ له صانعًا ومدبّرًا. وإنْ سمّاه بغير اسمه، أو عَبدَ شيئًا دونه ليقرّبه منه عند نَفسه أو وصفه بغير صِفَته أو أضاف إليه ما تعالى عنه علوًّا كبيرًا.
قال الله --﷿-- (١): ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾.
فأراد -﵇-: أنَّ كلّ مولود في العالم على ذلك العَهْد وعلى ذلك الإِقْرار الأول، وهو (٢) الفِطْرة، ومعنَى الفِطْرة: ابتداء الخلقة ومنه قول الله -﷿- (٣): ﴿فَاطِرُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾.
أي: مبتدئهما، و(٤)، وهي الحنيفيّة التي وَقعَت لأوَّل الخَلْق وجَرت في فَطْر العقول. ثم يُهَوِّدُ اليهود أبناءهم، ويمجّس المجوسُ أبناءهم أي: يعلّمونهم ذلك، وليس الإِقْرار الأول ممّا يقع به حكم أو عليه ثَواب (٥). ألا ترىَ أنَّ الطّفْل من أطْفال المشركين ما كان بين أبَوْيه فهو محكوم عليه بدينهما لا يصلّى عليه إنْ مات. ثم يخرج عن كنفهما إلى مالك من المسلمين فيحكم عليه بدِين مالكه ويُصَلَّى عليه إنْ مات. ومن وراء ذلك علم الله فيه.
ويُرْوىَ عن الأوزاعي (٦) أيضًا في تفسير هذا الحديث شبيه بقول حمّاد بن سَلَمة، وفرق ما بيْنَنا وبين أهل القَدَر في هذا
_________________
(١) سورة الزخرف، الآية / ٨٧.
(٢) ظ: وهي.
(٣) سورة الشورى، الآية/ ١١.
(٤) ظ: مبتدئها. وينظر: غريب ابن قتيبة ٢/ ٣٥٠، زاد المسير ٦/ ٤٧٢ - ٤٧٣، تفسير القرطبي ١٤/ ٣١٩، وتفسير غريب القرآن / ١٥١، واللسان (ف/ ط/ ر) ٦/ ٣٦٣.
(٥) ينظر: تأويل المختلف، وتفسير الطبري ٢١/ ٢٦، القرطبي ١٤/ ٢٥، تفسير الغريب/ ٣٤، والنهاية ٣/ ٤٥٧.
(٦) ينظر: فقه الإمام الأوزاعي، جمع وتحقيق الدكتور عبد الله محمد الخليل الجبوري، بغداد.
[ ٥٨ ]
الحديث، إنَّ الفِطْرة عندهم الإِسلام. وإليه ذَهَب أبو عبيد ومَنْ سأله عنه، فاضْطَرب عليهم الأمر وعَسُرَ الَمخْرج.
والفِطْرهُّ (١) عندنا، الإِقْرار بالله والمعرفة به، لا الاسلام.
* * *
٤ - وقال أبو عبيد في حديث النّبي - ﷺ -: "إنَّه نَهىَ عن كسْب الزمّارة" (٢).
قال (٣) حدَّثنيه أحمد بن سعيد عن أبي عن حجّاج عن حمّاد بن سلَمة عن هشام بن حسّان، وحبيب بن الشَّهيد عن ابن سيرين عن أبي هريوة عن النَّبي - ﷺ -.
قال أبو عبيد: [و] (٤) قال حجّاج (٥): الزمّارة، الزّانية. قال أبو عبيد: ولم أسمع هذا الحرف إلّا فى هذا الحديث، ولا أدري من أيّ شيء أُخِذ.
وقال (٦) أبو عبيد (٦): قال بعضُهم، الرّمَّازة وهذا عندي خطأ في هذا الموضع. وذلك أنَّ معناها مأخوذٌ من الرَّمز، وهي التي تُوميء بشفتَيْها أو بعينها. فأيّ كسْب لها ها هنا يُنْهَى عنه. ولا وَجْه للحرف إلّا ما قال حجّاج: زمّارهْ. وهو أثْبت عندنا ممّن خالَفه، إنَّما نَهىَ رسول الله
_________________
(١) ينظر: اللسان (ف/ ط/ ر)، وزاد المسير ٦/ ٣٠٠.
(٢) غريب الحديث ١/ ٣٤١ و٢/ ٤١ وينظر: الفائق ٢/ ١٢٢، والنهاية ٢/ ٣١٢، واللسان (ز/ م/ ر)، وغريب الخطابي ١/ ٢٤٢، و٢/ ٢٦٨ (مخطوط). وأمالي المرتضى ١/ ٤٥٤.
(٣) سقطت من: ظ.
(٤) زيادة من: ظ.
(٥) الحجاج تقدمت ترجمته في الصحيفة / ٥٧.
(٦) سقطت من: ظ.
[ ٥٩ ]
- ﷺ - عن كسْب الزّانية. ونرىَ (١) أنَّ القرآن نزل في قوله (٢): ﴿وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾.
فهذا العَرضُ هو الكسْبُ (٣) وهو مهْر البَغيّ الذي جاء النَّهْيُ فيه، وهو كسْبُ الَأمَة. هذا كلُّه قولُ أبي عبيد.
قال أبو محمَّد: وهو كما ذكر إلّا ما أنكره على مَنْ زعم أنّها الرّمازة. (٤) والرمّازة: الفاجرة سُمّيت بذلك لأنَّها ترمز أي: تُومئ بعينيها وحاجبيها وشفتيها.
قال الفَرّاء: (٥) وأكثر الرمز بالشَّفتين، ومنه قولُ الله -﷿- (٦): ﴿آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا﴾.
فالرمّازة: صِفَةُ من صفات (٧) الفاجرة، ثم صار اسمًا لها، أو كالاسم. وكذلك قيل لها: هَلُوك، لأنَّها تهالك (٨) على الفِراش وعلى الرَّجُل. ثم صار اسْمًا لها دون غيرها من النّساء وإنْ تَهالكت على زَوْجها. وقيل لها: خَرِيع (٩) للينها وتَثنّيها، ثم صار ذلك اسمًا لها دون
_________________
(١) في ظ: وبه نزل القرآن في قوله.
(٢) سورة النور الآية /٣٣، وينظر: مختلف الحديث: ٢١٨.
(٣) ينظر: المشكل: ٩٢، ومختلف الحديث: ٢١٩، وفتح الباري ٤/ ٤٢٦.
(٤) وقع خلط في ورقات الأصل، حيث قدمت الورقة (٣٠) على الورقة (٢٩).
(٥) معاني القرآن ١/ ٢١٣، واللسان (ر/ م/ ز) ٥/ ٣٥٦، والتذييل والتذنيب للسيوطي ص / ٥٨، والمشكل: ٤٠٨.
(٦) سورة آل عمران، الآية/ ٤١.
(٧) وقيل: إنها المغنيّة، ينظر: النهاية ٣/ ٣١٢.
(٨) تهالك، بحذف التاء الأولى، وأصلها: "تتهالك".
(٩) اللسان (خ/ ر/ ع) ٩/ ٤٢٠ - ٤٢١، والتاج (و/ م/ س) ١٧/ ٢٠.
[ ٦٠ ]
غيرها من النّساء، وإنْ لانَتْ وتثنَّت، ونحوُه قولُهم للبعير، أعْلَم (١) للشّق في مِشْفره الأعلىَ، ثم صار كالاسم له. وكذلك قولهم للذّئب: أزَلّ (٢)، للرسح ثم صار بالاسم له. (٣) وقد ذكرنا هذا ونحوه في موضع آخر (٣). (٤) والمريبة: لا تكاد تُعْلِن الكلام، إنَّما تُومِض أو ترمز أو تُومئ أو ترمز أو تصفر (٥). قال الشاعر:
رَمَزتْ إليَّ مخافةً من بَعْلها من غير أنْ يبدو هناك كلامُها
وقال الأخطل (٦):
أحاديثُ سَدّاها ابنُ حَدْراء فَرْقدُ ورمّازةٌ مالَتْ لمن يسْتميلُها.
وقال الراجز (٧):
يُومئن بالأعين والحواجب إيماض (٨) بَرْق في عَماء ناضِب.
أنشد فيه أبو حاتم عن أبي زيد.
والعماء: السَّحاب. (٩) والنّاضب: (١٠) البعيد، وما جاء في هذا كثير.
_________________
(١) اللسان (ع/ ل/ م) ١٥/ ٣١٣ وفيه "لعلم في مشفره الأعلى".
(٢) اللسان (ز/ ل/ ل) ١٣/ ٣٢٨.
(٣) سقط من: ظ. وقد ذكره ابن قتيبة في: تأويل مختلف الحديث ص/ ٢١٨.
(٤) في ظ: والزانية، وينظر: التاج ١٥/ ١٦١ - ١٦٢.
(٥) ظ: تومئ أو تصفر، ولم أعرف الشاعر.
(٦) ديوانه ص: ٢٤١، وينظر: اللسان ٧/ ٢٢٤ (ر/ م/ ز).
(٧) اللسان (ن/ ض/ ب) ١/ ٧٦٣، وفي الأصل ناصب (بالصاد المهملة).
(٨) في اللسان: إيماء.
(٩) التقفية: ٦٠، وفيه "السحاب الرقيق" ومختلف الحديث: ١٥٠، واللسان (ع/ م/ ى) ١٩/ ٣٣٤.
(١٠) اللسان "ن/ ض/ ب".
[ ٦١ ]
(١) [حدَّثنا أبو الخَطّاب (٢) قال: حدَّثنا أبو بحر، قال: حدَّثنا هشام بن حسّان عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة، قال: ثمن الكلب وأجر الرمّازة من السُّحْت] (١).
وقال بعضهم: إنَّما قيل لها قَحْبة، من القُحاب، وهو السُّعَال، فأحسبه (٣) أراد أنَّها تتَنحْنَحُ أو تَسْعُل ترمز بذلك.
وبلَغَني عن المفضّل (٤)، أنه كان يقول في قول النّاس: "أجْبَن من صافر (٥) ". إنَّه الرجُل يصفر للفاجرة، فهو يخاف كلّ شيء.
فأمّا الأصمعي، فإِنَّه بلَغني عنه أنَّه كان يقول: الصّافر: ما يصفر من الطّير، وإنما وُصِفَ بالجُبْن لأنَّه ليس من الجوارح (٦)، ولا أرىَ القول إلّا قول المفضّل، والدّليلُ على ذلك، قولُ الكميت:
أرجو لكم أن تكونوا في إخائكم كلبًا كورهاء تَقلي كلّ صَفّار
لمّا أجابَتْ صفيرًا كان آيتها من قابسٍ شيَّط الوَجْعاء بالنّار (٧)
_________________
(١) بحق معقوفين زيادة من: ظ. وهو في: مختلف الحديث: ٢١٨.
(٢) أبو الخطات: زياد بن يحيى بن حسان، السجستاني، توفي سنة/٢٥٤ هـ. تهذيب التهذيب ٣/ ٣٨٨ - ٣٨٩، وهو ثمن روى عنهم المؤلف كثيرًا. ينظر: عيون الأخبار ٤/ ١٥٢، والمعارف ص: ٦٨٣.)
(٣) ظ: وأحسبه.
(٤) المفضل الضبّي، أبو عبد الرحمن، ابن محمد الكوفي المتوفى سنة (١٧٠ هـ) تقريبًا، وهو صاحب المفضليات، وترجمته في: تاريخ بغداد ١٣/ ١٣١، ياقوت ٧/ ١٧١. النجوم الزاهرة ٢/ ٦٩، البغية: ٣٩٦، بروكلمان (العربية ٢/ ٢٠١).
(٥) اللسان (ص/ ف/ ر) ٦/ ١٣٤، ولم أجد المثل في: أمثال المفضل الضبي، (ط/ د. إحسان عباس، بيروت)، وهو في أمثال أبي عبيد ص: ٣٧١.
(٦) اللسان ٦/ ١٣٤.
(٧) اللسان (ش/ ي/ ط) ٩/ ٢١١.
[ ٦٢ ]
فهذه امرأة كان يصفر لها رجُل فتجيبه، فتمثَّل لها (١) زوْجُها به (٢) (وصَفَو لها فأتته) (٢)، فشيّطها (٣) بميْسم، فلمَّا عاد الصَّفير قالت:
قليْنا كلَّ صَفّار
تريد كلّ زانٍ وعفَفْنَا.
٥ - وقال أبو عبيد في حديث النَّبي - ﷺ -، إنَّه قال (٤) "لا يموتُ لمؤمِنٍ ثلاثة أولاد، فتمسَّه النّار، إلّا تَحِلَّة القَسَم".
قال (٥): حدَّثنيه أحمد بن سعيد عن أبي عبيد، قال: حدّثنيه ابو النضّر عن عبد العزيز عن الزّهري عن ابن المُسَيّب عن أبي هريرة عن النّبي - ﷺ -، قال أبو عبيد: نرى أنَّ قوله، تَحِلّة القَسَم، يعني: قول الله (٦) ﵎: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا﴾ (٧).
يقول: فلا يَرِدُها إلّا بقدر ما يُبرّ (٨) الله قَسَمه فيه. هذا قول أبي عبيد.
_________________
(١) سقطت من: ظ.
(٢) زيادة من: ظ.
(٣) شيط: (بتشديد الياء المثناة من تحت): كوى، وأحرق.
(٤) غريب الحديث ٢/ ١٦، والحديث في: البخاري ج ٣/ ١١٨، ١١٠/ ٥٤١، وفيه "لا يموت لمسلم ثلاثة من الولد، فيلج النار إلّا تحلة القسم" ومسند ابن حنبل ٢/ ٢٤٠، ٢٧٦، ٤٧٣، ٤٤٩، والنهاية ٢/ ٤٢٩ والفائق ١/ ٣٠٦، ومسند الحميدي ٢/ ٣٣٣ (١٠٢٠١٠٢٠)، وأمالي المرتضى ٢/ ٥٠ - ٥٢.
(٥) زيادة من: ظ.
(٦) غريب الحديث: قول الله تعالى. وفي: ظ: ﷿.
(٧) سورة مريم، الآية/ ٧١.
(٨) غريب الحديث: يبر الله به قسمه فيه.
[ ٦٣ ]
قال أبو محمد: هذا مذهب حَسَن من الاسْتَخراج، إنْ كان هذا قَسَمًا. وفيه مذهب آخر أشْبه بكلام العرَب ومعانيهم، وهم إذا أرادوا تقليل مكث الشيء وتقصير مدّته شبّهوه يتحليل القَسَم، وذلك أن يقول بعده: إنْ شاء الله، فيقولون: ما يقيم الرجُل عندنا إلّا تحِلّة القَسَم. (١) وما ينام العليل ألّا كتحليل الألية، (٢) وكحسو الطّائر، وهو كثير مشهور في الكلام والشعر (٣).
قال ابن (٤) أحمر (٥) وذكر الريح (٥):
إذا عَصَبتْ رَسْمًا فليس بدائمٍ به وتدٌ إلا تَحِلَّةَ مُقْسِمِ
يقول: لا يُبت الوتد إلّا قليلًا كتحِلّة القَسَم إذا هبَّت حتى ينقلع. وقال آخر (٦) يذكر ثورًا:
يُخْفي التُّراب بأظْلافٍ ثمانية كأنما وقْعُها بالأرض تَحْليلُ
يقول: هو سريع خفيف، فقوائمه لا تثبت بالأرض إلّا كتحليل اليمين. قال ذو الرّمّة (٧):
طوىَ طيَّة فوق الكرىَ جَفْنُ عَيْنه على رَهبَات من حَنَان المُحاذر
_________________
(١) ظ: ولا ينام.
(٢) سقطت الواو من: ظ.
(٣) ينظر: الفائق ١/ ٢٨٣، واللسان (ح/ ل/ ل) ١٣/ ١٧٨ وأمالي الرتضى ٢/ ٥١.
(٤) شعره ص: ١٤٨ وفيه: إذا عصفت.
(٥) سقطت من: ظ.
(٦) هو: عبدة بن الطبيب، كما في اللسان (ح/ ل/ ل) ١٣/ ١٧٩، وفيه في أربع مسهنَّ الأرض تحليل. والمفضليات: ١٣٥ - ١٤٥.
(٧) ديوانه: ٣٨٤ (ط/ دمشق، المكتب الأسلامي ١٩٦٤ م).
[ ٦٤ ]
قليلًا كتحليل الأُلى ثم قلّصَتْ به شيمةُ رَوْعاء (١) تقليصَ طائر
والأُلى: جمع ألْوة، وهي اليميق ومعنى الحديث على هذا التّأْويل، إنَّ النّار لا تمسّه إلّا قليلًا كتحليل (٢) اليمين ثم يُنْجِيه الله منها. ولعلَّ المسَّ القليل يكون بالورود الذي حتمه الله وقَضاه على نَفْسه.
* * *
٦ - وقال أبو عبيد (٣) في حديث النَّبي - ﷺ -، إنَّه قال في الغائط "اتَّقُوا الَملاعِنَ وأعِدُّوا النُّبَل".
حدَّثنيه أحمد بن سعيد عن أبي عبيد عن محمد بن الحسن عن عيسى الحناط عن الشعبي، عمَّن (٤) سمع النَّبي - ﷺ -، يقول ذلك.
قال أبو عبيد عن الأصمعي: أراه بفَتْح الباء وضمّ النون قال: ويقال (٥): نَبّلْني أحجارًا للاسْتِنْجاء أي: أعطنيها ونبّلْني عَرْقًا (٦)، أي: أعطنيه.
قال: وسمِعْتُ (٧) محمد بن الحسن يقول: النُّبَل حجارة
_________________
(١) روعاء: حديدة شديدة.
(٢) النهاية/ ١/ ٤٢٩ - ٤٣٠؛ والتاء في (تحلة)، زائدة
(٣) غريب الحديث ١/ ٧٩؛ والفائق ٣/ ٣١٨؛ وأضداد الأنباري: ٩٣؛ والنهاية ٤/ ٢٢٥.
(٤) في الأصل: عن من.
(٥) ظ: يقال.
(٦) العَرْق: العظم.
(٧) ظ: سمعت.
[ ٦٥ ]
الاسْتِنجاء، والمُحدِّثُون يقولون: النَّبل، بفتح النون. ونَراها سُمّيت نَبَلًا لصغرها. وهذا من الأضْداد (١) في كلام العرب، أنْ يقال للعظام نَبَل، وللصّغار نَبَل، واحتجَّ بقول الشاعر (٢):
أفرحُ أنْ أُرْزَأ الكِرامَ وأنْ أُورَثَ ذَوْدًا شَصائِصًا نَبَلا
أي: صغارًا.
هذا قول أبىِ عبيد: [(٣) الشّصائص: التي لا ألْبان لها] (٣).
قال أبو محمد: أرَى أبا عبيد قد ارْتَضى هذا القول وأحتجَّ له، وأعْرَض عن قَوْل الأصمعي ومحمد بن الحسن. والأمر كما قالا، هي النُّبل، بضم النون وفتْح الباء، جمع نُبْلة. وإنّما قيل لها نُبْلة، بالتّناول من الأرض أو بالمناولة تقول: انْتَبلْت حَجَرًا من الأرض، إذا أنت أخذْتَه. وأنبلْت فلانًا حَجَرًا ونبلْتَه أيضًا، إذا أنت أعطيتْه إيّاه على ما قال الأصمعي.
واسمُ الشيء الذي يتناوله (٤)، وتناوله (٥) نُبْلة. وهذا كما تقول: اغترفْتُ بيدي ماءً. واسمُ ما في كفّك غُرْفة. واحْتَسَيْتُ حَسَاء. واسمُ
_________________
(١) هو في: أضداد الأصمعي ص/ ٥٠؛ وأضداد الأنباري: ٩٢ - ٩٤؛ وأضداد السجستاني ص/١٣٣؛ وأضداد ابن السكيت ص: ٢٥٣؛ .
(٢) هو: حضرمي بن عامر، والشاهد في: القالي ١/ ٦٧؛ واللسان (ش/ ص/ ص/، ون/ ب/ ل وج/ ز/أ). وخزانة البغدادي ٣٣/ ٤٢٦؛ وأضداد الأصمعي الانباري والسجستاني وابن السكيت.
(٣) زيادة من: ظ، وغريب الحديث والأضداد للأنباري.
(٤) ظ: تتناوله.
(٥) زيادة من: ظ.
[ ٦٦ ]
ما في فيك حُسْوة، والجميعُ (١): غُرَفٌ وحُسًى. مثل: نُبَل في التقدير وفي شِعر لبيد (٢):
كأرآم النُّبَل
وأمّا قولُ الشّاعر:
شصائِصًا نَبَلا
فقد يُحْتَمل المعنى ما ذَهَب إليه أنْ كانت الرّواية بفتح النون. وكان هذا محفوظًا في الأضْداد. وإلّا فإِنَّما هي نُبَلا، جمْعُ نُبْلة، أي. عَطيَّة وعِوَضًا من أخي.
وأمَّا قوله: "اتَّقُوا المَلاعِنَ". فإِنَّ أبا عبيد (٣) لم يفسّر ذلك.
والمَلاعِنُ (٤): جمع مَلْعنَة، وهي (٥) أنْ يُحْدِثَ الرجُلُ في المواضع التي ينزلُها النّاس، أو على قارِعَة الطَّريق. ومنه قولُ مكحول (٦)، وذكر المَلاعِنَ، فقال: "رجُل فعَلَ كذا ورجُل غوّرَ الماء المَعين، ورجُل تغوَّط تحت شَجَرة ينزل النّاسُ تحتها". وإنَّما سُمّيت مَلاعن، لِلَعْن النّاس فاعِلَها (٧).
_________________
(١) ظ: والجمع.
(٢) وتمامه: كل يوم صنعوا جاملهم ومرنّات كأرام نُبَلْ ديوان لبيد: ١٥؛
(٣) فسر أبو عبيد قوله: الملاعن، ينظر: غريب الحديث ١/ ٨١؛
(٤) ينظر: اللسان (ل/ ع/ ن) والفائق، والنهاية.
(٥) ظ: وهو، والنص المفسر بأكمله في أضداد الأنباري وعليه رد الأنباري.
(٦) مكحول: أبو عبد الله الشامي، ومكحول البصري، رأى ابن عمر، ومكحول الأزدي، ينظر: تاريخ ابن معين (٥١٦٧؛ ٣٨٠٢؛ ٤١٦١) والتقريب ٢/ ٢٧٣؛ . (والتهذيب ١٠/ ٢٩١؛ والفهرست/٢٢٧؛).
(٧) ينظر: اللسان: "ل/ ع/ ن". والنهاية.
[ ٦٧ ]
وفي هذا الحديث، قال أبو عبيد (١): العَرْق: الفِدْرة من اللَّحم وليس كلّ فِدْرة من اللَّحم (٢) تكون عَرْقًا، إنَّما العَرْق: العَظْم بلحم وبغير لحم وجمْعُه: عُراق. وقد بيَّنْتُ هذا في كتاب: "غريب الحديث" (٣).
* * *
٧ - وقال أبو عبيد في حديث النَّبي - ﷺ -، "إنَّه نهَى عن المَجْر" (٤).
حدَّثنيه أحمد بن سعيد عن أبي عبيد عن زيد بن الحُباب عن موسى بن عبيدة عن عبد الله بن دينار عن ابن عُمَر.
قال أبو عبيد (٥): قال أبو زيد: المَجْرُ أنْ يُباعَ البعير أو غيره بما في بَطْن النَّاقة. يقال منه: أمْجَرْتُ في البَيْع إمْجارًا. هذا قول أبي عبيد.
قال أبو محمد: وفيه قولُ آخر، رأيت أهل العلم باللغة عليه، رأيتهم يجعلون المَجْر في الغَنَم دون (٦) الأَبل.
_________________
(١) لم يفسره أبو عبيد في موضع الحديث المذكور، ينظر غريب الحديث ١/ ١٠٥؛ ٢٩٥؛ ٣/ ٢٨٦؛ ٤/ ٢٢٧؛ (حرف: عرق)، وينظر: تفسير غريب القرآن: ٤٨١.
(٢) سقطت من: ظ.
(٣) لم أجده في "غريب الحديث" بهذا التفسير، وهو في: غريب القرآن ص: ٤٨١؛ وقد رد عليه هذا التفسير الأنباري أبو بكر في كتابه: الزاهر ٢/ ٣٨٣؛ .
(٤) غريب الحديث ١/ ٢٠٦؛ والفائق ٣/ ٨؛ وفي التقفية: "لا إمجار". ص/٣٤٦؛ والنهية ٤/ ٢٩٩؛ .
(٥) غريب الحديث ١/ ٢٠٦.
(٦) وفي: التقفية: قيّده في الناقة، ولم يذكر غيرها. ص/٣٤٦؛ وفي التكملة ١٩٤/ ٣؛ المجر، بالفتح، الولد الذي في بطن الحامل.
[ ٦٨ ]
وحُدِّثْتُ عن الأصمعي، أنَّه قال: هو أنْ يشتدّ هُزال الشّاة ويصغر جِسْمُها، أو يثقُل ولَدُها في بَطْنها وتَرْبِضُ فلا تقوم.
[و(١)] يقال: شاةُ مُمْجر. وأنشد لابن (٢) لَجأ في وصْف امرأة، أحسبها راعية: (٣).
وتحملُ المُمْجِرَ في كِسائها.
يعني: هذه الشَّاة إذا ألْقت نَفْسَها فلم تقدر على النُّهوض حمَلتْها في كسائها. وقال غيره: يقال (٤)، شاةٌ مَجْرَةٌ. والجَمْع: مَجْرٌ. ويقال أيضًا: شاةٌ (٥) [مَجْر وشاةٌ مَجْرةٌ (٥)]. كلّ هذا قد سَمِعتُ. فنَهى رسول الله - ﷺ -، عن شِراء ولد هذه في بَطْنها، وعن شراء الأجِنَّة كلّها (٦).
* * *
_________________
(١) زيادة من: ظ.
(٢) ابن لجأ، هو عمر بن لجأ التيمي، شاعر أموي، عاصر جريرًا، وتوفي سنة ١٠٥ هـ. (الشعر والشعراء ٢/ ٥٧٠؛ وفيات الأعيان ٦/ ٢٨٦؛ معجم الشعراء ٣٨٧؛ طبقات الشعراء لابن سلام ١/ ٤٢٤؛ وخزانة الأدب ١/ ٣٥٩).
(٣) ينظر: الحيوان ٤/ ٢١٤؛ ٥٢٩؛ المخصص ٨/ ٨٢؛ والشطر في: السمط ٢/ ٩٦٧؛ والشعراء، والأغاني ٨/ ٧٠. ولم أجده في (شعره، طبعة د. يحيى الجبوري)
(٤) سقطت من: ظ. وينظر: النهاية ٤/ ٢٩٩.
(٥) بين معقوفين زيادة من: ظ.
(٦) ينظر: البخاري ٤/ ٣٥٦؛ ٤٣٥؛ ٧/ ١٤٩.
[ ٦٩ ]
٨ - وقال أبو عبيد في حديث النَّبي - ﷺ - في كتابه إلى الأقْيال (١) العَباهِلة: " (٢) لا شِناق ولا شِغار".
قال أبو عبيد (٣): الشَّنَقُ، ما بين الفريضَتيْن. وهو ما زاد من الإِبل على الخَمْس إلى العَشْر، وما زاد على العَشْر إلى خَمْس عشرة. يقول: لا يُؤخذ من ذلك شيء. واحتجَّ بقول الأخْطل (٤):
قَرْمٌ (٥) تُعلَّق أشْناقُ الدِّيات به إذا المِئُون أُمِرَّتْ فَوْقَه حَمَلا
هذا قول أبي عبيد.
قال أبو محمد: وقد تدبَّرْتُ هذا التفسير وناظرْتُ فيه، فلم أرَ أشْناق الدِّيات من أشْناق الفَرائض في شيء. لأنَّه ليس في الدّيات شيء يزيد على حسد من عددها أو جِنْس من أجناسها فيُلْغَى كما يُفْعل في الصَّدقة. وإنَّما أشْناق الدّيات أجناسها من بنات المخاض، وبنات اللَّبون والحِقاق والجِذاع.
فكلُّ صِنْف منها شَنَقُ. وإنَّما سُمّي شَنَقًا، لأنَّهم كانوا يُفْردون
_________________
(١) الأقيال: ملوك اليمن، دون الملك الأعظم، والعباهلة: الذين أقروا على ملكهم لا يزالون عنه، ينظر: غريب ١/ ٢١٢؛ واللسان والتاج (ق/ ي/ ل وع/ ب/٥/ ل).
(٢) غريب الحديث ١/ ٢١١؛ وهو من حديثه - ﷺ -، كتبه إلى وائل بن حجر الحضرمي وقومه. والحديث ورد في كتب الزكاة من كتب الصحاح والسنن. وينظر: جامع الأصول ١١/ ٤٥٢؛ الموطأ ٢/ ٥٣٥؛ النسائي ٦/ ١١١؛ والنهاية ٢/ ٤٨٢؛ والفائق ٤/ ١١؛ والأم ٥/ ١٧٤؛ وغريب ابن قتيبة ١/ ٢٠٦؛ وغريب أبي عبيد ٣/ ١٢٧؛ والبيان والتبيين ٢/ ٢٧.
(٣) غريب الحديث ١/ ٢١٥.
(٤) ديوانه: ١٤٣.
(٥) ديوانه: ضخم. واللسان (ش/ ن/ ق)، وفي ظ، والمطبوعة: إن المئون، وفي الديوان: إذا المأون.
[ ٧٠ ]
الجنس منها ويضمّون بعضها إلى بعض، فيكون منفردًا عن الصِّنْف الآخر. وكلّ شيء قرنْتَه بشيء فقد شنقْتَه.
وأصلُ الشَّنَق (١): الحَبْل. فسمّيت الجماعة التي قُرِن بعضها إلى بعض شَنَقًا. لأنَّ الحَبْل جَمَعها.
ومثله قولُهم لإِبل تُجْمَع وُيشَدّ بعضها إلى بعض قَرَن. لأنَّ القَرَن جَمَعها، وهو الحَبْل. قال جرير (٢):
ولو عند غسّان السّليطي عرَّستْ رَغَا قَرَنٌ منها وكاسَ عَقِيرُ
ولهذا ذَهَب قومُ في قول رسول الله - ﷺ -: "لا شَناق". إلى أنَّه أراد لا يضم الرجُل إبلَه إلى إبل غيره، ليمنع ما يجب عليه في الصَّدقة أو ليَحْتال بذلك في بخس المصدّق. يقال: شانَقْت الرجُل، إذا خلطْتَ مالَكَ بماله. ويدّلك على أنَّ الإِشْناق في الدّيات أصنافها، قولُ الكمَيْت يمدح، رجُلًا يحمل الدّيات (٣).
كأنَّ الدِّيات إذا عُلِّقَتْ مِئوها به الشَّنَقُ الأسْفل (٤)
_________________
(١) ينظر: اللسان (ش/ ن/ ق)، والغريبين (القسم المخطوط، ق/ ٢٨٠)، وغريب ابن قتيبة ٢/ ١٦٠، والتكملة ٥/ ٩٤.
(٢) لم أجده في ديوانه (ط/ بيروت)، وفي اللسان (ق/ ر/ ن)، ١٧/ ٢١٥؛ نسبة إلى الأعور النبهاني، في هجاء جرير، وفي مدح غسان السليطي، وينظر: المعاني الكبير ٣/ ١٤٢؛ الأغاني ٨/ ٢٨؛ ولجرير في: الأضداد لابن الأنباري ص: ٣٠٧؛ وبلا عزو في: المخصص ٩/ ١٧٢؛ و١٠/ ١٧٨؛ والصحاح ٦/ ٢١٨١؛ (ق/ ر/ ن).
(٣) في الأصل: قال الكميت.
(٤) لسان العرب (ش/ ن/ ق) ١٢/ ٥٨.
[ ٧١ ]
يقول: كأنَّ الدّيات إذا تحمَّلَها من سُهولتها عليه وطيب نَفْسه بها أسفل الأشناق وأدونها، وهي بنات المخاض، وجعلها أسفل الأصناف، لأنَّها أصغرها وأخسّها أثمانًا.
* * *
٩ - وقال أبو عبيد في حديث (١) النَّبي - ﷺ - في حديث أم زرع (٢): "إنَّ المرأة الخامسة (٣) قالت: زَوْجي إنْ أكل لفَّ، وإنْ شَرِبَ اشْتَفَّ، ولا يُولجُ الكفّ ليعلم (٤) البَثّ".
قال أبو عبيد: اللَّف في المَطْعَم، الإكْثارُ منه مع التخليط من صنوفه.
والاشْتِفاف (٥) في الشُّرْب، أنْ يسْتَقْصي ما في الإِناء يُسْئر فيه، وإنَّما أُخِذ من الشُّفافة، وهي البَقيَّة تبقى في الإِناء من الشَّراب. يقال في مثل: "ليس الرِّي عن التشاف" (٦) يقول: ليس من لا يشتف لا يَرْوي. وقد يكون الرّي دون ذلك.
_________________
(١) غريب الحديث ٢/ ٢٩٢ - ٢٩٣.
(٢) ينظر: بغية الرائد لما تضمنه حديث أم زرع من الفوائد، للقاضي عياض، (مخطوط) وقد طبع في المغرب، وهو في المطبوع ص/ ٨٠ وفيه (حديث المرأة السادسة). وحديثها في: صحيح البخاري (كتاب النكاح ٧/ ٣٤؛ باب حسن العشرة مع الأهل) وشرح النووي لمسلم (كتاب فضائل الصحابة ١٥/ ٢١٢)؛ وغريب الحديث لأبي عبيد ٢/ ٢٨٦؛ والمزهر ٢/ ٥٣٢؛ والفائق ٣/ ٤٩؛ والغريبين ١/ ٥٥؛ ١٢٧ - ١٢٩؛ والقسم المخطوط منها، (مواضع أخرى)، ومسلم ٢/ ٣٧٥؛ والموفقيات: ٤٦٢؛ وصحيح مسلم (١٨٩٦) ٧/ ١٣٩.
(٣) هي: بنت أوس بن عبد، الموفقيات: ٤٦٣.
(٤) في الأصول الأخرى: "ولا يدخل الكف فيعرف البث".
(٥) ينظر: اللسان (ش/ ف/ ف)، وأمثال الحديث ص ١٣٤.
(٦) مجمع الأمثال ٢/ ٩٢؛ والمستقصى ٢/ ٣٠٤.
[ ٧٢ ]
قال: وقولُها، لا يُولِج الكفّ، ليعلم البثّ، أحسبه كان بجسَدها عَيْبٌ أو داء تكتئب له، لأنَّ البثَّ: الحزن. فكان لا يدخل يده في ثوْبها ليحسَّ ذلك العَيْب فيشف عليها. تَصِفه بالكرم. هذا قولُ أبي عبيد (١).
قال أبو محمد: قد تدبّرت هذا التفسير فرأيْت المرأة في اللَّفْظَين الأوّلَيْن قد وَصَفتْه بالشَّرَه والنَّهَم والبُخْل. ومن شأنهم أنْ يذمُّوا بكثرة الطُّعْم ويمدحوا بقِلَّةِ الرِّزق (٢). فكيف تهجوه بلفظين وَتَصِفه بالكرَم في الثالث؟ ولا أرى القول فيه إلَّا ما قال ابن الأعرابي (٣)، فإنَّه رَواهُ: زَوْجي ان أَكَل لفَّ، وإنْ شرب اشْتفَّ، وإنْ رَقَد التفَّ، ولا يدخل الكفَّ ليعلم البثَّ.
وفسَّره فقال: (٤) أرادت إنَّه إذا رَقَد التفَّ ناحيةً ولم يُضاجِعْها، ولم يُمارس منها ما يُمَارِسُه الرجُل من المرأة إذا أراد وَطْئها، فيدخل يدَه في ثوبها فيعلم البثَّ، ولا بثَّ هناك غير حُبّ المرأة دُنوّ زَوْجها منها، ومُضَاجَعَتها إياه، وكَنَتْ بالبثّ عن ذلك. لأنَ البثّ كان من أجله. هذا معنى قول ابن الأعرابي، وليس هو بعينه. قال: وهو كما قالت امرأة من كنانة لزوجها تُعيّره: إن شُرْبك لاشْتِفاف، وإن ضَجْعَتَك لانجعاف، وان شِمْلَتك لالْتِفَاف، وإنَّك لتشبع ليلة تُضَاف، وتأمن ليلة تخاف.
_________________
(١) غريب الحديث ٢/ ٢٩٣.
(٢) في الأصل: الرزء، ولامعنى لها في موضعها، والتكملة عن: ظ.
(٣) ينظر قول ابن الأعرابي، في: الغريبين ١/ ١٢٧، والتهذيب ١٥/ ٦٨. وينظر: الموفقيات.
(٤) الغريبين والتهذيب، مع اختلاف يسير ببعض الحروف.
[ ٧٣ ]
قال مثله قول أوس بن حجر: (١)
(٢) وَهَبَّت الشَّمْأَل البَليلُ وإذْ باتَ كميعُ الفَتاة مُلْتَفِعا
أي: ملتفًّا ناحيةً لا يُضاجِعُهَا (٣).
* * *
١٠ - وقال أبو عبيد في حديث النّبي - ﷺ -، أنه ذكر المختالات المُتَبَرِّجَات، فقال: (٤) "لايدخل الجنَّة منهنَّ إلَّا مِثْل الغُراب الأعْصَم".
قال أبو عبيد: الأعصم (٥)، هو الأبيض اليَدينْ، ومنه قيل للوُعول: عُصْم. قال: وهذا الوصف في الغِربان عزيز، لا يكاد يُوجد. إنَّما أرجُلها حُمْر. وصَف قِلَّة مَنْ يدخل الجَنَّة منهنَّ هذا قول أبي عبيد.
قال أبو محمد: وقد تدبّرت هذا التفسير، فرأيته مضطربًا. لأنَّه قال في أوّله: الأعصم هو الأبيض اليدين. والغُراب ليس له يَدَان. ثم قال بعد، وهذا الوصف في الغربان عزيز لا يكاد يوجد. إنَّما أرجُلها حُمْر، فكانَّه أراد هو الأبيض الرِّجْلَين (٦). وذكر مع هذا أن أرْجُلَ الغِرْبان حُمْر. ولم أرَ ذلك في البُقْع منها. ولا في الغُدْفان (٧). وإنَّما الحُمْر الأرْجُل،
_________________
(١) ديوانه: ٥٤.
(٢) في الديوان: وعزّت الشمأل الرياح وقد أمسى كميع الفتاة ملتفعا
(٣) وينظر رد ابن الأنباري على ابن قتيبة: في الغريبين ١٢٨/ ١.
(٤) غريب الحديث ٣/ ١٠١ - ١٠٢، والنهاية ٣/ ٢٤٩.
(٥) غريب الحديث: قال أبو عبيد: الغراب الأعصم.
(٦) النهاية ٣/ ٢٤٩ - ٢٥٠.
(٧) في الأصل: العدفان، وظ: الغدقان، وكلاهما مصحف: والغدفان جمع: غداف. وهو الغراب. ينظر: اللسان (غ/ د/ ف) ١١/ ١٦٨.
[ ٧٤ ]
ضَرْبٌ منها سُودٌ صغار. وهى مع ذلك حُمْر المناقير. والغرابُ الأعصم، هو الأبيض الجناحَيْن. لأنَّ جناحَيْ (١) الطّائر بمنزلة اليدين. كما كانت العُصْمَةُ في الوُعُول والخَيْل، بياض أيديها. فكذلك هو من الغِربان بياض أجنحمْها، إذْ كانت الأجْنحة لها بمنزلة الأيدي.
وممّا يشهد لهذا، حديثٌ (٢) حدَّثنيه محمد عن ابن عائشة عن حمّاد بن سَلَمة عن أبي جعفر الخطمي عن عمارة بن خزيمة، قال. خرجنا مع عمرو بن العاص (٣) متوجّهين إلى مكة، فإذا نحن بامرأة عليها جَبائر وخَواتِم، وقد بَسَطَت يدَها على الهَوْدَج فقالت: كنا مع رسول الله - ﷺ -، فإذا نحن بغرابَيْن، فيهما [غُرابٌ (٤)] أعْصَم أحمر المنقار والرِّجْلَيْن، فقال. (٥) "لايدخل الجنَّهْ من النِّساء إلَّا قَدْر هذا الغُراب في الغِرْبان". والغراب الأبيض الجناحين عزيز (٦) لا يكاد يوجد.
* * *
١١ - وقال أبو عبيد (٧) في حديث النبيّ - ﷺ -، "إنَّ رَجُلًا وَقَصَتْ (٨) به ناقَتُهُ في أخاقيق جِرْذان فمات" (٩).
_________________
(١) ظ: جناح.
(٢) ظ: لهذا الحديث حديث حدَّثنيه.
(٣) ظ: العاصي.
(٤) زيادة من الأصل.
(٥) ينظر: النهاية ٣/ ٢٥٠.
(٦) سقطت من: ظ.
(٧) غريب الحديث ١/ ٩٥، والحديث في: النسائي (كتاب الحج: ٩٨، ٩٩) والفائق ٤/ ٧٤، والنهاية ٢/ ٥٧.
(٨) وقصت: كسرت عنقه. ينظر: الفائق ٤/ ٧٤، والنهاية ٥/ ٢١٤.
(٩) غريب الحديث: "ان رجلًا كان واقفًا وهو محرم فوقصت ".
[ ٧٥ ]
قال أبو عبيد: (١) إنَّما هي لخافِيقَ، وهي الشُّقوق في الأرض. واحدها: لُخْفُوق. هذا قولُ أبي عبيد.
قال أبو محمد: كان الرّياشي (٢) يذكر هذا ويعجب منه ويقول: بَلَغني أنَّ هذا الذي يُفَسّر الحدثث يذكر أنَّها لخاقيق. وإنَّما هي أخاقيق، كما جاء في الحديث. واحدها: خَقّ، وهو: الجُحْر. ثم تُجْمَع فيقال: أخْقاق وخُقوق، ثم تُجْمع أخْقاق، فيقال: أخاقيق (٣).
وممّا يشهد لذلك حديثٌ رواه لقيط بنِ بُكير المحاربي عن سويد بن طلحة عن سماك بن حرب (٤). إنَّ عبد الملك كتَبَ إلى الحَجّاجِ: (٥) "لاتدَعْ خَقًّا ولا لَقًّا إلَّا زَرَعْتَه". وقال سماك: الخَقُّ: الجُحْر، واللَّقُّ: الصَّدْع.
* * *
١٢ - وقال أبو عبيد (٦) في حديث النبي - ﷺ -، "إنَّ قُرَيْشًا كانوا يقولون: إن محمَدًا صُنْبُور".
قال أبو عبيد عن أبي عبيدة: الصُّنبور، النَّخْلةُ تخرجُ من أصل نخلة أخرى لم تُغْرَس.
_________________
(١) نقلًا عن الأصمعي، ينظر: غريب الحديث ١/ ٩٥.
(٢) الرياشي، أبو الفضل العباس بن الفرج، المتوفى سنة ٢٥٧ هـ.
(٣) ينظر: اللسان والتاج: "خ/ ق/ ق و: ل/ ق/ ق". والنهاية ٢/ ٥٧، والتكملة ٥/ ٤٣، والفائق. وفي اللسان: ولا يعرفه الأصمعي إِلَّا باللام (لخاقيق).
(٤) سقطت من: ظ.
(٥) النهاية ٢/ ٥٨.
(٦) غريب الحديث ١/ ١٠، وينظر: التقفية: ٣٩٨، وفي: الدر النثير ٣/ ٢ والتذييل للسيوطي: ٥٧ "صنوبر". والنهاية ٣/ ٥٥، والفائق ٢/ ٣١٦. وليس في كلام العرب، /١٦٨ - ١٦٧.
[ ٧٦ ]
قال: وقال الأصمعي: (١) الصُّنبور، النَّخْلَة تبقى منفردة ويدِقّ أسفلُها.
وقال أعرابي في صِفَة نَخْله: صَنْبَر أسْفله وعَشَّشَ أعلاه.
قال: يعني دقَّ أسفله وقلَّ سَعفَهُ ويبس. قال أبو عبيدة وقولُ الأصمعي: أعجب إليَّ، يعنون إنَّه فَرْدٌ ليس له وَلَد ولا أخ، فإذا ماتَ انْقَطَع ذِكْرُهُ. هذا (٢) قول أبي عبيد.
قال أبو محمد: وقد تدبّرت هذا التفسير، فلم أرَ النَّخْلة إذا دَقَّ أسفلُها ويبس سَعَفُها أوْلى بأنْ تُشبه بالفرب الذي لا وَلَدَ له وَلَا أخ من النخلة. إذا غلُظَ أسفلُها وَرَطُبَ سَعَفُهَا، لأنَّ هذه في الانْفِراد بمنزلة هذه. ولا أدري أيّ شيء أَوْحَشَه من قول أبي عبيدة وهو الصَّواب.
وإنَّما أرادوا أنَّ محمدًا ناشئً حدَثٌ (٣) بمنزلة الصُّنْبُور الذي بخرج من أصل النخلة (٤). يقولون: فكيف تتبعه المَشايخ والكبراء. وهو كذلك.
وأمّا قولُ الأعرابي في صفة نَخْله، صَنْبَر (٥) أسفلُه، فإنَّه أراد أنَّه
_________________
(١) ينظر: كتاب النخل والكرم للأصمعي: ١٠، ١١، واللسان "ص/ ن/ ب/ ر". والفائق ٢/ ٣١٦، والتقفية.
(٢) ظ: هذا يعني.
(٣) وفي التكملة ٣/ ٧٥: الصنبور: الصبي الصغير.
(٤) ينظر: النهاية ٣/ ٥٥، والفائق ٢/ ٣١٦.
(٥) قال في الفائق: ويمكن أن يجعل نونه مزيدة، من الصُبْر، وهو الناحية والطرف لعدم تمكنه وثباته.
[ ٧٧ ]
خرجِ في أسفله نخلٌ صِعْار، وهي الصَّنابير، فأضْعَفَه وأَذْهَبَ قوَّتَهُ وقلَّ سَعَفه لذلك.
* * *
١٣ - وقال أبو عبيد (١) في حديث النَّبي - ﷺ -، "الثَّيْبْ يُعْرِبُ عنها لِسانُها".
قال أبو عبيد (٢)، هو يُعرِّب بالتّشديد، يقال: عَرَّبْتُ عن القوم إذا تكلّمت عنهم، قال. وكذلك الحديث في الرجُل الذي قَتَل رجُلًا يقول. لا إله إلَّا الله، إنَّما كان يُعرِّب عمّا في قَلْبه لِسانُهُ، بالتَّشديد. هذا قول أبي عبيد.
قال أبو محمد: اللفظُ على ماجاء في الحديث، يُعْرِب عنها لِسانُها.
يقال: اللِّسانُ يُعْرِب عن الضَّمير (٣)، أي: يُبّين عنه، والإِعْرابُ في الكلام من هذا، إنَّما هو الِإفْصاحُ والإِبانَة (٤). ولم أسمع أحدًا يقول: التَّعْرِيبُ. وقال الكميت (٥) لبني هاشم:
وَجَدْنَا لكم في آل حميم (٦) آيةً تأوَّلها منّا تقىٌّ ومُعْرِبُ
_________________
(١) غريب الحديث ١/ ١٦٢، والحديث في: مسند ابن حنبل ٤/ ١٩٢، وابن ماجه (كتاب النكاح: ١١)، والفائق ٢/ ٤٠٩ والنهاية ٣/ ٢٠٠.
(٢) نقلًا عن الفرّاء.
(٣) ينظر: اللسان والتاج: "ع/ ر/ ب".
(٤) منقول عنه في: النهاية ٣/ ٢٠٠، وينظر التكملة ١/ ٢٠٨.
(٥) الهاشميات: ٤، وتفسير غريب القرآن: ٣٦، واللسان ١٥/ ٤٠، و١٨/ ٢٠٣٠، وسيبويه ٢/ ٣٠، والحجة لابن خالويه: ٣١٢، واللسان (ع/ ر/ ب) ٢/ ٧٨.
(٦) ظ: حم.
[ ٧٨ ]
أي: تأوّلها منّا رجلٌ يتّقي على نَفْسه، فهو لا يتكلّم ولا يُبْدِي ذلك التَّأْوِيلُ خَوْفًا على نَفْسه من بني أُميَّة، وآخر يُعْرب، أي: يُبين ويُفصح بذلك التأويل ولا يُباليهم.
وقال آخر: (١)
فإنِّي لأكْنو عن قَدور بغيرها وأعْرِبُ أحيانًا بها فأصارحُ
* * *
١٤ - وقال أبو عبيد (٢) في حديث النّبي - ﷺ -، "مَنْ تَعلَّم القرآن ثم نَسِيَه لقيَ الله (٣) وهو أَجْذَم".
قال أبو عبيد: الأجذم، المَقْطوع اليد. يقال: جذمت يده، تجذم جذمًا، وجذمتها أنا. واحتجَّ بقول الشاعر: (٤)
وهل كنت إلَّا مثل قاطع كفّه بكفّ له أخرى فأصبح أَجْذَما
هذا قول أبي عبيد.
قال أبو محمد: وقد تدبّرت هذا التفسير فرأيته أتى فيه من قِبَل البيت الذي استشهده. وليس كلّ أجْذَم أقْطَع اليد، وإذا نحن حملنا الحديث على ما ذهب اليه، رأينا عُقوبة الذَّنْب لا تُشَاكل الذئب، لأنَّ اليد لا سبَبَ لها في نِسْيان القرآن. والعقوبات من الله -﷿- تكون
_________________
(١) اللسان (ع/ ر/ ب) ٢/ ٧٨.
(٢) غريب الحديث ٣/ ٤٨، والحديث في: مسند ابن حنبل ٥/ ٢٨٤، ٣٢٣، ٣٢٨، والفائق ١/ ١٧٩، والغريبين ١/ ٣٣٥، والتهذيب ١١/ ١٧، وفتح الباري ٩/ ٨٦، والزاهر ٢/ ٣٠١، وأمالي المرتضى ١/ ٥ - ٩.
(٣) غريب الحديث: الله تعالى.
(٤) هو المتلمس، والبيت في اللسان (ج/ ذ/ م) ١٤/ ٣٥٤. والأصمعيات: ٦٤.
[ ٧٩ ]
بحَسب الذّنوب كقوله: "الذين يأكلون الرِّبا لا يقومون إلَّا كما يقوم الذي يتخبّطَه الشّيطان من المَسّ" (١).
يريد: ان الرّبا الذي أكلوه رَبَا في بطونهم فأثْقلهم، فهم يقومون ويسقطون كما يصيب مَنْ يتخبَّطه الشَّيطان (٢). وكقول رسول الله - ﷺ -: (٣) "رأيْتُ ليلة أُسْرِيَ بي قومًا تُقْرَضُ شِفاهُهم، كلّما قُرِضَت وَفَتْ (٤)، فقال لي جبريل: هؤلاء خُطَباء أُمّتك الذين يقولون ما لا يفعلون. لأنَّهم قالوا بأَفْواههم فعُوقِبُوا فيها". ومثْل هذا كثير.
والأجْذَمُ (٥) ههنا، المجذوم. يقال: رجُلٌ أجذم، وقوم جَذْمى، مثل أحمق وحمقى، وأنْوَك وَنَوْكى، إلَّا أنْ يكون رُوِيَ في حديث آخر، "إنَّه يُحْشَر أقْطَع اليد". أو ما يُدلّ على ذلك. فيقع التَّسليم منا، وإنَّما سُمّيَ مَنْ به هذا الدّاء، أجْذَم. لأنَّه يقطع أصابع يده وشقص خلْقَه.
والجَذْمُ: (٦) القَطْع. وكلُّ شيء قطعْتَه فقد جَذَمْته، وجذَذْتَه. ولهذا قيل لمقطوع اليد أَجْذَم، كما قيل له أَقْطَع. وهذا أشْبَه بالعقوبة. لأنَّ القرآن كان يدفع عن جِسْمه كلّه العَاهة، ويحفظُ صِحّتَهُ وزينته، فلمّا نَسِيَه فارَقَه ذلك، فنالَتْه الآفة في جميعه، ولا داء أشْمَل للبدن من الجذام ولا أَفْسَد للخِلْقَة.
* * *
_________________
(١) سورة البقرة، الآية ٢٧٥. وينظر: اللسان (ج/ ذ/ م).
(٢) ينظر: النهاية ١/ ١٧٨.
(٣) النهاية ٥/ ٢١١، والفائق ٤/ ٧٤، واللسان (و/ ف/ ي).
(٤) وفت: تمت وطالت.
(٥) ينظر: الغريبين ١/ ٣٣٦، والزاهر ٢/ ٣٠١ - ٣٠٢.
(٦) غريب أبي عبيد ٣/ ٤٨. واللسان، والنهاية والفائق.
[ ٨٠ ]
١٥ - وقال أبو عبيد (١) في حديث النَّبي - ﷺ -: "ليس في الجَبْهَة ولافي النَّخَّة ولا في الكُسْعَة صَدقة".
قال أبو عبيد: [: وحكى] (٢) عن أبي عبيدة: النَّخَّة: الرَّقيق. وعن الكسائي، أنَّها: النُّخَّة، بضم النون، وهي البَقَر العوامل (٣).
قال، وقال الفَرَّاء: (٤) النُّخَّة أنْ يأخذ المصدّق دينارًا بعد فراغه من الصَّدَقة. وأنشد: (٥)
عمي الذي منع الدّينار ضاحيةً دينار نَخّة كلْب وهو مَشْهُودُ
هذا قول أبي عبيد.
قال أبو محمَّد: رأيْتُ أصحابَ اللغة يذكرون أنَّ النَّخَّة، الإِبل العوامل وسُمّيت النَّخة، نَخَّة (٦) بالسَّوْق بالرَّجز وما أشبهه. والسَّوْقُ: النَّخُّ. وأَنشدني بعضهم: (٧)
لا تَضْرِبا ضَرْبًا ونُخا نخّا ما تَرَكَ (٨) النَّخُّ لهنَّ مُخَّا
_________________
(١) غريب الحديث ١/ ٧، وينظر الفائق ١/ ١٨٤، والتقفية: ٢٩١ والحور العين: ٢٨٣ (مع تقديم وتأخير بعض حروفه). والنهاية ٥/ ٣١ (وفيه: بضم النون: النُخة).
(٢) سقطت من ظ.
(٣) والجبهة: الجماعة من الخيل، والكسعة: من الحمير.
(٤) النهاية ٥/ ٣١، وهي بفتح النون وضمها، (النخة). الفائق.
(٥) اللسان: "ن/خ/خ" ٤/ ٢٧، و(ض/ح/ أ).
(٦) سقطت من: ظ. وينظر: التقفية: ٢٩١.
(٧) اللسان (ن/خ/خ) ٤/ ٢٨، وفيه: النخة: بفتح النون، الرقيق من الرجال والنساء، وبضم النون (نُخة): البقر العوامل، وينظر: الفائق ٢/ ١٠٧.
(٨) في الفائق: لم يدع.
[ ٨١ ]
وأمّا قول الفرَّاء: إنَّ النَّخّة أنْ يأخذ المصدّق دينارًا بعد فراغه من الصَّدقة، فكيف يجوز أن يُحْمَل عليه حديث رسول الله - ﷺ -، وهو يقول: "ليس في النَّخّة صَدَقة" (١). فأيَّة (٢) صَدَقة تكون في دينار أخذه المصدّق بعد فراغه من الصَّدَقة ظُلْمًا؟
ولو أراد هذا لقال: لا نَخَّة، ولقيل: نَهَى رسول الله - ﷺ - عن النَّخّة.
والبيت الذي استشهده لهذا القول، هو حجّتنا لما تأوّلناه لأنَّه قال:
عمّي الذي مَنَعَ الدّينار ضاحيةً دينار نَخّة كلْب وهو مَشْهُودُ
فذلك بإضافته الدّينار الى النَّخة، على أنَّه غيرها، وإنَّما أراد أنَّه كان يأخذ دينارًا عن نخَّتهم، وهي إبلهم العَوامل، فَمَنَعَه ذلك.
* * *
١٦ - وقال أبو عبيد (٣) في حديث النَّبي - ﷺ - حين ذكر أهل الجنَّة فقال: "لا يَبُولون ولا يتَغَوَّطون، إنَّما هو عَرَقٌ يجري من أَعْراضهم كالمِسْك (٤) ".
قال أبو عبيد: الأعْراض، مَغابِنُ الجَسَد التي تَعْرق. واحدها، عِرْض، قال: وليمس العرض في النَّسب من هذا في شيء. هذا قول أبي عبيد (٥).
_________________
(١) ينظر: الفائق ٢/ ١٠٧.
(٢) ظ: فأي.
(٣) غريب الحديث ١/ ١٥٤، وفيه: "لا يتغوطون ولا يبولون من أعراضهم مثل ريح المسك". وينظر: الفائق ٢/ ٤٠٩، والنهاية ٣/ ٢٠٩، وأمالي المرتضى ١/ ٦٣٢.
(٤) زيادة من: ظ وغريب الحديث.
(٥) غريب الحديث ١/ ١٥٤.
[ ٨٢ ]
قال أبو محمَّد: ما أكثر من تغلَّط في هذا. ويظنُّ أنَّ شَتْم العِرْض إنَّما (١) هو شَمْ السَّلَف من الآباء والأمّهات، وليس كذلك، إنَّما عِرْض الرجُل نفْسُه وبدَنُه. ومنه قولُ النَّبي - ﷺ -: "إنَّما هو عَرَقٌ يجري من أعْراضِهم".
أي. من أبدانهم. ومنه قول أبي الدَّرْدَاء: (٢) "أقْرِض من عِرْضك ليوم فَقرك".
أرأد مَنْ شَتَمَك فلا تَشْتِمْه، وَمَن ذكرَك فلا تذكوه. ودَعْ ذلك قَرضًا لك عليه ليوم الجَزَاء والقِصاص (٣).
يوضح هذا القول ابن عُيَيْنة: (٤) "لو أن رجُلًا أصابَ من عِرْض رجُل شيئًا، ثم تورَّع فجاء الى وَرَثَتِه وإلى جميع أهل الأرض، ما كان في حِلٍّ" (٥). ولو أصابَ من ماله ثم دَفَعه إلى ورَثَتِهِ لكنّا نرى ذلك كفّارة له فعِرْضُ المؤمن أشدّ من مالِه. فهذا يدُلّ على أنَّ عِرْض الرجُل بَدَنُه ونفسُه.
_________________
(١) زيادة من: ظ.
(٢) الحديث في: غريب ابن قتيبة ٢/ ٢٧٠، والنهاية ٣/ ٢٠٩ و٤/ ٤١، والفائق ٣/ ١٣٥، وينظر: غريب أبي عبيد ٤/ ١٤٩، والزاهر ٢/ ٦٩، وأمالي المرتضى ١/ ٦٣٢.
(٣) غريب ابن قتيبة ٢/ ٢٧١، والنهاية. وينظر: رد الانباري عليه، في الزاهر ٢/ ٦٩.
(٤) ابن عيينة، سفيان الهلالي، الكوفي، من الحفاظ الثقات، ولد سنة ١٠٧ هـ، وتوفي سنة ١٩٨ هـ. وقال فيه الامام الشافعي: "لولا مالك وسفيان لذهب علم الحجاز". ينظر: تهذيب التهذيب ٤/ ١١٦، وتذكرة الحفاظ ١/ ٢٤٢، تاريخ بغداد ٩/ ١٧٥، و١١/ ٣٦٢.
(٥) النص في: أدب الكاتب: ٢٧، ونقله الانباري في: الزاهر ٦٩/ ٢ (مع تغيير في بعض ألفاظه)، وأمالي المرتضى ١/ ٦٣٢ - ٦٣٣.
[ ٨٣ ]
وقال حسَّان (١) بن ثابت: (٢)
هَجَوْتُ محمَّدًا فأجَبْتُ عنه وعند الله في ذاك الجَزَاءُ
فإنَّ أبي ووالِدَهُ وعِرْضِي لِعِرْض محمَّد منكم وِقاءُ
أراد: فإنَّ أبي وجدّي ونَفْسي، وقاء لنفْس محمَّد - ﷺ -.
* * *
١٧ - وقال أبو عبيد في حديث (٣) النَّبي - ﷺ -، إنَّه كتب في كتاب صُلْح الحُدَيْبية: "لا إغْلال ولا إسْلال، وإنَّ بيْنَنَا عَيْبة مكفوفة".
ذكره (٤) وفسَّر أبو عبيد، الإِغْلال والإِسْلال (٥)، وأغْفَلَ قوله: "وإنَّ بيننا عَيْبة مكفوفة". فلم يفسِّرْه.
قال أبو محمد: بَلَغَنِي عن ابن الأعرابي أنَّه قال: هذا مَثَلٌ، والعَيْبَة: (٦) التي يُجْعَل فيها الثياب. والمكفوفة: المُشْرَجة (٧) المشدودة. قال: فأراد أنَّ صلحنا محكم مُسْتَوْثَق منه، كأنَّه عَيْبة مُشْرَجة.
_________________
(١) ديوانه: ٦٥.
(٢) سقطت من: ظ.
(٣) غريب الحديث ١/ ١٩٨، والحديث في: مسند ابن حنبل ٤/ ٣٢٥، وأبي داود (كتاب الجهاد ١٥٦)، والفائق ٢/ ٢٣١، وتأويل مشكل القرآن: ٨٨، وتاج العروس ٣/ ٤٥٠، والنهاية ٢/ ٣٩٢.
(٤) ظ: وفسره أبو عبيد.
(٥) وهو السرقة الخفية، ينظر: غريب أبي عبيد، والنهاية ٢/ ٣٩٢.
(٦) ينظر: غريب ابن قتيبة ٢/ ٥٩، والمقاييس ٥/ ١٧٠، والجمهرة ٢/ ٣٤٨، والتاج ١٧/ ٣٥٣.
(٧) تأويل مشكل القرآن: ٨٨ و٥٨١.
[ ٨٤ ]
وقال غير ابن الأعرابي (١): بل أراد إنَّ بَيْنَنَا صَدْرًا نقيًّا من الغِلِّ والغَدْرِ، مَطْوِّيًا على الوفاء، والصُدورُ يقال لها، العِياب (٢). لأنَّها تشتمل على الوُدِّ والبُغْضِ، كما تَشْتمل العِيابُ على الثّياب، وقال الكُمَيْت: (٣)
وكادَتْ عِيابُ الوُدِّ منّا ومنهم -وإن قيل أبناءُ العُمومة- تَصْفِرُ
يعني، بعياب الودّ: الصّدور. وتصفر: تخلو من المحبّة. والمكفوفة والمشرجة، واحد (٤).
ويقال: أُشْرِجَ صدرُه على هذا، قال الشَّمّاخ: (٥)
وكادت (٦) غداةَ البَيْن ينطِقُ طرْفُها بما تحت مكنون من الصَّدْرِ مُشْرَج
أي: مشرج على شرّ (٧) يكتمه. وهذا مذهب من الاسْتِخْراج حَسَنٌ. غير أنَّ تفسير ابن الأعرابي أعْجَبُ إليَّ. لأنّي وجدْتُ في حديث آخر، أنَّه كان في الكِتابِ: والأمر فيما بيننا كشرْج العَيْبة.
* * *
١٨ - وقال أبو عبيد (٨) في حديث النَّبي - ﷺ -: "أنه ذكر فِتْنةً تكون في أقْطار الأرض، كأنَّها صَياصي بَقَر".
_________________
(١) ظ: وقال غيره.
(٢) اللسان (ع/ ي/ ب) وتأويل المشكل.
(٣) المعاني الكبير ١/ ٥٢٧، وفي أساس البلاغة ٢/ ١٦١ نسب لبشر بن أبي خازم. والمشكل: ٥٨١.
(٤) تأويل المشكل.
(٥) ديوانه: ٨.
(٦) ظ: وكاد غداة البين.
(٧) ظ: سر.
(٨) غريب الحديث ٢/ ٨٤، والحديث في: ابن حنبل ٤/ ١٠٩، ٥/ ٣٣، والفائق ٢/ ٣٢٣.
[ ٨٥ ]
قال أبو عبيد: (١) الصَياصي: القرون (٢). ولم يذكر لِمَ شبَّهها بقرون البَقَر. هذا هو الذي يُراد من الحديث.
قال أبو محمد: إنَّما شبَّهها بقرون البَقَر لما يُشْرَع فيها من الرّماح وأشباهها من السّلاح، فشبّه ذلك بقرون بَقَر مجتمعة. وكانت العرب تشبه الكتيبة بالشَّجَر، لما يُشرع فيها من الرّماح. وكانوا ربَّما جعلوا القُرون مكان الأسِنَّة. قال المفضّل (٣) العبدي:
يُهَزْهِزُ صَعْدَةً جَرْداء فيها نقيعُ السمّ أو قَرنٌ محيقُ
والمَحِيق: هو الذي امَّحَق مما دُلِكَ. وهو (فَعيل) بمعنى (مفعول)، ويُسَمُّون الثّور رامِحًا. يريدون: أنَّ له رمحًا من قَرْنه. قال ذو الرّمّة: (٤)
وكائن دعرنا من مهاةٍ ورامحٍ بلادُ الوَرَى ليست له ببلادِ
وقال لبيد (٥)، يشبّه القِسِيّ بالقرون:
وأصدرتُهُم شتّى كأنَّ قِسِيَّهم قرونُ صِوارٍ (٦) ساقِطٍ مُتَلَغّب
* * *
_________________
(١) فسرها أبو عبيد بأنها حصونها التي تحصن بها من عدوها.
(٢) ينظر: غريب ابن قتيبة ٢/ ٢٩٤، واللسان (ص/ ي/ ص ٧/ ٥٢)، والفائق ٢/ ٢١٠، والنهاية ٢/ ٤٣٢.
(٣) الأصمعيات: ٥٣، واللسان (م/ ح/ ق). وفيهما: المفضل النكري.
(٤) ديوانه: ١٤١، وينظر: المخصص ٦/ ٢٨، اللسان (ر/ م/ ح، ٦/ ٤٠٢).
(٥) ديوانه: ٢١.
(٦) صوار: (بضم الصاد المهملة وكسرها): البقر. التكملة ٣/ ٧٦.
[ ٨٦ ]
١٩ - وقال أبو عبيد (١) في حديث النَّبي - ﷺ -: "من اطَّلع من صِير باب، فقد دَمَر" (٢).
قال أبو عبيد: الصِّير: الشِّق، قال: وقد جاءت حووف تفسيرها في الحديث لا يُعْرَف (٣). منها: الصِّير. أنَّه الصَّحناة، ومنها: الثُّفّاء، إنَّه الحُرْفُ، لم نسْمَعه (٤) في كلامهم. و[لا (٥)] أشعارهم. هذا قولُ أبي عبيد.
قال أبو محمَّد: الصِّيرُ: معروفٌ مشهور. قال جوير في آل المهلّب: (٦)
كانوا إذا جعلوا في صِيرهم بَصَلًا ثم اشْتَوَؤا كنْعَدًا من مالحٍ جَدَفُوا
يريد: أنَّهم ملاّحُون، وصيرُ الباب: حَرْفه. قال زهير (٧).
على صِير أَمْرٍ ما يمرُّ وما يَحْلو
أي: جَنْبُ أمر كأنَّه يعني أوَّله (٨). كذلك: الثُّفّاء (٩)، معروفٌ عند
_________________
(١) غريب الحديث ٢/ ٤٢، والنهاية ٢/ ٦٦، وفي الفائق ١/ ٤٣٧: "من اطلع في بيت قوم بغير إذنهم فقد دمر"
(٢) في غريب الحديث: "من اطلع من صير باب ففقئت عينه فهي هدر". ودمر: دخل.
(٣) غريب الحديث ٢/ ٤١.
(٤) غريب الحديث: " لم نسمعها في أشعارهم ولا في كلامهم ".
(٥) زيادة من: ظ.
(٦) لم أجده في ديوان جرير، وهو في: اللسان (ك/ ن/ ع/ د) ٤/ ٣٨٦.
(٧) زهير بن أبي سلمى، وتمام البيت: وقد كنت من سلمى سنين ثمانيا ديوانه: ٩٦، وينظر: التقفية: ٣٥١.
(٨) زيادة من: ظ.
(٩) الفائق ١/ ١٦٨. والقاموس (ث/ ف/ أ).
[ ٨٧ ]
أهل مكة (١) وأهل الحجاز والأعراب. وكنت يومًا بمكة عند رجُل من الباعة، فوقَفَ عليه أعرابي فقال له: أعْطِنِي ثُفّاء (٢)، فأخْرَجَ له حُرْفًا (٣) من غير أنْ يسأله عمّا طَلَب.
* * *
٢٠ - وقال أبو عبيد (٤) في حديث النَّبي - ﷺ -: "أتَيْنَا على جُدْجُد مُتَدمّن".
وقال أبو عبيد: الجُدْجُد لا يُعْرَف. إنَّما المعروف. الجُدّ، وهي البئر الجيّدة المَوْضع من الكَلاء. هذا قول أبي عبيد (٥).
قال أبو محمَّد: بَلَغَنِي عن اليَزيدي (٦)، أنَّه قال: الجُدْجُد (٧): البئر الكثيرة الماء.
* * *
_________________
(١) ظ، عند أهل الحجاز وأهل مكة.
(٢) الثفاء (بضم الثاء المنقوطة بثلاث من فوق): الخردل، اللسان (ث/ ف/أ).
(٣) الحرف (بضم الحاء المهملة)، حب الرشاد.
(٤) غريب الحديث ٤/ ٤٩٤ وفيه: "فوردنا على جدجد ". والنهاية ١/ ٢٤٤، والفائق ١/ ١٩٩.
(٥) نقلًا عن الأصمعي، وهو في: النهاية.
(٦) اليزيدي، أبو محمد يحيى بن المبارك، المتوفى سنة ٢٠٢ هـ، وهو جد آل اليزيدي. وهو صاحب لغة ونوادر ينظر: معجم الادباء ٧/ ٢٨٩، مرآة الجنان ٢/ ٣، الأغاني ١٨/ ٧٢، الأنساب (ق/ ٥٩٩).
(٧) ينظر: اللسان (ج/ د/ د)، والفائق ١/ ١٧٩. أقول: ولم يفسر ابن قتيبة: المتدمن، وهو الماء الذي سقطت فيه دمن الإِبل والغنم. غريب الحديث ٤/ ٤٩٤. والجدجد أيضًا: دويبة تصر بالليل في الصيف. فيه شبه بالجراد. ينظر: غريب ابن قتيبة ٣/ ٦٦٢.
[ ٨٨ ]
٢١ - وقال أبو عبيد في حديث النَّبي - ﷺ -، في كِتابه لأكيْدر: (١) "لا (٢) تُعَدّ فارِدتُكم" (٣).
قال أبو عبيد: يُريد الشاة الزّائدة على الفريضة حتى تبلغ الفريضة الأخرى، إنَّها لا تُعَدّ عليكم. هذا قول أبي عبيد (٤).
قال أبو محمَّد: [و] (٥) قد تَدبّرتُ هذا التفسير فلم أرَ له وجْهًا؛ لأنَّ الواجِبَ في الصَّدَقَةِ أنْ يُؤْخَذ من أربعين [شاة (٦)] واحدة. ولا يُؤْخذ منها شيء حتى تبلغ مائة وعشرين. فكيف يجوز أنْ يُسَمَّى ما بين أربعين إلى مائة وعشرين فاردة؟
وأحسِبُهُ أراد الشّاة الواحدة أو الشَّاة المنفردة، تكون للرجل في منزله يحتلِبُهَا فلا تُعدّ عليه ولا تُضمّ إلى ما في المَرْعَى من غَنَمِه.
* * *
_________________
(١) أكيدر، هو: أكيدر بن عبد الملك الكندي، صاحب (دومة الجندل)، أسره خالد بن الوليد، وأحضره الى رسول الله (- ﷺ -) فحقن له دمه، وصالحه عن الجزية، ثم خلَّى سبيله، ويقال إنه أسلم، ينظر: الإصابة ١/ ٦٢، ١٢٩، أسد الغابة ١/ ١٣٥، منال الطالب في شرح طوال الغرائب ١/ ٦٤ (تحقيق د./ محمود الطناحي)، وغريب الحديث ٣/ ١٩٩، والأمتاع ١/ ٤٦٣، والواقدي: ١٠٢٥.
(٢) غريب الحديث ٣/ ١٢٦، وتمامة في ١٩٩/ ٣، والأمتاع ١/ ٤٦٦، والفائق ٢/ ٣٢٢، وتاج العروس ٨/ ٤٨٩.
(٣) في الأصل: لا يعد.
(٤) غريب الحديث: (يقول: لا تضم الشاة المنفردة إلى الشاة فيحتسب بها في الصدقة". وينظر ٣/ ٢٠٠، والنص فى: منال الطالب ١/ ٦٦.
(٥) سقطت من: ظ.
(٦) زيادة من: ظ. وينظر: مغازي الواقدي: ١٠٣٠.
[ ٨٩ ]
٢٢ - وقال أبو عبيد (١) في حديث النَّبي - ﷺ -: "إنَّه لَعَن العاضِهَة والمسْتَعْضِهة".
قال أبو عبيد، العَضْه: النَّميمة، واحتجَّ بقول الشَّاعر: (٢)
أعوذُ بربّي مِنَ النَّافِثا تِ في عُقَد العاضِه المُعْضِه
هذا قول أبي عبيد:
قال أبو محمَّد: قال عِكْرِمة: العَضْهُ، بلِسان قريش: السِّحْر. والعاضِهة: (٣) السَّاحرة. والمُسْتعضهة: التي تسألها أنْ تسحر لها. وفى البيت الذي اسْتشْهَده أبو عبيد ما دلَّ على أنَّه السِّحْر. لأنَّ النَّافِثات في العُقَد هُنَّ السَّواحر. والعَضَه، (٤) في غير هذا الحديث [و(٥)] في غير هذا البيت، قد تكون الغِيبة، وقد تكون النَّميمة عضهًا، لأنَّ الغِيبة تدخلها كثيرًا.
* * *
_________________
(١) غريب الحديث ٣/ ١٨٠، وفيه: "قال - ﷺ -: ألا أنبئكم ما العضه؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال: هي النميمة". وينظر: النهاية ٣/ ١١٩، والفائق ٢/ ١٦١، والحديث في: مسند ابن حنبل ١/ ٤٣٧، والموطأ (كتاب البر: ١٠٢).
(٢) الشاهد في: اللسان (ع/ ض/٥) بغير نسبة، ومختلف الحديث ١٢١.
(٣) تفسير غريب القرآن ٢٤٠، وتفسير الطبري ١٤/ ٤٥.
(٤) ينظر: الفائق، واللسان، وقال ابن الأثير: هي العضه، بكسر العين وفتح الضاد المعجمة وصرح الزمخشري في: (الفائق)، أن أصلها العضه، فِعْلة، من العضه، وهو البهت.
(٥) زيادة من: ظ. وينظر: مختلف الحديث ١٢١.
[ ٩٠ ]
٢٣ - وقال أبو عبيد (١) في حديث النَّبي - ﷺ -: "إنَّه نَهَى عن لِبْس القَسِيّ".
فسَّره أبو عبيد وذكر ضُرُوبًا من اللّباس، منها: (٢) القَهْز و[قال (٣)]: هي ثيابٌ بيض يُخَالِطُها حرير. قال: وقال ذو الرّمّة (٤) يذكر البُزاة والصُّقُور:
من الزُّرْق أو صُقْعٍ كأنَّ رؤوسَها من القَهْز والقُوهِيّ (٥) بيضُ المَقَانِع
قال (٦) أبو محمد (٦): والصُّقعُ في هذا البيت، العِقبان لا الصُّقور. يقال للعقاب صَقْعًا (٧). وإنَّما وُصِفت بذلك لبياض رؤوسها. ومنه قيل:
_________________
(١) غريب الحديث ١/ ٢٢٥ - ٢٢٦، وهو في: التاج ٦/ ٣٢٦ (ت/ ر/ ح).
(٢) غريب الحديث ١/ ٢٢٨، وقال الزمخشري: القهز (بكسر القاف وفتحها)، ضرب من الثياب يتخذ من صوف كالمِرعِزّى، وعن ابن الأثير: أنّها ليست بعربية محضة. ينظر: الفائق ٢/ ٣٨٧، والنهاية ٤/ ١٢٩، والمعرب ص ٢٦٤، والتكملة ٣/ ٢٩٥.
(٣) زيادة من: ظ.
(٤) ديوانه: ٣٦٠، وينظر: اللسان (ق/ ٥/ ز).
(٥) القوهي والقوهية، ضرب من الثياب، نسبة إلى: قوهستان (كوهستان)، من مواضع بلاد العجم، وهي الآن في أفغانستان. وينظر: معجم البلدان ٢٠٥/ ٤، والمعرب ص ٢٦٤. والقهز: بفتح القاف وكسرها، ضرب من الثياب الحرير، وهو فارسي معرب. ينظر: المعرب ص ٢٦٣.
(٦) ما بين القوسين سقطت من ظ.
(٧) ينظر: اللسان (ص/ ق/ ع). وفي اللهجة البغدادية اليوم يقولون: صكع، بالكاف المعكومة، يريدون بها: ضرب على الرأس؛ وينظر: التكملة ٤/ ٢٩٨.
[ ٩١ ]
صَقَع فلان فلانًا، إذا شجَّه أو ضرَبَ رَأْسَه. وقيل: صقاع الدّابة [للبرقع (١)]، فأمّا الصّقور فلا نعلم (٢) منها أصْقَع.
* * *
٢٤ - وقال أبو عبيد (٣) في حديث النَّبي: "إنَّ مسجده كان مِرْبَدًا لِيَتِيمَيْن] ".
قال أبو عبيد: (٤) المِرْبَد كلُّ شيء حُبِسَتْ به الإِبل. واحْتَجَّ بيت الشاعر: (٥)
عَواصِيَ إلَّا ما جعلْتُ وراءها عصا مِرْبد تغْشَى نُحورًا وأذْرُعا
وقال: يعني بالمِرْبَد، عصًا جَعَلَها مُعْتَرِضَة تمنع الإِبل من الخروج.
هذا قول أبي عبيد.
قال أبو محمد: لم يجعل الشاعر العصا مِرْبدًا، وإنَّما أراد عصًا في المِرْبَد، تردّ الإِبل إذا أرادت الخروج. فأضاف العصا إلى المربد،
_________________
(١) زيادة من: ظ.
(٢) ظ: فلا يعلم.
(٣) غريب الحديث ١/ ٢٤٦ - ٢٤٧، وتمامه: " ليتيمين في حجر معاذ بن عفراء "؛ والتاج ٨/ ٨١ (ر/ ب/ د)، والنهاية ٢/ ١٨٢، والفائق ٢/ ٢٣.
(٤) نقلًا عن الأصمعي.
(٥) هو: سويد بن كراع، والبيت في: مقاييس اللغة ١/ ٤٧٦، واللسان (ر/ ب/ د) ٤/ ١٥٠ غير منسوب، والحمهرة ١/ ٢٤٣، والتاج ٨/ ٨٤.
[ ٩٢ ]
ولو انفردت العصا لم يكن وراءها مَحْبَس للإِبل لم تُسَمَّ. وإنْ مَنَعَت الإِبل، مِرْبَدًا (١).
* * *
٢٥ - وقال أبوعبيد في حديث النَّبي - ﷺ -: "ذكر (٢) فيه أبو عبيد (٢) إيجاز العرب واختصارها، وحَذْفَها من الكلام لِيَعْلَمَ المخاطَب بما يريدون (٣). وأنشد في ذلك للأخطل: (٤)
لما رأوْنا والصَّليبَ واقعا ومارَ سرجيس وموْتًا ناقِعَا
خلّوا لنا راذان والمزارعا كأنَّما [كان] غُرابًا واقِعا
قال: أراد، كأنَّما كانوا غرابًا واقعًا فطار، فحذَفَ فطار. هذا قولُ أبي عبيد.
قال أبو محمد: لم يحذف الشاعر شيئًا، ولكنَّ أبا عبيد لم يبلُغْه البيت [الذي (٥)] بعد هذا، وهو قوله (٦):
_________________
(١) ورد على ابن قتيبة: أبو بكر الأنباري في: الزاهر ٢/ ٣٦٦.
(٢) ظ: ذكر أبو عبيد فيه.
(٣) ينظر: تأويل مشكل القرآن ٢١٩.
(٤) ديوانه ص ٣٠٩، وفيه: والصليب طالعا/ وسمًا ناقعا. ومار سرجيس: كلمتان: (مار، وتعني السيد) بالسريانية، وسرجيس: اسم سرجيوس، كان قائدًا في جش (الملك مكسيميانوس) عن: شرح الديوان. وراذان: الثرثار، وهو من أيامهم.
(٥) سقطت من: ظ.
(٦) ولم أجده في ديوانه، وهو في التاج: (ص/ ق/ ع) ٥/ ٥٣٥، (ط/ القاهرة)، واللسان (ص/ ع/ ق) ١٠/ ٢٨٥.
[ ٩٣ ]
فطارَ لمَّا أبْصَر الصَّواقِعَا
* * *
٢٦ - وقال أبو عبيد (١) في حديث النَّبي - ﷺ -: "اللَّهم إنَّا نَعُوذُ بك من الَألْس والألْق (٢) والسَّخيمة".
قال أبو عبيد: الألْس، اختلاط العَقْل. يقال: قد ألِسَ فهو مألوس. والألْق؛ أحْسِبُه أراد الوَلق. [و] (٣) وُيرْوَى عن عائشة -﵂-، أنَّها كانت تقرأ: (٤) "إذْ تَلِقُونَه بألْسِنتكم" (٥). يقال: [وَلَقت (٦)] ألِقُ وَلْقًا.
هذا قول أبي عبيد.
قال أبو محمد: لا أرى الألْس في هذا الموضع إلَّا الخيانة (٧) والغِشّ. ومنه يقول الناس: فلانٌ لا يُدالِس ولا يُوالِس.
فالمُدَالَسَة: من الدَّلَس. وهو الظُّلْمَة، يُريد (٨) أنَّه لا يُعمّي عليك
_________________
(١) غريب الحديث ٤/ ٤٩٤ - ٤٩٥، ٤٩٦. والفائق ١/ ٥٥ (زاد بعد الألف: والكبر)، والنهاية ١/ ٦٠.
(٢) في الأصل: الولق. وتمامه في غريب الحديث: " والألق والكبر والسخيمة".
(٣) زيادة من: ظ.
(٤) ظ: تقرأها.
(٥) سورة النور، الآية ١٥، وفي المصحف الشريف: ﴿إذْ تَلَقَّوْنَه﴾. وينظر: المشكل ٣٧، ٤٠؛ واللسان (و/ ل/ ق، ق ١٢/ ٢٦٥)، والمختصر في القراءات الشاذة: ١٠٠، وتلقونه (بتشديد القاف): تقبلونه وتقولونه، وتلقونه (بضم القاف المخففة): من الولق: الكذب، والحجة: ٢٦٠.
(٦) سقطت من: ظ.
(٧) الفائق ١/ ٥٥، وقيل: الألس: الخيافة.
(٨) ظ: يراد.
[ ٩٤ ]
الشيء، يُخفيه (١) ويستر ما فيه من عَيْب. فكأنَّه دفعه إليك (٢) في دَلَس. ومنه يقال أيضًا: دَلَسَ علىَّ كذا وكذا (٣). والمُؤَالَسة: الخيانة. قال الشاعر: (٤)
هم السَّمْن بالسَّنُّوت لا أَلْسَ فيهم وهم يمنعون جارَهم أنْ يُقَرَّدا
يصفهم بالسُّهولة في المعاملة، وبأنَّه لا خيانة فيهم، وهم مع ذلك يمنعون الجار من أنْ يستذلّ كما يُسْتَدْلّ البعير، إذا نُزِعَ قِرْدانه (٥).
والألْقُ: الكذِبُ (٦)، وأصله: الوَلْق، فهُمِزَت الواو. والعربُ قد تهمز الواو إذا كانت أولًا. وكانت (٧) مضمومة أو مكسورة.
وربَّما همزَتْها وهي مفتوحة، كما قيل في الحديث: (٨) "أي مال أُدِّيَتْ زكاتُهُ، فقد ذهَبَتْ أبَلَتُه".
أي: مضرَّتُه. وأصلها: وَبَلة. لأنَّها من قولك: استوْبَلتُ الشيء،
_________________
(١) ظ: ويخفيه.
(٢) ظ: إليه.
(٣) سقطت من: ظ.
(٤) هو: الحصين بن القعقاع، ينظر: اللسان (أ/ ل/ س و٧/ ٣٠٣، و: س/ ن/ ش)، ٣/ ٣٤٩، وهو منسوب للأعشى كما في ملحق ديوانه (ط/ جاير ص ٢٣٩)، وغريب ابن قتيبة ١/ ٣٥٨، ونسبه الزمخشري الى الأعشى أيضًا.
(٥) غريب ابن قتيبة ١/ ٣٥٨.
(٦) اللسان، وفي الفائق: الحنون، ومثله: في النهاية. ونقله عن ابن قتيبة، وقال: "وقد أخذه عليه ابن الأنباري، لأن إبدال الهمزة من الواو المفتوحة لا يجعل أصلًا يقاس عليه، وإنما يتكلم بما سمع منه".
(٧) سقطت من: ظ.
(٨) هو من حديث: يحيى بن يَعْمر العدواني، وهو في: غريب الحديث لأبي عبيد ٤/ ٣٩٦، والفائق ١/ ١٠، والنهاية ١/ ١٥، وفيه: "ويروى: وبَلَتُه".
[ ٩٥ ]
إذا أضرَّكَ ولم يُوافِقْكَ. كما قالوا: وكّدْتُ، وأكّدْتُ، ووقّتُّ وأقَّتُّ من الوقت.
* * *
٢٧ - وقال أبو عبيد (١) في حديث النَّبي - ﷺ، حديث قَيْلَة "لا تخبرها فَتَتْبَع أخا بكر بن وائل بين سَمْع الأرض وبَصَرِها".
قال أبو عبيد: قال بعضهم: بين طُولها وعَرْضها. ولا أدري ما الطول والعَرْض من السمع والبَصَر، ولكنَّ وجهه عندي: أنَّها أرادت أنَّ الرجُل يخلو بها ليس أحد يسمع كلامها ولا يبصرها إلَّا الأرض القَفْر. فصارت الأرض خاصَّة كأنَّها هي التي تسمعها وتبصرها. وهذا مثلٌ ليس على أنَّ الأرض تسمع وتبصر. وهو كقول النَّبي - ﷺ - في أُحُد: (٢) "هذا جَبَلٌ يُحبّنا ونحبُّه". وكقول الله -﷿-: (٣) ﴿جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ﴾ (٤). وكان الكسائي يحكي عن العرب، أنَّهم يقولون: منزلي
_________________
(١) غريب الحديث ٥٥، وفيه: "أخت قيلة، لا تخبرها ". وقيلة؛ هي: بنت مَخْرمة، هاجرت إلى النبي - ﷺ - مع حريث بن حسان، وافد بني بكر بن وائل، وحديثها في: الترمذي (كتاب الأدب، باب ما جاء في الثوب الأصفر) والبخاري (كتاب الأدب)، ينظر: التهذيب ١٢/ ٤٤٧؛ وهو بتمامه في: الفائق ٣/ ١٠٠.
(٢) غريب الحديث ٣/ ٥٦ وينظر: ابن حنبل ٣/ ١٠٤، ١٤٩، ١٥٩، ٢٤٠، والبخاري (كتاب الجهاد ٧١، ٧٤)، وابن ماجه (المناسك: ١٠٤) وفتح الباري ٧/ ٣٧٧، والروض الأنف ٢/ ١٢٦، والمغانم المطابة ص ١٠.
(٣) ظ: عزَّ اسمه.
(٤) سورة الكهف: الآية ٧٧، وينظر: مجاز القرآن ١/ ٤١٠.
[ ٩٦ ]
ينظر إلى منزل فلان، ودورُنا تناظَر، وإذا أخذت في طريق كذا، فَنَظَر إليك الجَبَل، فَخُذْ يمينًا عنه. هذا كلّه قول أبي عبيد.
قال أبو محمد: والذي عندي في سَمْع الأرض وبَصَرِها، أنَّها أرادت: فتتبع بين أسماع الناس وأبصارهم. كأنَّها لا تباليهم إذا سمعوا باتباعها إيّاه وأبصروا ذلك. وجعلت السمع والبَصَر للأرض، تُريد ساكنِها، كما قال الله عزَ (١) وجلّ: ﴿واسْألِ القَرْيةَ﴾ (٢). أي: أهلها. والشاهدُ الذي استشهده أبو عبيد من قول رسول الله - ﷺ - في أُحُد: "جَبَلٌ يحبّنا ونحبّه". هو شاهدُ (٣) هذا التأويل. لأنَّه أراد: هذا جَبَلٌ يحبّنا أهلُهُ، وهم الأنصار، ونُحِبُّه، أي: نُحِبُّهم.
وذكر أصحاب (٤) الأخبار، أنَّ حَبَابة (٥) قيْنة يزيد غَنَّتْه:
لعمرك إنِي لا أحبُّ سَلْعا (٦)
وسَلْع (٧)، جَبَلٌ. [وَتَنَفَّسَت (٨)]، فقال: [لها (٩)]: أتُحبِّينَ أنْ أنقله
_________________
(١) ظ: ﵎.
(٢) سورة يوسف، الآية ٨٢، وينظر: المشكل ٢٠٢، ٢١٠، والصناعتين: ١٣٥.
(٣) في الأصل: شاهدنا، و(نا) مقحمة من الناسخ.
(٤) عيون الاخبار ١/ ٨٦.
(٥) حبابة، من الجواري المغنيات، أخبارها كثيرة، تنظر في: الأغاني ١٣/ ١٤٨، أمالي الزجاجي ٧٤، البيان والتبيين ٢/ ١٢٣، والمعارف ٤٠٨، ويزيد، هذا هو يزيد بن عبد الملك الأموي. والخبر في: معجم البلدان ٣/ ٢٣٧، والمغانم المطابة ص ١٨٣.
(٦) هو: لقيس بن ذريح، وتمامة: لرؤيته ومن أكتاب سلع.
(٧) سلع، من جبال المدينة المنورة، وهو الآن واقع في داخل أحيائها، ينظر عنه: المغانم المطابة ص ١٨٣ - ١٨٥.
(٨) زيادة من: ظ.
(٩) سقط ت من: ظ.
[ ٩٧ ]
إليك حَجَرًا حجرًا؟ فقالت: إنِّي لم أُرِدْه وإنَّما أردْتُ أهله.
* * *
٢٨ - وقال أبو عبيد (١) في حديث النَّبي - ﷺ -، وذكر مكة فقال: "لا يُخْتَلى خَلَاها، ولَا تَحِلُّ لُقَطَتُها إلَّا لمُنْشِد".
قال أبو عبيد: المُنْشِد: المُعَرِّف. ويقال: أَنْشَدْتُ الضَّالّة إذا (٢) عرّفْتُها، وَنَشَدْتُها طَلَبْتُها.
قال: وقال عبد الرحمن بن مهدي: (٣) إنَّما معناه: لا تَحِلُّ لُقَطَتُها. كأنَّه يُريد البَتَّة. فقيل له إلَّا لمنْشِد. فقال: إلَّا لمنْشِد. وهو يريد المعنى الأول. قال: ومَذْهَبُهُ في هذا التفسير كالرجُل يقول: والله لا فعلْتُ كدا. ثم يقول: إنْ شاء الله، وهو لا يُريد الرجوع عن يمينه. ولكن (٤) لقن شيئًا فلقِنَه.
فمعناه: إنَّه ليس (٥) يحِلّ لملتقط منها إلَّا إنشادُها: فأمّا الانتفاع، فإنَّه لا يحِلّ.
_________________
(١) غريب الحديث ٢/ ١٣٢، وينظر: الفائق ١/ ٣٩٠، والنهاية ٥/ ٥٣، و٢/ ٧٥، والتاج ٩/ ٢٢٢ (ن/ ش/ د)، وسنن أبي داود ٢/ ٢١٢.
(٢) سقطت من: ظ. وقد أيّده ابن درستويه، قال: نشدت الضالة بغير إذا عرفتها. ينظر: تصحيح الفصيح ج ١/ ١٨٦، وتثقيف اللسان: ٣٤١. والكتاب ١/ ١٧٣، والشيرازيات (مخطوط، ق / ١٤ ب).
(٣) عبد الرحمن بن مهدي أبو سعيد البصري من الحفاظ المحدّثين، توفي سنة ١٩٨ هـ. ينظر: صفة الصفوة ٤/ ٢، تذكرة الحفاظ ١/ ٣٠١.
(٤) ظ: ولكنّه.
(٥) في الأصل: ليس للملتقط منها إلَّا.
[ ٩٨ ]
وقال غيره: المنْشِد: (١) الطالب. يعني ربّها. أي: لا تَحِل إلَّا له. فهذا أحسن في المعنى. ولكنَّه لا يجوز أنْ يقال (٢) للطالب مُنْشِد. [و(٣)] إنَّما المُنْشِد المُعَرِّف. والنّاشِدُ: الطَّالب (٤).
قال: وفيه قولٌ ثالث. أراد أنَّه إنْ لم ينشدها. أيّ: يُعرّفها لم يحلِّ له الانتفاع بها. فإذا أنشدها فلم يجئ الطالب لها حَلَّتْ له.
قال أبو عبيد: ووجْه الحديث عندي، ما قاله ابن مهدي. هذا كلّه قولُ أبي عبيد.
قال أبو محمد: ومعنى هذا الكلام سهْلٌ بيّن بحمد الله لا يحتاج فيه إلى تطَلُّب هذه الحِيَل البعيدة، إذا أنت جَعَلْتَ الْتِقَاط اللُّقَطَةِ أخْذَهَا من مكانها. ولم تجعلْة الانتفاع بها. كأنَّه أراد أنَّ لُقَطَة مكة لا تَحِلّ لِمُلْتَقِط. أي: لآخذ من موضعها، إلّا أنْ تكون نيّته إذا هو أخَذَها أنْ ينشدها أبدًا.
وَفَرْقٌ في هذا القول، بين لُقَطَة (٥) مكة ولُقَطة غيرها من البلاد، فإنْ كان لا يريد إنشادها، فليس له أنْ يُزيلها عن مكانها، ولا يتعرّض لها. لأنَّ صاحبها ربَّما ذكرها وذكر الموضع الذي ذَهَبَتْ منه، فعادَ
_________________
(١) ظ: لمنشد لطالب. وينظر: التاج ٩/ ٢٢٢، وتصحيح الفصيح ١/ ١٨٦.
(٢) في الأصل: نقول.
(٣) زيادة من: ظ.
(٤) في أفعال ابن القطاع ٣/ ٢٣٢، أنشدت الضالة، بالألف، ونشدتها، وفي التاج حكاية عن نوادر اللحياني: نشدت الضالة إذا طلبتها، وأنشدتها ونشدتها. بغير ألف. تاج العروس ٩/ ٢٢٢.
(٥) ينظر: جامع الأصول (فضائل مكة). وكتاب (لقطة الحاج) من الصحاح والسنن.
[ ٩٩ ]
فلم يجدها. فالواجِبُ (١) على مَنْ مرّ بلُقَطَة أنْ لا يَعْرِض لها، إلَّا أنْ يأخذها ليُعَرِّفَها.
* * *
٢٩ - وقال أبو عبيد (٢) في حديث النَّبي - ﷺ -: "لا تجوز شهادة خائن ولا خائنة، ولا ذي غِمْر على أخيه، (٣) [بينه وبينه ذَحْل] (٤). ولا ظَنين في ولاء ولا القانع مع أهل البيت لهم".
قال أبو عبيد: الظّنين في الولاء والقرابة: هو الذي يُتَّهَم بالدّعاوة (٥) إلى غير أبيه، أو المتولّي غير مَوَاليه.
هذا قولُ أبي عبيد.
قال أبو محمد: المنتسب إلى غير أبيه، والمتولّي غير مَواليه، ساقِط العدالة إذا تبيّن (٦) ذلك منه، وَعُلِم أنَّه يعْلَمه من نَفْسه وهو مقيم عليه. فإِما أنْ يُظَنّ به ذلك ويتّهم فيه (٧)، فلا (٨) أرى السِّتْر والعدالة يزولان عنه (٩) بالظنون بغير سَبَب مُوجِب. وليس الظّنين في
_________________
(١) ينظر كتاب اللقطة في كتب الحديث والفقه.
(٢) غريب الحديث ٢/ ١٥٣.
(٣) سقطت من: ظ، ولا توجد في غريب الحديث وينظر: الترمذي (كتاب الشهادات: ٢).
(٤) الذحل: (بفتح الذال المعجمة وسكون الحاء المهملة): العداوة ينظر: النهاية ٢/ ١٥٥؛ واللسان (ذ/ح/ ل).
(٥) ظ: في الدعاوة.
(٦) ظ: تيقن.
(٧) زيادة من: ظ.
(٨) ظ: ولا أرى.
(٩) زيادة من: ظ.
[ ١٠٠ ]
الولاء والقَرابة عندي إلَّا أنْ يكون الرجُل الشاهد قرابة للمشهود له، أو مَوْلى له، فيُظَن به المَيْل إليه بالقرابة أو بالولاء (١). لأنَّهما (٢) سَبَبان موجبان للمَيْل. ومما يشبه هذا قولُه: ولا القانع مع أهل البيت، وهو الرجُل يكون معهم وفي حاشيتهم، كالتّابع، والأجير. لأنَّ ذلك سَبَب يُوجِبُ المَيْل.
* * *
٣٠ - قال في حديث (٣) النَّبي - ﷺ -: "عائِدُ المريض على مَخارِفِ الجنَّة".
قال أبو عبيد: واحدُ المَخارِف: مَخْرَف وهي جَنْيُ النَّخْل.
قال: وإنَّما سُمّي مَخْرفًا لأنَّه يُخْتَرَفُ منه، أي: يُجْتَنى (٤).
قال: وأمّا قولُ عُمَر (٥): "تُركتم على مِثْل مَخْرفَة النَعَم". فليس من هذا في شيء. إنَّما أراد بالمَخْرفة، الطَّريق. هذا قول أبي عبيد.
قال أبو محمَّد: وقد تدبّرْتُ هذا التفسير فرأيْتُ (٦) فيه غلَطاٍ بيّنًا، لأنه ذكر أنَّ المَخْرَف، جَنْي النَّخْل. (٧) رطْبُه وثَمَرُه. وذلك مخروف الجنة.
_________________
(١) ظـ: وبالولاء.
(٢) في الأصل: لأنهم. وفي ظـ: لأنهما توجبان.
(٣) غريب الحديث ١/ ٨١ وتمامة: "حتى يرجع". وينظر: الفائق ١/ ٣٣٤؛ ومسند ابن حنبل ٥/ ٢٧٦؛ ٢٧٩؛ والنهاية ٢/ ٢٤. وفي جامع الأصول ٩/ ٥٣٢ " .. في مخرفة الجنة".
(٤) في الأصل: يجتني منه. والتصويب من: غريب الحديث، وظـ.
(٥) نقلًا عن الأصمعي، وهو في الفائق ١/ ٣٣٤؛ والنهاية ٢/ ٢٤.
(٦) ظـ: رأيته.
(٧) ينظر: اللسان: "خ/ ر/ ف". وغريب الحديث ٤/ ٤٩٩؛ وغريب ابن قتيبة ٢/ ٤؛ والفائق ١/ ٣٦٣؛ والتقفية: ٥٨٣.
[ ١٠١ ]
فأما المَخْرَفُ، فإِنَّه النَّخْل بعيْنه. والدَّليلُ على ذلك: ما ذكره في غير (١) هذا الحديث من قول. أبي طلحة (٢) للنَبي - ﷺ -: " (٣) إنَّ لي مَخْرَفًا، وإنّي أُريد أن أجعله صَدَقة" فقال: "اجْعَله في فُقَراء قَوْمك".
أراد: إنَّ لي نَخْلًا، وأراد النَبي - ﷺ - أنَّ عائِدَ المريض في بساتين الجنَّة. لأنَّه قد اسْتحقَّها بالعيادة، فهو صائِر (٤) إليها.
ولو جُعلت المَخارِف هَا هُنا أيضًا من مَخْرفة النَّعم، وهو الطّريق، لكان وجْهًا حسَنًا. كأنَّه قال: عائِدُ المريض على طريق الجنَّة. لأنَّ عيادته تُؤذي إلى الجنَّة فهو طريقٌ إليها (٥).
_________________
(١) سقطت من: ظـ، وبدونها لا يستقيم المعنى المطلوب.
(٢) النهاية ٢/ ٢٤.
(٣) ظ: إني. وهو في: النهاية ٢/ ٢٤.
(٤) ظـ: صاير لها.
(٥) منقول عنه في: النهاية ٢/ ٢٤.
[ ١٠٢ ]